وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 04 | عرض الدين بصورة لافتة
- •أرسل الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فكان الإنسان الكامل في كل صفاته ومقاماته.
- •مهمة النبي البلاغ فقط، وقد ترك لنا هذا الميراث النبوي في تبليغ الدين، ولو بآية واحدة.
- •الإسلام مشتق من السلام، وهو اسم من أسماء الله، وتحية المسلمين، وغاية المؤمنين في الجنة.
- •يدعو الإسلام إلى السلام من قوة وليس من ضعف، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله.
- •المسلمون لم يقاتلوا إلا دفاعاً عن أنفسهم، ويتوقفون عن القتال بمجرد انتهاء العدوان.
- •في عرض الإسلام للعالم، ندعو الناس للإيمان بالله، وحسن الجوار، والبحث عن المشترك الإنساني.
- •المقاصد الشرعية الخمسة (حفظ النفس والعقل والدين والمال والكرامة) تمثل النظام العام الذي اتفق عليه البشر.
- •الأمة الإسلامية أمة وسط، تقوم مقام الشهادة على الناس، وتدعو إلى الله بالحال قبل المقال.
- •الإسلام دين إنصاف وعدل ورحمة وبرهان يستحق الدراسة والاستماع في هذا العالم المتصل.
المقدمة ووصف الله تعالى لرسوله بالرحمة والبشارة والنذارة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
جاءنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووصفه ربه بأنه قد أرسله كافة للناس بشيرًا ونذيرًا، ووصفه ربه بأنه قد أرسله للناس رحمة للعالمين:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
وهو يقول عن نفسه:
قال رسول الله ﷺ: «إنما أنا رحمة مُهداة»
والذي يتأمل سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجد أنه كان الإنسان الكامل، وكان وحيدًا في نفسه؛ قد جمع الله له كل هذه الهمة التي لم نرها بعد ذلك في أحد من البشر.
عبادة النبي وتعدد مقاماته من القيادة والتعليم والقضاء
قام [النبي صلى الله عليه وسلم] الليل وكان قيام الليل عليه فرضًا، صام النهار وكانت عائشة رضي الله عنها تقول:
«كان يصوم حتى نقول لا يُفطر، وكان يُفطر حتى نقول لا يصوم»
قام بأعباء الدعوة وبالتعليم، وله مقامات كثيرة؛ فقد كان قاضيًا، وقد كان مفتيًا، وقد كان معلمًا، وقد كان قائدًا للجيوش، وقد كان مديرًا للمدينة، وقد كان صلى الله عليه وسلم تاجرًا وأبًا وزوجًا.
وكل أحد في العالمين يجد نفسه في رسول الله صلى الله عليه وسلم. المتأمل في سيرته والذي يقرأ فيها كثيرًا يحب هذا الإنسان الكامل في مواقفه وفي حركاته وسكناته وصبره وفي رضاه وتسليمه وتوكله على الله سبحانه وتعالى.
مهمة النبي في التبليغ عن الله وأنه ليس مسيطرًا على الناس
كان [المتأمل] يحب هذا الإنسان الكامل ويرى أن الله سبحانه وتعالى قد أرسله من أجل أن يبلّغ عنه فقط لا غير:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: 128]
هكذا يخاطب الله سبحانه وتعالى رسوله.
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]
كلام يُخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من منظومة التبليغ من رب العالمين إلى عباده أجمعين. ولذلك بعد أن أمره ربه وكلّفه وشرّفه صلى الله عليه وسلم، أدّى ما عليه.
ميراث التبليغ النبوي وأمر المسلمين بالبلاغ ولو بآية واحدة
القضية الآن هي أنه [النبي صلى الله عليه وسلم] ترك لنا هذا الميراث وأقام كل واحد منا مقامه في التبليغ، وقال صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية»
والقرآن ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية برواية حفص، وستة آلاف برواية حمزة الزيات. آية يعني واحدة من ستة آلاف؛ نسبة عجيبة وقليلة جدًا!
