والله أعلم| الدكتور علي جمعة يوضح حكم إنكار الصفات الإلهية.. وحكم التأويل فيها| الحلقة الكاملة
- •الصفات الإلهية موضوع خلاف مع الملاحدة، فبعضهم ينكر وجود الله، وبعضهم يقر بوجوده لكن ينكر صفاته، وآخرون يقرون بصفاته لكن ينكرون التكليف والوحي.
- •تم إحصاء الصفات الإلهية في القرآن والسنة فبلغت نحو مائتين وعشرين صفة، تنقسم إلى صفات جمال وجلال وكمال.
- •التعبد بأسماء الله يكون بالتخلق بصفات الجمال، والتعلق بصفات الجلال، والتصديق بصفات الكمال.
- •الفرق بين الاسم والصفة أن الاسم علم على الذات ينصرف الذهن إليه عند الإطلاق، أما الصفات فهي معانٍ قائمة بالذات.
- •بعض أسماء الله تختص به ولا تطلق على غيره كالله والرحمن والمتكبر والجبار والعظيم، وبعضها يجوز التسمي بها كالرحيم والمؤمن والوهاب.
- •ابن تيمية كان ذكياً واسع الاطلاع لكنه لم يجد شيخاً يحل إشكالاته فوقع في مخالفة جمهور العلماء في مسائل الصفات.
افتتاح الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وتهنئة بذكرى السادس من أكتوبر
[المذيع: حسن الشاذلي]: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله بدء كل خير ورأس كل أمر ذي بال، ما أجمل أن نستفتح كل حياتنا ببسم الله الرحمن الرحيم، اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها يا رب العالمين.
ونسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. نواصل معه هذه القراءة المتأنية جدًا لنفهم ما نريد منه دائمًا. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: ونكمل الحديث والحوار عن الصفات الإلهية، ولكن قبل أن أدخل في الأسئلة التي تدور حول الصفات الإلهية، اسمح لي أن أقدم لفضيلتكم ولمصر والعالم العربي؛ أجمل التهاني بمناسبة إنتصارات السادس من أكتوبر، هذه اللحظات الفارقة في تاريخ مصر وفي تاريخ حياتنا وفي تاريخ الأمة العربية.
تهنئة الشيخ بذكرى العاشر من رمضان وفضل الجندي المصري عبر التاريخ
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كل عام والأمة المصرية والعربية والإسلامية، بل وأهل الحق في العالم جميعًا ومحبي السلام ومحبي الحق وهم بخير.
لأن الحقيقة أن العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر؛ في سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وتسعين من الهجرة النبوية، الموافق ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين، كان يومًا فارقًا لإحقاق الحق، كان يومًا فارقًا لإعادة الثقة والكرامة لدى الجندي المصري الذي دائمًا ما كان رافعًا للرأس، ورافعًا لراية الحق عبر القرون.
حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ في وصفه وفي مدحه وفي اتخاذ جندًا كثيفًا من أهل مصر؛ لأنهم في رباط إلى يوم القيامة هم وأهلهم.
فضل أسر العسكريين وأمهات الشهداء وثبات الأمة المصرية
يعني حتى أيضًا من تتزوج شخصًا في العسكرية وقد تعاني شيئًا في الحروب أو في التدريبات أو في غيرها من الأمور، على احتمال البُعد والغياب وكذا؛ فهي أيضًا مأجورة هي وأولادها. فهم وأهلهم، يعني العسكريون وأهل العسكريين كذلك.
الأُسَر الأب والأم، الأم التي تتحمل شهادة ابنها، فتتسلى بما أعدَّه الله سبحانه وتعالى له من الخير ومن الجنان؛ الأم المصرية ثابتة ومثال لا وجود لمثله في العالم.
تاريخ الجيش المصري في الدفاع عن الحق وتغيير خريطة العالم
والجيش المصري، والحمد لله رب العالمين، دخلَ في حروبٍ كلها منذ أن هزم الصليبيين، ومنذ أن هزم التتار، ومنذ أن صدّ عدوان الرومان، ومنذ أن صدّ حتى الهكسوس عند دخولهم بعد استقرارهم واحتلالهم.
صدّ الإنجليز، وأرجع الحملة الفرنسية خائبةً على وجهها، غيّر خريطة العالم بالفعل ودافع عن الحق. الجيش المصري في أيام محمد علي ذهب إلى المكسيك؛ للدفاع عن كثير من هناك، جاء إبراهيم باشا وضرب اسطنبول وحاصرها، وسيطر على حوض البحر الأبيض المتوسط حتى دعاه أبوه للرجوع.
الجيش المصري درع وسيف والتماس الدعاء من أمهات الشهداء والمحاربين القدماء
صحيح أن الجيش المصري كان ولا يزال وسيظل -إن شاء الله- درعًا، وكما كان يقول الشهيد أنور السادات: الآن أصبح لكم درع وسيف. فهنيئًا لأبطال القوات المسلحة.
