وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة جـ 2 | المبشرات | حـ 19 | أ.د علي جمعة
- •كلمة "ترهبون" في القرآن وردت بصورة إيجابية وليست بمعنى الإرهاب السلبي المعاصر.
- •الترجمة الصحيحة لكلمة "تيروريزم" هي "الإرجاف" وليس "الإرهاب"، فالإرهاب في القرآن يعني قوة الردع التي تمنع الحرب.
- •المرجفون في المدينة عُطفوا على المنافقين ومرضى القلوب في القرآن، وحكمهم القتل تقتيلاً.
- •رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين رغم أن الله أباح له ذلك، قائلاً: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه".
- •جيل النصر الموعود ينبغي أن يحرر نفسه من الإرجاف ويفهم الدين بشروطه.
- •الشريعة تُطبق بحسب توفر شروطها، فعند فقد الشروط لا يعد ذلك خروجاً عن الشريعة.
- •الإعداد للقوة يُرهب الأعداء ويمنع الحرب ويدعو للسلام.
- •الشورى من الصفات النفسية الربانية الاجتماعية لجيل النصر، وتتطلب المسؤولية والمشاركة والتداول.
مقدمة الحلقة والحديث عن صفات جيل النصر وموضوع الإعداد
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: كنا تحدثنا يا مولانا في الحلقة الماضية، ونحن ما زلنا نتحدث في حلقات المبشرات عن صفات جيل النصر، ذلك جيل النصر الموعود والمنشود، وكنا قد وصلنا إلى حلقة الإعداد، وكنت في النهاية فضيلتك تقول لنا عن:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
الفرق بين كلمة ترهبون في القرآن ومفهوم الإرهاب المعاصر
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
هذه الكلمة:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
جاءت في القرآن الكريم في أغلب مواضعها وربما في كلها بصورة إيجابية وليست بصورة سلبية؛ ولذلك فقد وقع من ترجم كلمة "تيروريزم" إلى الإرهاب باللغة العربية في خطأ فني، لكن هكذا شأن الترجمات دائمًا أنها لا تعبر عن المفهوم الكامل في اللغة التي نشأت فيها الكلمة.
فهي [كلمة الإرهاب] نشأت هناك [أي نشأت في اللغة الإنجليزية]، والإرهاب هو فرض الرأي بالعنف والقوة والقهر وما إلى ذلك، وهذا المعنى لا يوجد في كلمة ترهبون هنا [في العربية].
معنى ترهبون في القرآن قوة ردع تمنع الحرب وتحقق السلام
[الشيخ]: فهي [كلمة ترهبون] هنا تمنع الحرب، وليست تؤدي إلى الحرب؛ لأن العدو إذا سمع أن لدينا قوة ردع فخافها فارتدع، فقوة الردع تعني أنها ردعته عن العدوان، فإننا نمتنع عن الحرب حينئذٍ.
[المذيع]: أي:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ﴾ [الأنفال: 60]
ترهبون أي تخيفونهم أنهم يبدؤوا الحرب عليكم، قوة ردع، تعبير جميل، ما شاء الله.
[الشيخ]: قوة الردع تؤدي إلى عدم الحرب فتؤدي إلى عدم سفك الدماء. قوة الردع تؤدي إلى السلام.
ورود كلمة رهب في القرآن بمعانٍ إيجابية كالخشية والعبادة
[الشيخ]:
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90]
فأيضًا كلمة رهب هنا جميلة لأنهم يخشون الله، ومن يخشى الله لا يسفك الدماء.
﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: 27]
وقصَّ علينا قصة ابنيْ آدم. إذن:
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90]
كلام إيجابي جميل وليس فيه شيء من السلبية.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾ [الحديد: 27]
فهذه الرهبانية عملوها لأنهم يريدون عبادة الله في خلواتهم والانقطاع لهذه العبادة، فهي إذن أمر جيد.
الرهبة ليست من الإرهاب والإرجاف هو الكلمة المناسبة للتيروريزم
[المذيع]: أي أن الرهبة ليست من الإرهاب.
