هل يجوز التبرع بلحم يعتقد حرمته وغيره يعتقد إباحته؟ | أ.د. علي جمعة
- •المسألة تتعلق بالتبرع باللحوم المختلف في حلها كلحم الخيل والزرافة، حيث يجوز للمعتقد حرمتها التبرع بها لمن يعتقد حلها.
- •لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المتفق عليه، والاحتياط ترك المختلف فيه، ومن ابتلي بشيء منه فليقلد من أجاز.
- •المجتهد المخطئ له أجر والمصيب له أجران، وهذا من تيسير الدين على المسلمين.
- •الحلال البين والحرام البين أمرهما واضح، وما بينهما شبهات يستحب تركها.
- •مثال ذلك قصة النبي الذي أعطى عمر قطعة حرير فأهداها عمر لأخ له مشرك.
- •المحرمات النجسة كالخمر لا يجوز إهداؤها لغير المسلمين بل تراق.
- •شارب الخمر يدخل النجاسة في جوفه وهذا أمر مقزز يضر بالجسد والروح.
- •النصيحة واجبة "فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين"، وليس علينا الهداية بل التذكير.
حكم التبرع بلحم يعتقد حرمته لمن يعتقد إباحته كلحم الخيل
يسأل سائل: هل يجوز التبرع بلحمٍ يعتقد حرمته وغيره يعتقد إباحته؟
يعني أنا وصلتني ذبيحة وأنا أعتقد أنها حرام، وهناك شخص جارنا يعتقد أن هذا النوع حلال. هذا مثل ماذا؟ مثل لحم الخيل مثلًا، فلحم الخيل يرى الشافعية أنه حلال، وغيرهم يرى أنه حرام.
فماذا نفعل إذن؟ هل الذي يعتقد أنه حرام يعطي هذا اللحم للذي يعتقد أنه حلال؟
نعم، يعطيه إياه للذين يعتقدون أنه حلال، والذين يعتقدون أنه حلال يأكلونه؛ لأنهم يعلمون أنه حلال، يعني لم يعتدوا ولم يتجرؤوا على شرع الله.
الخلاف الفقهي في حكم أكل لحم الزرافة بين الإباحة والتحريم
وهكذا في أشياء اختلفوا فيها، منها الزرافة. الزرافة المراقبة الطويلة هذه، اختلفوا فيها: هل هي حلال أم ليست حلالًا؟
بعضهم قال إنها حلال؛ لأنها تأكل النبات، وليس لها أنياب، ولا تأكل اللحوم ولا أي شيء آخر. وآخرون قالوا: لا، إن لحم الزرافة لم يرد، حيث كانت العرب تستقذره، يعني لم يرد أن العربي أكل زرافة.
وعلى ذلك لما تكون هناك زرافة ذبحناها، وفي أمانة الله يأتيك شخص ويقول لك هذا لحم زرافة. ما [حكم] الزرافة؟ تبحث في المذهب، ما هو مذهبك؟ فهناك من يقول إنه حلال، وهناك من يقول لا، هذا خطأ. فيكون الذي يقول حلال يأكل، والذي يقول حرام [لا يأكل].
سعة الدين في مسائل الاجتهاد وأجر المجتهد المخطئ والمصيب
انظر إلى سعة الدين! أي كأنك تتعامل [مع] ربنا! أنت تظن ما الذي أوصلك؟ ما ذلك المبلغ من العلم؟ شخص يأتي ويقول لي: لا، أنا أريد الحق الحقيقي عند الله يوم القيامة. إن شاء الله تسأله؛ لأن الله سبحانه وتعالى ختم النبوة، لو كانت النبوة استمرت لكنا نذهب ونسأل النبي الذي هو من عصرنا، لكن لا يوجد نبي في عصرنا.
فلا يوجد كلامٌ هكذا، ولا يوجد اتصالٌ مباشر بيني وبين ربنا. فماذا يبقى إذن؟ يبقى الاجتهاد.
وحسنًا، ومن أخطأ فله أجر، الله الله الله الله، من أخطأ فله أجر وليس عليه عقاب، له أجر يعني أن ربنا سيعطيه ثوابًا. وحسنًا، ومن أصاب فله أجران. حسنًا أنا أريد أن آخذ الأجرين، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قاعدة لا إنكار في المختلف فيه والاحتياط بترك ما فيه خلاف
إذن الأمر واضح، لا يُنكر المختلف فيه إنما يُنكر المتفق عليه، هكذا دائمًا.
حسنًا، لكنني أريد الثواب كله، قليل من الثواب هكذا هكذا، إذن ماذا أفعل؟ إذن احتط، لا تأكل. الآن أنت الذي تريد الثواب كله فلا تأكل، شيء فيه خلاف اتركه ولا تأكله، فتكون بذلك قد فعلت ماذا؟ الاحتياط.
ومن ابتُلي بشيء من ذلك فليقلّد من أجاز. الأمر سهل، ربنا مسهّله علينا، نحن الذين نصعّب على أنفسنا، لكن ربنا مسهّلها علينا.