ونلتمس الدعاء من أم الشهيد، ونلتمس الدعاء من أولئك الذين كانوا من المحاربين القدماء، نلتمس منهم الدعاء لأنهم مهيئون لدخول الجنة؛ من فقد رجله ومن فقد يده وكذا إلى آخره، سبقته [أعضاؤه] إلى الجنة؛ فلا يفرق الله بينهما يوم القيامة.
حمد الله على حفظ مصر وذم من باعوا دينهم للمفسدين
الحمد لله أن أبقى مصر تحافظ على المنطقة، وتحافظ على كل هذا البلاء الشرس الذي تعرضت له من أوباش الأرض، ومن أسافل الناس الذين باعوا دينهم للكافرين المفسدين، باعوا دينهم من أجل أوهام قدّسوها واتبعوها.
﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]
[المذيع]: مولانا الإمام، إذا كان هذا هو العبور الأول الحقيقي، فنحن في عبور حقيقي ثانٍ إلى المستقبل إن شاء الله الميمون.
سؤال المذيع عن سبب الخلاف حول الصفات الإلهية وبداية الحوار مع الملاحدة
[المذيع]: اسمح لي أن أعود إلى الصفات الإلهية، وسنتحدث عن من ينكر بعض الصفات الإلهية؛ أو معظم الصفات الإلهية، أو من ينكر الصفات الإلهية بالكلية. دعني مولانا أسأل: لماذا كان هناك خلاف حول الصفات الإلهية؟
[الشيخ]: الذي بيننا وبين الملاحدة هو قصة الصفات، يعني لم نلتقِ بفلاسفة أو مفكرين ينكرون الوجود؛ وجود الله، لكنهم ينكرون الصفات لكن لم نرَ إلى الآن - نعم، قد ينكر الوجود بعض الشباب الذين يعانون من أمراض نفسية، فيظهر في التلفاز ويقول: أنا من الأناركية أو من الملحدين، وأنا شجاع، أنا لست أعرف ماذا، أنا حداثي.
فهذا مضحك لأنه لم يقرأ لا هنا وهناك، مما يعني أنه ليس لديه فكر أصلًا.
حوار مع ملحد حول سبب وجود الكون ونظرية الانفجار الكبير
ولكن الفلاسفة والكاتبون ينكروا السبب؛ لم ينكر أحد السبب [أي سبب وجود الكون]؛ لأنه عندما نأتي ونقول لهم: هل يوجد إله؟ يقول: لا، لا يوجد إله. فكلمة "لا يوجد إله" هذه توهمك بأنه ينكر وجود الإله.
فتقول: حسنًا، ما هو سبب هذا الكون؟ فيقول: انفجار، انفجرت فيه نقطة فصار اسمها الانفجار الكبير، وتولَّد من هذا الانفجار دوران، وتولَّد من هذا الانفجار مادة، والمادة تطورت؛ فبنظرية الانفجار وبنظرية التطور نفسر وجود الخلق.
نقول: حسنا، أنت توصلت بعكازك - لأنه هكذا ضرير، أي ليس لديه بصيرة يرى بها ربنا - فقلنا له: حسنًا، توصلت بعكازك إلى أن هناك نقطة انفجرت، نعم مَن الذي فجَّرها؟
إلزام الملحد بالاعتراف بوجود سبب غير مادي وراء الكون وهو الله
[المذيع]: سأمشِ معك[مخاطبا الملحد]، نحن نمشى معك، هكذا كما تريد.
[الشيخ]: نحن مؤمنون أنها كانت نقطة ثم انفجرت، مَن إذن الذي فجَّرها؟ يقول: هذا سبب غير رياضي وغير فيزيائي.
قلنا له: حسنًا، اتفقنا. السبب غير الرياضي وغير الفيزيائي هذا هو ربنا.
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
فأخرجه [الله] من العدم الذي يسميه [الملحد] نقطة إلى الوجود. فحضرتك الآن مشيت معنا حتى اعترفت أن هناك سببًا ما فجر النقطة التي تدعيها فصار الكون.
اعتراف الملحد بأن الله لا تدركه الأبصار والفرق بين الخالق والمخلوق
حسنًا يا صديقي، ولكن هذا الذي صار يا صديقي، من الذي فجرها؟ فيقول لك: سبب غير رياضي وغير فيزيائي، أي أنه لا يستطيع أن يدركه بالحس.
قلنا له: نعم،
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
صحيح يا أخي.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: 11]
صحيح يا أخي، وفعلًا هذه حقيقة: الرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق. قال: هذا الأمر سهل؛ نعم يا سيدي هناك سبب، لكن هذا سبب محض.
انتقال الخلاف مع الملحد من إنكار الوجود إلى إنكار الصفات الإلهية
سألته ما معنى سبب محض؟ فقال لي: سبب محض يعني أنتم تنسبوا إليه صفات. قلت له: نعم، إذن الخلاف الذي بيني وبينك ليس في وجود الله، فالله موجود، موجود وأنت معترف بوجوده رغمًا عنك، وهو السبب.
أنت مختلف في صفاته: كونه حيًا، كونه عليمًا، أنه مريد، أنه قادر، أنه سميع، أنه بصير، أنه متكلم، أنه يرسل الرسل، أنه ينزل الكتب، أنه هو المحيي، أنه هو المميت، أنه هو الرزاق، أنه هو...
