والله أعلم|  الدكتور علي جمعة يرد على إدعاء المتطرفين بوجوب تدمير مساجد الأضرحة| الحلقة الكاملة - فتاوي, والله أعلم

والله أعلم| الدكتور علي جمعة يرد على إدعاء المتطرفين بوجوب تدمير مساجد الأضرحة| الحلقة الكاملة

41 دقيقة
  • يناقش الإمام علي جمعة مسألة الصلاة في المساجد التي بها أضرحة، مبيناً أن النهي الوارد في الحديث النبوي عن اتخاذ القبور مساجد لا يقصد به المساجد المجاورة للأضرحة بل السجود للميت وعبادته.
  • وضح أن كلمة "مسجد" في الحديث تعني مكان السجود بمعنى العبادة، وليس المبنى الجامع للصلاة.
  • أشار إلى أن اعتراض بعض الجماعات المتشددة على المساجد التي بها أضرحة ناتج عن سوء فهم وتقليد أعمى لبعض العلماء كابن القيم.
  • استدل بموقف العلماء كالبيضاوي وابن حجر الذين أجازوا بناء المساجد بجوار أضرحة الصالحين.
  • أكد أن طلب الدعاء من أرواح الصالحين أمر مشروع، فالأرواح الطاهرة قريبة من الله في برزخها.
  • بيّن أن زيارة هذه المساجد ليست من باب شد الرحال المنهي عنه إذا لم يعتقد الزائر أفضليتها على المساجد الثلاثة.
  • حذر من التطرف والغلو وتكفير المسلمين وتفجير المساجد لمجرد وجود الأضرحة فيها.
محتويات الفيديو(50 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوا عليه وسلموا تسليمًا.

أهلًا بكم دائمًا في والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الدكتور علي جمعة، وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنستظل بهذا المنهج الأصلي والأصيل في التجديد والإصلاح. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

سؤال حول تحريم الجماعات المتشددة الصلاة في المساجد التي بها أضرحة وتفجيرها

[المذيع]: اسمح لي فضيلتك أن أطرح على فضيلتك هذه التساؤلات حول تحريم الجماعات المتشددة والمتطرفة الصلاة في المساجد التي بها أضرحة، بل وجب عندهم أو ما يقولون أنه وجب أن يفجروا هذه المساجد وأن يمنعوا الصلاة فيها. فبالتالي يأتي السؤال الأول: هل هناك منافسة شديدة محمومة بين هذه الجماعات على تنوعها، وإن كانت تنبع من رحم واحد، في التفجير والقتل في هذا الإطار؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذه حالة نفسية تكتنف تلك الجماعات، جاءت من مغبة التقليد غير الواعي؛ فكل هؤلاء قلدوا أحد العلماء في القول بهذا التفسير.

خطأ ابن القيم في فهم النهي عن اتخاذ القبور مساجد وتقليد النابتة له

وهذا العالم هو ابن القيم رحمه الله تعالى، ظن أن النهي الوارد في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير وجهه. وأخطاء الكبار كبيرة؛ عندما يأتي شخص مثل ابن القيم له باعه، له باعٌ طويل في اللغة، وله باعٌ في الفقه، وله باعٌ في الاطلاع على الأثر الشريف، وله باعٌ كذا إلى آخره، وهو تلميذ ابن تيمية، وابن تيمية كان واسع الاطلاع، فيأتي ويتكلم بهذه الطريقة.

إن هؤلاء النابتة يُقلِّدون وهم ينهَون عن التقليد في العقيدة، وينهَون عن التقليد حتى في الفقه، ويدَّعون الاجتهاد، ولكنهم وقعوا في مغبة التقليد في هذا الأمر.

شرح الإمام البيضاوي وابن حجر العسقلاني لمعنى اتخاذ القبور مساجد

إذن فهناك خطأ في فهم النصوص. الجماهير منهم الإمام البيضاوي ومنهم الإمام ابن حجر العسقلاني، وأنت تعلم من هو ابن حجر العسقلاني، أمير المؤمنين في الحديث، أمير المؤمنين في الحديث، في شرح صحيح البخاري:

«اتخذوا من قبور أنبيائهم وأوليائهم مساجد»

كأنه ينكر ذلك. خذوا منها أن هذا المسجد الذي هو مثل مسجد سيدنا الحسين أو مثل الجامع الأزهر أو مثل مسجد سيدي الدردير، يعني مسجدًا جامعًا بجوار ضريح، والأمر ليس كذلك.

معنى كلمة مسجد في لغة العرب كمصدر ميمي وعلاقتها بالسجود للقبور

كلمة مسجد في لغة العرب، وطبعًا البيضاوي من أهل العربية وله تفسيره كله عربي، كله نحو وصرف ومعانٍ وما إلى ذلك إلى آخره، كله عربي، فكان إمامًا من أئمة العربية. فمسجد يعني ماذا؟

«اتخذوا قبور أنبيائهم وأوليائهم مساجد، أو كانوا إذا مات الرجل الصالح اتخذوا قبره مسجدًا»

[المذيع]: ما معناها يا مولانا؟

[الشيخ]: معناها هكذا: مسجد هنا ماذا؟ مسجد مصدر ميمي، والمصدر الميمي يصلح للزمان والمكان والحدث. فمسجد هنا يعني يُسجد لمن في القبر، يسجد على القبر عبادة لمن فيه.

عبادة البشر وثنية والمسلمون منزهون عن السجود للقبور

فهل حدث هذا أن عَبَدَ الناسُ بعضَ البشر؟ حصل أن الناس عبدت بعض البشر، وحتى عندما عبدوا البشر، اضطر كثير ممن نُقلت له هذه العبادة أن ينكر هذه العبادة نفسها ويقول: لا، نحن لا نعبد البشر. لماذا؟ سوء عبادة البشر معناها وثنية.

