وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 03 | نقل الدين لمن بعدنا بصورة صحيحة
- •من أهم المهام نقل الدين للأجيال القادمة بصورة صحيحة ولافتة، ويتطلب ذلك فهم شفرة التراث الإسلامي وطريقة قراءة النصوص القديمة.
- •يعد المنطق بباب التصورات والتصديقات ضرورياً لفهم المصطلحات ودلالات الألفاظ في سياقها والتعامل مع الرموز في التراث.
- •يجب الاهتمام بالعلوم المساعدة كعلم الهيئة (الفلك) الذي يساعد في تحديد مواقيت الصلاة والقبلة والأهلة.
- •علم النميات مهم لفهم قيمة الدرهم والدينار وارتباطها بالأحكام الشرعية كالزكاة والكفارات والديات.
- •ينبغي فهم معاني الآيات بعمق ودمج الحقائق العلمية الثابتة في فهم الشريعة وتطبيقها.
- •لا بد من نقل الدين بجميع أبعاده: الإسلام والإيمان والإحسان، والتمسك بالتصوف الإسلامي الأصيل المقيد بالكتاب والسنة.
- •يتطلب نقل الدين إدراكاً للواقع والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه مع الحفاظ على الأخلاق وقيم المحبة والسلام.
أهمية نقل الدين بصورة صحيحة وضرورة فك شفرة التراث الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من أهم المهام أن ننقل هذا الدين لمن بعدنا بصورة لافتة للنظر وبصورة صحيحة، ولذلك فإنه يجب علينا أن نتعلم ما يمكن أن نسميه بفك شفرة التراث.
كثير من المتخصصين من طلبة العلم لا يحسنون قراءة النصوص القديمة، ولذلك لا بد لنا من أن نتعلم كيف نقرأ هذه النصوص المصاغة بأسلوب معين؛ سيطر على عقل الكاتبين فيها ولمدة طويلة المنطق.
دراسة المنطق والتصورات والتصديقات كأدوات لفهم التراث الإسلامي
ولذلك فإن دراسة المنطق في باب التصورات وفي باب التصديقات أمر لا بد منه، مثل تعلم الخط ومثل تعلم الإملاء؛ فهي أمور مساعدة لكنها لا بد منها من أجل التواصل عن طريق الكتابة.
صياغة الجملة المفيدة، كيف نقف، كيف نتعامل مع المصطلحات، كيف نتعامل مع الرموز، كيف نفهم مقتضيات الكلام ودلالات الألفاظ في سياقها وسباقها ولحاقها، هو المعني بقضية فك شفرة التراث.
كتاب الطريق إلى تراثنا ودوره في منع القطيعة الثقافية مع التراث
وهو [فك شفرة التراث] الذي حاولته في إحدى الدورات التدريبية، وخرج بموجبه كتاب «الطريق إلى تراثنا». هذا الكتاب يحاول أن يفك شفرة التراث.
هذا جزء من نقل هذا الدين لمن بعدنا بصورة لافتة للنظر؛ لا نريد قطيعة ثقافية بيننا وبين تراثنا، ومن أجل ذلك لا بد لنا أن نهتم اهتمامًا بليغًا بهذه القضية، وأن نفصّلها وأن نتدرب عليها وأن نكتب فيها.
تصور العالم عند القدماء بين الجوهر والعرض والمقولات العشر
ما التصور للعالم في أذهان هؤلاء الناس [العلماء القدماء]؟ كان التصور أن هناك جوهرًا وهناك عرضًا؛ والجوهر قائم بذاته، لكن العرض يقوم في الجوهر ولا يقوم بذاته.
وصفات هذه الأعراض أو أقسامها تسعة، وعند المتكلمين اثنان، وهذه التسعة مع الجوهر العاشر يسمونها المقولات.
وهناك علم كان يُدرَّس إلى وقت قريب في الأزهر الشريف وهو علم المقولات، وعلم المقولات كان يُدرَّس كملحق لعلم المنطق.
تصور القدماء للأقاليم ودلالات الألفاظ وأثر ذلك في صياغاتهم العلمية
كيف كانوا [العلماء القدماء] يتصورون العالم في أقاليمه السبعة، كيف كانوا يتصورون دلالات الألفاظ والعلاقة بين اللفظ والمعنى، والعلاقة بين الكتابة وبين المعنى القائم في الذهن، وبين اللفظ الجاري على اللسان، وبين الحقائق الموجودة في خارج الإنسان.
كل هذا أثّر في تفكيرهم وأثّر في صياغاتهم، وهو من المهم أن نستوعبه وأن نسترجعه من أجل معرفة شفرة التراث كجزء من نقل هذا الدين لمن بعدنا.