قال لي: نعم، ما شأنه بنا؟ حسنًا، سأقول لك شيئًا. قلت له: ماذا؟ قال لي: ليس لدي مانع أيضًا أن أؤمن بكل هذه الأشياء. قلت له: جميل، إنها خطوة جيدة.
تأكيد أن الحوار مع الملحد حقيقي وبيان صفات الله الثلاث عشرة
[المذيع]: هذا حوار مع ملحد يا مولانا، فضيلتك تفترض أن هناك حوارًا مع ملحد.
[الشيخ]: لا، لا يوجد افتراض، فنحن فعلنا هذا؛ هذا ما حدث هكذا. تعالوا يا جماعة، ما هي قضيه الوجود؟ أن ربنا سبحانه وتعالى له ثلاثة عشر صفة لدينا في كتبنا.
فأنا الآن وصلت معه إلى أنه موجود، التي نسميها الصفة النفسية. توجد خمس سوالب وسبعة بعد ذلك، خمسة وسبعة وواحد يصبحون ثلاثة عشر. الذين ذكرناهم: قدرة، إرادة، سمع، بصر، علم، حياة، كلام استمر؛ لكي نحفظهم.
اعتراف الملحد بجميع الصفات لكنه ينكر علاقة الله بالبشر
فقلنا لهم: حسنًا، إذا كان موجودًا فيكون انتهينا من ملف واحد من الثلاثة عشر ملفًا. أتنكر [الملحد] أنه هكذا؟ قال: ما رأيك أنه لا يوجد أي أشكال عندي من أنني لا أنكر ولا واحدة منها [أي من الصفات].
قلت له: حسنًا، إذن سنصل هكذا إلى شيء جميل جدًا. فقال: لكن لا شأن له بنا. قلت له: نعم، نعم، نعم، نعم، نعم، نعم.
إذن أنت لا تنكر الله الآن. قال لي: إذن ما أنا؟ قلت له: إنك غاضب منه.
[المذيع]: وهذه منطقة يمكننا أن نتحدث فيها بهدوء قليلًا.
إقرار الملحد بالإيمان بالله وإنكاره للشريعة والتكليف
[الشيخ]: نعم، يعني هذا أننا اقتربنا. نعم، إذن أنت مؤمن الآن؟ نعم، أنت مؤمن بالإله الواحد الحي الذي لا يموت، الذي لا بداية له ولا نهاية له، السميع البصير القدير العليم الحق؛ الله! أنت مؤمن به، ولكنك تقول فقط أنه ليس له علاقة بنا.
ليس له علاقة بنا! هذه تسمى شريعة، هذا شيء آخر. هو أرسل الرسل وأنزل الكتب وجاء بالوحي لكي يكلفنا بأن نفعل أو لا نفعل.
قال: هذا الذي يجنني، هذا الذي يجنني! أنا لا أريد أحدًا أن يقول لي صلِّ، ولا أريد أحدًا أن يقول لي صُم، ولا أريد أحدًا أن يقول لي لا تشرب خمر، ولا تمشِ مع هذه، ولا لا تمشِ مع تلك، ولا أعرف عندما تقول لي زوجتك نفسي يكون حلالًا؛ أو أنه حرامٌ أنْ أتزوج أمي وعمتي وخالتي. أنا لا أريد هكذا، أنا أريد أن أمشي سبهللة.
معنى كلمة سبهللة وأن إنكار الوجود ليس موجودًا عند الفلاسفة بل عند الأطفال
قلتُ له: أتعرف ما معنى سبهللة هذه؟ قال لي: لا. سبهللة تعني هكذا، أي كلام. قلتُ له: لا، تعني دعها على الله، سبهللة تعني دعها، دعها على الله.
انظر كيف تجلس تنطق، قال لي: إنها ثقافة. ما هي ثقافة، يعني هي ليست عقيدة، أي أنه سمع هذه العبارة من أبيه أو من أمه أو من غيرهما، ومعناها أنه دعها على الله، يعني لا تبحث فيها.
فانظر، يصبح الذي ينكر الوجود هو ذلك الفتى الساذج ذو الثلاثة عشر أو الأربعة عشر سنة هذا؛ ينكر الوجود، وهذا ليس موجودًا في الفلاسفة.
ظهور صفات الله في الكون وصعوبة إنكارها ودرجات الإلحاد الثلاث
الذين يقرون الوجود وينكرون الصفات، هذا موجود ولكن لغرض آخر غير المناقشة الفلسفية؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى هذه ظاهرة في الكون. ظاهرة في الكون أن الذي وراءه حكيم، وأن الذي وراءه قدير، وأن الذي وراءه مريد، وأنَّ الذي وراءه قوي، وأنَّ الذي وراءه وهكذا. ظاهرة في الكون، ولذلك إنكارها صعب قليلًا.
أما المستوى الذي بعد ذلك؛ فهناك شخص ينكر الوجود، وهذا قلنا إنه غير موجود بين الفلاسفة لكنه موجود لدى الأطفال، وهناك شخص آخر ينكر الصفات، يقر الوجود وينكر الصفات، وهناك شخص ثالث يقر الصفات لكنه ينكر التكليف وينكر الوحي بالإجمال.
