هل يجوز الذهاب إلى السينما؟ | أ.د علي جمعة
- •يجوز مشاهدة الأفلام شرط التمتع بنظرة نقدية مستمدة من نهج النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية الحياة وتقييمها.
- •كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى الخير حتى في غير المسلمين كحاتم الطائي وابن جدعان، مع تمييزه بين القيم الإيجابية والسلبية.
- •عند مشاهدة الأفلام ينبغي البحث عن القيم الإيجابية والمعاني النافعة مع تجاوز المحرمات والمنكرات.
- •النظرة النقدية أفضل من التحريم المطلق، فالنبي لم يمنع المسلمين من دخول الكعبة رغم وجود الأصنام فيها.
- •العلاقة بين العالِم والناس ينبغي أن تكون قائمة على الحب لا على الخوف والترهيب.
- •مدخل الحب أفضل من مدخل الخوف في التعامل مع الدين والحياة.
- •علينا أن نعيش حياتنا وفق مبادئنا ودين نبينا مع الاحتفاظ بنظرة إيجابية.
- •يجب قراءة السيرة النبوية قراءة واعية للاقتداء بالنبي وفهم منهجه في التعامل مع الحياة.
حكم مشاهدة الأفلام السينمائية وضرورة النظرة النقدية
يرسل [السائل] ويقول: أنا أحب السينما حبًا كبيرًا، وأحاول اختيار أفلامًا محترمة، يعني تحتوي على فكرة، فيها فكرة ولها قيمة، فهل يجوز النظر إلى الأفلام؟
السؤال هكذا. نعم، يجوز النظر إلى الأفلام، ولكن يجب عليك أن تتمتع بنفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الحياة وتصنيفها ونقدها.
لا تأتي لتسألني هذا السؤال ونفسيتك خالية من هذه النظرة النقدية. كيف كان ينظر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين؟ كيف كان ينظر إلى الأصنام في الكعبة؟ كيف كان ينظر إلى الملاهي التي توجد في ليالي مكة؟ كيف كان ينظر وهكذا.
يبقى نريد أن نقرأ السيرة لكي نرى النظرة النقدية، لكي نرى ماذا نفعل وعندما نشاهد بأي عين نشاهد وكيف.
دعاء الصالحين وموقف النبي من رؤية الخير في الآخرين
لم يكن [النبي صلى الله عليه وسلم] يدعونا إلى شهوات الدنيا، ومن دعاء الصالحين الذين فهموا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول:
«اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»
وهو يشاهد، يشاهد الخير الموجود أمامه، على المعاني الكامنة وراء المشاهدات. فيخبرنا صلى الله عليه وسلم أنه كان مسرورًا جدًا من حاتم الطائي الكافر المشرك.
خذ هذا الجزء الغريب: المتكبر، حاتم كان متكبرًا بكرمه. فلما جاءت سفانة ابنة حاتم قال [لها رسول الله صلى الله عليه وسلم]:
«إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها»
هكذا يقول لنا ويعلمنا.
قصة سفانة بنت حاتم وبيان أن العمل لغير الله لا ينفع في الآخرة
لكنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفانة بنت حاتم، ماذا قال لها؟
«إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»
تسأل سفانة: أهو في الجنة يا رسول الله؟ قال:
«لا، إنما كان يفعل ذلك لسمعة يتسمعها»
مجد، كبرياء، علامة تجارية، اسم. هكذا هو الأمر الذي هو: إنما كان يفعل ذلك لسمعة يتسمعها.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يرى ناسًا، إنما كان يرى فيهم الخير، يرى فيهم جزء الخير إن وُجد خيرًا فلا مانع، يرى الخير.
قصة عبد الله بن جدعان وإعجاب النبي بكرمه رغم شركه
إن وُجد خير [في الناس فلا مانع أن نراه]؛ عبد الله بن جدعان من كرماء العرب، كان يضيف الحجيج بمكة. فكان [النبي صلى الله عليه وسلم] كلما ذُكر [ابن جدعان] أمامه فتبسم ورجع بذكرياته هكذا.