ولذلك اتخذوا قبور الأنبياء والسادة مساجد، والمسجد يعني مكان السجود أو زمن السجود أو السجود نفسه. فاتخذوه مسجدًا؛ عندما تذهب إلى هذه القبور لدى هذه الطوائف، تجد أنها منحوتة هكذا، منحوتة من كثرة السجود على عتبتها. المسلمون منزهون عن هذا.

المسلمون لم يعبدوا أحدًا من البشر ومن عبد غير الله خرج من الإسلام

فهم لم يعبدوا محمدًا ولم يعبدوا الحسين، لم يعبدوا أحدًا. ومن عبد غير الله منهم كالسبائية أو كالبهائية فإنه أصبح الدين مستقلًا مختلفًا تمامًا، ليسوا مسلمين لكي يكون الأمر واضحًا إطلاقًا نهائيًا، هم ليسوا مسلمين أصلًا.

وهم يقولون نحن لسنا مسلمين، هم حتى يقولون نحن معترفون بالإسلام لكننا دين بعد الإسلام. حسنًا، إذن أنتم لستم مسلمين، لستم مسلمين. حسنًا، الحمد لله، فليتكلم إذن كما يشاء.

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

ليس لي شأن به، ولا نادية التي لها شأن به في هذا الأمر، لكن لا يأتي ويقول لي هذا هو الإسلام، فأقول له: لا، توقف عندك.

رأي الإمام البيضاوي في بناء المساجد بجوار أضرحة الصالحين واستحسانه

أنا هل تعلم ماذا يقول الإسلام؟ فالإسلام لا يعبد من في القبر. يقول الإمام البيضاوي: أما هؤلاء الذين ينشئون جوامع وكذا إلى آخره حول ضريح الصالح استظهارًا بروحه الطاهرة، يعني لأنه عندما كان هناك بركة، ولأن الروح الطاهرة هذه موجودة - روح سيدنا الحسين، روح السيدة زينب، روح الإمام الشافعي - فهذا مندوب مستحسن.

يعني يقول أنا أقرأ لك النص الخاص بالإمام البيضاوي الذي يتحدث عن هذا الموضوع الذي نقلوه بما تحدث عنه.

نص الإمام البيضاوي في جواز الصلاة بجوار قبور الصالحين وقبر إسماعيل في الحرم

يقول [الإمام البيضاوي]: منع الله المسلمين عن مثل ذلك [أي السجود للقبور] ونهاهم عنه. أما من اتخذ مسجدًا بجوار صالح أو صلى في مقبرته وقصد به الاستظهار بروحه الشريفة ووصول أثر من آثار عبادته إليه، يعني ثوابها يذهب للرجل الميت، لا التعظيم له والتوجه بالعبادة، فلا حرج عليه.

ألا ترى أن مدفن إسماعيل عليه السلام في المسجد الحرام عند الحطيم، ثم إن ذلك المسجد هو أفضل مكان على وجه الأرض. والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمنبوشة لما فيها من النجاسات. نقله ابن حجر في [فتح الباري].

مخالفة ابن القيم لجمهور العلماء وعقلية الشذوذ عن السواد الأعظم

انظر إلى حال الأمة، ثم يأتي ابن القيم في [زاد المعاد] ويقول: لا، النبي نهانا عن أن نفعل هذا وأن نبني مسجدًا. وأنت كما ترى في مشارق الأرض ومغاربها أن المسلمين خالفوا. نفس العقلية التي تقول: أنا الذي على صواب وكل المسلمين على خطأ.

في حين أن النبي نبهنا إلى هذا وقال:

قال رسول الله ﷺ: «سترون من بعدي اختلافًا، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار»

حسنًا، أنا أمامي مائة عالم، واحد منهم يقول خطأ وتسعة وتسعون يقولون صحيحًا، هل هذا هو السواد الأعظم بتسعة وتسعين في المائة؟ قال: اتبعي التسعة والتسعين ولا يهمك، حتى من غير دليل ومن غير شيء. هكذا ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، كلام ابن مسعود.

خطورة استمراء الشذوذ عن الأمة والتكبر على إجماع العلماء

يعني إذا كان الكلام الذي نقوله يا إخواننا هذا يؤدي إلى هذه العقلية، إلى التكفير، حتى لو أن ابن القيم لم يكفر، لكنه يؤدي إلى الاستمراء في المخالفة، والاستمراء في أن يكون الناس جميعهم يسيرون في اتجاه اليمين وأنا لا أسير معهم.

استمراء الشذوذ هذا يدل ويجعل هناك عقلية متكبرة. أما العقلية المتواضعة لله فإنها ترى أن الله سبحانه وتعالى عصم هذه الأمة في مجموعها فلا تجتمع على ضلالة، ولذلك جعل رسول الله السواد الأعظم هو [المرجع].

حديث ابن ماجة والأصول الستة وعدم العمل بحديث قتل مدمن الخمر

ولذلك النبي دائمًا يقول لك هذا حديث ضعيف قبل أن ينظر فيه أي شيء، مباشرة يُضعَّف، هو تضعيف هنا على الهواء، نعم بالهواء؛ لأنه هذا حديث أخرجه ابن ماجة.

كنا قديمًا ونحن نتعلم يقولون لك في الأصول الستة، الأصول الستة التي هي البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، ما دام موجودًا في الأصول الستة يعني أنه مقبول.

ليقول أبو داود: وإن سنن استدل بها فقهاء الأمصار من كل البلاد، كل البلاد، إلا حديثين.