درجات الإلحاد الثلاث وبيان أن كل منكري الوحي ملاحدة
وهي أنواع ودرجات متعددة:
- الدرجة الأولى: إنكار الوجود.
- الدرجة الثانية: إنكار الصفات.
- الدرجة الثالثة: الإقرار بالصفات ولكن إنكار الوحي.
كل هؤلاء ملاحدة؛ لأنهم لا يريدون الله سبحانه وتعالى أن يرسم لنا الطريق إليه. فإذن ليس هناك عبادة وليس هناك تكليف وليس هناك التزام وليس هناك برنامج ولا رضا لله ولا أي شيء.
وينبني عليه إنكار الوحي وينبني عليه أيضًا إنكار يوم القيامة. فإذا متنا سنصبح كالعدم. كيف هذا يا سيدي؟ قال لي هكذا: لا وجود لنا، أرحام تدفع وقبور تبلع، الأمر انتهى. هذه قضيتنا مع الملاحدة في إنكار الصفات.
هل تم حصر الصفات الإلهية وعدد الصفات الواردة في القرآن والسنة
[المذيع]: اسمح لي مولانا نذهب إلى فاصل قصير ثم نعود إليكم، ابقوا معنا. أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، هل تم حصر هذه الصفات وبالتالي لم يعد الاجتهاد مفتوحًا فيها، أم أن الاجتهاد مفتوح في صفات الله؟
[الشيخ]: الواردة في القرآن أكثر من مائة وخمسين صفة لله تعالى، والذي ورد في السنة مائة وستون فوق المائة والستين. وعندما جمعنا ما في القرآن وما في السنة وحذفنا المكرر، ظهر مائتان وعشرون.
فالمائتان والعشرون محصورون، من ضمنهم الروايات المختلفة لحديث أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي في:
قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
في ثلاث روايات تختلف بعضها عن بعض، وأيضًا عندما تجمعها تظهر الأرقام التي ذكرتها، وهي المئتان والعشرون صفة؛
تقسيم الصفات الإلهية إلى صفات جمال وجلال وكمال وكيفية التعامل معها
وقد تحدث عنها العلماء وعاشوا معها، فوجدوا أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: صفات الجمال.
- القسم الثاني: صفات الجلال.
- القسم الثالث: صفات الكمال.
وقالوا إن حقنا مع صفات الجمال التخلق، وقالوا إن حقنا مع صفات الجلال التعلق، وحقنا مع صفات الكمال التصديق.
فإذن تخلق وتعلق وصدق؛كلهم يعني حاولوا أن - من أجل أن يحفظها الأولاد - قاف قاف قاف، هكذا ويُوزنوها. فصفات: وجمال وجلال وكمال، هكذا أيضًا آخرها لام. هكذا تُوزن. كان كل هذا من أجل أن يستحضرها الأولاد، فتكون واضحة أمامهم مثل خريطة؛ الصفات الإلهية المائتين والعشرين الواردة في الكتاب والسنة؛
الصفات الإلهية في القرآن أوسع مما في الكتب المقدسة الأخرى والصفات المشتقة
وكما قلنا قبل ذلك أنها بعض الصفات التي أذن الله لنا فيها، هي أوسع الصفات وردت في الكتب المقدسة؛ لأن الكتب المقدسة [الأخرى] ليس فيها هذا الحجم ولا العدد ولا هذه الصفات الواضحة.
هناك ثلاثة وعشرون صفة وردت بالاشتقاق، يعني أصلها موجود.
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]
فيُؤخذ منها الناصر.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
فيكون هو المحبوب؛ لأن "تحبون" وردت وهي متعلقة ومتسلطة على لفظ الجلالة. "تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله"، فيكون هو الحبيب. فأين إذن محبوب وحبيب أهي موجودة في الأسماء؟ لا، ليست موجودة.
شروط الإمام الغزالي الثلاثة لاشتقاق الأسماء من الصفات الإلهية
من هذا الجنس يقول الإمام الغزالي: وهؤلاء يجوز اشتقاق الاسم بشروط ثلاثة.
ما هي الشروط الثلاثة يا سيدنا الإمام؟
قال: رقم واحد: أن ترد المادة، أي تكون المادة من جهة الفعل الذي جاء، هل انتبهت؟
رقم اثنين: قال: لا توهم عند إطلاقها نقصًا، أي لا يصح أن نأخذ من قوله تعالى:
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]
أن ربهم مكار، حاشاه، أو ماكر، حاشاه؛ لأن هذه الأمور لا تأتي إلا مع بعضها هكذا، مثل:
﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]
فالعقاب ليس سيئة؛ بل هو رادع وقصاص.
تتمة شروط الغزالي وبيان أن العقاب مانع للجريمة ومعمر للأرض
وقال تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ [البقرة: 179]
والعقاب مانع للجريمة؛ ومعمر للأرض ومانع من الشر ودافع إلى الخير، ويؤدي إلى تهدئة بال الناس.