فقالت عائشة [رضي الله عنها]: كلما ذُكر ابن جدعان تبسمت! قال: كان عنده قصعة يصعد إليها بالسلالم، يثرد فيها الثريد، يفت فيها الفتة؛ أي أرز وخبز ومرق وقطع من اللحم، يضيف الحجاج في مكة، حجاج مكة، يطعمهم كلهم.
الكرم هذا وما هذه النفقة! سُرَّ منه كثيرًا [النبي صلى الله عليه وسلم]. ابن جدعان وتحدث عنه كثيرًا في دار الندوة وفي حلف الفضول، والى آخره.
الجنة أمرها لله وعلينا أن نأخذ القيم الحسنة من الجميع
بعد ذلك هل هو في الجنة؟ ما شأننا بالجنة، هذه الجنة في الآخرة خاصة بربنا، هي ليست خاصتنا نحن. ما شأننا نحن، نحن لنا علاقتنا في الدنيا.
نرى ابن جدعان والصور الخاصة به وهو مشرك، مشرك وثني، ونأخذ منها الشيء هكذا نصفيها، ونأخذها كقيمة: قيمة الكرم، قيمة الحب.
ولا نسد على المشركين بما فيهم، لا:
قال رسول الله ﷺ: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»
أي يكون [النبي صلى الله عليه وسلم] ينظر إلى المعاني، ينظر إلى المعاني.
كيفية مشاهدة الأفلام بنظرة نقدية واستخلاص الرسائل القيمية منها
تشاهد الفيلم هكذا: في مساخر، في عري، في محرمات، في حرام، صورة للحرام. يعني لا يوجد فيلم مصري لا توجد فيه خمور أبدًا، خذها مني هكذا، فلا يوجد فيلم مصري لا توجد فيه خمور.
لكنني أتجاوز هذا الكلام وأنا أعرف أن الخمر حرام وهذا الكلام. هذه المفاسد ما فائدتها إذن؟ ماذا يريد المؤلف أن يقول؟
يريد أن يقول لك إن الشر لا ينفع، لا والله كثر خيره. يريد أن يقول إن طريق الانحراف يؤدي إلى البلاء وضياع الدنيا، لا، حسنًا. يريد أن يقول إن الإدمان يدمر الشعوب، لا، نحن معه. يريد أن يقول إن الكرم يبقى إلى سبعة أجيال، نعم والله هذا كلام جميل.
استخلاص القيم الأخلاقية من الأفلام والتعامل مع المحرمات فيها
يريد أن يقول إن الأمم إنما هي الأخلاق وما بقيت، فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا، لا، هذا جيد وحسن. يريد أن يقول لي إن العنف ضد المرأة ليس من مكارم الأخلاق، ونحن معه في ذلك.
فنحن نقول هذا الكلام. يريد أن يقول إن الإرهاب ليس له أرجل، ونحن معه أيضًا، فنحن طوال النهار نجلس ونقول إن الإرهاب ليس له أرجل، نحن معه في هذا الجانب.
وماذا عن بقية الحياة؟ نحن لسنا معه. نحن نقول الخمر حرام والمنكرات حرام وما لا نعرفه حرام، وكل المحرم نقول عنه حرام.
لكن الذي أمامك هذا ماذا تقول عنه؟ تقول إنك تبحث عن الخير فيه.
تعليم الأولاد النظرة النقدية بدلاً من التحريم المطلق كمنهج نبوي
أنا ليست لدي هذه القدرة [على استخلاص الخير من الأفلام]؟ لا تشاهد. وأنت تشاهد أو تُشاهد أولادك، علمهم النظرة النقدية، ليست تحريمًا لهم؛ لأنهم سيذهبون ليروه، فرأوه وليس هناك فائدة.
لأننا ونحن في مكة، لم يحرم النبي [صلى الله عليه وسلم] الناس من البيت [الحرام] لأن فيه ثلاثمائة وستين صنمًا. ليست هذه هي الطريقة النبوية.
