وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 07 | أحكام الشخصية الاعتبارية
- •نعيش عصرنا مع التمسك بأصلنا، فالإسلام دين صالح لكل زمان ومكان.
- •من المبادئ المهمة التفريق بين الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية المعنوية.
- •الشخصية الطبيعية لها نفس ناطقة وعقل مفكر، ولها درجات روحية متعددة تؤثر في سلوكها.
- •الشخصية الاعتبارية تحكمها لوائح ونظم دون نفس ناطقة أو مشاعر، وتتجاوز حياة الأفراد وتختلف أحكامها.
- •مثال على ذلك: الكفالة في الفقه القديم لا يجوز أخذ الأجر عليها لأنها من باب الشهامة، لكن المؤسسات اليوم تأخذ أجراً مقطوعاً على الضمان.
- •المؤسسة الواحدة يمكن أن تتعامل بين فروعها بما لا يجوز للشخص الطبيعي مع نفسه.
- •تختلف الأحكام الشرعية باختلاف أربعة أمور: الزمان، المكان، الأحوال، والأشخاص.
- •هذا التغير في الأحكام يراعي المقاصد والأعراف مع ثبات الحقائق الشرعية.
- •الفقه يراعي حالات الضرورة والاختلافات المكانية لتحقيق مصالح الناس.
مقدمة المحاضرة ومبدأ العيش في العصر مع الحفاظ على الأصل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا أننا نعيش عصرنا ولا نترك أصلنا؛ لأننا نؤمن أن الإسلام جاء دينًا من رب العالمين إلى عباده أجمعين إلى يوم الدين، ولأننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى أمرنا فيما أمرنا فقال:
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
وإننا والأمر كذلك لا بد من دراسة واقعنا، ومن خلال دراسة واقعنا فإن من المبادئ التي ندعو إليها ونؤكد عليها ونرشد الناس لدراستها: التفريق بين الأحكام المتعلقة بالشخص الطبيعي والشخصية الاعتبارية.
تعريف الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية والفرق بينهما
الشخص الطبيعي هو الذي خلقه الله سبحانه وتعالى وجعل له نفسًا ناطقة وعقلًا وكلّفه تكليفًا مباشرة. وبين الشخصية الاعتبارية المعنوية التي لا يمثلها أحد بعينه، وإنما بصفة يتصف بها.
هذه الصفة قد تكون محدودة، وهذه الصفة قد تكون مؤقتة، وهذه الصفة قد تكون متغيرة، وهذه الصفة قد تكون متطورة، وهذه الصفة قد تكون جماعية وليست فردية، وقد تكون فردية كذلك.
وهكذا فإن هناك فرقًا بين الشخصية الطبيعية والشخصية المعنوية أو الاعتبارية.
خصائص الشخصية الطبيعية من حيث النفس والعقل والذمة المالية
الشخصية الطبيعية لها موعد في الميلاد وهي شخصية واحدة، لها عقل مفكر ولها ما يسمى بالنفس الناطقة. والعقل المفكر والنفس الناطقة مع القلب الذي هو مؤمن يمثل كل ذلك ذمة قابلة لأن تنشغل بالواجبات، وقابلة لأن تأخذ الممتلكات، وقابلة لأن تكون عليها حقوق، ولكن ما زالت في دور العقل والقلب والنفس.
النفس الناطقة قد تكون نفسًا أمارة بالسوء، قد تكون نفسًا لوّامة تلوم صاحبها على ما يصدر منه، قد تكون نفسًا ملهمة. وهذه النفس الملهمة قد تكون راضية أو مرضية أو مطمئنة أو كاملة، فالنفس درجات.
الفرق بين النفس الطبيعية والشخصية الاعتبارية في الحقوق والواجبات
وهذه الدرجات تجعل الإنسان يُخشى عليه من الانطباعات ومن الرغبات ومن الشهوات. لكن النفس المعنوية الاعتبارية ليس لها نفس ناطقة كهذه، بل هي شخصية.
