وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 08 | نظرية تفريق الأحكام - قال الإمام

وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 08 | نظرية تفريق الأحكام

22 دقيقة
  • من مبادئنا إحياء النظريات الفقهية التي لم ينتبه إليها كثير من الناس وأهمها نظرية تفريق الأحكام.
  • تفريق الأحكام يعني أخذ أكثر من حكم في قضية واحدة بدلاً من الاختيار بين حكمين متناقضين.
  • مثال ذلك: قضية رجل تزوج امرأة ثم ادعى والده أنها ابنته، فيمكن إثبات النسب وإثبات الزوجية معاً.
  • بهذه النظرية يمكن إثبات نسب البنت لأبيها فترثه وتورثه، مع استمرار علاقتها الزوجية.
  • لم يتحدث عنها الفكر القانوني بينما تحدث عنها فقهاء المسلمين.
  • ترتبط هذه النظرية بقاعدة "لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد" وبقضية تغيير المذهب.
  • ينبغي دراسة هذه النظريات وربطها بالواقع وتقييم إمكانية استخدامها كأدوات.
  • الإنتاج الإسلامي الفكري في إحياء النظريات يتميز بالحكمة والعدل والتسامح.
  • هذه النظريات تحتاج إلى بحث متعمق وتوسع ودراسة حتى نخرج بمسائل علمية دقيقة.
  • الهدف هو الاستفادة من تراثنا بكل ما فيه من قيم ومبادئ.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

مقدمة حول إحياء النظريات الفقهية من تراث السلف الصالح

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

من مبادئنا التي اهتممنا بها من خلال احترامنا لتراث آبائنا وأجدادنا وسلفنا الصالح، أن نُحيي النظريات التي أشاروا إليها في كتبهم، وهي والحمد لله كثيرة.

منها نظرية تفريق الأحكام والتي ستكون موضوع لقائنا اليوم، ومنها نظرية اللحظة الدقيقة أو اللحظة اللطيفة، ومنها نظرية ذهاب الحكم بذهاب المحل، ومنها غير ذلك من النظريات التي لم نرَ الناس قد اهتموا بها.

استفادة القانونيين من الفقه الإسلامي وإغفالهم لنظريات مهمة

حتى إن القانونيين وهم يستفيدون من الفقه الإسلامي، وقد استفادوا منه استفادة كثيرة في كثير من الأمور؛ كنظرية العقد، وكالتعسف في استعمال الحق، وكنظرية الضرورة وهكذا، لم يستفيدوا من هذه النظريات استفادة حقيقية.

ولم نجدها عندهم كما وجدناها عندهم وهم يتحدثون عن الصورية التي تحدث عنها الفقهاء في باب التلجئة، ولا يشيرون إلى الفقه الإسلامي في هذا المقام مثلًا.

ولذلك فمن مبادئنا إحياء النظريات الفقهية المهمة التي لم ينتبه إليها كثير من الناس.

التعريف بنظرية تفريق الأحكام عند الفقهاء الشافعية وأهميتها

وهذه النظرية التي معنا اليوم والتي نسميها بـتفريق الأحكام، هذا اللفظ استعمله الفقهاء الشافعية وضربوا له مثالًا، لكن استيعابه على حقيقته يجعل الفقيه أكثر تمكنًا من الدراسة بعمق، خاصة أثناء الفتوى والتعامل مع الحالة المعروضة عليه.

تفريق الأحكام ضربوا له مثلًا نشرحه باستفاضة من أجل أن نضع أيدينا على هذا المعنى الجليل؛ معنى تفريق الأحكام، وكيف يستوعبه الفقيه، وكيف يستوعب من بعده رجال القانون في صياغاتهم وفي حكمهم وفي تحليلهم للأحداث مثل هذا الأمر، فيكونوا أقرب إلى تحقيق العدالة والقضاء على المتناقضات وإزالة الحيرة عن كاهل القاضي عندما يقع بين أمرين متناقضين في الظاهر، ويمكن أن نحل هذا التناقض عن طريق نظرية تفريق الأحكام.

