وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة | المبشرات | حـ 18 | أ.د علي جمعة - المبشرات

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة | المبشرات | حـ 18 | أ.د علي جمعة

23 دقيقة
  • الجهاد في الإسلام يشمل دوائر متعددة وليس مقتصراً على القتال، فهناك الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس الذي يشمل حياة الإنسان كلها وجميع المكلفين.
  • جهاد النفس سمي أكبر لأنه يستمر طوال العمر ويشمل الأمة كلها، بينما الجهاد الأصغر (القتال) محدود بزمن الحرب وبالمقاتلين فقط.
  • القرآن قيّد القتال بضوابط منها قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا".
  • القتال لا يستلزم القتل، فقد تنتهي المعركة دون إراقة دماء، وإذا جنح العدو للسلم وجب الاستجابة.
  • الإعداد في قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" يشمل القوة النفسية والمعنوية والاقتصادية والعسكرية والمجتمعية.
  • إعداد الإنسان قبل السلاح، فالإنسان قبل البنيان، والساجد قبل المساجد.
  • التربية على القيم الإسلامية وطاعة الله ورسوله ضرورية لإعداد المجاهد الحقيقي.
  • "ترهبون به عدو الله وعدوكم" تشير إلى مفهوم الردع.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن التوكل على الله وربطه بالإعداد والاستعداد

[المذيع]: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

تحدثنا في الحلقة الماضية عن التوكل على الله، وكنا ما زال هناك بعض الكلمات عن التوكل ونربطها بالإعداد والاستعداد إن شاء الله. تفضل يا مولانا، تحدثنا عن التوكل، وكنا نريد أن نربط صفات جيل النصر بالاستعداد للقتال:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أنا لا أريد أن أختزل الجهاد الذي أمرنا الله به في قضية الصدام والقتال مع أعدائنا حيثما اعتدوا علينا، إنما أريد أن أفهم الجهاد في سبيل الله والتوكل على الله سبحانه وتعالى فيه بكل دوائره.

حديث الجهاد الأكبر وجهاد النفس وشموله لجميع المكلفين

وعلينا أن ننظر إلى ما أخرجه البيهقي في [الزهد] وهو يقول عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، ألا وهو جهاد النفس»

سُمِّيَ جهاد النفس جهادًا أكبر لأنه يشمل حياة الإنسان كلها، ولأنه يشمل كل المكلفين سواء من الذكور أو من الإناث، من الأقوياء أو من الضعفاء، ممن قاتل وممن لم يقاتل.

في حين أن الجهاد الأصغر خاص بوقت الحرب فقط؛ ففي الزمن هو أصغر من الجهاد الأكبر الذي يشمل العمر كله، وهو أيضًا من ناحية الأشخاص يشمل المقاتلين فقط، في حين أن الجهاد الأكبر يشمل الأمة كلها.

وجوب فهم الجهاد الأكبر ورأي ابن تيمية في العلاقة بين الجهادين

ولذلك يجب علينا أن نفهم مفهوم الجهاد الأكبر، وأن نفهم أن له مفهومًا روحيًا، وأن هذا الجهاد الأكبر لا يُنكَر ولا يُكَرّ بالبطلان، ولا يُنحّي الجهاد الأصغر أيضًا.

بل إن الجهاد الأصغر هذا فيه - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - جهاد أكبر. كان شيخ الإسلام ابن تيمية لا يعرف هذا الحديث مرفوعًا، فكان يقول: إن هذا الجهاد الأصغر يشتمل على الجهاد الأكبر؛ لأن الإنسان يجود فيه بنفسه، وهذا نوع من أنواع جهاد النفس.

نعم، وهذا كلام صحيح. إذن الجهاد الأصغر يعني أصغر في الزمن، يعني أصغر في عدد المنتمين إليه من المقاتلين؛ لأن الأمة كلها لا تقاتل، إنما الذي يقاتل نفر من الأمة يقومون بفرض الكفاية في صد العدوان ورد الطغيان ورفع الطغيان.