هذه الشخصية [الاعتبارية] لها حقوق وعليها واجبات محددة بموجب لائحة قد أنشأتها. الشخصية الاعتبارية تتجاوز حياة الأفراد وتتجاوز شخصيتهم، بل وتتجاوز ممتلكاتهم أيضًا.
فهناك فرق في الواقع بين الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية.
الكفالة في الفقه بين الشهامة والغرامة والندامة للشخص الطبيعي
نرى في الفقه وهم يتحدثون عن الكفالة ويذكرون أنها من باب رفع الضيق عن الصديق، إذن فهي شهامة. حتى عندما وصفوها قالوا: أولها -أي الكفالة- شهامة، وأوسطها غرامة، وآخرها ندامة.
وذلك أن الشخص الشهم الذي كفل أخاه من باب رفع الضيق عن الصديق، وجاء موعد الدين ولم يسدد هذا الأخ المكفول، فسددتُ أنا عنه لأنني كفيل ولأنني ضامن. فلما سددتُ عنه تحققت الشهامة، ولكن تحقق معها الغرامة؛ إنني دفعتُ عنه دينه.
تحول الدين من الدائن الأصلي إلى الكافل وحدوث الندامة
وعندما يقول: وآخرها ندامة، معناها أن المكفول رفض أن يسدد لي هذا الدين؛ لأن الدين تحول الآن من الدائن الذي أخذ حقه منصرفًا، والدائن الجديد الذي هو الضامن والكافل.
فإما أن أستمر في الشهامة وأعفو عنه وأسامحه، وإما أن تمثل هذه عندي غرامة حقيقية فيحدث لي الندم أن دخلتُ في هذا الذي ليس في طوقي أو ليس في استطاعتي ولستُ قادرًا على إكماله، فتحدث الندامة.
المؤسسة الاعتبارية وضمانها المجرد عن علاقة الصداقة والشهامة
كل هذا الأمر لا يوجد عندما تكون الأمور مجردة [في الشخصية الاعتبارية]. هناك مؤسسة تضمن أحدهم بضمان ليس فيه علاقة الصداقة ولا ارتفاع الضيق عن الصديق، وإنما فيه عمل وتيسير لذلك العمل.
وأن هذا الإنسان ليس مضمونًا الضمان الكافي عند الطرف الآخر الدائن، ولذلك يحتاج إلى من يوسّع له ذمته، فوسّع ذمته بهذه المؤسسة التي لا علاقة للصداقة بها؛ لأنها ليست لها نفس ناطقة وليست لها عقل مفكر، بل لها لوائح ونُظم.
حكم أخذ الأجر على الكفالة بين الفقهاء القدماء والشخصية الاعتبارية
ولذلك عندما يأتيني الفقهاء القدماء ويتحدثوا بأن الكفالة لا يجوز أخذ الأجر عليها لأنها من باب رفع الضيق عن الصديق، أُصدّقهم في ذلك ويستمر هذا الحكم كما هو. وكلما ضمن أحدهم أخاه فإنه يسير على تلك الأحكام القديمة التي رآها الفقهاء ورؤيتهم فيها حق.
وأخذ الأجر على الكفالة أمر أجازها الجعفرية ولم يُجِزها الأئمة الأربعة. ولو سرنا بفكر الأئمة الأربعة لكان ذلك أيضًا صحيحًا، ولا مُشاحّة في أن نجعل هذه العلاقة من باب رفع الضيق عن الصديق وأنها شهامة، وأنه لا يجوز للإنسان أن يطالب أخاه بزيادة عن هذا المبلغ؛ لأنه نوع من أنواع المديونية، ولأن الأجر حينئذ يُضيع معنى الشهامة، ولأنه تكون فيه شبهة للمديونية مع الزيادة، وحينئذ فإن هذه الزيادة تكون شبهة للربا وحينئذ تكون محرمة.
