هو الظاهر | الحكم العطائية | حـ 16 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

هو الظاهر | الحكم العطائية | حـ 16 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • الله سبحانه وتعالى هو الظاهر والباطن والأول والآخر، وهو أظهر من الدليل والبرهان.
  • يقرر ابن عطاء الله السكندري أن الله ليس محجوباً، بل العبد هو المحجوب عن رؤية آثار رحمة الله وحكمته في الكون.
  • على الإنسان أن يتجاوز الحجب بالتخلي عن صور الأكوان في قلبه والشهوات والغفلات حتى يتمكن من معرفة الله.
  • كرر ابن عطاء تساؤله: كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء وظهر في كل شيء وقبل كل شيء؟
  • يطرح ابن عطاء إشكالية العلاقة بين القديم والحادث: كيف يظهر الوجود في العدم أو كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟
  • الكون في حالة عدم لأنه نشأ من عدم ويؤول إلى عدم وبقاؤه يحتاج إلى غيره.
  • من رحمة الله أنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، لأن تجليه للإنسان يؤدي إلى هلاكه كما حدث مع الجبل عندما طلب موسى رؤية الله.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الحلقة والتذكير بأن الله ظاهر لا يحتاج إلى دليل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات الحِكَم العطائية.

تقرر أن الله سبحانه وتعالى هو الظاهر وهو الباطن، وهو الأول وهو الآخر، وأنه سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه أظهر من الدليل وأظهر من البرهان.

قد يحتاج بعض الناس الذين انطبعت مرآة قلوبهم بالأكوان وانقطعوا عن حضرة الله بالشهوات والغفلات إلى إقامة الدليل، لكن تقرر عند أصحاب الفطر السليمة أن الله سبحانه وتعالى ظاهر في كل شيء، وأنه أظهر من هذه الأكوان وأظهر من الدليل.

حكمة ابن عطاء الله في أن الحجاب على العبد لا على الله

في الحكمة التي معنا اليوم من حكم سيدي ابن عطاء الله السكندري، يقرر حقيقة أن الله ليس بمحجوب، بل إن العبد هو الذي حُجِب. وأن الحجب التي بين العبد وبين القدرة على رؤية الله في كل شيء — باعتبار رؤية آثار رحمة الله، وباعتبار رؤية حكمة الله في هذه الأكوان، وباعتبار قدرته سبحانه وتعالى التي لا يخطئها نظر ناظر — فإن الحجب التي بين الإنسان وبين الله لم تجعل ربنا سبحانه وتعالى محجوبًا، ولا يمكن أن يكون محجوبًا.

بل المحجوب هو أنت أيها الإنسان، وعليك أنت أن تحاول أن تتجاوز الحجب، وعليك أنت أن تحاول أن تصل إلى الله، وعليك أنت أن تحاول أن تتبرأ وأن تتخلى عن صور الأكوان في قلبك حتى يشرق، وعن الشهوات حتى تُحَلَّ قيودك وما كُبِّلْتَ به، وعن الغفلات حتى تغتسل من جنابتك، ثم بعد ذلك تفتح قلبك لدقائق الأسرار حتى تعلم عن الله.

ابن عطاء الله يؤكد أن البداية الصحيحة هي اليقظة من الغفلة

يؤكد ابن عطاء [الله السكندري] أن هذا هو البداية الصحيحة، وهي قضية اليقظة؛ ينبغي عليك أيها الغافل أن تتيقظ. ولذلك فهو يتكلم عن قضية الحجاب وهذه الحقيقة، بعد ما تكلم عن قضية إشراق القلب وعن غير ذلك من المعاني الجليلة.

نص حكمة ابن عطاء الله: كيف يُتصور أن يحجبه شيء بتسع تقريرات

يقول ابن عطاء [الله السكندري]: كيف يُتصور أن يحجبه شيء؟ وهذا السؤال تكرر كثيرًا، تكرر أكثر — يعني — نحو تسع مرات، أي كرره تسع مرات:

  1. كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟
  2. كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟
  3. وهو الذي ظهر لكل شيء.
  4. وهو الظاهر قبل وجود كل شيء.
  5. وهو أظهر من كل شيء.
  6. وهو الواحد الذي ليس معه شيء.
  7. وهو أقرب إليك من كل شيء.
  8. ولولاه ما كان وجود كل شيء.

تسعة، وهو يصدرها بقوله: كيف يُتصور أن يحجبه شيء؟ ثم يكمل بالسؤال الآخر أو بالتقرير الآخر: وهو الذي أظهر كل شيء، ظهر بكل شيء، ظهر في كل شيء، ظهر لكل شيء، قبل وجود كل شيء، أظهر — أو هو أظهر — سبحانه وتعالى من كل شيء، وهو الواحد الذي ليس معه شيء، وهو أقرب إليك من كل شيء، ولولاه ما كان وجود كل شيء.

