والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على فتاوى المتطرفين حول الوجود الإسلامي بالغرب| الحلقة كاملة
- •الخطاب المتطرف ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الجهالة بالنصوص والواقع والمآلات، والتشويش من خلال سحب أحكام الماضي على الحاضر، والشعور بالمظلومية.
- •هؤلاء المتطرفون يشبهون الخوارج الأوائل الذين كفروا الإمام علي وجادلوه في التحكيم.
- •مصطلحات مثل "دار الحرب" و"دار الإسلام" نشأت وفق ظروف تاريخية معينة، وليست من أصل الشريعة، وقد ابتكر ابن تيمية مصطلح "دار بين بين" عندما سئل عن ماردين.
- •الواقع المعاصر يختلف تماماً عن الماضي، فاليوم هناك عشرون مليون مسلم في أوروبا يمارسون شعائرهم بحرية.
- •المسلمون يشكلون فقط 2٪ من الإرهاب العالمي، والمتطرفون منهم لا يتجاوزون 0.0006٪ من المسلمين.
- •المواجهة تكون بنشر الفهم الصحيح للدين وترتيب الأولويات وفق منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي بدأ بالتوحيد ثم العبادات.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة ومناقشة فتاوى المتطرفين
[المذيع أ.حسن الشاذلى]: بسم الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ الذي قال:
«لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»
صدق سيدنا رسول الله ﷺ. وسيدنا ﷺ دائمًا يريد منا أن نكون باسمين في وجوه الناس، لنكون عناوين أجمل لإسلامنا الجميل الرائع، الذي جاء ليهدي به هذه البشرية.
أهلًا بكم في والله أعلم، نسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتك.
أهلًا وسهلًا بكم مولانا نود أن نناقش مع فضيلتكم في هذه الحلقة فتاوى المتطرفين والتي جعلت هناك صدامًا مستمرًا في أوروبا واستهداف المسلمين. إلى أي مدى كانت هذه الفتاوى تثير هذا الغضب وتُحدث هذا الصدام هناك؟
المكوّن الأول لعقلية المتطرفين: الجهالة وسوء فهم النصوص
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
خطاب هؤلاء [المتطرفين] ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول أتى من كراهيتهم للحياة، واختلال الأبجدية التي يمكن أن يفهموا بها النص، سواء كان هذا النص المحترم المقدس من الكتاب والسنة، أو سواء كان أيضًا نصًا من نصوص الفقهاء. دائمًا يميلون فيه إلى العنف وإلى اليأس، ودائمًا يتميزون مع سوء فهم النصوص:
- بعدم إدراك المآلات.
- بعدم إدراك الواقع المعيش.
- بعدم إدراك مقاصد الشريعة في هذا الأمر الذي يعالجونه.
- بعدم إدراك المصلحة للمسلمين.
أي أن عدم الإدراك عندهم شديد.
هذا هو القسم الأول المكوِّن لعقلية هؤلاء، ويمكن أن نلخصه بالجهالة لأنه :
- •جهل بإدراك الواقع.
- •جهل بمعنى الزمان ومعنى المكان.
- •جهل بمآلات هذا الفعل الخبيث [التطرف].
الخوارج الأوائل سلف المتطرفين وموقفهم من سيدنا علي
والحقيقة أنه كان لهم سلف طالح ومفسد من الخوارج الأوائل، الذين رأوا سيدنا عليًا [بن أبي طالب] وقالوا له: «أذنبت، حكّمت الرجال». وكان واحد هناك منهم اسمه حرقوص [بن زهير]، وحرقوص هذا ظل يقول لعلي [بن أبي طالب]: «أذنبت، أذنبت، وسأقاتلك، أذنبت».
ولم يهتدِ [بكلام] سيدنا الإمام علي، الذي هو :
- •باب مدينة العلم.
- •الذي هو مَن دعا له النبي ﷺ
« اللهم والِ من والاه وعادى من عاداه»
- •والذي قال فيه سيدنا ﷺ
«علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».
وقد علا قدر سيدنا علي [بن أبي طالب] في علمه، حتى قال عمر [بن الخطاب]:
قضية ولا أبا الحسن لها، لولا علي لهلكنا.