[المذيع]: ما هما الحديثان يا سيدي؟

[الشيخ]: حديث قتل مدمن الخمر عند المرة الخامسة، يعني ذلك الحديث:

«فإذا شربها الخامسة فاقتلوه»

كأنه أصبح مدمنًا ولا فائدة منه. هذا لم يعمل به أحد، لم يفعل أحد ذلك أبدًا من المسلمين.

عدم إقامة حد الرجم في مصر منذ ألف سنة لصعوبة شروط الإثبات

مثل قضية المرتد، هذا المرتدُّ هذا، لم يُقتل أحدٌ في مصر هنا مثلًا. رجمُ الزاني، ها نحن منذ ألف سنة هنا في مصر، ألف سنة ولا يوجد رجم. لماذا؟ أين الشريعة؟

يظن الناس أن ثورة الثالث والعشرين من يوليو هي التي فعلت ذلك، أو أن محمد علي مثلًا هو الذي فعل ذلك. أبدًا، ظلت لا يُقام الرجم في مصر.

قصة السلطان الغوري ومحاولته إقامة حد الرجم ورفض القضاة

السلطان الغوري جاء وهناك قصة موجودة عن السلطان الغوري، أتدرك كيف؟ قصة موجودة عند ابن إياس في [بدائع الزهور]، أنه كان هناك شخص زنى، فالسلطان غار على الله قائلًا: أنا لم أسمع عن الرجم، نحن لم نقم بالرجم أبدًا يا أبنائي.

قالوا له: إن شروطه صعبة فليس موجود. قال: لا والنبي، ترصدوا لي هكذا شيئًا لكي نقيم السنة هذه ونعيدها مرة ثانية، نقيم هذا الحد.

ووجدوا شخصًا زنى، فقال: نعم، افعلوا به هذا. قالوا له: لا يصح، هذا زنى غير محصن ولا يستحق الرجم. فاستدعى القاضي وأحضر قاضيًا آخر، فالقاضي الثاني رفض وقال له: لا، ما لا أحكم بغير ما أنزل الله. فذهب بنفسه فقتله، رجم الولد الذي لا يستحق الرجم هذا.

مقتل السلطان الغوري وربط الناس بين ظلمه ودم المظلوم

فدخل سليم خان في مرج دابق وقتل قنصوه الغوري، فتحدث الناس، الناس تحدثت: هذا بدم المظلوم، هذا بدم المظلوم.

فهم يقولون له، يقول لهم: نريد أن نفعل الرجم. قالوا له: على مدار خمسمائة سنة لم نقم بهذا الحد لصعوبة الإثبات. هذا الكلام كانت تسعمائة وأربعة وعشرين هجرية حيث دخل سليم الخامس والعشرون مع طومان باي.

لكن في مرج دابق قالوا له: إن ديننا منذ خمسمائة سنة لم نُقِم هذا الحد لصعوبة الإثبات. فقال: لا، ليس له قيمة وانتهى الأمر.

ألف سنة لم يُقم فيها حد الرجم وإشكالية الوهابيين مع القبر النبوي والأضرحة

لكي يقولوا أقم به وارجع، هذا الذي قد نُسي خمسمائة عام ولكنه ليس منتبهًا. هل انتبهت؟ في المجالس المؤيدية هكذا، فجلس خمسمائة وخمسمائة هم إلى الآن، فنحن في عام ألف وأربعمائة وأربعين، هذا ألف سنة لم يقم أحد الرجم كذلك.

هذه الأمور العالم كله يقول لك هذا حلال. ولذلك هناك أشكال عند النابتة في القبر النبوي الشريف لأن القبر موجود في المسجد. هناك إشكالية عند الوهابيين في ضريح سيدنا الحسين والسيدة زينب وغيرهما.

فهذا الإشكال هو الذي يدفعهم ويدفع أمثالهم إلى التفجير والقتل. إنها حالة نفسية وليست حالة شرعية، حالة أصابتهم من مآسي التقليد الأعمى لابن القيم.

سؤال عن مستندات جماعات التطرف في تفجير المساجد ذات الأضرحة ومنع الصلاة فيها

[المذيع]: إذا كانوا يقرؤون لابن القيم، فهل هناك أمور أخرى يستند عليها وتستند عليها جماعات التطرف أو الجماعات المتشددة في تفجير هذه المساجد التي بها أضرحة أو يمنعون الصلاة في تلك المساجد؟ ما تعليقك على دعوات بعض الجماعات بهدم المساجد التي بها أضرحة؟

[الشيخ]: هم [أي هؤلاء المتطرفون] شيئًا في الإسلام ولا في الدين، بل هم من نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك نحن نلجأ إليهم [أي آل البيت] في كل شيء.

الأضرحة لم تكن في عهد النبي لكنها ليست مبررًا لهدم المساجد

لم يكن [بناء الأضرحة] في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن في عهد الصحابة ولا التابعين، وهي الأضرحة؛ لأن بناء هذه الأضرحة تعتبر - لا أريد أن أقول أنها تدخل في مواضيع أخرى - ولكنها يمكن أن تؤدي إلى ضياع الإيمان [عند من يدّعي ذلك].

نحن نشأنا هكذا، ووجدنا الأنبياء هكذا، ووجدنا المساجد هكذا، وسنعيش وسنموت وسيبقى.

﴿أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]

همّ الأرض يرثها العباد الصالحين. من هم العباد الصالحون الذين لا يشغلهم مال ولا تشغلهم دنيا ولا أولاد ولا أي شيء؟ هم أولئك العباد الصالحون مثل الحسين، ومثل السيد البدوي، ومثل السيدة، ومثل هؤلاء الناس جميعهم. فلا يمكن هدمها أبدًا، هذا حرام.