الجهاد في القرآن الكريم يشمل بناء النفس والأمة والمجتمع

الجهاد:

﴿وَجَـٰهَدُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 218]

﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]

الجهاد يكون أيضًا في بناء النفس وبناء الأمة وبناء المجتمع، وفي تنمية هذا وذاك جهاد، والاستمرار عليه جهاد.

«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّت»

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

تعدد صور الجهاد في الإسلام من جهاد النفس إلى حج المرأة وكلمة الحق

جهاد رقم ثلاثة: عندما تحدث [النبي ﷺ] عن حج المرأة وسماه أنه جهاد، وقال:

«وجهاد المرأة حجها»

فكان حج المرأة جهادًا. وقال:

«كلمة حق عند سلطان جائر»

وجعلها من الجهاد:

«خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»

إذن هناك جهاد نفس، وجهاد قتال، وجهاد حج، وجهاد أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ورقابة ومسؤولية تقوم بها الأمة. كل هذا جهاد.

[المذيع]: جميل ما شاء الله.

[الشيخ]: فجيل النصر الموعود ليس هو جيل نصر قاصر في ميدان الوغى، وما أكثر البؤر التي استُدرج فيها المسلمون واعتُدي على أوطانهم في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان وفي غيرها في العصر الحاضر وليس في الماضي.

الحاجة إلى الجهاد بصد العدوان وأن النصر دوائر متعددة لا تقتصر على القتال

وما أشد حاجتنا إلى الجهاد بصد العدوان ورفع الطغيان في القتال في [سبيل] الله، الذين يقاتلوننا، الذين أخرجونا من ديارنا، الذين يعتدون على نسائنا وأعراضنا وأموالنا وأطفالنا وهويتنا وخصوصيتنا وديننا. فهذا أمر مُسَلَّم به.

لكنه ليس هو الوحيد، بل هو دائرة من الدوائر المتعددة، معنى من معانٍ كثيرة، كلها مرتبطة بالإنسان. ومعروف عندنا في دين الإسلام أن الإنسان قبل البنيان، قبل البنيان، وأنها قدَّمتُ الساجد على المساجد.

ما شاء الله، فإذن الإنسان وبناء الإنسان وجهاد الإنسان هو الأساس، وهو معنى قولنا قبل ذلك وبعد ذلك: جيل النصر المنشود.

النصر المنشود يشمل النصر على النفس وعمارة الدنيا والعبادة وتزكية النفس

النصر على أنفسنا حتى تستقيم لنا أحوالنا، والنصر في عمارة الدنيا، والنصر في عبادة الله، والنصر في تزكية النفس، والنصر أيضًا على الأعداء في ميدان الوغى. كل ذلك نرجو نصر الله وتأييد الله ودفع الله لنا ودفعنا بالناس ودفع الناس لنا.

وهكذا فينبغي علينا أن نركز في هذا حتى لا ينحصر الذهن - كما ينحصر الآن في كثير من الشباب وكثير من التيارات - القول بالصدام فقط، والقول بالجهاد بمعناه الضيق الذي هو القتال في سبيل الله من الذين يقاتلوننا والذين أخرجونا من ديارنا فقط.

بل إن هذا يأتي في ظل بناء الإنسان، وفي ظل هذا الإنسان الذي فتح نفسه على التوكل على الله من ناحية، وعلى أمة الدعوة التي هي كل البشر من ناحية أخرى.

إعداد القوة يبدأ بإعداد الإنسان والساجد قبل المساجد وحامل السلاح قبل السلاح

جميل أن يرى فيها مبتغاه وأنها هي محل دعوته ومحل لكلمة الله سبحانه وتعالى.