الطريقة النبوية أننا ندخل ونصلي في الحرم والثلاثمائة والستون صنمًا [موجودة]. هكذا ستسجد أمامها؟ صنم! أنا أسجد لله، والصورة الخارجية هذه ستتغير إن شاء الله.
وهكذا: يا رب اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون.
قراءة نقدية لسداسية نجيب محفوظ وشخصية الفتى كمال
اليوم توجد مساخر، وغدًا لن تكون هناك مساخر. حاول أن تبحث وأنت هناك.
في سداسية نجيب محفوظ رحمه الله، من هو الفتى كمال؟ من هو هذا الفتى كمال الصغير؟ هو نجيب [محفوظ] يحكي عن مشاهداته، إنه يعطيها بعض الدراما، لكن هذا الفتى كمال، هذا هو كمال الصغير، وهو نجيب محفوظ.
فالرجل راجع: السيد عبد الجواد، ويقابله سيدنا الشيخ. من هو سيدنا الشيخ هذا؟ إنه ممثل الديانة. ومن هو السيد عبد الجواد؟ إنه الرجل الذي نسي نفسه.
علاقة الحب بين العالم والشعب في رواية نجيب محفوظ
قال [الشيخ] له: أين كنت يا سيد عبد الجواد؟ قال له: أنا عائد من سهرة. إذا لم يخف من الشيخ فلن يعلق له المشنقة.
يتكلمون رجلًا لرجل أنه عائد من سهرة سيئة ملعونة مليئة بالانحراف والفساد وغير ذلك إلى آخره. لكن هذا لم يمنعه من أن يقول للشيخ.
هذه العلاقة، ما هي؟ علاقة حب، علاقة أن سيدنا الشيخ لا يعلق المشانق لأحد، ليس هذا النوع الذي ظهر بعد ذلك ويقول له: هيا نضرب بالجنازير من لا يصلي ومن هو فاتح فيديو والذي يفعل والذي يترك، ما هذا؟!
سنة ألف وتسعمائة وعشرين حيث توافر العلماء، كانت هذه علاقة العالم بالشعب، علاقة حب.
مشهد الولد عند مقام سيدنا الحسين ودعاؤه على أبيه السيد عبد الجواد
قال [الشيخ] له: يا سيد عبد الجواد، تكون في سهرة تغضب الله وتترك ابنك عند سيدنا الحسين يدعو، الولد أحسن منك يا سيد عبد الجواد!
فذهب السيد عبد الجواد ودخل إلى مقام سيدنا الحسين ووقف وراء الولد وهو يقول لسيدنا الحسين: أيرضيك هكذا يا سيدنا الحسين؟ أمي تأتي لزيارتك فتنكسر رجلاها، وأبي يغضبها ويذهبها عند أمها ويتركها، أيرضيك أنت هكذا يا سيدنا؟
الحسين [رضي الله عنه]، السيد عبد الجواد على الدوام في ذهنه حاضر وجاهز. قال له: ياه! أنت عزيز جدًا هكذا عند سيدنا الحسين.
التحذير من هدم العلاقة بالأولياء والصالحين بدعوى الشرك
لأجل أن يقابلني الرجل ويقول لي ويدفعني لأن أدخل [إلى مقام سيدنا الحسين]. كل هذه الأشياء ضُربت، ضربوها لنا: احذر أن تزور سيدنا الحسين، احذر أن تقول له، لئلا يهدمكم الشرك.
يعني نحن الآن مشركين!؟ مع الله برسوله وآل بيته وأوليائه الصالحين والعلماء المفكرين، ما هذه المصيبة؟
نحن نقول لهم: ادعوا لنا ربنا فربنا يستجيب. فسيدنا الحسين عندما جاء الولد ودعا ربنا في الملأ الأعلى، هل سيحدث شيء؟ ها هو قد أحضر له السيد عبد الجواد وجهًا لوجه.
قراءة الفيلم بعين ناقدة واستخلاص قيم الأسرة والحب والحنان
هكذا تقرأ الفيلم، هكذا ترى العلاقة بين العالِم وبين الشعب، ترى العلاقة والعقيدة الراسخة عند الطفل الصغير.