التفريق بين جهل بعض الناس في الأضرحة وبين حرمة المسجد نفسه

مع فكرة مثلًا يعني إظهار الصور الحقيقية مثلًا أن هذا الضريح يمارس فيه بعض الناس الجهل بداخله، فيصلون مثلًا أو يتبركون بشكل غير صحيح، والموالد التي تُقام والمظاهر المشينة التي تحدث، هذه جهل.

أما المسجد نفسه فلا. طبعًا أنا ضد [هذا الجهل]، يعني المسجد مثله مثل جامع سيدنا الحسين، فهذا أثر قبل أن يكون جامعًا. فماذا إذن؟ هؤلاء الناس الذين سيخترعون الدين.

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

حكم الصلاة في المساجد التي بها أضرحة والفرق بين الصلاة لله والصلاة للضريح

[المذيع]: ما رأي حضرتك في الصلاة في مسجد فيه أضرحة؟ وما المشكلة في ذلك؟

[الشيخ]: أريد أن أعرف ما المشكلة؟ ما الذي يحرمه الدين في ذلك؟ نحن نصلي والأضرحة في ناحية ونحن نصلي في ناحية أخرى. الثانية أن نذهب ونصلي فيه، لكن أن نتوسل بمن بنينا له فهذا حرام.

nحن لا نصلي إليهم، بل نصلي في مكان وهم في مكان آخر. لا يجوز [أن نصلي للضريح]، نحن لا نصلي للضريح، بل نصلي لله طلبًا للرحمات. أنا لا أدخل المسجد أو أدخل مكانًا لأصلي لله، ولا أصلي للولي الذي فيه أو الموجود فيه.

﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]

حسنًا، إن النبي صلى الله عليه وسلم موجود بجسده داخل المسجد، أليس هذا رسول الله؟ نحن نصلي لله، والمسجد مكان للصلاة فقط، نحن نصلي لله. أما إذا كنت ذاهبًا للصلاة للضريح أو تقول: أنا داخل المسجد لكي أصلي لأجل سيدنا الحسين فيه، هذا الحرام.

حب المصريين لآل البيت يزيد الإيمان ولا ينقصه

[المذيع]: هل تعتقد أن حب المصريين لآل البيت والأضرحة يقلل من إيمانهم؟

[الشيخ]: لا، لا طبعًا، هذا يزيد من إيمانهم طبعًا. سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«الحسين مني، ومن أحب الحسين أحب النبي، ومن زار سيدنا الحسين زار حضرة النبي صلى الله عليه وسلم»

إذن كيف يقلل [من الإيمان]؟

تعليقات المشاهدين وتقرير آية حسام وخلفية مسجد الإمام الحسين

يعني آية حسام سي بي سي. مرحبًا بحضراتكم، وشكرًا خاصة للزميلة آية حسام مولانا التي قامت وعملت التقرير، وعلى خلفية يتزين المشهد بمسجد مولانا الإمام الحسين، فجاءت هذه التساؤلات والإجابات من تنوع جميل ورائع.

فما رأي فضيلتكم؟

[الشيخ]: الحمد لله، يعني هو الشائع كله كذلك [أي أن الناس تحب آل البيت]، لكن أيضًا اللوثة التي نشرتها النابتة من كثرة التواصل الاجتماعي وعلوُّ الصوت.

مشروعية التوسل بالنبي وآل البيت بالأدلة من السنة النبوية

وكذلك الفتاة التي تقول: ولكن لا نتوسل بهم. بل نتوسل بهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«اللهم إني أسألك بحقي وحق النبيين من قبلي اغفر لأمي فاطمة»

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه المُزَنِيُّ فتوسل به عند قبره، فأُمطِروا في المدينة بعد وفاته وانتقاله. لأن كان عمر يقول:

«كنا نتوسل برسول الله، والآن نتوسل بعم رسول الله فمطرنا»

فنزل المطر على الناس.

زلات اللسان التي تعبر عن تأثر البعض بفكر النابتة دون رؤية حقيقية

الحقيقة أنني لا أعرف، يعني القضية كلها أن هذه زلات اللسان لكنها تعبر عن الواقع. الشخص الذي يقول إن بعض الناس هكذا يفعل أشياء سيئة وأنت لست متورطًا، لا، أنا لم أتورط أبدًا، والله.

أي أنك لا ترى، بل تسمع فقط.

قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»

الشاهد لم يرَ شيئًا، الشاهد لم يرَ شيئًا. هل رأيت الناس بالداخل وهم يعبدون الحسين مثلًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه أو السيدة؟ لا.

حب أهل البيت مأمور به في الكتاب والسنة وأدلته من القرآن والحديث

ولكن عندما يأتي المداح ويقول: إن النبي يحبنا لأجل ابنته، فسيدنا الرسول حب أهل البيت، وهذا نحن مأمورون به في الكتاب والسنة. وقد قال:

قال رسول الله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي» أخرجه الترمذي

وربنا يقول:

﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]

فنحن نحب آل البيت لأن الله أمرنا أن نحب هؤلاء الذين قال فيهم:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]

الصلاة على آل البيت ركن من أركان الصلاة وفرض على كل مسلم

نحن نحب آل البيت لأن الله جعل الصلاة عليهم فرضًا في الصلاة وركنًا من أركانها: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد. هذا لازم، هذا فرض، هذا ركن من أركان الصلاة.

فإذا يعني هؤلاء الناس شوّشوا على بعضهم، لكن انظر الآن إلى الإيمان الأصيل المنتشر. وجدنا العلماء، هؤلاء العلماء جميعهم تاركينه [أي هذا الأمر على ما هو عليه]. قال ماذا؟ إننا وجدناه هكذا، فيكون هو الصحيح، فيكون هو المطلوب. عليكم بالسواد الأعظم.