[المذيع]: يعني إذا يا مولانا، فضيلتك أوضحت لنا أن إعداد القوة ليس فقط أن نحضّر سلاحًا، أعِدّ النشء، يعني أعِدّ الإنسان قبل البنيان، والإنسان قبل البنيان، والساجد قبل المساجد.

[الشيخ]: نعم، جميل. وحامل السلاح قبل السلاح.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: السيف يحتاج يدًا تحمله.

[المذيع]: طبعًا.

[الشيخ]: وإلا فلا فائدة. ولذلك هذه اليد التي تحمل يمكن أن تحمل سيفًا وأن تحمل قلمًا، والقلم أحد لسانين.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: والقلم أحد السلاحين.

[المذيع]: ما هو القلم؟

[الشيخ]: هذا يُبلّغ وله قوة.

«إنّ من البيان لسحرًا» كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

﴿نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1-2]

هذا أقسم الله به، وأقسام القرآن تحتاج إلى أن نعيش معها.

علاقة التوكل بالإعداد وأن الجهاد له معانٍ واسعة لا تُختزل في القتال

[المذيع]: الجهاد له علاقة بالتوكل، ما شاء الله. سؤالك في أول الحلقة سؤال مهم، يقول: ما علاقة التوكل بالإعداد؟

[الشيخ]: فأردت أن أبيّن أن الجهاد له معانٍ واسعة ومتعددة، وليست مقصورة كما يتبادر الآن - أو يُراد أن يتبادر إلى الذهن - معنىً واحد، وهو اختزال الجهاد في القتال.

[المذيع]: جميل ما شاء الله.

[الشيخ]: لأنه يتلو عملية ثانية وهي اختزال القتال في القتل.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يذهب ليقتل!

[المذيع]: أجل.

[الشيخ]: ويقع في الخوارج حقًا، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:

«من خرج على أمتي يقتلها، لا يفرق بين مؤمنها وفاجرها، فهو في النار»

خطورة اختزال الجهاد في القتال واختزال القتال في قتل الأبرياء

لا إله إلا الله، ثم يضع قنابل هنا وهناك، ما هذا يا بني؟ هذا قتل! هو يسميه قتالًا وجهادًا. وبعد ذلك يسمي القتال جهادًا، فاختزل الجهاد في القتال، واختزل القتال في القتل، قتل الأبرياء.

فبدلًا من أن يوجه وجهه للجنة، وجّهها للنار. وهذا ما نحذرهم منه ونكرر التحذير ولا نملّ؛ لأننا نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر، ونقول لهم:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]

وجوب قراءة أحكام الجهاد كاملة وعدم اختزالها وخطورة الاختزال على الإسلام

اتقوا الله ولا تكونوا ممن قد أخذ بعض الكتاب وترك بعضًا، بل اقرؤوا المسألة كلها في الجهاد. ما دام الله سبحانه وتعالى جعله كذلك فلا تختزل، وما دام القتال له شروطه وله مبادئه ومنتهاه وجعل الله له أحكامًا فلا تختزلوا.

فأنت تختزل الجهاد في القتال، وتختزل القتال في القتل، ثم بعد ذلك لا ينتج عملك إلا الشر وإلا التدمير وإلا التفجير، وإلا هذه الأمور تكرّ على دين الإسلام بالسوء لا بالحسن كما أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون.

[المذيع]: إذن يا مولانا، حفظك الله وبارك فيك، لقد وضحت لنا أن الجهاد دوائر متعددة وليس فقط قتالًا، حتى لا ينتج عنه قتل الأبرياء. سنخرج للفاصل ثم نعود لنستكمل الحوار مع فضيلتكم. فاصل نعود إليكم، فابقوا معنا.

العودة من الفاصل وسؤال عن تقسيم العلماء للإعداد وعلاقته بالتربية والطاعة

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، حلقة من حلقات المبشرات، برنامج مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. نتحدث عن الجهاد وأن الجهاد له دوائر، وعن الإعداد، إعداد القوة لهذا الجهاد.