علم الهيئة وأهميته في تحديد مواقيت الصلاة والقبلة وهلال رمضان
هناك أيضًا حقائق واهتمامات يجب علينا أن نهتم بها، فمثلًا فرض الله علينا الصلوات، وفرض الله علينا استقبال القبلة، وفرض الله علينا صيام رمضان، وفرض الله علينا الحج وجعله في أشهر معلومات.
لما فرض الله سبحانه وتعالى علينا هذا، كان من الواجب علينا أن نعرف كيف نحدد مواقيت الصلاة، وكيف نحدد القبلة، وكيف نحدد هلال رمضان.
وكان السلف الصالح يهتمون جدًّا بهذه الأمور، حتى سمّوا هذا العلم الذي يتحدث عن مواقيت الصلاة وعن سمت القبلة وعن هلال الأشهر العربية بـعلم الهيئة، وعلماء الهيئة راعوا فيه هذا المعنى القائم في الدين.
تدريس علم الهيئة في الأزهر والانقطاع المعرفي وضرورة إحيائه
وما زال علم الهيئة يُدرَّس في الأزهر إلى أواخر النصف الأول من القرن العشرين. بعد ذلك حدث ما يمكن أن نخشى من أن يكون انقطاعًا معرفيًّا.
والحمد لله إن قسم الجيوديسيا في جامعة الأزهر في كلية الهندسة يقوم بالمهمة، لكن أيضًا الخطباء وأكثر طلبة العلم لعدم دراستهم هذا، ولعدم وجود مناهج في الجامعات ولا في المدارس تعلّمهم هذا الأمر من الناحية العلمية، فإنهم لا يعرفون عنه الكثير.
نريد ألّا يضيع ديننا في هذا المجال، ولذلك نريد أن نعود إلى علم الهيئة وإلى أن يكثر دارسوه. هناك أساتذة أجلّاء علماء عالميون لدينا، ولكن نريد انتشار هذا حتى يعلم كل مسلم كيف يحدد القبلة، وكيف يرى الهلال، وكيف يقوم بمواقيت الصلاة، أو على الأقل يعرف ما معنى هذا المكتوب في النتيجة [التقويم]. هذا جزء من نقل ديننا لمن بعدنا بصورة لافتة للنظر.
علم النميات ومعرفة قيمة الدرهم والدينار وعلاقتهما بالأحكام الشرعية
دراسة عن معنى الدرهم والدينار وقام له علم متخصص اسمه علم النميات. كثير من الطلبة حتى لا يعرف هذا الاسم «النميات» ولا ما معناه؛ هو علم القطع المعدنية التي تُستعمل كنقود، وعلم الأوسمة والنياشين في تاريخها وتطورها ودلالتها.
إذن علم النميات هذا علم سيُعرّفني ما قيمة الدرهم وما قيمة الدينار. وارتبطت أحكام شرعية متعلقة بـالكفارات ومتعلقة بـالزكاة ومتعلقة بـالصدقات ومتعلقة بـالدية ومتعلقة بغير ذلك بالدرهم والدينار.
ما الدرهم وما الدينار؟ سؤال يجب أن نهتم به لا على مستوى المتخصصين العظام، بل على مستوى الثقافة السائدة التي تقرأ كلام ربنا وكلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفهم وتفهم بعمق.
المكاييل والموازين في السنة والفقه ونقلها عبر العصور لحفظ الدين
ورد في السنة الوسق والدانق والدرهم والدينار، وورد ألفاظ كثيرة جدًّا. وورد أيضًا في كتب الفقه الكيلة والويبة والأردب والقدح.
وقاسوا عبر العصور؛ كانوا ينقلون الدين بصورة لافتة للنظر بين الصاع والمد وبين القدح والكيلة وكذلك إلى آخره. وهناك مقارنات وأبحاث تمت عبر العصور، في كل عصر يقومون فيه من أجل نقل هذا الدين لمن بعدنا.
فيما قد لا يهتم به الفقيه اهتمامًا أصيلًا، ولكن له علاقة بالفقه وله علاقة بنقل هذا الدين، فلا بد لنا أن ندرك هذا المعنى أيضًا.
ضرورة إدخال الحقائق العلمية الثابتة في فهم الآيات والأحكام الشرعية
لا بد لنا ونحن ننقل هذا الدين بصورة لافتة للنظر أن نتفهم معاني الآيات بعمق، وأن ندخل الحقائق العلمية الثابتة في المسألة.
قضية:
﴿وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]
لدينا أسئلة ينبغي علينا أن ندركها إدراكًا علميًّا وليس إدراكًا تخيّليًّا أو عاطفيًّا.