حب آل البيت يزيد الإيمان والقرآن نطق بمشروعية بناء المساجد على القبور

والآخر يقول لك: نحن نحب آل البيت، هذا يقربنا إلى الله، يزيدنا إيمانًا، يزيدنا إيمانًا. هذه هي الفطرة السليمة التي لم تشوَّش من قبل.

يعني أحدهم قال أيضًا: جاء الإسلام ولم تكن هناك أضرحة. البعض دائمًا يقف عند الزمن ولم يقف عند المنهج، حتى يعني النابتة أو أولئك المتطفلين. لا، بل القرآن نطق بغير ذلك. كيف؟

ففي سورة الكهف:

﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]

هؤلاء بنوا مسجدًا على أهل الكهف. وعندما تذهب هناك في الأردن في فيلادلفيا، مكان اسمه فيلادلفيا، ستجد كهف أهل الكهف.

قبر إسماعيل في الكعبة وسبعون نبيًا في المطاف شواهد على جواز المساجد بجوار القبور

كان - رحمه الله - محمد الدجاني قد اكتشفه، وقد بُني عليه مسجد. الكعبة، كما يقول الشيخ البيضاوي، فيها في الحطيم قبر إسماعيل قطعًا.

وهناك كما يقول الفاكهاني: سبعون نبيًا ميتون في المطاف، في أضرحة في المطاف الذي نطوف عليه.

من قال هذا الكلام السفيه؟ [أي من قال بتحريم المساجد بجوار الأضرحة].

[المذيع]: لا نعرف هذا الكلام يا مولانا، لا نعرفه، لا نعرفه، لا نعرفه.

[الشيخ]: إن المسيطر عليهم أن المسجد الوارد في النهي الموجود في البخاري إنما هو يتحدث عن الجامع، ولا يتحدث عن العبادة. وهذا خطأ؛ هو يتحدث عن العبادة ولا يتحدث عن المسجد الجامع إطلاقًا.

شبه إجماع العلماء على جواز بناء المساجد بجوار الأضرحة وعدم اعتراض الصحابة

المسجد الجامع بناء بجوار ضريح، هذا شبه إجماع لم يخالف فيه إلا أمثال ابن القيم وابن تيمية وغيرهما إلى آخره. وبقية العلماء أبدًا أبدًا ليس هناك أي شيء فيها.

إلى أن حتى من أدرك إدخال القبر النبوي من الصحابة لم يعترض عليه. فنحن الآن أمامنا أجيال في أجيال في أجيال وكل هذا متفق عليه بين المسلمين.

قال [العلماء]: منهي عنه أي العبادة [لمن في القبر]، هذا شرك، هذا أنك تعبد من في القبر هذا شرك. لكن أن تذهب لتدعو له وتصلي في المسجد الملحق به ضريحه وكذلك إليه [فلا حرج]. أما من يفجر فهذا فاجر، الذي يفجر هذا فاجر.

زيارة قبر الإمام النووي والشجرة التي نبتت على قبره علامة على كرامته

[المذيع]: حاولوا كثيرًا ومرارًا أو تكرروا مرارًا زيارة بعض الأضرحة، نالت أيديهم من قبر الإمام أو من روضة الإمام النووي. يعني كيف ترى مَن امتدت يده إلى هذه المقامات، مقامات الصالحين، أو اسمح لي أن أقول رياض الصالحين يا مولانا؟

[الشيخ]: الخوارج هم كلاب النار. لقد ذهبت إلى قبر الإمام النووي في نوى عدة مرات، ورأيت الشجرة تخرج وتلتف جذورها على جثمانه الشريف.

وتعجبت من هذه اللفتة أن قلب الإمام النووي أو جثمان الإمام النووي موضوع في ظل جذور الشجرة التي نبتت على قبره الشريف. وجلست سنة أو سنتين أو ثلاث وإذا أنا أقرأ في الكتب وجدت أن هذه صفة كبار كبار كبار الأقطاب الأولياء.

[المذيع]: التي هي ماذا يا مولانا؟

[الشيخ]: التي هي نبت الشجر على قبره.

النابتة أغلقوا على أنفسهم فأغلق الله عليهم وغبش البصيرة عندهم

فهؤلاء أناس أغلقوا على أنفسهم فأغلق الله عليهم، هؤلاء أناس أغلقوا على أنفسهم الباب فأغلق الله عليهم. ولذلك هو في غبش في البصيرة، ليسوا قادرين يا عيني يرون.

عندما كنت أتحدث مع أحد النابتة فقال لي: لكن هذا يعني شيئًا حساسًا جدًا بالنسبة لنا، لا نستطيع أن نقوله. لماذا لا يستطيعون؟ أريد أن أعرف لماذا لا يستطيعون؟

لقد تربوا على الخطأ، فعندما يتربى شخص على الخطأ سيصبح مخطئًا وسيفقد شعبيته. يعني لا، قد تكون المشكلة في القيادات هذه الأشياء، ولكن في عموم الاتباع هو متربى أن هذا الشرك، هذا متربى أنه هذا الشرك.

الفرق بين النص الصريح واجتهادات العلماء في مسألة الشرك

شخص يقول لي: حسنًا، يعني هل أنت الآن عندما تأتي وتقول لي: قل إبليس رضي الله تعالى عنه، هل تستطيع قولها؟ قلت له: لا يا أخي، لا أستطيع أن أقولها؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الحجر: 34-35]

وهكذا، لكنك تقيس اجتهادات العلماء وفهمهم للنصوص بالنص الصريح الواضح الذي لا تأويل له إطلاقًا.