[الشيخ]: ليست من الإرهاب. فالرهبانية والرَّهَب وترهبون كلها معانٍ جيدة في الاستعمال القرآني، فانتقال هذه الكلمة القبيحة "التيروريزم" إلى اللغة العربية في معنى الإرهاب ليس مناسبًا، وكان أنسب لها أن نسميها الإرجاف.
[المذيع]: الإرجاف أو الإجرام.
[الشيخ]: "تيروريزم" هو الإرجاف، وكلمة الإرجاف لها ورود في القرآن في سورة الأحزاب، ولها معنى ولها حكم، وهو فعلًا معنى فيه نوع من أنواع القبح والنهي وما تأباه النفوس، بخلاف ترهبون فإن النفوس تتطلع لأن يُرهَب العدو وأن نرهب الله وأن يحدث فيه نوع من أنواع الانقطاع للعبادة مع الله والإخلاص له، أي أن النفوس تتطلع لهذا لكنها لا تتطلع لأن تكون مرجفة.
آية المرجفين في سورة الأحزاب وحكمهم الشديد في القرآن الكريم
[المذيع]:
﴿وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب: 60]
في المدينة.
[الشيخ]: يقول الله في سورة الأحزاب:
﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61]
ما هذا! ما هذا! لقد عطفهم على المنافقين وعلى مرضى القلوب، جعلهم ملعونين، جعلهم منبوذين، وجعل حكمهم القتل تقتيلًا.
سنة النبي في التعامل مع المنافقين والمرجفين وعدم قتلهم
[الشيخ]: وبالطبع عندما نراجع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد أباح الله له هذا [قتل المنافقين والمرجفين]، وجدناه يعلمنا كيفية التفكير المستقيم وكيفية السياسة الشرعية، فإذ به لم يقتل أحدًا من هؤلاء ويقول [صلى الله عليه وسلم]:
«لا يتكلم الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»
[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.
[الشيخ]: ما هذا الجمال! فالقرآن قال له: أنت يمكنك قتل هؤلاء الجماعة [المنافقين والمرجفين] وذلك بأمر من الله، ولكنه قال: لا، لن أقتلهم. ولابد لمن يعزلون أنفسهم عن السيرة وعن السنة أن يعلموا ما ذكرناه، فسيدنا رسول الله هو أسوتنا الحسنة.
[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.
مواقف النبي مع المنافقين بين الصبر والعفو وإكرام عبد الله بن أبي
[الشيخ]: سيدنا رسول الله كانت له مواقف في حياته لا بد أن نتمثلها مرة أخرى إذا ما أردنا أن نكون من جيل النصر الموعود والمنشود.
وكل هذه المعاني الجميلة التي تقولها: سيدنا رسول الله لم يقتل هؤلاء [المنافقين]، إنما صبر عليهم، فمنهم من تاب، ومنهم من لم يتب، ومنهم من مات على نفاقه. وحتى هذا الذي مات على نفاقه أكرمه لأجل من هو حي من أبنائه، كما فعل مع عبد الله بن أُبيّ بن سلول.
[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.
[الشيخ]: فقد أعطاه شَمْلَته [صلى الله عليه وسلم] (عباءته)، العباءة التي له، وصلى عليه.
عطف النبي على أمته واستغفاره للمنافقين رغم نهي القرآن
[الشيخ]: ومن عطفه [صلى الله عليه وسلم] على أمته وهو الذي يقول:
«أنا منكم مثل الوالد للولد»
وربنا يقول:
﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]
وهذا جعله يقول ماذا صلى الله عليه وسلم؟ إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، قال: لو علمت أنه يغفر فوق السبعين لفعلت.
[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.
صلاة النبي على رأس النفاق ونزول النهي الإلهي عن الصلاة على المنافقين
[الشيخ]: ثم يأتي [صلى الله عليه وسلم] رغم ذلك ويصلي على عبد الله بن أُبيّ بن سلول.
[المذيع]: رأس النفاق.
[الشيخ]: فلما يصلي عليه، ينزل قوله تعالى:
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِٓ﴾ [التوبة: 84]
[المذيع]: ما دام أتى النهي فالأمر لله.
[الشيخ]: إذن فالأمر لله. سنة رسول الله في التعامل مع هؤلاء [المنافقين]، وهذا كان في عهد رسول الله الذي أُخبر بالنفاق لهؤلاء وأُوحي له بهم.