هذا هو سيدنا علي الفارس المغوار الذي قاتل مع رسول الله ﷺ المشركين، والذي بنى على كتفيه الإسلام، ليأتي فيكفّره حرقوص هذا، ويسمي الاختيارات الفقهية [ترجيح العالم لقول فقهي بدليله] أنها ذنب.
المكوّن الثاني لعقلية المتطرفين: التشويش وسحب أحكام الماضي على الحاضر
مثل هؤلاء تمامًا الخوارج المتأخرين [جماعات تكفر المسلمين وتستبيح دماءهم]، فهذا هو القسم الأول من المكوّن العقلي، أنهم في جهالة.
الجزء الثاني من عقلهم في تشويش؛ لأنهم أرادوا مع هذه الجهالة الأولى [كراهيتهم للحياة واختلال أبجدية فهمهم للنصوص] أن يسحبوا أحكام الماضي على الحاضر.
يقول الإمام القرافي عن أمثال هؤلاء [الخوارج]:
«يأتي بعضهم فينظر في الكتب ويوقع ما قرأه على واقعة السؤال دون أن يدري ما الواقع، فهو ضال مضل».
وهو ما نسميه في أدبيات عصرنا الحاضر سحب الماضي على الحاضر.
يتكلم [المتطرف] وكأنه:
- •
يعيش في القرن الثالث الهجري.
- •
وكأننا نواجه عدوًا ممسكًا بسيفٍ ويركب فرسًا.
- •
وأنه يستعد لخوض المعارك بطريقة العصور القديمة.
ولكنه [المتطرف] يغفل تغير العصر وأنه حدث اختلاف فى:
- •المعاهدات و المواثيق.
- •الأدوات.
- •الزمان والمكان والبرنامج اليومي للإنسان.
فالمتطرف غائب عن واقعه الحالى، وليس في ذهنه إلا أن يسحب الماضي على الحاضر، وهذا الذي نسميه في أدبياتنا نحن [المعتدلون] أنه يريد أن يعيش زمن النبي ﷺ ولا يريد أن يعيش منهج النبي ﷺ.
المكوّن الثالث لعقلية المتطرفين: التشويش الذي لا يكتشفه إلا الراسخون في العلم
هذا جزء ثانٍ وهو ما نسميه هنا بالتشويش.
فإذن مكونات عقلية المتطرفين:
- الجهالة [جهل بالواقع، والسياق، والمآلات].
- والشيء الثاني هو التشويش [أن يسحبوا أحكام الماضي على الحاضر].
وهذا التشويش ممكن أن يخدع بعض العلماء وطلبة العلم؛ لأنه [المتطرف] ينقل لهم بعض النصوص المجتزئة من غير إدراك للواقع، فيلتبس عليهم [بعض العلماء وطلبة العلم] الأمر.
التشويش هذا خطير!، فالجهالة يكتشفها كل عالم، ولكن التشويش لا يكتشفه إلا الراسخون في العلم.
يقول الراسخون في العلم للمتطرف على سبيل المثال أن الإمام النووي له قول فى مسأله ما وقوله هذا مبنى على أشياء معينه ولكن أنت لم تفهم مراد الامام النووى وفهمت فهم آخر لقصور ما فى إدراكك وعقللك فيحدث الالتباس، وإنما هذا نوع من التشويش والتغليط والتخليط، ويقول عنه الإمام القرافي: «فهو ضال مضلّ».
المكوّن الرابع لعقلية المتطرفين: الشعور بالمظلومية وأثره في دفعهم للعنف
القضية الثالثة وهي المكوّن الثالث من عقله:
- •الشعور بالمظلومية فهو يشعر أنه مظلوم، وهذا ما يدفعه للعنف، فهذا الشعور بالمظلومية يندرج تحته عناصر كثيرة جدًا من ضمنها:
- •أن بعض الناس [من غير المسلمين] فعلًا ظلمونا [المسلمين]؛ مثل حادثة نيوزيلندا [هجوم مسجدي نيوزيلندا الإرهابي سنة 2019] الأخيرة هذه تبين أن هناك أناس ضدنا وتقتلنا. لكنه [المتطرف] يرى هذا كمحنة فقط، لكنها تحولت إلى منحة لدرجة أن شعب [نيوزيلندا] بأكمله حضر صلاة الجمعة مع المسلمين [تضامنا معهم].