ولكن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ. نسبة تدل على أنه ليس لك من الأمر شيء أنت أيها المسلم، نسبة تدل على أنه ليس عليك إلا البلاغ أنت أيها المسلم إرثًا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.
النهي عن إكراه الناس على الهداية والدعوة بالرفق لا بالعنف
بعض الناس يحب أن يتدخل بين الإنسان وبين عظمه وجلده، وأن يهديه قسرًا أو بالعنف:
﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ﴾ [الكهف: 6]
إن [المسلم] عنده الآن ميراث نبوي يأمره بأن القليل خير من الكثير:
قال رسول الله ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت»
الكمّ ليس من الضرورة في شيء، ثم إنك لا تهدي من أحببت؛ ولذلك ما عليك إلا البلاغ. وهذا أمر واضح في كيفية عرض الإسلام بصورة لافتة للنظر على العالمين.
عصر العولمة وارتفاع الحدود والدعوة إلى الله على بصيرة
الآن ارتفعت الحدود وأصبحنا في عالم العولمة، الآن أصبحنا نسمع من كل أحد ولم يعد الحوار داخليًا. وأنا أكلمكم الآن يسمعني من في الشرق ومن في الغرب، فنحن جميعًا أصبحنا وكأننا في جوار وكأننا في بلد واحد ارتفعت منها الحدود.
ماذا نفعل؟ لندعُ إلى الله على بصيرة، ونواجه العالمين، ونعرض عليهم الإسلام.
أولًا: الإسلام مشتق من السلام واسم السلام في اللغة والشريعة
ونقول لهم أولًا: إن هذا الإسلام مشتق من كلمة السلام. والسلام في لغة العرب أُطلق على رب العالمين، والسلام أطلقها المسلمون في نصوصهم على الجنة التي يؤول إليها المؤمنون جزاءً وفاقًا لما قدموه من خير.
والسلام هي التي ينهي بها المسلم صلاته؛ فيقول في نهايتها: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" عن يمينه وعن يساره، حتى لو كان وحده، حتى لو كان إمامًا، حتى لو كان مأمومًا، رجلًا كان أو امرأة أو صبيًا أو كبيرًا؛ فإنه يخرج من الصلاة بالسلام.
معنى خروج المسلم من الصلاة بالسلام وعلاقته بالتعامل مع الناس
وهذا معناه أنه بعد ما انتهى من العبادة أول ما يواجه به الناس هو القول الحسن؛ بدأ الصلاة بالذكر وأنهاها بالقول الحسن. لأن الله سبحانه وتعالى أمره أيضًا قبل الدخول في الصلاة أن يقول للناس حسنًا:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]
يعني الكلمة الطيبة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة. الكلام الحسن الذي تقوله للناس في ميزان حسناتك يهيئك للصلاة.
ثم إذا بك وأنت تخرج من الصلاة تتذكر هذا المعنى؛ أن هذه الصلاة:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
وأن هذه الصلاة إنما هي تربّي الإنسان من أجل التعامل مع الأكوان، فينهيها بالسلام.
السلام تحية المسلمين وضد الحرب والإسلام دين السلام من قوة
والسلام هو تحية المسلمين؛ عندما يواجه أحدهم آخر يسلّم عليه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، "السلام على من اتبع الهدى".
والسلام هو ضد الحرب:
﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]
إذن هذا هو الإسلام، ونقولها أولًا: إننا أهل السلام. وإذا أردنا أن نكون أهل السلام فليس هذا عن ضعف؛ لأنه من الممكن أن يتوجه الإنسان للسلام عندما يكون ضعيفًا حتى يرقّق قلوب الآخرين عليه.
بل على العكس، عندنا أمر بالدفاع عن أنفسنا ولو وصل هذا الدفاع إلى القتال.