قصة إهداء النبي قطعة الحرير لعمر وتوجيهه بعدم لبسها
ولذلك ترى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة جاءته قطعة حرير جميلة هكذا، هو حرير مثل الذي هو الحرير الأصلي، فأعطاها لعمر [رضي الله عنه].
قال له: خذ هذه. ظن عمر أن هذه هدية من النبي ﷺ ليلبسها، والحرير ممنوع على الرجال، فارتداها لأنها قطعة من الحرير.
لكن عندما لبسها سيدنا عمر ورآه النبي ﷺ مرتديًا إياها، قال له:
«هذه يلبسها من لا خلاق له»
أي من لا نصيب له في الآخرة. لماذا ترتديها يا عمر؟ قال له: يا رسول الله، ألست أنت من أعطاني إياها؟ أليس أنت من أهداني إياها؟ قال: لم أعطها لك لترتديها، اذهب إلى زوجتك وأعطها لها، اذهب هنا أو هناك، يعني ابحث لك عن حل.
إهداء عمر الحرير لأخيه المشرك وجواز إهداء الطاهر لغير المسلم
فأهداها عمر [رضي الله عنه] لأخ له مشرك. فذهب عمر وأعطاها لمن؟ لمشرك، للمفسد. من هو أخوه هذا؟ فأعطاها عمر لأخ له مشرك؛ لأن المشرك ليس همه أن يلبس حريرًا أو لا يلبس حريرًا، انتهى الأمر.
أما أنت أيها المسلم الذي تحرِّم الحرير على الرجال وتحله للسيدات، فلا يصح عليك أن تلبس هذه القطعة.
حسنًا، هل يجوز أن أهديها له؟ نعم، يجوز أن تهديها له. إذن انظر الآن كلام العلماء: إذا كانت [الهدية] طاهرة [جاز إهداؤها]، إذا كانت طاهرة.
حكم الخمر النجسة وعدم جواز إهدائها أو بيعها لأحد
وإذا كانت [الهدية] نجسة فلا يصلح [إهداؤها]. شخص قادم من بلاد أجنبية ومعه زجاجة ويسكي معتبرة وغالية وجيدة، يعني بسعر كذا. هذا الويسكي ما هو؟ إنه خمر والعياذ بالله.
nعم، وماذا يعني ذلك؟ يعني أنه نجس. هذا الويسكي نجس ومقزز، يعني شيء مقزز.
فهل يجوز لي أن أعطيها للواحد يهودي مثلًا جارنا؟ واليهود عندهم يشربون طوال عمرهم هذا الويسكي حتى يصبحوا مخمورين تمامًا. أذهب وأعطيها له هدية مثلما فعل سيدنا عمر [رضي الله عنه] عندما أعطى الحرير؟ لكن الويسكي نجس، فلا يجوز أن أعطيها لهذا ولا أعطيها لذاك، ولا أبيعها أيضًا.
وجوب إراقة الخمر وعدم الاحتفاظ بها لأنها تمنع دخول الملائكة
إذن ما الذي يمكنني فعله بها؟ آخذها وألقيها في المجاري، المياه، اسكبها هكذا.
حسنًا أليست خسارة؟ لا ليست خسارة، الخسارة أن تبقيها عندك؛ لأنك تحتفظ بنجاسة والعياذ بالله تعالى، تمنع من دخول الملائكة. الله، هذا الويسكي سيئ جدًا هكذا.
نعم، إذن الذين يشربونها كيف حالهم؟ حالهم سيئ مع الله، حالهم أنهم يُدخلون النجاسة داخل أجوافهم، ولذلك لا يُستجاب لهم دعاؤهم. يكون إذن هذا الأمر مقزز.
التذكير بخطورة شرب الخمر والنصيحة بتركها لأنها نجاسة
ولذلك هم - يا عيني - الذين يشربون هذه الأشياء القذرة غير منتبهين، غير منتبهين أنهم يشربون نجاسة يُدخلونها في أجوافهم. هذا القرف الذي يعيشون فيه وهم غير منتبهين له.
ما النصيحة لنا إذن؟
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
هذا ما أمرنا به ربنا سبحانه وتعالى. نور قلبه سيستمع للكلام وسيرى فيه شيئًا يجذب النور الذي في قلبه، ويترك هذا الكلام. والآخر سيضحك هكذا بما يسمونها ضحكة مصطنعة، أي الضحكة السخيفة، ويقول ويحرك يده هكذا، خلاص.
وجوب النصيحة وبيان أن الخمر نجاسة تفقد صاحبها أمرين شرعياً وطبيعياً
الهداية تربي عند فقد المربي، يعني ماذا سنفعل؟ ليس لك من الأمر شيء، فيجب عليك أنك أنت تنصح وتقول:
الحقيقة أن الخمر نجسة، والذي يستهين بتناول النجاسات فقد خسر أمرين:
- فقد أمرًا شرعيًا بفعله الحرام.
- وفقد أمرًا طبيعيًا بسماحه للنجاسة بالدخول إلى جسده.
إنها أمر مقزز، هذه هي الخمر وأنواعها.