تفضل يا مولانا، كنا نريد أن نتساءل يا مولانا، كان بعض العلماء قسموا الإعداد يكمن في أن الإنسان يُنشأ أو يُربى على حب الله وحب الرسول وطاعة الله والرسول وطاعة أولي الأمر، ثم إن صلاة الجماعة تعوّد على الطاعة، وبالتالي عندما ندخل في الجهاد وفي القتال يكون هناك نوع من أنواع التعبئة، أو إذا جاز التعبير تعبئة استراتيجية إسلامية، ما رأي فضيلتكم في ذلك؟

[الشيخ]: هيا بنا نتأمل آيتين من الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى، ونعيش معها، وليس فقط أن نقرأ رسمها ولا أن نقف عند ألفاظها، بل أن نتصور حدوثها.

[المذيع]: نتعايش معها، نتصور حدوثها ونعيشها.

[الشيخ]: جميل ما شاء الله.

تأمل آية القتال في سبيل الله والفرق بين القتال والقتل

الأولى:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

أي أنه لم يقل: اقتل القاتل. فالقتال لا يلزم منه القتل، لا يلزم منه القتل.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: لأنني يمكنني أن أقاتل وأكسر له سيفه فيُسلم، ويمكن هو عندما يُسلم أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: ويمكن أن تنتهي الحرب دون قتال، كما حدث في الهزيمة وكل شيء دون قتال، لكن يكون قد قاتلنا.

[المذيع]: نعم، ولكن دون قتل أو قتال أو سفك دماء.

[الشيخ]: نهائيًا، بدون سفك دماء.

غزوة بني المصطلق نموذج للانتصار دون سفك دماء بعنصر المفاجأة

«وغار [النبي ﷺ] على بني المصطلق وهم غارّون»

يعني قبض عليهم جميعًا كما هم، فلم يحدث شيء. اسمها غزوة.

[المذيع]: نعم، عنصر المفاجأة.

[الشيخ]: فلم يستطع أحد أن يلحقه، لم يستطع أحد أن يلحقه من شيء.

[المذيع]: نعم، لم يستطع أحد أن يلحقه من شيء.

[الشيخ]: إذن هي قاتلوا وليست اقتلوا.

[المذيع]: صحيح، جميل ما شاء الله.

القتال في سبيل الله لا في سبيل المصالح أو الاستعمار أو الهيمنة

[المذيع]: طيب.

[الشيخ]: وقاتلوا، لكن في سبيل [الله]، فيكون ليس في سبيل المصالح، وليس في سبيل استعمار الأرض وأخذ خيراتها وظلم أهلها وبناء بلادنا كما حدث في المرحلة الاستعمارية.

وليس للهيمنة والسيطرة وأخذ آبار البترول وإحداث فوضى خلاقة - وما كانت الفوضى يومًا خلاقة - وليس لأي معنى من المعاني التي فيها طغيان وبغي وعدوان.

بل هو إذن لا بد من قضية ندافع عنها، ولا بد من حق يكون هناك من أجل أن نسعى لتحصيله.

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: وقاتلوا في سبيل الله، هكذا هو أبدًا.

معنى الذين يقاتلونكم في الآية وأن القرآن هو الذي يحدد ضوابط القتال

الذين يقاتلونكم.

[المذيع]: ما شاء الله جميل. حسنًا، وما فائدة "الذين يقاتلونكم" هذه؟ ألا يكفي قاتلوا في سبيل الله وكفى؟

[الشيخ]: ولا تعتدوا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: هو لم يقل [ذلك من] هداية القرآن، ليس كذلك. فالقرآن يقول: الذين يقاتلونكم. إذن ماذا أفعل؟ القرآن هو الذي يقول هكذا، لست أنا، ليس من هواي ولا من إرادتي أن أستكين أو لا أقاتل أو ما إلى ذلك، كما يقول بعض المتصدرين للإفساد.