الورطة الحقيقية مع النابتة وضرورة التصدي لفكرهم المتطرف

[المذيع]: إذن نحن أمام ورطة حقيقية مع هؤلاء النابتة مولانا الإمام، حينما نتحدث أكثر وأكثر في هذا الأمر، تظهر تساؤلات. إلى أي مدى يعني نقف لنتصدى ونواجه المستويات المختلفة لمواجهة هذا الفكر الذي ربما تأثر به البعض من القواعد أو العوام؟

نذهب إلى الفاصل ونعود لحضراتكم، ابقوا معنا.

حكم تقبيل مقامات الأولياء والتأصيل الشرعي لهذه الأفعال

[المذيع]: مولانا الإمام، ربنا جاء في سياق التقرير، هناك بعض الأمور التي تحدث في مقامات الأولياء من تقبيل، ومن بعض المشاهد التي ربما يقف البعض عندها متسائلًا أو رافضًا لها، من تقبيل هذه المقامات أو من التضرع بشكل ما أو بآخر كما أشرتِ في التوسل. فكرة التقبيل أو هذه المشاهد، يعني إلى أي مدى نستطيع أن نؤصل لها؟

[الشيخ]: هذه أفعال وهذه الأفعال لها أحكام شرعية؛ لأن الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. هذه أفعال، فقل لي ما الذي يحدث.

تقبيل المقصورة عند مقام سيدنا الحسين فعل عاطفي لا إشكال فيه

فواحد يقول لي: أنا كنت واقفًا أمام مقام سيدنا الحسين، وبعد أن دعوت وانتهيت وسلَّمت، قمت بتقبيل المقصورة - أو بما يحيط المقصورة. أتفهم ذلك؟ لكن ما المشكلة في المقصورة؟ هذا شخص فقط قبَّل المقصورة، فما المشكلة في ذلك؟

لكن بالطبع الناس القادمون من الخارج عندما يجدون شخصًا يوجب هذا الفعل يفزعون. يعني هو ليس أنها هذه القبلة في حد ذاتها؛ لأن العرب على مر الزمان وهي تقبّل أثر الحبيب وما هو مجاور له:

مررت على الديار ديار ليلى أقبّل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار

يعني هو يقبّل الجدار يتذكر أن ليلى كانت هنا ورحلت.

تقبيل آثار الأحبة في الشعر العربي والفرق بين العاطفة والغلو

وكثير من شعر العرب في تقبيلي أقدام الرواحل، يعني يأتي عند الجمل ويُقبّله لأن حبيبتي كانت راكبة عليه. ولم يقل أحد أن هذا شرك أو أن هذه عاطفة شاعرية تكمن في النفس.

لكن هناك أناس يقولون لك: لا، إذا لم أقبل هذا الحديد فلن تُقبل صلاتي. نعم، هذا غلوٌ، هذا غلوٌ يُعلِّم صاحبه الاعتدال. وهذا سلوك فردي، وسلوك فردي وما هو الشيء الذي لا يعول عليه أيضًا؟

موقف النبي من طلب ذات أنواط وتعليمه الصحابة الاعتدال

النبي صلى الله عليه وسلم كان - وبعد ذلك - بعض حديثي العهد بالإسلام قالوا له:

«اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»

شجرة يُعلَّق عليها أشياء ويُتبرك بها. قال:

«سألتموني كما سألت بنو إسرائيل قالوا لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة»

فقال: لا تفعلوا هكذا. انتهى الأمر، علمهم الدرس.

الثاني وجاء: وإن لنا نبيًا يعلم ما في الغد. فقال له: ويحك يا امرأة، أن الله عالم الغيوب؟ خوضي فيما كنتِ فيه تخوضين. كانت تتحدث في غناء بُعاث، وهي معركة وقعت بين الأوس والخزرج وفيها من البطولات أو من النصر أو غير ذلك إلى آخره.

موقف المعلم من الغلو وحكم تقبيل المجاور عند عطاء بن أبي رباح

فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف منها موقف المعلم. هكذا نقف مع من أظهر غلوًّا أو أظهر تغييرًا للأحكام الشرعية.

فيصبح تقبيل المجاور [جائزًا]. وكان عطاء بن أبي رباح يُقبِّل منبر النبي، فكان يُقبِّل الحادثة [أي النحاس المُحدَث الذي غُلِّف به المنبر]. فترك مالك الرواية عنه، وكان دائمًا يتندم على هذا الترك ويقول: فاتني عطاء، فاتني عطاء.

ندم على ذلك، ندم على ذلك؛ لأنه عرف بعد ذلك أنه مجاور، وأن المجاور يجوز [تقبيله]. وهو شاب صغير هكذا، هو في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة سنة.

قصة عطاء بن أبي رباح مع منبر النبي والفرق بين تقبيل الأثر والنحاس المحدث

عطاء هذا من التابعين ومن تلاميذ ابن عباس حبر الأمة. فقال [مالك]: الله، هذا يظهر رجل غير فاهم شيئًا لأنه يقبل الحادث. الحادث عبارة عن نحاس جلدنا به الخشب، فأصبح يقبل النحاس.

فتقبيل أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو ما جاوره، هذه هي الفكرة، إنها حلال عند عطاء. ما جاور الروضة الشريفة، لا ما جاور الخشب الذي كان واقفًا عليه سيدنا رسول الله.