قصة رجل طلّق زوجاته بأمر أبيه ثم تزوج في القاهرة

مثالها أن رجلًا جاء إلى القاهرة وبحث عن امرأة يتزوجها، وذلك أنه في بلده في الأرياف كان قد تزوج امرأة، ولكن أباه أمره بتطليقها، فاستجاب لأبيه وطلّق زوجته وكان يحبها ولا يريد ذلك، إلا أن ضغط العادات والتقاليد وابتغاء بر أبيه جعله يستجيب ويطلقها.

ثم إنه بعد ذلك تزوج امرأة أخرى في البلد، فإذا به أيضًا يأمره بطلاقها فيستجيب له؛ لأنه إذا كان قد طلّق من أحب فإنه يطلق هذه حيث إن المشاعر لم تكن متأججة كحالتها الأولى، فطلقها.

وإذا به يتزوج ثالثة فيأمره أبوه بطلاقها، وييئس من هذا الأب الذي لا يريد له أن يتزوج، فيرحل عن البلد وينزل إلى القاهرة ويبحث.

زواج الرجل من فتاة مجهولة النسب وقصة أمها مع رجل مجهول

فيجد أناسًا ملتزمين طيبين، ويسأل عن هذه الفتاة، فتخبره الأم أن رجلًا جاء قبل ذلك من مكان هي لا تعرفه، وكان يسمي نفسه باسم معين، وتزوجها على سنة الله ورسوله قبل إنشاء الوثائق وهكذا إلى آخره. الوثائق بدأت في مصر سنة ألف وتسعمائة واحد وثلاثين.

وأنجب منها هذه البنت، فهو زواج صحيح وهذه البنت هي ابنة ذلك الرجل. اطمأن هذا العريس لزوجته الجديدة وتزوجها وأنجب منها وعاش معها فيما يقولون في ثبات ونبات [أي: في استقرار وهناء]، وتوفيت هذه الأم.

مفاجأة الأب بادعاء أن زوجة ابنه هي ابنته من زواج سابق

وفي يوم من الأيام جاء الأب الذي أمره بالطلاق مكررًا في بلده، جاء إلى القاهرة يزور ابنه ويرى زوجته. فلما فتحت له الفتاة قال لها: من أنتِ؟ قالت له: أنا زينب. قال: زينب بنت فاطمة؟ قالت: نعم، أمي كان اسمها فاطمة.

قال لها: كنتم تسكنون خلف الأزهر في حي الأتراك رقم خمسة؟ قالت: نعم، كنا نسكن في هذا البيت فعلًا. قال لها: يا حبيبتي يا ابنتي، وضمها إلى حضنه.

وقال لابنه: إن هذه ابنتي من فاطمة، وإنني جئت إلى هنا في سنة كذا، وتزوجت أمها فاطمة وأنجبت الطفلة واسمها زينب، سميناها زينب، ولكنني لسبب أو لآخر طلقتها وعدت إلى البلد.

شك الابن في دعوى أبيه وتعارض إثبات النسب مع بقاء الزوجية

الابن الذي كانت له تجربة مريرة مع الأب؛ فطلّق زوجته الأولى والثانية والثالثة، ظن أن هذا الرجل اختلق القصة من أجل أن يطلّق زوجته الرابعة التي أنجب منها والتي أحبها وأحبته.

وأصبح الوضع كالآتي: رجل يدّعي نسب فتاة يمكن أن تكون فعلًا ابنته، هو اسمه محمد وكان يسمي نفسه باسم شهرة في الوسط "زكي"، فهي نعم زينب بنت زكي، لكنه يقول: هذا اسم الشهرة الذي كان لي وأنا محمد وأنا أبوها.

هذه دعوى، وزوج ينكر هذه الدعوى ويقول إن هذا الرجل يدّعي هذا النسب من أجل إفساد حياتي الزوجية كما فعل مرارًا وتكرارًا من قبل.

تعارض مصلحة الزوج في إنكار النسب ومصلحة الأب في إثباته

فإلغاء هذا النسب يتيح له [أي: للزوج] أن يستمر في تلك العلاقة الزوجية؛ لأنه ينكر أن تكون زينب أختًا له من أبيه. والرجل [أي: الأب] يجوز له أن ينسب زينب إليه؛ لأنها مجهولة النسب، لا نعرف من هو زكي هذا وأين أراضيه، وماتت المرأة التي تزوجها.

ولذلك فهذه مجهولة النسب، وإن كانت في نسب صحيح لكنه مجهول، فيجوز لهذا الأب أن يدّعيها.