وجوب الصلاة على الموتى وعدم الامتناع عنها اقتداءً بسنة النبي
[الشيخ]: لكن في عصورنا لا نستطيع الوصول إلى هذا [معرفة المنافقين بالوحي]، ولذلك نفعل سنة رسول الله بالصلاة عليهم. ليس الآن نسمع أن ناسًا قد امتنعت عن الصلاة على شخص لأن أحدهم قد أخبرهم أنه كان يغني أو كان يستمع إلى الأغاني.
هؤلاء لم يقرؤوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعيشوا هذه السيرة العطرة في حياتهم، فنحن علينا أن نعيش رسول الله في حياتنا.
[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.
زواج النبي بخديجة وعدم تعدده حفاظًا على مشاعرها وأسرته
[الشيخ]: سيدنا رسول الله عندما كان قد تزوج خديجة لم يتزوج معها أبدًا. لماذا؟ حتى لا يكسر بخاطرها. ولماذا؟ لأنها أم أولاده.
[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.
[الشيخ]: وذلك لأن هناك أسرة قائمة فهو لا يرضى أن يتزوج ثانية، لأن الثانية هذه ضرة فعلًا، وسماها العرب ضرة لأنها تضر الأولى.
أباح الله لنا التعدد بشروطه، فيأتي الشيخ الشعراني ويقول: ومما منَّ الله به عليَّ أنني لا أكسر خاطر زوجتي فأتزوج عليها. هناك فرق بين المباح [وبين الأفضل].
[المذيع]: رغم أنه من حقه أن يعدد ولكنه لا يريد أن يكسر خاطرها.
التعدد في حياة النبي بين وجود الأسرة والأولاد وبين أغراض الدولة
[الشيخ]: أن يعدد وذلك بنص القرآن:
﴿فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ [النساء: 3]
وبين أن يتلمس الإنسان سنة رسول الله وكيف كان يعيش في أسرته. فلما كانت هناك أسرة وأولاد لم يكن هناك تعدد، ولما كانت هناك دولة وليس هناك أولاد أصبح هناك تعدد لغرض يهدف إليه التعدد أو يخدمه التعدد.
فأنا أريد فقط أن نعود فنقول أنه علينا دائمًا أن نعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.
الدعوة لاستبدال كلمة الإرهاب بالإرجاف في وسائل الإعلام العربية والغربية
[الشيخ]: فالإرهاب كلمة رديئة، والإرجاف هي الكلمة المناسبة في اعتقادي، وكم دعوت كثيرًا أن ما شاع في وسائل الإذاعة والتلفزيون والصحافة والإعلام من كلمة إرهاب يجب أن نتخلى عنها، لكنهم دائمًا يتكلمون عنها: الإرهاب، الإرهاب، الإرهاب... إلخ.
فبدأت أنقل هذا الكلام للغرب وأتكلم مع الغربيين في أن استعمالكم كلمة الإرهاب هو في الحقيقة يؤدي إلى تأييد للمرجفين، فبدأ الناس ينتبهون إلى ما أدعو إليه، وبدأت أبحاث الآن في الصحافة الأمريكية والبريطانية للبحث عن كلمات أخرى غير كلمة إرهاب.
ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لأن تُزال كلمة إرهاب هذه ويُوضع في مقابلها -للدلالة على المعنى القبيح من الدم الذي يجري في الطرقات- الإرجاف.
فاصل الحلقة والعودة للحديث عن استخدام لفظ الإرهاب عند المرجفين
[المذيع]: لنتحدث عن الفرق بين ترهبون وبين الإرجاف بعد الفاصل يا مولانا.
[الشيخ]: إن شاء الله.
[المذيع]: فاصل، ونعود إليكم فابقوا معنا.
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
يا مولانا كنت فضيلتكم في نهاية الفاصل للجزء الأول تقول لنا أن فضيلتك تحدثت مع الغربيين عن استخدام لفظ آخر غير الإرهاب، لأنني أعتقد أن الإرهابي أو المرجف يعتبر نفسه أنه بذلك يرهب عدو الله، فإذا كنت إرهابيًا، فهذا يُعَدّ فخرًا لي، أليس كذلك يا مولانا؟
خطورة استخدام لفظ الإرهاب لأنه يُعد مدحًا في الجذر العربي
[الشيخ]: طبعًا، هناك من قال:
[المذيع]: نحن إرهابيون نرهب العدو.