ماذا يفعل إذن؟ لقد وضع الكيروسين في القهوة للسيدة الضيفة، ووضع ملحًا زائدًا في الطعام للسيد عبد الجواد. ماذا كان نصيبه؟ أنه نال الضرب وعُلِّق في الفلكة.
فذهب إلى سيدنا الحسين: غاية الآمال يا سيدنا الحسين، هذا ليس وضعًا مناسبًا، إننا نأتي إليك لزيارتك وقراءة الفاتحة لك والدعاء لك، وهكذا تقوم بفعل هذا بنا وتتركنا في حالنا مع هذا الرجل السيئ؟
فيرق قلب السيد عبد الجواد ويأخذ الولد ويذهب ليحضر أمه. حب وحنان وأسرة التي يُراد الآن تفكيكها.
أخذ الخير من الأفلام وتجنب المحرمات فيها اقتداءً بالنبي
إذن نأخذ الخير من هنا، والراقصة التي توجد في الفيلم وَجِّه وجهك إلى الناحية الأخرى، لا تنظر إليها ولا تركز معها. هذه هي القصة.
لأننا في زمن لن ينفع فيه إلا أن نقلد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعل. وعندما كان في مكة أو عندما كان في المدينة أولًا، أو عندما كان الصحابة في الحبشة؛ كانت لهم وضعية مختلفة عما كانت عليه عندما كان الصحابة في المدينة أخيرًا.
حين خرج اليهود منها وأصبحت خالية من المشركين وغيرهم، ولم يبق إلا المنافقون الذين أجاز الله له قتلهم، فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: لا يُقال أن محمدًا يقتل أصحابه.
فهم السيرة النبوية طريق لفهم الحياة ولذة العبادة والذكر
نريد أن نفهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي نفهم كيف نعيش. إذا فهمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سنفهم كيف نعيش.
وعندما نذكر ربنا سيكون للذكر لذة، وعندما نعبد ربنا ستكون للعبادة لذة، وعندما نرى ما حولنا وننتقي منه الخير سيكون لذلك لذة.
الخوف أساس البلاء والإيمان مشتق من الأمن
نقطة ثانية متصلة بما نقول وهي أن الناس خائفة، والخوف أساس البلاء كله.
وربنا جعل الإيمان من الأمن، من مادة «أمن». وماذا جعل منها؟ الإيمان!
الناس خائفة من بعضها، الدول خائفة من بعضها، الإنسان خائف من نفسه وخائف من الغد وخائف من الناس وخائف من الله وخائف وهكذا.
هذا المدخل يجعل الناس قلقة.
الدخول من جانب الحب لا الخوف أساس الطمأنينة في الحياة
ادخل من جانب الحب واحمل عليه الخوف، ولا تدخل من جانب الخوف وتحمل عليه أي شيء؛ لأنه لن يتحمل.
ادخل من جانب الحب، فإذا دخلت من جانب الحب ستنفتح لك الدنيا، وستشعر بطمأنينة، وستتلذذ بحياتك، وستصبح شيئًا آخر.
فلا تستخدم مدخل الخوف يا إخواننا، اجعلوه مدخل الحب: أحبب حياتك، أحبب عملك، أحبب دينك، أحبب عبادتك، أحبب جارك، أحبب أهلك، أحبب ربنا، أحبب رسوله، أحبب أحبب أحبب.
كن محبًا قويًا، أحبب كل شيء، أحبب هذه الدنيا لأنها من خلقه، من خلقة الله، لماذا تكرهها؟
عش حياتك بمبادئك ودينك واقرأ السيرة النبوية قراءة واعية
أحبب سيدنا النبي لأنه بلّغ عن الله، أحبب ربنا لأنه أغدق عليك النعمة، أغدق عليك الفضل.
عش حياتك ولكن عشها بمبادئك، عش حياتك بدينك، عش حياتك بنهج نبيك صلى الله عليه وسلم.
ولذلك دائمًا أقول يا جماعة: لازم تقرأوا السيرة قراءة واعية، تقرأوا السيرة قراءة واعية بحثًا عن كيف كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يراها.
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