وأصبحت لدينا الآن مشكلة: الأب يدّعي بنوة زينب والزوج يرفض. لو صحت نسبة الأب لزينب لكانت أختًا لهذا الرجل، وحينئذ فعقدهما يُفسخ فورًا ولا يجوز له أن يستمر مع هذه الحالة. ولو أن هذا الرجل كذب في دعواه فإنه يستمر.

حل الإشكال بنظرية تفريق الأحكام وإثبات النسب والزوجية معًا

فماذا نصنع في هذه القضية؟ أنصدّق الأب ونحكم على الزوج بفسخ العقد، أم نصدّق الزوج وننفي نسبة هذه المرأة لهذا الرجل كابنة؟ ماذا نصنع؟!

أمامنا طريقان: طريق نفي النسب وإثبات الزوجية، أو نفي الزوجية وإثبات النسب؛ لأنهما متعارضان.

فجاءت هذه الفكرة وهذه النظرية تحل هذا الإشكال على الوجه التالي: من الذي قال إنه لا بد لنا من اختيار واحد من الطريقين؟ يمكن أن نختارهما معًا، وستحدث هذه المفارقة: نُثبت النسب ونُثبت الزوجية.

تطبيق نظرية تفريق الأحكام بإثبات الميراث والزوجية في آن واحد

ما معنى هذا؟ يعني نُثبت النسب بين زينب وأبيها المدّعي، ونجعلها [أي: البنوة] قاصرة عليهما لا تتعدى إلى غيرهما، وبذلك ترث زينب عندما يموت ذلك الرجل منه ميراث الابنة من أبيها.

وفي الوقت نفسه، نعتبر إنكار الزوج وتستمر الزوجية. نفرّق الأحكام؛ فنعطيها الميراث لأن الرجل أدخلها في نسبه، ونعطيها الزوجية لأن الزوج أنكر ذلك النسب.

فالنسب منكور من جهة، لا علاقة لنا بأن يؤثر في ذلك النسب هذا الإنكار، ولا أن يؤثر إثبات النسب في بقاء الزوجين. وهذه هي نظرية تفريق الأحكام.

تفرد الفقه الإسلامي بنظرية تفريق الأحكام دون الفكر القانوني

هذه النظرية ليس لها مثيل في كتب القانون، لم يتحدث عنها الفكر القانوني وتحدث عنها فقهاء المسلمين.

وهناك أمور مثل هذه نضطر فيها إلى تفريق الأحكام؛ لأننا نشعر أن العمل بأحد الطريقين ترجيح بلا مرجح، وكأننا نتجرأ على ظلم أحد الطرفين.

ومن أجل ذلك، يبقى الحال على ما هو عليه في كل من الطرفين، ونأخذ بالطريقين؛ فنورّث هذه البنت من أبيها، ونورّث أيضًا الأب منها إذا ماتت قبله، وعلاقة الزوجية تظل مستمرة كما هي.

هل يمكن أن يتزوج الأخ أخته في الإسلام وصورة ذلك الاستثنائية

بذلك يحدث لغز أو مسألة تقول مثلًا: هل هناك صورة يتزوج فيها الأخ أخته؟ قالوا: ليس لنا في الإسلام صورة يتزوج فيها الأخ أخته إلا هذه؛ التي سميناها أخته باعتبار دعوى أبيه وباعتبار إثبات النسب من أبيه، وسميناها زوجة بالخطأ عن غير معرفة، بل بشبهة قامت في ذهنه.

شبهة الفاعل مثل أن يشرب الإنسان شيئًا يظنه ماءً ثم يتبين أنه خمر، فلا إثم عليه.

قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

ولكن هي شبهة قامت لديه أن هذا ماء.

قصة بشار وانعكاس الفطرة من كثرة الذنوب والمعاصي

والعكس، لو أن رجلًا أقدم على امرأة وهو ضرير أعمى لا يبصر، فبعد أن انتهى من مضاجعتها قالت له: ألا تعرفني يا بشار؟ قال: سبحان الله، من أنتِ؟ أنتِ زوجتي! ما أجملكِ في الحرام وما أقبحكِ في الحلال!

فطرته انعكست من كثرة ذنوبه ومن كثرة تجرئه على هذا الفعل الخبيث، حتى أنه استمتع بها متوهمًا أنها أجنبية، ولم يستمتع بها حين كانت زوجة شرعية؛ فطرة منعكسة وأمور منكوسة.