لا، وإنما هذا نص القرآن الكريم الهادي إلى الصراط المستقيم: الذين يقاتلونكم.

[المذيع]: حسنًا.

معنى ولا تعتدوا وآية الجنوح للسلم والتوكل على الله عند استسلام العدو

[المذيع]: ولا تعتدوا، حسنًا، وبعد ذلك "ولا تعتدوا" هذه تعني ماذا أفعل؟

[الشيخ]: قم بالسنة، والقرآن أيضًا يفسرها:

﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: يعني إذا استسلموا، قال: حسنًا. إذا أراد أحد السلام، لنتوقف، نتوقف.

[المذيع]: بعدما قتلوا منّا ثلاثة من كبار قواتنا، نتوقف؟ بعد أن أصبحت أيدينا هي العليا عليهم ونقطع رقابهم، نتوقف؟ بعدما حدث هكذا؟

[الشيخ]: قال: نعم، تتوقف.

[المذيع]: سبحان الله، سيطرة [على النفس]!

قصة أسامة بن زيد وخالد بن الوليد وغضب النبي ممن قتل من نطق بالشهادة

ويأتي في السنة: أسامة بن زيد حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالد [بن الوليد] في مرة أخرى في روايات، يقتل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيقول له [النبي ﷺ]:

«هل شققت عن قلبه؟»

يقول: يا رسول الله، قالها تقيةً وقالها خوفًا من السيف. يقول له:

«هلّا شققت عن قلبه؟»

فيقول:

«والله وددت أن أكون لم أُسلم قبل اليوم»

يعني تمنيت أن أُسلم الآن؛ لأن هذه مصيبة كبرى من غضب رسول الله.

صورة الفارس النبيل المنتصر الذي يمتثل لأمر الله بالتوقف عن القتل

[المذيع]: حسنًا، وكيف يتم ذلك إذن؟

[الشيخ]: عِشْها إذن! أنا رجل قوي وانتصرت على خصمي الذي ما زال قاتلًا لأخي، فتكون الحياة هكذا: في رغبة للثأر بداخلي نار، من غير الكبت، أريد أن آخذ بثأر أخي، نار بداخلي.

[المذيع]: آه، نار!

[الشيخ]: القائد قال لي: توقف!

[المذيع]: هذا ليس القائد، بل إنه ربنا!

[الشيخ]: ونعم بالله. إنه يقول لي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أنا أخوك في الإسلام الآن.

[المذيع]: نعم، أسلمتُ للتو. ما شاء الله! هل تتلاعب يا فتى؟ بعد أن تقتل أخي تقول لي كلمتين!

[الشيخ]: أنت قتلت أخي الآن، كنت تضربني أنا الآن ومجروح كما ترى.

العبد المقاتل في سبيل الله يمتثل لأمر ربه رغم نار الثأر بداخله

طيب، أنا منتصر ومكلوم، أخي ميت وقوي وقادر، وبعد ذلك يقول لي [ربي]: احذر أن تقترب منه.

حسنًا، لقد أطعت هذا ولم أقترب منه. من أنا إذن؟

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: من أنا؟ عبد لله، مقاتل في سبيل الله. فهو فارس نبيل جدًا.

[المذيع]: وكيف وصلت إلى هذا؟

[الشيخ]: العسكر موجودون في العالم كله في جميع الجيوش، اسألوهم: ماذا يشعر العسكري وهو يقاتل وينتصر ويهيمن؟ إنه شعور فظيع بالجبروت وما إلى ذلك.

لا، يجب أن يكون قد تربى منذ صغره على أن يقول:

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]

ضرورة وضع مناهج تعليم وتربية وتدريب لتنشئة الفارس النبيل

[المذيع]: حسنًا، وكيف أربيه؟

[الشيخ]: يجب عليّ أن أضع مناهج تعليم ومناهج تربية ومناهج تدريب لتربية أولادنا على الفارس النبيل. يجب أن أعرف صفات الفارس النبيل، وأعرف المناهج التي تؤدي إليها، وأعرف كيف أطبقها، وأدرّب المعلمين في المدارس على التدريب عليها أو التربية بموجبها.