التفريق بين علاقة الشهامة في الشخصية الطبيعية وعلاقة العمل في المؤسسة
كلام كله متسق وسليم مائة في المائة، إلا أن المؤسسة [الاعتبارية] ليست علاقتها هي علاقة الشهامة، إنما هي علاقة العمل. وعلاقتها ليست هي علاقة الصداقة حتى يُخشى على النفس قلة الشهامة والمروءة.
وعندما تأخذ أجرًا تأخذ أجرًا محددًا لا علاقة له بما إذا دفعت الدين عنه أو لم تدفعه عنه، وإنما تأخذ أجرًا مقطوعًا لقاء شهادة وتعهد، تشهد به وتتعهد به أمام الآخر بأنها سوف تسدد إذا عجز الطرف المدين عن السداد.
فلا شبهة ربا، ولا شبهة الشهامة ورفع الضيق عن الصديق متوفرة في الشخصية الاعتبارية، إنما هي متوفرة في الشخصية الطبيعية.
حكم بيع الشخص الطبيعي لنفسه وجواز التعامل بين فروع المؤسسة الواحدة
الشخص الطبيعي لا يجوز له مثلًا أن يبيع وأن يشتري من نفسه؛ لأن هذا عبث لا فائدة فيه، أن يكون هو البائع والمشتري وهو شخص واحد. السلعة كانت في ملكه فانتقلت إلى ملكه، فهذا يسمى عند العقلاء تحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل باطل لأنه لا فائدة فيه.
ولكن لو أن مؤسسة كمؤسسة المصرف لها فروع، وأن فرعًا أراد أن يقترض من فرع آخر، هي مؤسسة واحدة لكن لها وجوه مختلفة، فيجوز لذلك الفرع أن يقترض من هذا الفرع الآخر وبعد ذلك يسدد هذه الديون.
ارتباط تعاملات فروع المؤسسة بالسياسات الضريبية والأرباح المحققة والوهمية
وارتبطت هذه الأمور بسياسات ضريبية، بأرباح تكون محققة أو أرباح وهمية، وارتبطت هذه الأمور وأصبح لها معنى كنا لا نجده في أن يستدين الإنسان من نفسه أو أن يبيع الإنسان لنفسه.
ولكن وجدنا لها معنى عندما تعددت وجوه الشخصية الاعتبارية. والأمثلة كثيرة جدًا تبين أن الأحكام الفقهية قد تختلف باختلاف الشخصية.
المساحة المشتركة والاختلافات بين الشخصية الطبيعية والاعتبارية
لأن هناك مساحة مشتركة بين الشخصية الطبيعية والشخصية المعنوية؛ كل منهما له بداية، وكل منهما قابلان للتملك، وهما قابلان أيضًا للحقوق والواجبات.
ولكن تختلف هذه عن تلك بأن الشخصية الطبيعية لها نفس ناطقة ولها عقل مفكر، والشخصية الاعتبارية ليست كذلك. وتختلف أيضًا بأن الشخصية الطبيعية لها وجه واحد، والشخصية الاعتبارية ليست كذلك.
فبقدر [ما] تختلف [الشخصيتان] تختلف الأحكام، وبقدر الاتفاق تتفق الأحكام.
الجهات الأربع التي تختلف باختلافها الأحكام الشرعية
وهناك جهات أربع تختلف باختلافها الأحكام الشرعية. هذا كلام موروث وجدناه في كتبنا الفقهية ومُسلَّم به:
- تختلف [الأحكام] باختلاف الزمان.
- وتختلف باختلاف المكان.
- وتختلف باختلاف الأحوال.
ويبقى اختلاف رابع وهو بقية الجهات الأربع التي تختلف بها الأحكام، وهي:
- اختلاف الأحكام باختلاف الأشخاص.
فالزمان والمكان والأحوال والأشخاص، تختلف الأحكام باختلافها.