حكم الشبهة في المجامعة وموقف الحنفية من نقض الوضوء

هذه الحال هي التي نتحدث عنها في الشبهة التي تقوم بالفعل، ولكن الشبهة هنا عندما تحدث أنه جامع امرأة على أنها زوجته فبانت أجنبية.

الحنفية يقولون: لا ينتقض الوضوء حتى لو كانت أجنبية. إذن هذه شبهة يحتاط الإنسان احتياطًا ليس واجبًا وإنما مندوبًا.

الشبهات والاحتياط وكيفية التعامل معها، مع نظرية الاختيار، مع نظرية تفريق الأحكام، يمثلون فكرًا معينًا يخرج بنا إلى طريق سويّ.

علاقة تفريق الأحكام بتغيير المذهب الفقهي والتنقل بين المذاهب

أيضًا علاقة تفريق الأحكام بقضية تغيير المذهب، وتغيير المذهب هذه لها ارتباط بتفريق الأحكام ولكن بطريقة أخرى.

إذا كان هناك شبهات مذهب باختلاف المذاهب، فهل يجوز لرجل وهو بعد ما كان غائبًا أتى ووافق على هذا الحال؟ فهو الآن موافق، فجاءوا بالرجل وعقدوا عقدًا جديدًا وغيّروا مسلكه.

فاستباحوها على مذهب أبي حنيفة الذي لا يشترط الولي، ثم لما حدثت الطلقات الثلاث استباحوها بعقد جديد فيه ولي على مذهب الإمام الشافعي حتى يتخلص من الطلقات الثلاث.

قاعدة لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد وخلاف العلماء في تغيير المسلك

هذا أيضًا له علاقة بقاعدة لا يُنقض الاجتهاد بالاجتهاد، وهي قاعدة فقهية واسعة. سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] وهو يقول: هذا على ما قضينا وهذا على ما قضينا.

ما حكم تغيير المسلك؟ هل هو مناسب أم غير مناسب؟ هل فوائده أكثر من مساوئه أم أن العكس مساوئه أكثر من فوائده؟ أمر يحتاج إلى بحث وإلى درس، ولم يأخذ هذا الأمر حتى الآن الباحثون بمأخذ الجد.

فنريد أن نُحيي تلك النظريات وأن نناقشها وأن نربط بعضها ببعض، حتى نتوغل في الذهن الفقهي المسلم عبر العصور.

نزاع علماء الأزهر حول تغيير المسلك الفقهي وكتاب الهداية

تغيّر المسلك هذه حدثت في النصف الأول من القرن، نزاع بين أحد علماء الأزهر وبين الشيخ النجدي شيخ الشافعية، والشيخ محمد سليمان وآخرين، في المثال الذي ضربناه.

وألّف العالم الأزهري كتابًا اسمه "الهداية" يرد فيه على المشايخ بأن هذا أيضًا، تغيير المسلك، لا يجوز. أما المشايخ، الشيخ النجدي والشيخ محمد سليمان، كانوا يرون أن ذلك يجوز بنص للرملي في شرح المنهاج.

المسألة تحتاج إلى توسع وإلى دراسة وإلى تأنٍّ حتى نخرج بمسألة علمية.

الدعوة إلى إحياء النظريات الفقهية وربطها بالواقع المعاصر

لكن من مبادئنا التي ندعو إليها والتي نريد أن يتحقق بها الشباب: إحياء النظريات التي وردت في الفكر الإسلامي، إحياء هذه النظريات ودراستها وربطها بالواقع، ورؤية ما إذا كان بإمكاننا أن نجعلها أدوات أم لا.

أي أننا لا ندعو إلى إحياء نظرية بعينها حتى نصل إلى أهداف معينة، دون أن نرى المفاسد والمصالح المترتبة على ذلك ونقيس بميزان العدل مثل ذلك.

المقصود والمبدأ الذي نسير عليه هو الاستفادة من تراثنا بكل ما فيه من حكمة ومن عدل ومن تسامح ومن ضبط للأمور، لم نره في غيره من أفكار البشر.

الإنتاج الإسلامي الفكري في إحياء النظريات هو أساس من أسس مبادئنا التي ندعو إليها. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.