وما سبب هذا التضامن؟، سببه أن المسلمين لم يحملوا السلاح ويطاردوا هؤلاء الإرهابيين ويقتلوهم، بل قالوا:
«نحن أناس نصلي، فتدخل علينا المسجد لتقتلنا وتصور هذا [بالمحمول]؟».
فكان نتيجة ذلك :
- •كل الناس [في نيوزيلندا] تضامن مع المسلمين.
- •وتضامنت رئيسة الوزراء مع المسلمين.
- •والشعب النيوزيلاندى تضامن مع المسلمين .
- •وكذلك النساء اللواتي ليس لهن علاقة بالإسلام.
- •ودخل ثلاثمائة وخمسون شخصًا في الإسلام بينما تعداد نيوزيلندا أربعة ملايين فقط فهي ترتيبها المائة وستة وعشرون في ترتيب عدد السكان فى العالم.
فانظر كيف تحولت من محنة إلى منحة بالنسبة لنا فقط بأخلاق الإسلام.
الشعور بالمظلومية وعدم التخلق بأخلاق النبي ﷺ في مكة
المظلومية التي يشعر بها [المتطرف] تجعله يريد أن يرد الظلم بالظلم، ولا يريد أن يصبر.
فإن من عناصر الشعور بالمظلومية
- •عدم التخلق بأخلاق رسول الله ﷺ؛ فهو لا يريد أن يعيش حياة رسول الله ﷺ التي عاشها في مكة.
وهو يظن نفسه إنه سيعيش مثل حياة الرسول ﷺ في آخر عمره قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى. وهذا خطأ؛ لأن رسول الله ﷺ ترك لنا النماذج الأربعة [أربعة نماذج لحياة المسلم في المجتمعات المختلفة].
[المذيع]: مؤشر الإفتاء العالمي في دار الإفتاء المصرية يشير مؤخرًا إلى أن أكثر من خمسة وسبعين في المائة من فتاوى هؤلاء المتشددين [المتطرفين] تثير من خلالها صدامًا، فهل كل هذه الأسباب وكل هذه الأمور [الجهالة و التشويش و الشعور بالمظلوميه] هي التي جعلت من هذه الفتاوى سببا للتطرف؟، فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
نموذج مكة والخلط بين دار الحرب ودار الإسلام عند المتشددين في الغرب
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، وفضيلتك تشرح هذه النماذج ونموذج مكة.
هؤلاء المتشددون يضعون أنفسهم وهم في أوروبا أو في الغرب كأنهم في دار حرب [أي بيئة معادية للإسلام].
لماذا يقفون عند هذا المفهوم، عند هذا المصطلح، عند هذا المعنى؟
[الشيخ]: ليس هناك في النصوص لا دار حرب ولا دار إسلام ولا دار بين بين.
وعندما كان هناك قتال من الفرس ضد المسلمين وقتال من الروم ضد المسلمين، اضطر المسلمون إلى:
- •أن يقسموا هذا التقسيم.
- •وأن يدافعوا عن أنفسهم.
- •وأن يعلنوا للعالم أنهم لن يسكتوا إذا ما ضُربوا [تعرضوا للاعتداء].
- •وأنهم سيدافعون عن أنفسهم، وهو حق مشروع للبشرية جميعًا أن تدافع عن ذاتك.
وإلى يومنا هذا، في اتفاقية جنيف الأولى والثانية، وفي آداب الحرب وقوانينها، ما يُتيح للإنسان أن يدافع عن نفسه ضد المحتل؛ لأن هذا الكلام[حق الدفاع عن النفس] فيه:
- •عدالة.
- •رفع للظلم.
- •بقاء للأمم.
وضده[حق الدفاع عن النفس] فيه:
- •هلاك.
- •إقرار للظلم الذى لا يرضى عنه أحد.
مصطلح دار الحرب ودار الإسلام ليس من أصل الشريعة وقصة ماردين مع ابن تيمية
هؤلاء الناس [المتشددون] يشعرون أنهم في الزمن الماضي، الزمن الماضي كان فيه دار حرب ودار سلام.
كنا [المسلمون] عندما نسافر إلى فرنسا، أو إنجلترا، أو إلى إسبانيا بعد احتلال الإسبان للأندلس طردوا منها المسلمين وذبحوهم ووضعوهم في محاكم التفتيش، وقتلوهم في الأندلس.