القتال في الإسلام خلاف الأصل وبيان أهدافه من القرآن الكريم
والله سبحانه وتعالى يبين لنا أن القتال خلاف لما بُني عليه الإسلام من رحمة ومن سلام. يبين لنا ذلك في أول كلمة يبدأ بها القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم. يبين لنا ذلك وهو يشرح لنا كيفية القتال وكيفية الدفاع عن النفس. يبين لنا هذا وهو يشرح لنا غرض القتال وأهدافه، وألا يكون للدنيا وعدوان واحتلال واستعمار وأخذ ونهب الثروات الأخرى.
هكذا يبين الله لنا هذا المقام وهو يقول:
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ * فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 190-193]
تعليم القرآن أن المسلمين دعاة سلام من قوة لا من ضعف
ما هذا؟ هذا تعليم أن هدف القتال لا بد أن يكون في سبيل الله. إننا لا نقاتل إلا من يقاتلنا، إننا دعاة سلام، إننا لا نعتدي، إننا ننتهي بمجرد انتهاء الاعتداء. نحن ندعو إلى السلام من قوة وليس ندعو إلى السلام من ضعف.
هذا هو المسلم. ما الذي حدث في التاريخ؟ الذي حدث في التاريخ أن المسلمين وهم في المدينة يأتيهم الآخرون المشركون مقاتلين في بدر، يأتونهم أيضًا في أُحد، يأتونهم مرة ثالثة في الخندق. لم يذهب المسلمون هنا وهناك، بل دافعوا عن أرضهم وعن كيانهم وعن ذاتهم ضد أقوام يريدون العدوان المستمر.
المؤمن القوي خير وأحب إلى الله وبناء السلام من قوة لا من ذلة
لم ينسحبوا [المسلمون] بسبب ضعف أو جبن، وإن السلام الذي لديهم ليس سلامًا مبنيًا على الضعف، بل هو سلام مبني على القوة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ فيه خير»
إلا أن المؤمن القوي هو مبتغى الدين وهو أصل المسألة. وكيف أكون قويًا؟ عندما أبني سلامي لا من ذلة ولا من خضوع ولا من قهر، وإنما أبني سلامي وأنا قوي؛ فأمتنع عن إيذاء الناس، بل وأدافع عن حقوق الإنسان، وأدافع عن عمارة الأرض، وأمنع الفساد فيها بكل قوة من قبيل السلام.
ثانيًا: دعوة العالم إلى الإيمان بالله في مواجهة الإلحاد
إننا نقول للعالم ثانيًا: ندعوكم إلى الإيمان بالله؛ لأننا أصبحنا في قرية واحدة، والإلحاد الأسود ليس له مكان بيننا. وبعد هذه الرحلة التي رحلها العقل البشري فإن العلم يدعو للإيمان؛ ولذلك فإننا نؤمن بالله وندعوكم إلى الإيمان بالله.
ثالثًا: الدعوة إلى حسن الجوار والرحمة بجميع المخلوقات
ثالثًا نقول لهم ونحن نعرض هذا الإسلام: إننا ندعو إلى حسن الجوار. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو يأمرنا في كيفية التعامل مع الآخر:
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
وفي رواية: "يرحمْكم" بضم الميم، وكأنه يدعو لمن رحم من في الأرض.
النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا إننا نتعامل مع الأكوان تعامل الرحمة؛ فيقول:
قال رسول الله ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها - قطة صغيرة حبستها - لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»
ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «دخلت امرأة بغيّ من بني إسرائيل الجنة في كلب وجدته عطشان فسقته»
الرحمة بالحيوان والنبات والإنسان وعلامات الإفساد في الأرض
ويذكر [النبي صلى الله عليه وسلم] مرة أخرى أمثال هذا، فيقول له الصحابة: ألنا في البهائم صدقة يا رسول الله؟ قال:
قال رسول الله ﷺ: «ألا إن في كل ذات كبد رطب صدقة»
ويتحدث عن النبات ويتحدث عن الحيوان، فما بالك بالإنسان!