[الشيخ]: نحن إرهابيون لأن الله أمرنا أن نرهب عدو الله ونحن نرهب عدو الله إلى آخر ما هنالك.
[المذيع]: ويعتبرها صفة مدح.
[الشيخ]: وكأنها صفة مدح وهي فعلًا تدل على المدح في جذرها العربي، لكن ليس بمعنى [ما يحدث الآن من]:
[المذيع]: ما يحدث الآن.
[الشيخ]: سيول التدمير والتخريب والتفجير. [فكلمة إرهاب] ليست بهذا المعنى، إنما هذا المعنى معنى قبيح يوافقه الحرابة والبغي وهكذا، فلها معانٍ دقيقة قد لا تتواءم مع الإرجاف، إنما الإرجاف هي كلمة دقيقة.
جيل النصر يجب أن يتحرر من الإرجاف ويفهم الدين بشروطه الصحيحة
[الشيخ]: ولذلك جيل النصر الموعود والمنشود ينبغي أن يحرر نفسه من الإرجاف حتى يدخل في البشرى، وينبغي أن يفهم الدين بشروطه التي أرادها الله سبحانه وتعالى.
عند فقد الشروط يجب علينا أن نفهم أن هذا ليس خروجًا عن الشريعة بل هو تطبيق للشريعة؛ فمثلًا عندما أفقد الماء أرشدني الشرع الشريف إلى التيمم، وأنا عندما أتيمم عند فقد الماء لا أرتكب معصية، إنما أنا أنفذ شرع الله.
إيقاف سيدنا عمر للحدود في عام الرمادة تطبيقًا للشرع لا تعطيلًا له
[الشيخ]: وسيدنا عمر في عام الرمادة لما فُقدت شروط الحد وشاعت الشبهة وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من هذا العام، أوقف الحدود. فهل أوقف الحدود أي تعطيلًا؟ لا، أوقف الحدود تنفيذًا للشرع؛ أوقف الحدود تنفيذًا للشرع لأنها فقدت:
[المذيع]: شروط.
[الشيخ]: شرطًا من الشروط التي أقرها الشرع.
وأيضًا سيدنا عمر عندما وجد أن المحل قد ذهب في المؤلفة قلوبهم أوقف العطاء ولم يعطهم شيئًا وقال: قد أعز الله الإسلام. سيدنا عمر لم يلغِ أبدًا حكمًا شرعيًا، ولو عاد المؤلفة قلوبهم الآن إلى الوجود لاستحقوا الزكاة.
حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة لدفع شرهم وحفظ الأمة من الفتنة
[المذيع]: إذا عاد إلى الوجود الاحتياج للمؤلفة.
[الشيخ]: للمؤلفة قلوبهم هؤلاء.
[المذيع]: نُعطيهم من...
[الشيخ]: نعطيهم من الزكاة لكي نتقي شرهم، ولكي يسكتوا ولا يتكلموا بسوء عن الإسلام والمسلمين ويثيروا فتنة.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 192]
فإذا قلنا لأحدهم [المؤلفة قلوبهم]: اسكت، لماذا تفعل ذلك؟ قال: لكي آكل.
[المذيع]: اطعم الفم تستحي العين [أي: أكرم الشخص بما يشتهيه ليتغاضى عن العيوب ويكف عن معارضتك وينزل إلى حكمك].
[الشيخ]: حسنًا، خذ واسكت ويأخذ من الزكاة.
أثر ذهاب المحل في الحكم الشرعي وانتهاء الرق كمثال على ذلك
[الشيخ]: فإذن ذهاب هذا المحل معناه أنه ذهب الشرط. فمثلًا عندما اتفق البشر على رفع الرق، بالفعل انتهى الرق. وإذا سأل أحدٌ: كيف أكفّر بعتق رقبة؟ نقول: الحمد لله لم تعد هناك رقاب.