كنا إذا سافرنا نحن المسلمون حاملين مصحفًا يمكن أن نُقتل، ويُؤخذ منا المصحف، فاضطر الفقيه هنا [التعبير عن "العقل الفقهي" أو جمهرة علماء الأمة في تلك العصور العصيبة] أن ينبّه المسلمون:
«لا تذهبوا إلى فرنسا حاملين مصحفًا»، وقال أنه لا يجوز حمل المصحف إلى بلاد الكفار. لأنهم سيأخذونه ويحرقونه ويقهرونني عليه ثم يقتلونني، وهذا ما حدث بالفعل.
وبعد ذلك، بعد عصر التنوير في أوروبا، وبعد صيغة العلمانية التي وجدوا أنها قادرة على الجمع بين المختلفين في نسق واحد، وإخراج الدولة عن حد التحيز لطائفة ضد أخرى، نجحت فكرة العلمانية وأتاحت فيما أتاحت الأمر للمسلمين، فأصبح اليوم هناك عشرون مليون مسلم في أوروبا.
وعندما كانت مصطلحات دار الحرب ودار الإسلام ليست من أصل الشريعة الإسلامية، جاز لنا أن نغيرها في كل عصر طبقًا للمقتضيات التي نعيشها.
وكان قد سُئل ابن تيمية رحمه الله تعالى عن بلدة اسمها ماردين - ماردين هذه الآن في تركيا تابعة للحدود السياسية التركية، وكانت من بلاد الشام هي وإسكندرونة وغيرها - فدخلها التتار وأصبحت ماردين كلها من المسلمين، ولكن يتسلط عليها التتار بما يسمى بالياسق، والياسق هذا يعني التراتيب الثلاثة، وهي قوانين وضعوها من أجل الحكم بين الناس.
فتوى ابن تيمية في ماردين ومصطلح دار بين بين وقبولها عند العلماء
عندما استولى التتار على ماردين، تسلطوا عليها بالياسق، والياسق هذا يعني التراتيب [ساي ياسا] الثلاثة، فكانت التراتيب الثلاثة هي قوانين وضعوها من أجل الحكم بين الناس ومنها أن:
- •من كذب قُتل.
- •ومن سرق قُتل.
- •ومن قتل قُتل.
- •ومن يرتكب أي ذنب، أو أي خطيئة، أو أي خطأ يُقتل.
وضعوا الجميع في كفة واحدة!.
وبالطبع هذا مخالفًا لشرع الله وللعدالة.
فسُئل ابن تيمية هل هذه الديار [مارادين]، ديار إسلام أم ديار كفر؟ دار حرب أم دار إسلام؟ كان ابن تيمية واعيًا ويعرف أن مصطلحَي دار حرب ودار إسلام لم يردا فى الكتاب أو السنة، فأجاب: «دار بين بين».
هل يوجد شيء في الشريعة ما يُسمى دار بين بين؟ لماذا قال ابن تيمية ذلك؟ قال ذلك لأن هذه مصطلحات درسها، فوجد أن هذه البلد يتوفر فيها ما يقتضي أن نسميها في الماضي ديار إسلام، وفيها أيضًا ما يقتضي أن نسميها في الحاضر ديار حرب حيث وجود المحتل بها الآن.
فقال [ابن تيمية]: «ديار بين بين».
ففهموا [المسلمين] المراد ، وأنشئ [ابن تيمية] هذا المصطلح ولم يعترض عليه أحد، لم يخرج عالم ويقول له لا يوجد شيء اسمه ديار بين بين في الشريعة أبدًا، لم يحدث ذلك. ووجدت قبولًا لأنها معقولة المعنى، لأنها مصطلحات [تعبّر عن الواقع].
الجاهل المشوَّش يسقط الماضي على الحاضر ويرفض فهم كلام ابن تيمية
[الشيخ]: هذا الجاهل، ذاك المشوِّش الذي يتظاهر بالمظلومية، لا يفهم كل هذا الكلام [يجهل ارتباط الأحكام بالواقع التاريخي]، لأنه يريد أن يُسقط الماضي على الحاضر، ولو فعل ذلك، لفسّر كلام ابن تيمية وفق هواه، أو رفض كلام ابن تيمية وفق هواه أيضًا. أي أن قبوله ورفضه سيكونا وفق الهوى.
مفهوم دار إسلام ودار كفر ودار حرب هذه هي مصطلحات نشأت من أجل ترجمة ما هو موجود في العلاقات الدولية حينئذٍ.
حينئذٍ كان هناك ما يسمى بالرق، وكان الشرع يتشوف للعتق وللحرية، وكان الشرع الشريف من مراداته أن تكون الناس كلها حرة فقام:
- •بتضييق موارد ومنابع الرق.
- •ووسع منابع التحرير.
ولذلك جلس [الإمام] أبو حنيفة ليأتي بجارية تخدمه عشرين سنة، يبحث عن الشروط.
المتطرفون يريدون إعادة الرق والسبايا وهذا من الجهالة والتشويش والمظلومية
[الشيخ]: هؤلاء المتشددون مثل أبو اسحاق الحيوني وأمثاله يريدون إعادة الرق و إعادة السبي وأسواق النخاسة والتجارة في العبيد، ويتعجب ويتسائل الناس عن حقيقة هذا الكلام وجدواه.
وهذا كلة بسبب مكونات العقليه المتطرفة حيث أن بها جهالة، وتشويشًا، وشعورًا بالمظلومية، فيريد [المتشدد] أن يُحقق ذاته أمام الناس؛ ولذلك ظهر علينا هذا البلاء.
ويذكر ويقول ما قاله فلان و علان فى هذا الشأن، فالذي يسمعه [من غير الراسخون في العلم] يُذهل ويقول: «هل الإسلام يقول هكذا حقًا؟»
لا، الذين يقولون هذا هم أصحاب عصر كانت أوضاعه، ومعاهداته، وتركيبته الدولية هكذا.
موقف سيدنا علي من حرقوص والعهود والمواثيق في الإسلام
[الشيخ]: لذلك[وفاءً والتزاماً بالعهود والمواثيق] قال سيدنا علي [بن أبي طالب] : "هذا العهد الذي عاهدناه"، وقال ربنا:
﴿أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]
قال له [حرقوص بن زهير]: «أنت أذنبت»
إذن لا فائدة من جهاله حرقوص حيث أن عقله كما نسميه في العامية المصرية قفل [ثبات على موقف عنادا] وأحمق.
المشكلة التي نحن فيها أننا نتعامل مع غافلين وجهلة ومشوشين وأشخاص يشعرون بالمظلومية بغير وجه حق. عشرون مليون مسلم الآن موجودون [في أوروبا]، ما كان أي مسلم يستطيع أن يُظهر إسلامه، أما الآن فقد أصبح هناك مساجد، ونحن نرى ما في القلوب.
حادثة نيوزيلندا هذه [مذبحة المصلين في نيوزيلندا عام 2019]، أظهرت قلب ذلك الشاب المجرم، المرجف، الكافر، الذي ذهب ليقتل المسلمين وهم يصلون.
ومثل رئيس الجامعة التي في أمريكا [جامعة ليبرتي في ولاية فرجينيا الأمريكية] حيث ظهر على اليوتيوب وفي كل مكان يقول لهم [للجمهور والإعلام] :
«أنا سآمر طلابي أن يكون معهم مسدسات لكي يقتلوا المسلمين».
كل هذا الحقد الدفين [مايحرك هذه الاعتداءات].
المتطرفون سبب الحقد على المسلمين في الغرب بشعورهم الزائف بالمظلومية
[الشيخ]: أعداء الدين يستغلونه [المتشدد] من جانب آخر، فأقول للمتطرف يا أخي أنت السبب في هذا؛ لأنك قد شوشت عليهم بشعورك بالمظلومية، فأنت السبب في الصد عن سبيل الله بغير علم.
نحن لسنا مع هذا المجرم [رئيس الجامعة أو غيره من المتطرفين]، إننا نقول لهم: أنتم مجرمون. ولكن، ما سبب دفع هؤلاء الناس إلى هذا الحد من الحقد إلى أن يصرح رئيس الجامعة بهذا السبب؟
السبب هم أمثال الداعشي والإخواني، طبعًا هم درجات؛ فبعضهم يخفي هذا ويتلاعب بها مثل الإخوان، وبعضهم يؤكد هذا ليلًا ونهارًا مثل النابتة، وبعضهم صريح يدعو الناس مثل داعش والقاعدة.
ولكن مجموع كل هؤلاء المتطرفون اثنان في المائة فقط من الإرهاب في العالم. وهذا يعني أن المسلمون واعون وليسوا إرهابيين.
نسبة الإرهاب المنسوب للمسلمين اثنان بالمائة فقط والمسلمون ضد هذه الشرذمة
[الشيخ]: عندما نتناول حوادث الإرهاب نجد أن اثنان في المائة من حوادث الأرهاب سببها المسلمون، وثمانية وتسعون في المائة سببها أشياء أخرى كالعرقية والتوجهات السياسية وأشياء ليس لنا [المسلمين] علاقة بها مثل:
- •الإرهاب العرقى.
- •الإرهاب في أيرلاندا.
- •الجيش الأحمر.
- •الجيش الأخضر، والأمثله كثير.
وبقية المليار ونصف [تعداد المسلمين في العالم] ضد هؤلاء الشرذمة [المتشددين].
أي ستة في العشر آلاف من المسلمين هؤلاء هم داعش، وهؤلاء شاعرون بالجهالة، والتشويش والمظلومية، وهذه هي مكونات عقلهم.
[المذيع]: وتسعون فى المائة من جرائمهم موجودة هنا فى المجتمع المسلم، فاصل ونعود إليكم، ابقوا معانا.
مؤشر الفتوى العالمي وفتاوى المتطرفين التي تثير الصدام وسؤال الأسباب
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، أعود إلى مؤشر الفتوى العالمي، الذي يقول إن أكثر من خمسة وسبعين في المائة من فتاوى هؤلاء الذين يدّعون أنهم علماء الأمة ويقولون قال الله وقال الرسول ﷺ.
هل كل ما ذكرته فضيلتكم من التشويش،والمظلومية، والجهالة، هي الأسباب التي دفعت أن تكون لهذه الفتاوى هذه النتائج؟
[الشيخ]: لما ظهر الخوارج الأوائل [الخارجون على علي بن أبي طالب لرفضهم التحكيم] وصلوا إلى ستة آلاف خارجي في رواية، فشعر الإمام علي [بن أبي طالب] بالقلق على هؤلاء الناس [الخوارج الأوائل]، فأرسل لهم حبر الأمة [الصحابي عبد الله بن عباس] الذي دعا له رسول الله ﷺ:
«اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»
سيدنا ابن عباس حبر الأمة، صفته هكذا. فذهب إليهم [الخوارج الأوائل] وجلس معهم، وأرشده علي [بن أبي طالب] رضي الله تعالى عنه وأرضاه بعدة نقاط حتى يبينها لهم [الخوارج].
ابن عباس يناقش الخوارج ويُسكتهم بالحجة وعودة ألفين منهم
[الشيخ]: فلما وصلهم علي [بن أبي طالب]، ناقشهم على الملأ بصورة واضحة وألزمهم الحجة حتى أسكتهم، وقال [الإمام علي بن أبي طالب]فيما قال:
وعليك بالحديث فإن القرآن حمّال أوجه
فعندما تأتي لتفسره [القرآن] بمعنى فيتلاعب الخارجى معك فى شيء آخر، فيجعل الخارجي القرآن يضرب بعضه بعضًا فتحتار.
فكان [ابن عباس] يعتمد على الحديث في كلامه معهم [الخوارج] فأسكتهم.
فرجع معه [ابن عباس] ألفان من الستة آلاف، أي بنسبة ثلاثة وثلاثين في المائة، ولم يرجع أربعة آلاف مقاتل.
والسبب أن القضية ليست قضية علم ولا حجة، القضية قضية تقليد وهوى؛ أنا [الخارجي] واثق في هذا القائد [قائد الخوارج] فقط، فالولاء له فقط.
فهذا ما نسميه عصبية الجاهلية.
نافع بن الأزرق يختبر ابن عباس في ثمانين سؤالاً فيُفحمه ومع ذلك لا يتراجع
الشيخ: على الرغم من أنه لا يوجد أحد أعلم من [عبدالله] ابن عباس [حبر الأمة]، جاء شخص كان اسمه نافع بن الأزرق، كان من أئمة الخوارج، وجد ابن عباس وهو يفسر عند البيت الحرام وحوله حلقة للعلم.
فقال نافع بن الأزرق: «من هذا الذي يتجرأ على كتاب الله؟» قالوا له: «هذا عبد الله بن عباس».
قال: «أراه صغير السن، هيا نذهب فنختبره».
فذهب إليه نافع بن الأزرق واختبروه في ثمانين سؤالًا سُميت بعد ذلك بصحيفة نافع بن الأزرق، وجلس يسأله عن مفردات في القرآن، أو مفردات في اللغة، فيجيبه بمعناها ويستشهد بشعر العرب، ويقول إن الشعر ديوان العرب، حتى أفحم نافعًا فانصرف.
وهذا [نافع بن الأزرق] إمام وقائد الأزارقة، بالرغم مما عَرف من أن عبد الله بن عباس أكثر علمًا منه، وأذهله بعلمه وأسكته في النهاية، إلا أنه لم يعدل عن هواه، ولم يتخلَّ عن حب القيادة، والزعامة، والصدارة، والدنيا، بينما الحق واضحٌ أمامه.
الخوارج كلاب أهل النار ووجوب محاربتهم قيادةً وقاعدةً
الشيخ: هؤلاء الخوارج قد اتبعوا هواهم دون الحق، فاستحقوا أن يكونوا كلاب أهل النار.
بعض إخواننا يقول لي: «لا، ولكن هذا ليس جميعهم، فمنهم عبّاد».
لكن الله أضلهم، وجعلهم يتبعون هؤلاء الأربعة آلاف الضالين.
فماذا عن عبادتهم وطيبتهم؟ عندما قدَّر الله عليهم أن يكونوا مع الخوارج كلاب أهل النار،فقد أضلهم الله سبحانه وتعالى.
فيجب علينا أن نحارب الخوارج، سواءً كانوا من القواعد أو كانوا من القيادات.
مثل هذا [التمييز بين القيادات والأتباع] هو الذي نشر فكر الإخوان، عن طيب نية هناك من يقول لك: «إنهم أناس طيبون».
لا، ليسوا أناسًا طيبين، هؤلاء عملاء. فيجيبك بأنه هؤلاء قادتهم فقط.
فإذا علمت أن قادتهم هكذا [عملاء]، لماذا تتبعهم، وتساندهم، وتسير خلفهم، وتتعاطف معهم؟
ذلك لأن الله أضلك وأعمى بصيرتك، حتى لو كنتَ طيبًا أو تظن ذلك.
فإننا نحذر الجميع من هذا المعنى ونقول إنه لا مهادنة ولا مهاودة في هذا الأمر، بل يجب علينا أن نحذر منه عملًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بواجب الوقت [القيام بما يقتضيه الحال شرعاً]، والقيام بما أمرنا به رسول الله ﷺ من النصيحة في الدين.
سؤال المذيع عن كيفية مواجهة فتاوى المتطرفين التي تنمي العداء في الغرب
[المذيع]: مولانا كيف نواجه هذه التراهات التي تنمي العداء في الغرب والتي تنال من الإسلام أكثر مما ناله على يد أعدائه؟
[الشيخ]: لا بد من نشر ما نقوم به في هذا البرنامج [والله أعلم]، وهو على مدى أربعين سنة مضت هي عمري العلمي، فأنا أعمل على تحليل تللك القضايا منذ أربعين عام مثل:
- •قضية النماذج الأربعة.
- •قضية تحليل الأربعين [أربعين صفة لهؤلاء النابتة].
- •لنا كتاب اسمه البيان بما يشغل الأذهان.
- •وهناك سلسلة البيان خمسة وعشرين كتابًا مختلفًا لعلماء الأزهر.
منهج الأزهر في مواجهة التطرف من خلال الكتب والأفكار والقضايا الكبرى
[الشيخ]: كل هذه الأفكار التي نتحدث عنها:
- •قضايا المبادئ القرآنية.
- •موقفنا من النسخ.
- •موقفنا من أن نقرأ القرآن جملة واحدة.
- •منظومة القيم المرتبطة بأسماء الله الحسنى.
- •قضايا الإسلام، والإيمان والإحسان، وعلامات الساعة.