ولذلك لا يصح أننا نقول:
﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]
فيصح أن تستقل هكذا [أي نشتق منها اسمًا مستقلًا]. وهذا هو الشرط الثاني: ألا توهم نقصًا عند إطلاقها. إطلاقها يعني أن نُخرجها من آيتها.
والشرط الثالث هو؛ ألا نعتقد أنها من الأسماء بل هي من الصفات. هذه هي الشروط الثلاثة التي وضعها الإمام الغزالي لكي نشتق من المادة الواردة [في القرآن والسنة].
الفرق بين الأسماء والصفات الإلهية وأن الاسم الحقيقي هو لفظ الجلالة الله
[المذيع]: مولانا الإمام، في الشطر الثاني من السؤال، نعتقد من الأسماء. حسنًا، وربما بعض المشاهدين لم يتابعونا منذ الحلقة السابقة. حضرتك تقول الصفات ونجدها أسماء من أسماء الله الحسنى، فهل ما تعنيه من الصفات هي أسماء الله الحسنى؟
[الشيخ]: كل ما ورد في القرآن والسنة إنما هو صفات؛ لأن الاسم يعني الأكبر: الله. هذا الذي ليس له حل [أي ليس له نظير]. الله هذا الاسم.
فلما صار الرحمن اسمًا؛ لأن الرحمة القائمة به تعالى قد بلغت الغاية والمنتهى، بحيث أنه لو أُطلقت كلمة الرحمن؛ انصرف إلى الله فصار اسمًا؛ لأن حقيقة الاسم أنه علم على الذات، ينصرف الذهن إليه عند الإطلاق.
الفرق بين الاسم والصفة مع مثال اسم حسن وعلي ولمح الصفة في الاسم
لو واحد قال لي: أنت قابلت حسن الشاذلي اليوم، تمامًا ينصرف الذهن إليك [أي إلى الشخص المعروف بهذا الاسم]. لماذا؟ لأن هذا اسمك، هل تنتبه؟ حسنًا، كلمة حسن مشتقة من الحسن، هل تنتبه؟
إذن، ما هي الصفة التي جاءت فيها هكذا؟ قال: لو كانت كلمة حسن مشتقة من الحسن، يجوز دخول الألف واللام عليها، فنقول: الحسن، الحسين. لماذا؟ قال: للمح الصفة فيها، يعني هي اسم صحيح.
وكان قديمًا عندما أحد مشايخنا -رحمه الله وأحسن إليه وبارك فيه وألحقنا به على الإسلام- يقول: الذي مع علي، علي. هو في الحقيقة كان يقولها لي هكذا تطييبًا للخاطر، تطييبًا للخاطر، فكلما أدخل يقول لي: الذي مع علي،
التفريق بين علي كاسم وعلي كصفة وأن لفظ الجلالة الله لا سمي له
علي الأولى اسم والثانية صفة. انظر كيف الفرق بين الاسم وماهيته. [المذيع]: أهل الله لا ينطقون أي كلمة وحسب يا مولانا.
[الشيخ]: كان أصل هذه العبارة ليس لها إلا علي؛ أنها أُطلقت على سيدنا علي بن أبي طالب، هل انتبهت؟ لكنه كان يستعملها على سبيل تطييب الخاطر،لتلامذته هكذا. الذي مع علي علي، الأولى هي اسم، الأولى علي هذه التي هي الشخص المعروف اسمه هكذا، لكن الثانية صفة: علي بمعنى مرتفع الشأن عظيم الحال.
فيكون هناك فرق بين الاسم والصفة، ولكن الاسم الحقيقي الذي هو أمكن في الاسمية هو الله.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]
ليس هناك شيء؛ ولم يتسمَّى به بشر، حتى ولو على سبيل المعاندة.
لفظ الجلالة الله لم يتسمَّ به أحد من البشر وأن الباقي صفات أصبحت أسماء
لا يوجد، لا يوجد. يعني مثلًا لا يوجد شخص مجنون يسمي ابنه - وهو ملحد أو كافر أو ما شابه - ابني هذا اسمه الله. لا يوجد، ما هذا؟ إذن يوجد الله؛ لأنه من الذي منع المجانين أن يفعلوا هكذا؟ هو خالق الأكوان هو الذي منعهم.
فشيء من هذا القبيل أنه لا يصح؛ لا يعرفوا.
الله هو الاسم والباقي أسماء أُطلقت بالصفات، كلها صفات، فانصرفت إليه لتمام معناها فيه سبحانه وتعالى: الرحمة والرأفة والعفو والغفران وهكذا.
فأصبحت معناها أسماء الله الحسنى من هذا الجانب، لكن حقيقتها أنها صفات.
أمثلة على الصفات الإلهية التي أصبحت أسماء لكمال معناها في الله
يعني قوي هذه صفة، مؤمن هذه صفة، مهيمن هذه صفة، وهاب هذه صفة. كل هذه صفات: ملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، كلها صفات.
لكنها سُميت بأسماء الله الحسنى لكمال معناها فيه سبحانه وتعالى.
عجائب لفظ الجلالة الله المكون من أربعة حروف ودلالة كل حرف منها
أما لفظ الجلالة فهو من العجائب الغرائب التي لا مثيل لها في سائر اللغات؛ لأنك لو كتبته وهو مكون من أربعة حروف: ألف ولام ولام وهاء، يدل بكله عليه.
كان مشايخنا يقولون لنا هكذا:
- •أزل الألف تنطقه: لله.
- •أزل اللام الأولى يصبح: له.
- •أزل اللام الثانية يصبح: هو.
وإذا أزلت اللام وأبقيت الألف واللام الأولى، نحن الآن أزلنا الألف وأزلنا اللام وأزلنا اللام الثانية فأصبحت هو، ثلاثة أحرف.
حسنًا، دع الألف واللام وأزل اللام ها، فتصبح إل.
معنى الإل في القرآن وتفسير أبي بكر ودلالة آه على ذكر الله
قال تعالى:
﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: 10]
قال أبو بكر [الصديق رضي الله عنه]: الإل: الله. الله، هل انتبهت؟
[المذيع]: الإل هو الله؟
[الشيخ]: الله؛ هذا ما يُروى عن سيدنا أبي بكر: لا يراقبون في مؤمن الله أبدًا، الله أبدًا، ولا العهد، ولا الله، ولا الرحم، كما يقول: أناشدتك الله والرحم. لا هذا ولا ذاك، لا يراقبون في مؤمن إلًّا الذي هو الله.
حسنًا، ما بعدها أنك تحذف اللام الثانية لتصبح إله. إله، الله، هذه صحيحة أيضًا.
حسنًا، احذف اللام واللام، يتبقى هكذا السادسة ها هي، احذف اللام واللام يبقى آه.
﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ﴾ [التوبة: 114]
من كثرة قوله: آه، آه، آه.
سرعة ذكر اسم الله تُسمع آه وتأليف الشيخ محمد ظافر المدني في هذا المعنى
لأنه عندما يسرع الإنسان في ذكر اسمه تعالى: الله، فإن السامع يسمعها آه. يسمعها: الله الله الله الله، من السرعة، من السرعة، من السرعة، يسمعها الألف والهاء.
فقال تعالى في شأن إبراهيم:
﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ﴾ [التوبة: 114]
وألّف في هذا المعنى الشيخ ظافر محمد ظافر المدني وأقره علماء الأزهر، منهم الشيخ عليش، بالرغم من أن الشيخ عليش أنكرها وهو صغير؛ أثناء تأليفه للفتاوى المالكية "فتح الإله المالك".
فلما كَبُر وفَهِم وتبحّر في اللغة - لأنه عندما ألف "فتح الإله المالك" كان عنده واحد وعشرون سنة - فلما كَبُر قرظ كلام الشيخ محمد ظافر المدني في الأنوار الساطعة.
تفرد لفظ الجلالة الله في جميع اللغات وعدم وجود مقابل له
فإذن اللفظة نفسها: ألف ولام ولام وهاء، هذه لفظة كاملة. هل يوجد شيء في اللغة الفارسية أو الهندية أو الأردية أو السنسكريتية أو الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية؟ يعني مثلًا "إله" يعني "جد" نزيل الدالّ فيبقى "جو" معناها إله؟ أبدًا.
[المذيع]: لا توجد هذه التباديل، لا توجد هذهالتوافيق مطلقًا؟
[الشيخ]: لا يوجد إطلاقًا نهائيًا البتة. "ديوب" الفرنسي لا يصلح، لا يوجد فيها، لا يوجد شيء.
[المذيع]: حتى لا إله إلا الله مولانا، لا إله إلا الله مولانا، كلها من لفظ الجلالة.
[الشيخ]: فيها عجائب. لا إله إلا الله أيضًا هذه ثانية عجائب لغوية.
عجائب لا إله إلا الله اللغوية وأنها كلها حروف غير منقوطة
يعني أنها كلها غير منقوطة: لا إله إلا الله، ليس فيها ولا حرف من الحروف المنقوطة.
واللام والألف؛ انظر: "لا" و"إلا" هي أيضًا لام ألف، و"الله" أيضًا لام ألف، وكلها من الحروف التي بدأت بها السور [القرآنية].
وهي تخرج سهلة هكذا، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. فالقضية أن الصفات الإلهية غير منكورة.
الفرق بين اسم الرحمن والرحيم وحكم تسمية البشر بأسماء الله المختصة به
[المذيع]: حسنًا مولانا الإمام، سمعنا شخصًا يُسمى رحيم لكن ليس لدينا أحد يُسمى رحمن؛ هنا تكمن كيفية اختيار الأسماء؟ بعض الناس يسمون أولادهم أو يتسمون بأسماء معينة، كيف أضع الخط الفاصل ما بين الأسماء، والصفات التي تكون لله سبحانه وتعالى ولا تكون للبشر؟ ما حكم من تختلط عليه هذه الأمور فيختار أسماء من هذه لتلك؟
[الشيخ]: نصَّ العلماء عليها؛ أن هناك أسماء تختص بالله ولا يجوز أن تُطلق على غيره، منها: الله، ومنها الرحمن، لكن رحيم لا [أي يجوز للبشر]. ومنها المتكبر، ومنها الجبار، ومنها العظيم، ومنها وهكذا. فهنا الخالق والرزاق - أخذت علمًا سيادتك.