هل يمكن تحقيق المماثلة في القصاص من الجروح وأثر ذلك على فهم الآية
هل يمكن إذا ما اعتدى إنسان على آخر وأحدث جرحًا فيه، هذا الجرح طوله ثلاثة سنتيمترات وعمقه سنتيمتران، هل يمكن إحداث جرح في المعتدي طوله ثلاثة سنتيمترات وعمقه سنتيمتران؟ لأن من شروط أخذ القصاص المماثلة؛ لا زيادة ولا نقصان.
فهل هذه المماثلة ممكنة؟ نريد إجابة من الأطباء حول هذا؛ لأنهم إذا أجابوا بأنها غير ممكنة تكون للآية معنى آخر وهو العفو، أي إذا أردت أيها المظلوم يا من اعتُدي عليك أن تأخذ بالقصاص فعليك أن تأخذ مثله فقط ولا تزيد، وحيث أنه لا يمكن أن تفعل هذا وهذا غير مقدور عليه، إذن فليس أمامك إلا العفو.
هل الآية معناها هكذا أم أن هناك معنى آخر وهو أنه يمكن فعلًا إيقاع القصاص بهذه الطريقة وبهذه الكيفية؟ هل هذا يحتاج إلى نوع من أنواع العمليات الجراحية؟ وهل هذا ممكن؟ وهل الأحكام إذا ما زالت ممكنة أن نفهمها وما زلنا يمكن أن نستنبطها؟
وجوب دراسة الحقائق العلمية المستقرة لتمكين التشريع الإسلامي في كل عصر
بعض الناس قد يقولون نكتفي بما في الكتب. أنا رأيي أننا لا نكتفي بما في الكتب؛ إن واجب الوقت الذي علينا هو دراسة ما توصّل إليه العلم واستقر واستقرت عليه الحقائق العلمية.
وإن هذا يمثل عندنا بُعدًا كبيرًا لتمكين التشريع الإسلامي من كل عصر وفي كل مصر. نحن دعونا أمام العالمين أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وهي صالحة فعلًا لكل زمان ومكان، ولكن نريد أن نبني كلامنا هذا على الواقع، وأن نبني كلامنا هذا على الحقائق، وأن نبني كلامنا هذا على العلم.
التحذير القرآني من نقل بعض الدين وإخفاء بعضه والإيمان ببعض الكتاب
ننقل هذا الدين لمن بعدنا بصورة لافتة للنظر، نفرّ منها [من القطيعة مع بعض الدين] من قوله تعالى:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
نعى الله على أولئك الذين ينقلون بعض الدين ويخفون بعضه أو يكفرون ببعضه، ومن هنا كان من المهم أن ننقل ديننا على ما هو عليه.
الدفاع عن التصوف الإسلامي النقي ودوره في حراسة مرتبة الإحسان والأخلاق
فلما تخرج دعوة عجيبة غريبة عن الجسد الإسلامي لنفي التصوف الذي هو حامٍ لمرتبة الإحسان ومبيّن للأخلاق الإسلامية وموضّح لها، يعني يريد [هذا الداعي] أن يُذهب مقصد الدين.
ويريد هذا الداعي إلى نبذ التصوف أن يُفسد على المسلمين أخلاقهم، وتراه يحتال بكل حيلة ويخلط بين التصوف الإسلامي النقي المقيّد بالكتاب والسنة، الذي هدفه تخلية القلب من القبيح وتحليته بكل صحيح، حتى يتجلى نور ربنا سبحانه وتعالى في قلب الإنسان فيكون عابدًا لربه معمّرًا لكونه مزكّيًا لنفسه.
ضياع التصوف بين المدعين والأعداء وضرورة التمييز بين الحقيقي والمزيف
يخرج [هذا الداعي إلى نبذ التصوف] من كل هذا النطاق إلى رؤية بعض الأفعال أو الأقوال من بعض الناس المنتسبين إلى التصوف [ممن ليسوا على حقيقته].
وهذا الذي كان يعبّر عنه الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم رحمه الله أن التصوف قد ضاع وسط بين المدّعين والأعداء؛ فهناك مدّعون ليسوا من التصوف في شيء إلا البدعة والمخرقة، وهناك أعداء لا يعرفون الأخلاق الإسلامية ويريدون أن يكون الإنسان آلة يمكن أن يتلاعبوا بها.
وجوب نقل الدين كاملاً بإسلامه وإيمانه وإحسانه والتمسك بالكتاب والسنة
ننقل هذا الدين لمن بعدنا بصورة لافتة للنظر، يتحتم علينا أن ننقله بإسلامه وإيمانه وإحسانه، يتحتم علينا أن ننقله بكل ما في هذه التجربة الإنسانية من حب ومن سلام ومن مشاركة ومن تعاون.
نقل هذا الدين لمن بعدنا بصورة لافتة للنظر تستدعي إدراكًا لواقعنا، وتستدعي تمسّكًا بكتاب ربنا وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