[المذيع]: يا له من مجتمع بأكمله في هذه الآية!

[الشيخ]: هذا لأصل إليها، ولأصل إلى هذا الرجل الذي يمتثل إلى قوله [تعالى]. فإن بعد ذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 193]

﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 192]

تطبيق آيات القتال يتطلب تربية ومناهج معرفية وحضارة كاملة

ما هذا؟ كيف أصل لهذا؟ هذا يتطلب تربية.

حسنًا، أين هي التربية؟ إذن يجب أن تكون هناك مناهج. أين هذه المناهج؟ معرفية من بحث وعلم ومعرفة إبستمولوجي [معرفية]. أين هذا؟ هذه حياة، هذه حضارة، هذا عمل كبير جدًا.

لكي أُنفّذ هذه الآية، هذه التي أقصد بها معيشتي مع القرآن؛ يجب أن أعيش معه، أعيش فيه، أرى كيف تُطبّق هذه الأشياء.

تأمل آية وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومعنى تنكير كلمة قوة

الآية الثانية:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: 60]

أعدوا لهم ما استطعتم من قوة. حسنًا، هذا الإعداد للقوة، من أي شيء؟ قوة ليست مُعرَّفة بـ"ال"، بل هي نكرة: "من قوة"، من قوة نكرة وليست معرفة.

والنكرة تعمّ [في سياق] الإثبات؛ أنها تشمل القوة النفسية والقوة المعنوية والقوة الاقتصادية والقوة العسكرية، وقوة المجتمع وترابطه وانتمائه، وقوة التربية.

خطورة تفكيك الأسرة والدولة واللغة وأثره على ضعف المواجهة والدفاع

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لأن الإنسان الذي ليس له أسرة وليس منتميًا ويأخذ الأمور باستهانة، كيف سيدافع عن وطنه؟ الذين يقولون الآن: لا داعي للأسرة، لا داعي للدولة، لا داعي للغة، هذا كلام فارغ.

حسنًا، فهو إذن لن يدافع عن الدولة.

[المذيع]: حقًا.

[الشيخ]: وهذا يعني أن هناك غرضًا آخر وراء هذا الكلام، وهو أن لا أحد يستطيع المواجهة، ولا أحد يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يقول: لا. بل يصبح الناس مجموعة من البشر تقول: نعم فقط، للقيادة المهيمنة التي لا نعرف إلى أين ستذهب بنا.

الإعداد بقدر الاستطاعة والتوكل على الله فيما لا نستطيعه وحسبنا الله ونعم الوكيل

فإذا قال:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]

من قوة. حسنًا، والذي ليس في استطاعتنا:

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: حسنًا، وعندها ماذا يحدث؟ يكون الله وكيلنا:

﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: حسنًا، فليتدخل ربنا إذن في تلك الساعة، بمعنى أفعل ما أقدر عليه، أفعل ما أقدر عليه، والله سبحانه وتعالى هو فعّال لما يريد.

﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 249]

فلا نخاف.

خاتمة الحلقة ومعنى الردع والوعد بالحلقة القادمة

ويكون الواحد منا قادرًا على التغلب على عشرة، ولا نخاف. ترهبون به، هذا ما نسميه في لغة عصرنا الحالي بـالردع.

[المذيع]: هل من الممكن يا مولانا أن نؤجل الحديث عن الردع - ترهبون به عدو الله وعدوكم - إلى الحلقة القادمة إن شاء الله؟

اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى هذا العلم، وعلى وعدٍ باللقاء إن شاء الله في الحلقة القادمة والحلقات القادمة. إلى ذلك الحين، أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله.