هل يجوز أن أخذ قرضا وأنا أعيش في فرنسا من بعض البنوك الفرنسية من أجل سكن ؟ | أ.د. علي جمعة
- •العقود الفاسدة تُعتبر حلالاً مع غير المسلمين في ديارهم لأن بلادهم ليست محلاً لإقامة أحكام الإسلام وفق رأي الفقهاء الحنفية.
- •استدل الحنفية بعدة أدلة منها أن النبي ترك العباس يتعامل بالربا في مكة لست سنوات بعد إسلامه، ولم يمنعه إلا بعد فتح مكة وتحولها لدار إسلام.
- •الدليل الثاني مصارعة النبي لركانة المشرك على ثلث ماله، وهو عقد يشبه القمار لكنه جاز في دار غير المسلمين.
- •استدلوا أيضاً بمراهنة أبي بكر مع المشركين حول غلبة الروم بعد هزيمتهم، وهي عقد فاسد لكنه جاز في دار الكفر.
- •هذه الأحكام الفقهية تتيح للمسلم أخذ قرض للسكن في فرنسا أو أي دولة غير إسلامية، لأن نظامهم يقر هذه المعاملات.
- •على المسلم في بلاد غير المسلمين الالتزام بالأحكام الفقهية المناسبة دون اضطراب أو تردد.
حكم أخذ قرض عقاري في بلاد غير المسلمين كفرنسا
هل يجوز لي أن آخذ قرضًا وأنا في الديار الفرنسية من أجل سكن؟
نعم، العقارات في دول غير مسلمة حلال على ما كان من اتفاق. لماذا؟ لأن كل العقود الفاسدة حلال مع غير المسلمين في بلاد غير المسلمين، ما داموا أقرّوها عندهم.
يقول السرخسي: لأنها ليست محلًا لقيام أحكام الإسلام فيها. هي فرنسا تريد تطبيق الإسلام؟ لا تريد، انتهى. ماذا نريد؟ لديهم نظام، نسير مع هذا النظام؛ عقد فاسد، نأخذ العقد الفاسد ونعمله.
استدلال الحنفية بربا العباس في مكة قبل الفتح
فقلنا للسادة الحنفية: لديكم دليل؟ قالوا: ربا العباس في مكة، وقد أسلم [العباس رضي الله عنه] يوم بدر، فإن النبي ﷺ ظل يتركه إلى الفتح.
فلما تحولت مكة دار إسلام قال [النبي ﷺ]:
«إلا إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هذا، وأول ما أضع ربا العباس عمي»
يعني هو [النبي ﷺ] يعلم أن العباس يعمل في الربا، ويتركه يعمل في الربا من سنة اثنين [للهجرة] حتى فتح مكة، لا أعلم، سنة ثمانية، ست سنوات وهو يعمل في الربا. لماذا؟ لأنها دار غير المسلمين مع غير المسلمين، نظامهم هكذا.
الدليل الثاني مصارعة النبي لركانة على ثلث ماله
أليس هناك دليل آخر؟ قالوا لنا في ثمانية أدلة. الدليل الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم صارع ركانة على ثلث ماله. ركانة كان مصارعًا رومانيًا من المشركين.
وعندما كان [النبي ﷺ] قادمًا مرة، أراد المشركون أن يؤذوا النبي ﷺ، فقالوا [لركانة]: انتبه للرجل الذي هناك، اذهب إلى ذلك الذي اسمه محمد وتشاجر معه هكذا، تعارك معه واضربه ضربًا جيدًا. قال لهم: حسنًا، سأفعل.
فذهب وقال لسيدنا الرسول ﷺ: يا رسول الله ويا محمد، هل تصارعني؟ فالنبي ﷺ فهم أن هذا الشخص هو بلاء، يعني لم يغلبه أحد أبدًا؛ أولاد هذا المصارع الروماني تجده هكذا ضخمًا مثل عتبة الباب.
تفاصيل مصارعة النبي لركانة ثلاث مرات على ثلث ماله
قال له [النبي ﷺ]: على ثلث مالك يا ركانة، قال له [ركانة]: وهو كذلك، يعني سأضربك وبعد ذلك لن تأخذ شيئًا، وأنا سآخذ الجائزة الخاصة بالمشركين.
فالنبي عليه الصلاة والسلام أمسكه وأعطاه هكذا قليلًا، ولفه في الهواء فسقط متكومًا. فقال له [ركانة]: لا، لقد أخذتني على غرة، مرة ثانية. قال له [النبي ﷺ]: على ثلث مالك يا ركانة.
لو رأيت ذكاء [النبي ﷺ]! ثلث المال لأنه يضربه ثلاث مرات. فقام ركانة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قام بالحركة تلك وكومه. قال له [ركانة]: لماذا أخذتني على غرة أيضًا؟ حسنًا هي آخر مرة. قال له [النبي ﷺ]: على ثلث الملك الأخير.
استنباط الحنفية جواز العقود الفاسدة مع المشركين من مصارعة ركانة
قالوا: حسنًا يا جماعة الأحناف، أليس هذا قمارًا؟ سأفعل معك مباراة على مالك وعلى ثلث ملك، طيب أليس هذا قمارًا؟ ولكنه مع ذلك جاز مع المشرك في وقت ماذا؟ في مكان دار غير المسلمين.
فكل العقود الفاسدة [جائزة في دار غير المسلمين]؛ لأن دار غير المسلمين ليست محلًا لإقامة الإسلام فيها.
عملوا أيضًا هكذا، في الثالثة فركانة وهو في الأرض، قال له [ركانة]: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قال [النبي ﷺ]: ولك مالك يا ركانة، ما أخذ منه شيئًا. لكن العقد هذا من الأخلاق، هذا شيء آخر، لكن العقد يفهم منه الحنفية أنه جائز لهذا السبب.
مناحبة أبي بكر مع المشركين في قضية غلبت الروم
كذلك مناحبة أبي بكر [رضي الله عنه]، مناحبة أبي بكر التي هي المراهنة التي فعلها مع المشركين في قضية:
﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 2-4]
البضع من ثلاثة إلى تسعة. فقال لهم [أبو بكر]: بعد ثلاث سنين بالضبط الروم ستغلب، تراهنوننا؟ تراهنوننا؟ أي تناحبوننا. التناحب هو المراهنة، والمراهنة هذه حلال أم حرام؟ حرام، عقد فاسد.
تفاصيل رهان أبي بكر وتوجيه النبي له بزيادة المدة والرهان
فقال [أبو بكر رضي الله عنه]: أناحبكم على عشر من الإبل بعد ثلاث سنوات ستغلب الروم. وذهب إلى النبي ﷺ فقال له [النبي ﷺ]: زد في الرهان وزد في المدة؛ فالبضع يعني ما بين ثلاثة إلى تسعة، أنت ضيقت على نفسك، لماذا ثلاثة؟ اجعلهم تسعة واجعلها على مائة من الإبل؛ لأنه ليس من الممكن أن تتعدى البضع.
فرجع إليهم أبو بكر [رضي الله عنه]، قال لهم: ما رأيكم؟ نجعلها مائة وعلى تسع سنين. قالوا: لا، أفضل، طبعًا أفضل، فوافقوا.
فاستنبط الحنفية من هذا أن هذه المناحبة جائزة ما دامت في دار الكفار مع غير المسلمين، واستمروا يوردون الأدلة بهذا الشكل.
دعوة المسلم في بلاد غير المسلمين للأخذ بالأحكام الفقهية المعتبرة
وبعد ذلك هذا الذي طبعًا الناس لا تقرأه، ماذا نفعل إذن؟ فهذا [القرض الربوي] حرام، هذا [المسلم في فرنسا] يعمل، ما يذهب إذن؟ فهو ذاهب إلى فرنسا يتبختر فيها، وضاقت به الأرض، خلاص.
فليتخذ الأحكام الفقهية السارية [المعتبرة عند الحنفية وغيرهم]، ولا يجلس يقفز مضطربًا كحبة الفول في النار؛ لأنه لا يفهم شيئًا، أو لأنه يتبع الإخوان المجرمين.