اختلاف الأحكام الفقهية باختلاف الزمان والأعراف مع مثال حراسة الماشية والزرع
فإذا تغير الزمان وتغيرت الأعراف تختلف الأحكام الفقهية، تختلف في صورتها لا في حقائقها. وفي المجلة العدلية التي وضعها الأحناف يقولون: لا يُنكر اختلاف الأحكام باختلاف الأزمان في الأحكام التي بُنيت على العرف. وتكلم الناس كثيرًا عن هذا المعنى وكيف يؤثر العرف في الفتوى وفي اختيار الأحكام.
وإنما ذلك الاختلاف [باختلاف] الزمان معنا مثال وهو: أن في قرية ما وفي زمن ما كان الناس يحرسون البهائم أن تعتدي على الحقول وعلى النباتات صباحًا، وفي المساء صاحب الزرع هو الذي يحمي زرعه.
تطبيق تغير العرف على حكم ضمان اعتداء الماشية على الزرع
ثم بتطور الزمان انعكس الحال، فأصبح الناس يحمون زروعهم في النهار وأصحاب الماشية يحمون مواشيهم بالليل.
فإذا اعتدت الماشية بالليل في الصورة الأولى فلا ضمان؛ فالتقصير واقع على صاحب الزرع. وفي الصورة الثانية التي فيها حماية الماشية بالليل، لو اعتدت الماشية على الزرع يكون هناك الضمان على صاحب الماشية.
الضمان في هذه الصورة على صاحب الماشية، والضمان في هذه الصورة على صاحب الزرع. تغيير الحكم هو في حقيقته لم يتغير في حقيقته؛ أنه ناسب العرف؛ لأن الحماية في الأول كانت على صاحب الماشية فضمّنّا الزارع، والحماية في الثانية كانت على صاحب الزرع فضمّنّا صاحب الماشية. كانت على صاحب الماشية فضمّنّا الحماية.
إذن لم يتغير الحكم وهو أننا نراعي من الذي عليه الحماية ثم نبني عليها.
اختلاف الأحكام باختلاف المكان بين دار الحرب ودار الإسلام
حتى لو اختلف الزمان يختلف الحكم الفقهي باختلاف دار الحرب ودار الإسلام. ودار الحرب ودار الإسلام كلمات فقهية زمنية كانت موجودة أيام ما كان العدوان مستمرًا على المسلمين، حتى ذهب الفقهاء إلى هذا التقسيم. هذا تقسيم ليس شرعيًا وإنما هو تقسيم زمني رأيناه.
وكذلك تختلف الأحكام باختلاف البقاع في ديار المسلمين وديار غير المسلمين. ففي ديار غير المسلمين حتى لو لم تكن دار حرب، يجوز للمسلم العقود الفاسدة كما يذهب إلى ذلك أبو حنيفة ومذهبه.
لماذا؟ قال: لأن هذه الدار ليست محلًا لإقامة الإسلام، الناس لا يعرفون إسلامًا ولا يريدون إسلامًا.
الاندماج والتعايش في ديار غير المسلمين واختلاف الأحكام باختلاف الدارين
وهذا يساعدنا في الاندماج وفي التعايش. بعض الناس ينكر ويريد أن يحوّل كاليفورنيا إلى دار الخلافة، هذا كلام غير واقعي لا يعرفه الفقه الإسلامي.
صحيح أن الإمام الشافعي ومالكًا وأحمد يقولون بأن العقود الفاسدة محرمة على كلا الطرفين، لكن لا نختار فقهًا وهو [جائز] على مذهب الأحناف ولهم أدلتهم الكثيرة. تختلف الأحكام باختلاف الدارين.
اختلاف الأحكام باختلاف الأحوال وأمثلة الضرورة في الفقه والخاتمة
هذا هو الاختلاف مراعى في الزمان ومراعى في المكان، كذلك مراعى في الأحوال. فحالة الضرورة ليست كحالة الاختيار.
رأينا المصريين وهم يجيزون الدفن في الفساقي على خلاف المقرر في الفقه، وذلك للضرورة. رأينا الأحناف وهم يتحدثون عن عموم البلوى، وذلك ضرورة قد تبيح بعض المعاملات، قد تكون في الأرض في مكة وكيف كانوا يعيشون.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