وجعل الله علامات الإفساد في ترك هذه المعاني العالية:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ﴾ [البقرة: 204-207]
الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل وحرمة هدم بنيان الرب
صورة واضحة أن الفساد في الأرض متعلق بإهلاك الحرث والنسل، وأن من أفسد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل فهو معدود من المفسدين حتى لو أشهد الله على ما في قلبه.
فكما أخرج الأصبهاني في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «ابن آدم بنيان الرب، وملعون من هدم بنيان الرب»
نقول للعالمين إن حسن الجوار [هو أصل من أصول الإسلام]، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بسابع الجار وقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»
يجعله من الورثة من شدة وصية جبريل لسيد الخلق أجمعين ليبلّغنا إياها. هذا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. فنحن ندعو ثالثًا إلى حسن الجوار.
رابعًا: الدعوة إلى البحث عن المشترك الإنساني بين البشر
نحن أيضًا رابعًا وقد أصبحنا في قرية واحدة ندعو إلى البحث عن المشترك؛ فإن المشترك بيننا وبين بني البشر أكبر مما يتصوره الإنسان إذا ما فكّر وحده.
هناك مساحة واسعة جدًا للمشترك البشري الإنساني. لو أننا فكرنا وحدنا قد نرى مواضع الخلاف كثيرة، خاصة إذا ما صدّرنا العقائد في هذه المقارنات. ولكن عند التأمل والدراسة نجد أمرًا عجيبًا غريبًا، وهو أن مساحة الاشتراك أكبر جدًا من مساحة الاختلاف.
هذا لا يعني عدم وجود الاختلاف؛ هناك اختلاف في العقائد، ونحن نعتز بعقائدنا ونعتز بقرآننا وسنة نبينا، ونعتقد اعتقادًا جازمًا في صحتها، ونعتقد اعتقادًا جازمًا في أننا على الحق.
احترام الأنبياء جميعًا والتعامل مع الآخرين بلا إكراه في الدين
ولكن نحن لا نُكره أحدًا على أن يعتقد مثل اعتقادنا، ولا نريد من أحد أن يزدري أدياننا أو أن يسيء إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.
نحن مع احترامنا لجميع الأنبياء الذين أصبح الإيمان بهم جزءًا لا يتجزأ من حقيقة الإسلام، ليست بيننا وبين أحد مشكلات. إننا نؤمن بعيسى وموسى وإبراهيم [عليهم السلام].
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمنا التعامل مع الآخرين حتى في شأن المجوس الذين نجهل هل كان زرادشت نبيًا أم لم يكن نبيًا، وهل كتابهم موضوع أم أنه كتاب إلهي. حتى مع هذا يقول:
قال رسول الله ﷺ: «سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب»
ونحن نؤمن بالتوراة ونؤمن بالإنجيل ونؤمن بكل خُلق رفيع، فنحن نبحث عن المشترك.
القرآن يعلمنا الإنصاف والعدل وعدم التعميم في الحكم على الناس
ولا يعكّر هذا البحث [عن المشترك] ما ورد في القرآن من نعي متكرر على الصفات القبيحة التي ينبغي على كل الناس أن يستنكروها وأن يردّوها.
القرآن علّمنا الإنصاف، علّمنا العدل؛ فقال:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [البقرة: 109]
﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 69]
إذن فهناك عدم عدوان على الناس بسبب أديانهم ولا عقائدهم، وإنما هناك إنكار للتحريف، للتجبّر، لإحلال الحرام وتحريم الحلال، وجعل واسطة بين الإنسان وبين ربه. صفات أنكرها القرآن.
ولكنه بالنسبة للناس، لأفراد الناس، فإنه احترمهم وجعل منهم بالعدل والإنصاف من يسارع في الخيرات، ومن إن تأمنه بقنطار يؤدّيه إليك، ولكن منهم أيضًا من إن تأمنه بدينار لا يؤدّيه إليك إلا ما دمت عليه قائمًا. في إنصاف لم يعلّمنا التعميم والتشويش في التعميم، بل علّمنا الإنصاف.