يا عجباً كيف يظهر الوجود في العدم والعلاقة بين القديم والحادث

يا عجبًا كيف يظهر الوجود في العدم؟ أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القِدَم؟

وهذه إجابة على العلاقة بين القديم والحادث، وهو الأمر الذي حيّر الفلاسفة، وهو الأمر الذي اختلفت فيه الأنظار فاختلفوا في عقائدهم وأديانهم. أي أن الستة مليارات الموجودين الآن على وجه الأرض مختلفون في هذه القضية ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم. هذه القضية قضية مهمة: العلاقة بين القديم والحادث.

التقرير الأول: هذا الكون عدم لأنه من عدم وإلى العدم يصير

التقرير الأول: هذا الكون عدم؛ لأنه من عدم وإلى العدم يصير. هو من العدم، وهذا نلاحظه كل يوم؛ لأننا نجد تغييرًا مستمرًا في الكون: شجرة تنبت وشجرة تموت، إنسان يولد وإنسان يموت، شخص يكبر وشخص يمرض. وهناك متغيرات، والمتغيرات معناها أن لها بداية ولها نهاية، وما دامت لها بداية ولها نهاية فهي حادثة، وما دامت حادثة فهي أتت من العدم.

يعني ابن ابن ابن ابني، أين هو الآن؟ حفيد حفيد، لا وجود له، وقد يوجد وقد لا يوجد. ولذلك، أين جد جد جد جدي هو الآن؟ ليس موجودًا وقد كان موجودًا. إذن نحن في حالة حدوث، نحن في حالة تغير.

كيف يظهر القديم الباقي في هذا الكون الحادث الفاني

وما دمنا كذلك، فكيف يظهر في هذا العدم القديمُ؟ الباقي الذي لا أول له ولا آخر له وهو قائم بنفسه، كيف لا يمكن أن يظهر بذاته القديمة سبحانه وتعالى في العدم؟

وهنا إجابة عن سؤال يخطر في بال كثير من الناس، خاصة الشباب في سن المراهقة، ويقولون: لِمَ لا نرى الله؟ ولِمَ لا نخاطبه ويخاطبنا؟ ولِمَ لا يكون هناك رفعٌ للحجاب بيننا وبينه؟

الإجابة أنك في حالة العدم وهو في حالة البقاء المطلق، والبقاء المطلق لا يمكن أن يظهر في العدم.

حقيقة أن الكون عدم وأنه حجاب يحجب عن الإنسان معرفة الإله

قضية أننا في العدم هي هذه التي لا يريد أن يقتنع بها كثير من الناس. كيف هذا عدم وهو موجود هكذا؟ نعم، ولذلك كان حجابًا يحجب حقيقة الإله ويحجب عنك حقيقة الواقع ويحجب عنك الأمر كله.

هذا عدم؛ لأنه نشأ من عدم، ولأنه يؤول إلى انعدام، ولأن بقاءه يحتاج إلى غيره وإلا عدم. إذن فهو عدم حقيقي وعدم رأينا آثاره.

ولذلك يا عجبًا كيف يظهر الوجود في العدم؟ الله سبحانه وتعالى موجود وجودًا حقيقيًا مستقلًا مستمرًا، وهذا الكون لا يمكن أن يحل فيه الله، ولا يمكن أن يتحد معه الله، ولا يمكن أن يأتي جزء من الله جل جلال الله. الله ليس مجزأً في هذا الكون كما تدعي بعض الأديان وبعض الفلاسفة وغيرهم.

تجلي الله للجبل وعجز الحادث عن تحمل وصف القِدَم

يا عجبًا كيف يظهر الوجود في العدم! هذا هو مربط الفرس كما يقولون. أو كيف يُثبَت الحادث مع مَن له وصف القِدَم؟

الله سبحانه وتعالى إذا تجلى لك هلكتَ، كما تجلى للجبل فلم يستقر مكانه حين طلب موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال:

﴿رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143]

فلم يرَه، ولم يستطع الجبل الذي تجلى ربنا له أن يصمد، فتفتت وأصبح كأنه رمل، وخرَّ موسى صعقًا من منظر الجبل، وليس لأنه استطاع أن يرى الله سبحانه وتعالى.

رحمة الله في أنه لا تدركه الأبصار وختام الحلقة

أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القِدَم؟ الحادث مثل الجبل أو الإنسان إذا تجلى له الله سبحانه وتعالى فإنه يهلك لا محالة.

ومن هنا كانت من رحمة ربنا سبحانه أن كان بهذه الصفة:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.