الصفات التي تُطلق على البشر والأسماء الإلهية المختصة بالله وحده
لكن من الصفات التي تُطلق على البشر أيضًا المؤمن مثلًا، ومن الصفات التي تُطلق على البشر الصانع، ومن الصفات التي تُطلق على البشر الوهاب أو الرحيم.
كل هذه الأمور؛ لأنه يوجد شخص يهب أو شخص يرحم أو مُعطٍ يُعطي وهكذا. فهذه الألفاظ الإلهية أو الأسماء الإلهية التي اختص بها الله سبحانه وتعالى ولا يجوز التسمية بها للبشر منصوص عليها.
كيفية التعبد بالصفات الإلهية وأن أسماء الله غير متناهية
[المذيع]: أي كيف يمكننا التعبد أو ما حكم التعبد بهذه الصفات الإلهية؟ نتعرف على الإجابة بعد الفاصل، ابقوا معنا. أهلًا بحضراتكم مولانا الإمام، أعيد سؤالي الذي سألته قبل الفاصل: كيف يمكننا التعبد بالصفات الإلهية؟
[الشيخ]: الصفات الإلهية صفات غير متناهية، وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذه المقولة:
قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
وكان يقول أيضًا:
قال رسول الله ﷺ: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك أو علّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا»
إلى آخره. فورد في هذا الحديث "أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، فدل هذا على أن أسماء الله كثيرة.
قول أبي بكر بن العربي إن لله ألف اسم وكيفية التعبد بالتخلق والتعلق والتصديق
وكان أبو بكر ابن العربي المعافري يقول: إن لله ألف اسم، يعني بتتبعه في ما أطلقه عليه، وسماه به عباده المؤمنون الأنبياء الموحى إليهم، كأنه حصل على ألف اسم لله تعالى. لدينا مائتان وعشرون، فإذن هذا يعني أن عندنا الخُمس، من هذا العدد الذي يشير إليه أبو بكر بن العربي.
كيف نتعبد بهذه الأسماء؟ ذكرنا هذه القاعدة اللطيفة أننا نتخلق ونتعلق ونصدق، وبذلك يتم التحقق؛ ويتم - حتى عند بعض العلماء في بعض التفسير - الإحصاء.
يعني ماذا "من أحصاها"؟ يعني من تخلق بجمالها، وتعلق بجلالها، وصدق بكمالها، يدخل الجنة.
التخلق بأخلاق الله من الرحمة والعفو والسماحة والرأفة
فعندما الإنسان المؤمن تكون من صفاته الرحمة، ويكون من صفاته العفو، ويكون من صفاته السماحة، وتكون من صفاته الرأفة، ويكون من صفاته الرفق، ويكون من صفاته كل هذا.
وهذا كله عبارة عن تخلق بأخلاق الله تعالى على حد قول الصالحين: تخلقوا بأخلاق الله.
التعلق بصفات الجلال والالتجاء إلى الله المنتقم الجبار بدلًا من الانتقام
كذلك عندما يكون هناك غيظ أو يكون هناك صدام، فبدلًا من أن أنتقم وأن أتكبر وأن كذا، لا، ألتجئ إلى الله سبحانه وتعالى المنتقم الجبار المتكبر، هو الذي يأخذ حقي وهو كذا.
هذا معنى قوله:
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]
حسبنا الله نعم الوكيل، يعني رميت مشكلتي وحملي وطلبي إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الذي بحكمته وعلمه أيضًا؛ لأنه من الممكن أن أكون فاهمًا بشكل خاطئ، هذا الذي أوقعني في الخطأ. من الممكن أن يكون [الطرف الآخر] لا يعني شيئًا ولا يقصد ذلك، وما إلى آخره.
ومن هنا تتحقق العدالة، فأنا لا أنتقم من شخص ثم يتبين أنه بريء، وبذلك يتم الإنصاف؛ والإنصاف يرفع عند الإنسان الاختلاف مع الله.
خلاصة التعبد بالصفات الإلهية بالتخلق بالجمال والتعلق بالجلال والتصديق بالكمال
فالحاصل إذن أن هذا التعبد يتم بالتخلق بالجمال، يتم أيضًا بالتعلق بالجلال، يتم أيضًا عبادة أن نصدق وأن نقرّ في أنفسنا بأنه هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنه بكل شيء عليم وبكل شيء محيط.
سبب انفراد ابن تيمية بمخالفة العلماء في الصفات الإلهية ونشأته في حران
[المذيع]: مولانا الإمام، لماذا كان ابن تيمية منفردًا بمخالفة العلماء في الصفات الإلهية؟
[الشيخ]: ابن تيمية عنده مشكلة حقيقية، ولكن هو أغلب ما قاله منسوب إلى أفراد آخرين. يعني كان هناك شخص في الحنابلة كان اسمه ابن حامد، وهناك شخص آخر كان اسمه زاغوني، وهناك شخص آخر اسمه ابن بطة العكبري، وهؤلاء سابقون.