يعني كان منبر الرسول مصنوعًا من عيدان خشبية، نوع من الخشب يُسمى عيدان. وفي عهد الإمام مالك، وبذلك نكون في القرن الثاني الهجري، حدث أن تآكل هذا الخشب وتهالك، وللمحافظة عليه قاموا بتغليفه بالنحاس، فأصبحت بعض الأجزاء ظاهرة وأخرى مغطاة.

ندم الإمام مالك على ترك الرواية عن عطاء وإدراكه لحكم تقبيل المجاور

فعطاء كان يُقبِّل النحاس الذي يغطي خشب المنبر. أريد أن أرى أين الخشب وأقبّل الخشب الذي لمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو لم ينتبه إلى أن هذا من المجاور.

عندما كبر مالك وأصبح إمام المدينة وعرف قدر هذا الأمر، أدرك هذا الأمر فندم ندمًا شديدًا على فوات عطاء. لقد فاتني عطاء، رأيته يقبّل الحادث هكذا.

فهمت الأمة واعية. عندما يأتي إليك هؤلاء الجماعة ويقولون لك إن التقبيل حرام، حرام كيف يعني؟ أو حلال، فهذا أمر عاطفي تظهر فيه المحبة والاحترام. والمجاور يأخذ شأن مجاوره، فأنت تحب هؤلاء الناس فتقبّل المقصورة الخاصة به، لا يحدث شيء.

الفرق بين التقبيل المباح والسجود والطواف حول الأضرحة المحرم

وشخص آخر يقول: لا، أنا سأسجد لهذا عند القبر مقابل هذا القبر. قل له: لا، ممنوع أن تسجد.

شخص ثالث يقول لي: حسنًا، سأخبرك بشيء، سأطوف حوله سبع مرات وكأنني أديت عمرة. أقول له: هذه بدعة، لا يصح.

هذه هي الأمور التي توقفنا عندها، هذه هي الأمور التي نتحدث عنها. لكننا لا، لم نرها، أي أنني طوال حياتي لم أر أحدًا يطوف حول الأضرحة كأنها عمرة.

هل يمكن أن يكون هناك شخص هكذا؟ إن كان هناك مثل هذا الشخص فهو جاهل. شخص يفعل مثل من يطوف حول الكعبة ويظن أن الله بداخلها؛ لأنه من غير المعقول أن يكون هذا بيت الله ثم هو سيذهب ويؤجر. أصبح هذا، ولكن لابد أن يكون الله ساكنًا فيه، فلماذا يُسمى بيت الله إذن؟ هذه العقائد أو هذا الفهم أو التصورات هي جهل.

فهم حديث لا تتخذوا القبور مساجد وحكم تحديد القبلة في المساجد ذات الأضرحة

[المذيع]: ما شأننا معه؟ التعليم يا مولانا. في ضوء ما تفضلت به في فهم كلمة المساجد، يعني لا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك، نفهم هذا الحديث في هذا السياق يا مولانا؟

[الشيخ]: نعم، حديث السيدة عائشة.

[المذيع]: طيب، تحديد القبلة يا مولانا، هل يعني المساجد التي بها أضرحة، هل هناك مشكلة أو إشكالية في تحديد القبلة؟ أم أنه لا توجد مشكلة ما دام هناك فاصل؟

[الشيخ]: يعني مثل الحائط الموجود على ضريح سيدنا الحسين، فإنه يفصل بين المسجد وبين الضريح. لا يحدث شيء.

حديث لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد والفهم الصحيح لشد الرحال

[المذيع]: سيدنا يعني أيضًا بعض التساؤلات تأتي في هذا السياق: لا تُشَدُّ الرحال إلا لثلاثة مساجد. حسنًا، عندما يأتي سؤال: هل يُعتبر حرامًا إذا نويت أن أذهب إلى مسجد سيدنا الحسين وأصلي فيه؟

[الشيخ]: إذا اعتقدت أن الصلاة في مسجد سيدنا الحسين تفوق الصلاة في المسجد الذي هو في الحي، لو اعتقد هذا الاعتقاد الغريب العجيب فهو قد خالف الحديث.

لكن وأنا ذاهب إلى سيدنا الحسين لكي أحضر درس الشيخ إسماعيل صادق العدوي رحمه الله رضي الله عنه. خلاصة الأمر ذهبت هناك وبعد ذلك وجدت أن الشيخ إسماعيل لم يُعطِ الدرس في ذلك الوقت، فهو لم يُعطه في مسجد سيدنا الحسين، هذا أعطاه في الأزهر، فاجرِي وراءه في الأزهر.

المعنى الصحيح لشد الرحال هو اعتقاد أفضلية المكان لا مجرد الذهاب إليه

فأنا لا أشد الرحال إلى هذا المسجد، وإنما أشد الرحال لطلب العلم. مثل شد الرحال لبر الوالدين، أبي وأمي يسكنان في الحسين فذهبت لزيارتهما. رزقي في الحسين فذهبت لأفتح المتجر صباحًا وأبيع وأشتري.

إذن فشد الرحال معناه اعتقاد أفضلية هذه الأماكن على غيرها من الأماكن. حسنًا، أنا لا أعتقد أن الصلاة في الأزهر ولا الصلاة في مقام سيدنا الحسين ولا الصلاة في مقام السيدة زينب إنما هي من أجل هذا.

ولكنني أذهب لأن هناك جلسة ذكر أو جلسة علم أو جلسة اجتماع للإخوة، أذهب لأجل ذلك، لا شيء آخر. لا مانع. حسنًا، أنا ذاهب لأشتري بعض البخور من عند سيدنا الحسين، لا يوجد مانع. فإذا أُذِّن للصلاة العصر، فأكون قد شددت الرحال؟ هذا فهم صبياني.