خامسًا: المقاصد الشرعية الخمسة تمثل النظام العام المتفق عليه بين البشر
إننا نبيّن خامسًا للعالمين أن المقاصد الشرعية الخمسة تمثل النظام العام الذي اتفق عليه البشر:
- •حفظ النفس
- •حفظ العقل
- •حفظ الدين
- •حفظ كرامة الإنسان
- •حفظ الملك على الإنسان وإتاحة الحرية
في هذا نظام عام لم يخالفه إلى الآن أحد من البشر. لعل بعض مدارس ما بعد الحداثة المتطرفة، أو ما بعد ما بعد الحداثة، أو القائلة بالنسبية المطلقة ترى أنه يمكن مخالفة هذا، وأنه يمكن في يوم من الأيام كما ورد في بعض الروايات الأدبية أن يبيع الإنسان نفسه للقتل فنقتله، أو يقتله في سبيل أن يعطيه مالًا يعطيه لأبنائه أو شيئًا من هذا القبيل.
خيال واسع لتفلّت لا نهاية له! نعم نحن ضده ولسنا معه، هذا الخيال الواسع. ونقول إن هذا فساد في الأرض.
الدعوة إلى المقاصد الشرعية كنظام عام والتحذير من عصر ذهاب المقاصد
ولذلك فنحن ندعو إلى فكرة المقاصد الشرعية التي هي النظام العام والآداب التي التزمت بها كل القوانين في الأرض حتى الآن.
وربنا سبحانه وتعالى يسترنا ألا نشاهد هذا العصر الذي فيه الانشقاق الأكبر؛ حيث تذهب المقاصد ويعيش الإنسان عيشة أدنى من عيشة الحيوان في الغابة.
سادسًا: مقام الشهادة والوسطية ومعنى كون الأمة شهداء على الناس
سادسًا وأثناء عرضنا للإسلام بصورة لافتة للنظر للعالمين، فنحن نقوم مقام الشهادة:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
"شهداء" جمع شهيد، وشهيد على وزن "فعيل"، و"فعيل" في لغة العرب تصلح للدلالة على اسم الفاعل والدلالة على اسم المفعول، وتصلح للدلالة عليهما معًا. فكلمة شهيد معناها الشاهد والمشهود؛ فاعل ومفعول.
والوسط هو أعلى الجبل؛ فتخيّل نفسك أنك في أعلى الجبل تشاهد الناس في سفح الجبل وهم يشاهدونك.
الدعوة إلى الله بالحال والبيان لا بالهجوم والوسطية الحقيقية
أريد أن أدعو إلى الله بالحال قبل القال. أريد أن أدعو إلى الله بصورة لا تصدّ الناس عن سبيل الله، بصورة البيان لا فيها هجوم على الآخرين ولا فيها ردود على من أساء إلينا، بل نسير في طريقنا كما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام البيان:
﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138]
الوسطية هذه التي بمعنى الشهادة والمشهودية والعلو في أعلى الجبل - لأن أعلى الجبل أوسطه - هي التي تحقق لنا ما نقول، وهو الذي نريد أن نواجه العالمين به:
انظروا إننا نحترم الإنسان، الأصل في ديننا الرحمة، نبحث عن المشترك، ديننا مبني على السلام، ديننا يقدم الإنسان قبل البنيان، يجيب على كل المشكلات التي لدى البشر.
خاتمة: الإسلام دين إنصاف وعدل يستحق الدراسة وعرضه بصورة لافتة للعالمين
ديننا دين يستحق الدراسة والاستماع، وتراكم الأجيال التي شوّشت عليه ينبغي أن يزول. ديننا دين إنصاف وعدل وبرهان:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
هذا الذي نريد أن نواجه به العالمين فيما يمكن أن نقول: عرض الإسلام بصورة لافتة للنظر، خاصة وقد أصبحنا في قرية واحدة.
شكرًا لكم، وإلى لقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