فعندما أقول: لم يعد هناك رقاب، الحمدُ لله، فأنا بذلك أحمد الله لأنه خلَّصَنا مِنَ الرِّقِّ. لماذا؟ لأنَّ اللهَ عندما جاءَ الشرعُ الشريفُ سدَّ مواردَ الرِّقِّ إلا الحربَ، وسدَّ مواردَ ذلك إلا بإذنِ الإمامِ، أي إذا كانَ هناك تبادُل أسرى أو كانَ هناك فداء أو كانَ هناك مَنّ أو ما شابه ذلك.
تشوف الشرع إلى العتق وفروع الفقهاء الغريبة المبنية على ذلك
[الشيخ]: وسدَّ كلَّ الطُرُقِ ثمَّ فتَحَ العتق حتى قال العلماء في كل أبوابهم: والشرع يتشوف إلى العتق.
وبناءً على تشوفه للعتق عملوا فروعًا كثيرة غريبة عجيبة خلاف القياس وخلاف الأمر المطرد. لماذا؟ لأن الشرع يتشوف إلى العتق.
فمن أمثلة ذلك: عندما أقول أنني أملك أبي أو قد امتلكته الآن، فيقال لي أنه لا يجوز للإنسان أن يمتلك أباه أو ابنه، فأقول ولكنني اشتريته، وتبين أنه أبي، فيقال لي: إذن يدخل في ذمتك لحظة دقيقة جدًا (أقل من ثانية) ويصح البيع حتى يَعتَق عليك.
حيلة الفقهاء في إدخال العبد في الملك لحظة لتحقيق العتق تشوفًا للحرية
[الشيخ]: فأقول: حسنًا، فلأعيده للصاحب الأول وأقول له لأن هذا...
[المذيع]: فلأقول له: إذا لم يصح لي أن أشتريه فلأعيده إلى صاحبه، فيقول: لا، فأقول: إذن أشتريه ثم يُعتَق.
[الشيخ]: لأن هذا عقد باطل، لأنه اتضح أن فيه ما يؤدي إلى بطلانه، مثل أنني مثلًا تزوجت امرأة وبعد ذلك تبين أنها أختي.
[المذيع]: أختي في الرضاعة مثلًا.
[الشيخ]: فإن العقد لم ينعقد لأنها أختي فلا يصح ذلك. فكذلك هنا العقد لم ينعقد، فقال لي أحدهم: لا، بل انعقد. قلت له: حسنًا، وبخصوص [عقد زواجي] بأختي أيضًا انعقد ثم طُلِقَت؟ قال لي: لا، هذا لم ينعقد، وليس لنا شأن به.
لكن فيما يخص العتق فالشرع يتشوف إلى العتق ولذلك نصنع حيلة وهي أننا سندخله عندك للحظة حتى يعتق عليك وتضطر لأن يصبح حرًا رغمًا عنك حتى لو لم ترد.
[المذيع]: سأنفذ عملية البيع كي أقول بعد ذلك بأن هذا الأب قد تم عتقه لأن ابنه قد اشتراه، ولن أرجعه ثانية إلى سيده الذي يملكه.
أثر ذهاب المحل في الأحكام الشرعية كالخلافة والرق والذهب والفضة
[الشيخ]: وكل هذا لماذا؟ لأن الشرع يتشوف إلى العتق. إذن فهناك أشياء ذهبت؛ الخلافة ذهبت، والرق ذهب، والذهب والفضة ذهبت، وأشياءً أخرى لا داعي لذكرها.
وهذا معروف في أصول الفقه: أثر ذهاب المحل في الحكم. فإذا قُطِعَت يد فقد انتهى الأمر، فكيف يتوضأ؟ وهكذا.
وجوب الإعداد الشامل والتوكل على الله لتحقيق السلام ومواجهة الأعداء
[الشيخ]: فالحاصل أننا في عصرنا هذا ينبغي علينا أن نتوكل على الله حق توكل في الإعداد:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ [الأنفال: 60]
أي: في المستقبل، وبذلك تمنعون الدم وتمنعون أيضًا الحرب وتكونون إذن داعين إلى السلام.