[المذيع]: ما شأن هؤلاء يا مولانا؟
[الشيخ]: هو انتقاهم انتقاء من بين جمهور الأمة. يعني الأمة لها جماهير، لكنه تربى في حَرّان؛ وحَرّان هذه الآن تابعة لتركيا، يعني هو عندما وُلِد، وُلِد في حَرّان، حَرّان هذه عند غازي عنتاب هكذا، وأنت نازل هذه مقر ابن تيمية.
تأثر ابن تيمية بالثقافة النصوصية في حران وغياب الشيخ المربي عنده
حَرّان كانت يَشيع فيها ثقافة أخرى تميل إلى النصوصية، تميل إلى أنه يأخذ بظاهر النص. مشربه هكذا، يعني تربيته هكذا، عقله تولّد بهذا.
ابن تيمية ذهب إلى الشام وذهب إلى مصر وتعلم وما إلى ذلك، ولكن لم يكن له شيخ يعرض عليه همه ومشاكله وما إلى ذلك، كما يقول ابن السبكي.
[المذيع]: وهنا أزمته الحقيقة يا مولانا؟
[الشيخ]: أزمته الحقيقية أنه ليس له شيخ. فابن تيمية ذهب وأخذ من كل بستان زهرة، وكان ذكيًا جدًا لدرجة أن أنا في بعض الكتب كتبت أنه كان آية في الذكاء، فلامني عليها بعضهم هو كان كذلك، كان ذكيًا.
ذكاء ابن تيمية وسعة اطلاعه مع غياب الشيخ المربي أدى إلى حيرته
[المذيع]: أليس هذا هو الإنصاف يا مولانا، في الحقيقة؟
[الشيخ]: طبعًا لا بد أن نقول إن ابن تيمية كان آية في الذكاء، كان ذكيًا جدًا، وفي نفس الوقت كان واسع الاطلاع جدًا. إنما كل هذا بدون الشيخ [المربي].
العلة أنه لم يجد من يوجهه ويحل إشكالاته؛ لأنك عندما تقرأ اطلاعًا واسعًا وترى مئات المذاهب والأفكار وما إلى ذلك، يحدث لك شيء من الحيرة.
فابن تيمية وقع في هذا، وهذا ما يصفه به تقي الدين ابن السبكي المجتهد الشافعي إمام الأئمة. يعني تقي الدين بن السبكي هذا كان فردًا من الأفراد.
شهادة ابن عطاء الله السكندري على ابن تيمية وموقف ابن تيمية منه
فلما وجد [ابن السبكي] الرجل [ابن تيمية] يخالف كثيرًا ما عليه الجماهير والعلماء والأتقياء والأنقياء وإلى آخره، مرة شهد عليه ابن عطاء الله السكندري فحبس.
ابن عطاء الله السكندري كان فقيهًا وكان عالمًا وكان رجلًا متمكنًا من أهل الله تعالى، وله الحكم العطائية.
[المذيع]: عالمٌ بالشريعة والحقيقة يا مولانا.
[الشيخ]: بالطبع. فعندما خرج ابن تيمية رحمه الله تعالى من السجن، التقى بالعطائي [ابن عطاء الله السكندري] وقال له: أنا أعرف أنك ما شهدت عليّ إلا من دينك، أي أنك لا تتهمني غيظًا مني أو نوعًا من أنواع الحقد، بل أنت فعلتَ هكذا من دينك، وأنا أعلم أنه دينك سليم.
حيرة ابن تيمية ومناظرته مع الشيخ الأصبهاني ولجوئه لأقوال أبي الحسن الأشعري
فكان ابن تيمية حائرًا وكان يُحيّر مَن حوله. مرةً أقاموا له مناظرة، وهو يحكي هذا الكلام بنفسه، هو الذي يحكي. أقاموا له مناظرة فجاء الشيخ الأصبهاني.
فلما جاء الشيخ الأصبهاني وسمع المناظرة وما إلى ذلك، فقال له: ما رأيك في الكلام؟ هذا الذي يقوله [ابن تيمية]. فقال [الأصبهاني]: ماذا أصنع في رجل كلما ضاقت عليه العبارة قال بالقول الثاني لأبي الحسن الأشعري؟
أبو الحسن الأشعري له مذهب وله في بعض المسائل قولان مثلًا، فيذهب [ابن تيمية] ويختار القول.
[المذيع]: ابن تيمية هو الذي يختار؟
[الشيخ]: ابن تيمية الذي يختار؛ وهو الذي يحكي عن نفسه أن الأصبهاني قال عليه هكذا.
الله، إذن أنت هكذا تكون أشعريا يا ابن تيمية! طبعًا أتباعه سيذهبون ولن يأتوا، لكن لا؛ هو الذي يقول هذا الكلام.
ختام الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة بالبركة والتوفيق
[المذيع]: مولانا الإمام، دمت لنا شيخًا معلمًا ومربيًا ومنقيًا ومرقيًا، أطال الله في عمرك وبارك الله فيكم دائمًا يا مولانا.
[الشيخ]: شكرًا لكم.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه إلى اللقاء.