توضيح معنى ادعُ لي عند سيدنا الحسين وبقاء الروح في البرزخ

[المذيع]: حسنًا، نريد أن نفهم أكثر وأكثر لأن هذا الفهم الصبياني انتشر بين ما أقول عنه الكثرة القليلة. هذه نريد أن نوضح نقطة على الطريق للوصول إلى الحقيقة. ادعُ لي عند مولانا الإمام الحسين، واقرأ لي الفاتحة، وسلّم لي عليه، هذه التعبيرات الجميلة، وكيف فهمنا نحن الحب، وكيف فهموه أو كم لم يفهموه.

[الشيخ]: اجتمعت الأديان بما فيها الإسلام على بقاء الروح، وأن هذه الأرواح الطاهرة هي قريبة في برزخها من الله سبحانه وتعالى.

فلما نذهب إلى سيدنا الحسين ونقول له: يا ابن بنت رسول الله، ادعُ الله لي، فيكون الأمر أن سيدنا الحسين قد يستجيب وقد لا يستجيب. فإذا رأى أنني قرأت له الفاتحة ودعوت له، فقد يدعو لي، والله سبحانه وتعالى من وراء ذلك.

الله وحده المستجيب وراء دعاء الأرواح الطاهرة وحديث عرض الأعمال

فإذا أراد أن يسكت سيدنا الحسين، سيسكته، وإذا أراد أن يستجيب لدعائه، سيستجيب. لا يستجيب لدعائه بأن يؤجله سيفعل.

﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]

إذا كان سيد الخلق لو أنه استغفر لصنف معين من الناس وهم المنافقون لا يستجيب الله لهم، فما بالك بسائر البشر إذن؟

أنا أطلب الدعاء من هذه الأرواح الطاهرة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال:

«تُعرض عليَّ أعمالكم، فإن وجدت خيرًا حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفرت لكم»

فأنا أطلب الدعاء من هذه الأرواح التي سبقتنا والتي وضعت رحالها عند الله سبحانه وتعالى؛ لأنها رؤوفة بنا، ولأننا ندعو لها، فنطلب منهم الدعاء. قد يُستجاب إذا دعا، فقد يكون هذا هو: ادعُ لي عند سيدنا الحسين.

الدعاء في الأماكن الطاهرة المشبعة بالذكر أجدر بالقبول

وأيضًا أنا في هذه الأماكن الطاهرة، واستظهارًا بهذه الأرواح الطاهرة، أدعو الله سبحانه وتعالى: يا رب أكرم فلانًا، وأكرم علانًا، وأكرم سلانًا، وارزق فلانًا، وارزق واهدِ فلانًا. فأدعو في هذه الأماكن التي يُظن فيها أنها أجدر بالقبول.

أنت عندما تدخل جامعة سيدنا الحسين أو سيدة زينب أو الأزهر الشريف تجد أنه كأنه مشبع بالذكر. أناس عابدون شاغلون ليلهم ونهارهم، ليلهم ونهارهم، جالسون يقرؤون القرآن وجالسون يدعون الله وجالسون يصلون وجالسون يذكرون الله ويصلون على النبي.

مجالس الصلاة على النبي منذ القرن الثامن الهجري وتأليف كتب الصلوات

الشيخ الشوني في سنة ثمانمائة وسبعة وتسعين أقام مجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

[المذيع]: من عنده يا مولانا؟

[الشيخ]: من عنده طبعًا. هنا لهجت الأمة كلها بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم منذ القرن الثامن الهجري هكذا لهجت الأمة بالصلاة على النبي.

فتؤلَّف حينئذٍ دلائل الخيرات وكنوز الأسرار وما إلى ذلك من الصلوات الباهرة والشجرة الكونية وهذه الأمور كلها وسعادة الدارين، صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ملأت الآفاق تنفيذًا لقوله تعالى:

﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

فما الخطأ في ذلك؟ أم أن هناك أشخاصًا بينهم وبين سيدنا الرسول وبين الحب يا مولانا الحقيقي. حاكموا الحب، حكم الحب مولانا.

أسئلة من المشاهدين حول أسباب توسع الجماعات المتطرفة في تفجير المساجد

[المذيع]: اسمح لي أن أقرأ بعض المداخلات للسادة المشاهدين الكرام حول هذا الموضوع. السؤال: برأيك، لماذا توسعت الجماعات المتطرفة في تفجير المساجد؟

الأستاذة هالة تقول: لأنهم يعتبرونهم أهل بدعة ويكفرونهم، فعُمَّار المساجد هم الذين ينكرون أفعالهم ويوضحون للناس تطرفهم.

الأستاذ محمد شمس يقول: لأن الجماعات المتطرفة التي تقاتل باسم الدين وتتخذ من الدين ستارًا لها لا تفرق بين مسجد وكنيسة، ولأنهم يقتلون كل من يقول ربي الله.

الأستاذة سحر أحمد هاشم يقول: إنهم يعتبرون كل من يخالف فكرهم وجب قتله سواء في كنيسة أو في شارع أو في مسجد، والسبب هو الجهل المركب وانغلاقهم على أنفسهم واتباعهم لأهوائهم.

الأستاذة مريم تقول: كل هذا صناعة بني صهيون.

هذه تعليقات ومداخلات السادة المشاهدين يا مولانا.

الدعاء بالهداية للنابتة والختام مع الشيخ علي جمعة

[الشيخ]: نرجو الله لهم الهداية وأن يُلقي في قلوبهم ما يستقيمون به مع الله في طريق الله سبحانه وتعالى، بدلًا من هذا الفساد الذي يُهلك الزرع والضرع.

[المذيع]: مولانا الإمام سيد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم وغفر الله ذنبكم دائمًا ودومًا يا مولانا. شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.