﴿عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: 60]
آخرين هم من نسميهم الآن في أدبيات العصر الحديث يقال لهم الطابور الخامس ويطلق عليهم أيضًا العملاء والجستابو -والجستابو هم المخابرات الخاصة بألمانيا النازية- ولهم أسماء أخرى، وهؤلاء الناس ينخرون في الأمة من داخلها.
بناء القوة الشاملة في العلم والصحة والبحث العلمي لتحقيق الردع الحقيقي
[الشيخ]: وكما رأي الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله، يقول: حصوننا مهددة من داخلنا.
فعندما يجدنا [العدو] أقوياء، وأقوياء في ماذا؟ في كل شيء، في العلم، وفي البحث العلمي وهكذا. ليست المؤسف أنّ ثلاثين أو أربعين في المائة منها أمّي، كلا، نحن يجب أن نقضي على البطالة وعلى الأمية ونرعى الصحة وتكون أمة قوية ونرعى البحث العلمي ونرعى الفنون والآداب والرياضة.
وبذلك تصبح أمة قوية يُرهَب منها حتى من كان في الداخل وقلبه ليس معنا.
[المذيع]: يخاف منا لقوتنا.
[الشيخ]: يخاف منا لأن البشر هكذا دائمًا يذهبون إلى القوي ويحتمون بمن معه السلطة والسلطان.
الشورى كصفة من صفات جيل النصر وأهميتها في القرآن الكريم
[المذيع]: حسنًا، هنا يا مولانا كنت في الحلقات الماضية قد أخبرتنا عن التوكل في الآية القرآنية:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]
فقد تحدثنا يا مولانا عن التوكل وتحدثنا عن الإعداد، ونريد أن نرى موضوع الشورى والمشاورة كصفة من صفات جيل النصر الموعود.
[الشيخ]: ربنا سبحانه وتعالى يقول: وأمرهم شورى بينهم، وهناك يقول:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]
فإذن الشورى كما وردت في القرآن في هذين الموضعين من الصفات النفسية الربانية الاجتماعية، وما دام هناك شورى فيكون هناك جماعة فيكون ذلك اجتماعيًا.
حكمة الشورى في تلاقح العقول وتعدد النظرات للوصول إلى الرأي الأسدّ
[الشيخ]: وهذا من عند الله، فهو الذي جعل الأمر هكذا: أن عقلًا واحدًا ليس كعقول كثيرة، وأن لكل عين نظرتها، فعندما تتلاقح الفهوم والعقول وتتعدد النظرات، نخرج برأي أسَدّ وأشد.
[المذيع]: أسَدّ وأشد من السديد، وليس أسدًا بمعنى اللاين [الأسد الحيوان].
[الشيخ]: ولذلك نرى الحُباب بن المنذر مثلًا وهو ينصح رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنازل.
[المذيع]: في غزوة بدر.
[الشيخ]: في بدر، نجده يقول يعني: هذا منزل أنزلكه الله؟
[المذيع]: لا نتقدم ولا نتأخر.
[الشيخ]: سلمان الفارسي وهو يقترح علينا الخندق الذي كان سببًا لنصرة المسلمين.
أركان الاجتماع القوي الثلاثة المسؤولية والمشاركة والتداول
[الشيخ]: فالمشاورة في الأمر تفعل أشياءً كثيرة جدًا في المجتمع. وبعد تجربة البشرية الطويلة لخصوا العناصر الثلاثة التي بها العدالة الاجتماعية والاجتماع البشري في ثلاثة أمور:
- أن يكون هناك مسؤولية.
- وأن يكون هناك مشاركة.
- وأن يكون هناك تداول.
وإذا توفرت هذه الثلاثة فقد توفرت أركان الاجتماع القوي.
ختام الحلقة والوعد باستكمال الحوار عن صفات جيل النصر المنشود
[المذيع]: يمكننا يا مولانا أن نؤجل المسؤولية والمشاركة والتداول إلى الحلقة القادمة إن شاء الله، ونحن نستكمل الحوار عن مواصفات جيل النصر المنشود. نحن نتعب حضرتك معنا، وبارك الله في حضرتك ويزيدك علمًا يا مولانا.
[الشيخ]: أبدًا، أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام الأستاذ علي جمعة على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله. نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في حفظ الله ورعايته.