- •قضية المعاصرة والأصالة.
- •قضية النموذج المعرفي.
- •قضية المنهجية الإسلامية للتفكير.
- •فقه حب الحياة.
كل هذا يجب أن يُكرر ويُعاد، وأن يصل إلى الأمة بأساليب مختلفة؛ لأنه خلاصة نهج الأزهر المتمثل فى فكر أهل السنة والجماعة الذين مثلوا الصحابة الكرام وما كانوا عليه من خير، وما كان عليه رسول الله ﷺ من أمر بالمعروف، ومن محجة بيضاء تركها لنا ناصعة بيضاء إلى يوم القيامة.
سؤال عن سبب تركيز المتطرفين [السلفيين] على فتاوى الجهاد وخلل الأولويات عندهم
[المذيع]: مولانا الإمام لماذا يركزون على بعض الفتاوى كفتاوى الجهاد؟ هل هناك خلل في الأولويات عندهم جعلهم يصدرون هذه الفتاوى؟
[الشيخ]: تكلمنا على أنهم مفلسون، هذه هى الإجابة العامة.
ولكننا عندنا الجهالة والتشويش والمظلومية.
من عناصر الجهالة، أنه كما لا يدرك:
- •الواقع.
- •النص.
- •المقصد والمصالح.
فإنه أيضًا لا يدرك ترتيب الأولويات:
- •فيخاطب الناس بترتيب أولويات ذهني وليس شرعيًا.
- •عنده ترتيب أولويات في عقله، تمامًا مثل الذي يأمر الناس بترك التدخين ولا يأمرهم بإقامة الصلاة. فبهذا يكون هناك خلل.
ترتيب الأولويات في الإسلام كما رتّبه النبي ﷺ من التوحيد إلى أركان الإسلام
[الشيخ]: عندما دعا الرسول ﷺ الناس:
- •دعاهم إلى التوحيد وهو القضية الكبرى.
- •ودعاهم بعد الشهادتين إلى الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة.
لكن هؤلاء ليس لديهم ترتيب للأولويات، وهذا جزء من الجهالة التي يعيشون فيها.
المذيع]: هل يا مولانا في ما بُنِيَ على خمس؟ [الشيخ]: فهي [الأولويات]مرتبة كما رتَّبها رسول الله ﷺ.
أبو الهدى الصيادي له كتاب في مجلدين يشرح فيه هذا الحديث أسماه: ضوء الشمس في شرح حديث بُنِيَ الإسلام على خمس.
أسئلة من المشاهدين حول كيفية مواجهة فتاوى المتطرفين في الغرب
[المذيع]: مولانا، اسمح لنا أن نستعرض سؤال الحلقة من الفيسبوك: كيف نواجه فتاوى المتطرفين التي تنمي العداء للمسلمين في الغرب؟
الأستاذ محمد أسامة يقول: بالدعاء وأن نعامل أي شخص بمعاملة الدين الصحيحة.
الأستاذ إبراهيم علي: فتاوى المتطرفين يسبقها طعنهم في علماء الدين وتشويه صورتهم.
الأستاذ عبد الحليم يقول: أولًا يجب أن نعرف من هم المتطرفون، ويجب أن تُدرس في الجامعات مادة مختصة بالأفكار المتطرفة ومؤسسيها على مر العصور والعصر الحديث، وحينما نعرفهم نحدد ما نحتاجه لكل اتجاه، فكيف لمن لا يجيد السباحة أن يعتلي الأمواج؟
أستاذة هالة: هذا يعني أن يكون الدين الحق هو المتصدر لهذه الفتاوى والمصحح لها، وأن ينتشر الدين الحق في هذه البلاد وهذا يحتاج جهدًا كبيرًا من علماء الأزهر؟
الختام والدعوة إلى نشر الإسلام الصحيح وشكر الشيخ علي جمعة
[الشيخ]: اللهُ المستعان فنحن نحتاج إلى عمل ثمانية وأربعين ساعة في اليوم، واليوم ليس فيه إلا أربعة وعشرون ساعة، فالله المستعان.
[المذيع]: مولانا الإمام، أطال الله بقاءك كي تنبه الناس وترفع الالتباس، شكر الله لك دائمًا يا مولانا.
[الشيخ]: شكرًا لكم.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه.
