وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 13 | أسس الاختيار الفقهي
- •تعددت المدارس الفقهية عبر العصور، فقد اجتهد كثير من الصحابة كالخلفاء الراشدين والعبادلة، ثم التابعين وفقهاء المدينة السبعة.
- •وصل عدد المجتهدين إلى نحو ثمانين مجتهداً، أبرزهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والسفيانين.
- •تنقسم الأحكام الشرعية إلى قطعية وظنية، فالقطعية تمثل هوية الإسلام ولا مجال للاختلاف فيها كالصلوات الخمس وصوم رمضان وتحريم الخمر.
- •أما الظنية فمجال للاختلاف بين العلماء، وأسباب الاختلاف متعددة منها: التوثيق والفهم والتطبيق واللغة.
- •الاختيار الفقهي وظيفته تحقيق المقاصد الشرعية والمصالح، ويختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
- •اتسعت دائرة الاختيار الفقهي من المذهب الحنفي إلى المذاهب الأربعة ثم الثمانية التي تشمل الظاهرية والإباضية والزيدية والجعفرية.
- •التلفيق بين المذاهب وتغيير المسلك من القضايا المهمة التي أثارت جدلاً فقهياً في العصر الحديث.
مقدمة حول أسس الاختيار الفقهي وتعدد المجتهدين عبر العصور
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من المبادئ التي نسير عليها والتي ينبغي أن نتحدث حولها أسس الاختيار الفقهي، وهذه كلمة قد تكون مركبة وتحتاج إلى شرح طويل؛ لأن المجتهدين تعددوا وتعددت رؤاهم وتعددت مدارسهم عبر العصور.
هناك أكثر من ثمانين مجتهدًا أو يزيد في طبقة ما بعد الصحابة الكرام، وفي الصحابة اجتهد كثيرون عدّهم ابن القيم في كتابه الماتع «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، كان منهم المكثرون وكان منهم المتوسطون وكان منهم المقلّون. والمقلّ قد يكون له فتوى أو اثنتان، وأما المتوسط فله عشرة أو له عشرون، أما المكثر ففتاويه تُجمع في جزء.
أبرز المجتهدين من الصحابة الكرام والخلفاء الراشدين والعبادلة
نحو عشرين من الصحابة كانوا قد بلغوا مرتبة الاجتهاد. الأئمة الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، خاصة سيدنا علي الذي قال فيه عمر بن الخطاب: «قضية ولا أبا حسن لها»؛ لأنه كان أقضى الصحابة وأفقههم رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
كان هناك العبادلة، وكلمة عبادلة أتت من كلمة عبد الله. كان هناك عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وهكذا، وهؤلاء العبادلة اشتهروا بالفقه والنبي صلى الله عليه وسلم دعا لهم.
زيد بن ثابت أفرض الصحابة واجتهاد النساء كعائشة وأم سلمة
وكان هناك زيد [بن ثابت]، «أفرضكم زيد»، وناهيك بها. كان زيد بن ثابت أفرض الصحابة وأكثرهم اشتغالًا بالميراث، حتى أن الشافعي قد أخذ مذهب زيد وقال به، كما هو لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «أفرضكم زيد»
إذن فالصحابة فيهم من المجتهدين كثير، وبلغت بعض النساء كأمهات المؤمنين عليهن السلام، كـعائشة الصديقة بنت الصديق وكـأم سلمة أيضًا إلى مرتبة الاجتهاد.
تفردات السيدة عائشة في الفتوى وإفتاؤها بجواز بيع كسوة الكعبة
وعائشة لها ما استدركته على الصحابة، ولها تفردات في الفتوى. من هذه التفردات أنها أفتت بجواز بيع كسوة الكعبة وجعلها في مصالح البيت المعظم، وهذه لم يقل بها أحد من الصحابة قبلها.
وكانوا يدفنون كسوة الكعبة تعظيمًا لها وحتى لا تُمتهن هنا أو هناك، ولكن رأت السيدة عائشة أن تخالف هذا [الرأي السائد] وأن يبيعوها للناس ليتبركوا بها، ولتُؤخذ هذه الأموال لتُجعل في مصالح البيت. فقهٌ كثير رُوي عن الصحابة الكرام.
جيل التابعين وظهور المجتهدين الكبار كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد
كان هناك بعد ذلك جيل التابعين، وكان منهم أيضًا فقهاء، فهناك فقهاء المدينة السبعة، سالم وغيره، فيما يطول الكلام به.
بعد ذلك رأينا أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي، ورأينا الحمّادَين، ورأينا السفيانَين: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة. رأينا مجموعة ضخمة من المجتهدين وصل عددهم إلى نحو ثمانين من المجتهدين عبر العصور، خاصة أولئك الذين أكثروا من الصحابة، فلو جمعناهم لا يعني قاربوا التسعين.
الثروة الفقهية الكبيرة وأصول كل مجتهد في فهم الكتاب والسنة
إذن، فأنا معي ثروة كبيرة من الفقه، كل مجتهد له أصوله التي نظر بها إلى الكتاب والسنة، له أصوله التي وثّق بها تلك المصادر، له أصوله التي فهم بها هذه الأحكام واستنبطها، وترك لنا هذا الزخم وهذا الفقه الكثير.
من هنا وعندما ننتقل إلى النقطة الثانية، بعد ما فهمنا أن هناك مذاهب كثيرة فقهية وردت إلينا بصورة مدونة لافتة للنظر، يجب علينا أن نعلم أن الفقه الإسلامي عندما تكلم عن مسائله تكلم عن القطعي والظني.
مساحة القطعي في الفقه الإسلامي وأهمية الإجماع في حفظ هوية الإسلام
مساحة القطعي هي التي تمثل هوية الإسلام، ولقد تكلمنا في مرة سابقة عن القطعي وعن الظني. مساحة القطعي ليس فيها اختيار؛ لأنني لا أجد رأيين أمامي، بل أجد رأيًا واحدًا اتفق عليه المسلمون شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا، كبيرهم وصغيرهم، مجتهدهم وعاميّهم.
ولذلك فلا اجتهاد مع هذا الإجماع. وهنا يأتي مقام الإجماع ومدى أهمية هذا الإجماع؛ فإنه هو الذي يحافظ على هوية الإسلام.
أمثلة على المسائل القطعية المجمع عليها في الإسلام وحفظ الله لدينه
كل المسلمين يتوجهون في صلاتهم إلى البيت الحرام في مكة، كل المسلمين يصلون الظهر أربعة ويصلون المغرب ثلاثة، ويرون أن المفروض على المسلم خمس صلوات في اليوم والليلة. يصومون شهر رمضان ولم يختلفوا فيه هل هو رمضان أو شعبان.
كل هذا مساحة قطعية لا يمكن النقاش فيها، كتحريم الخمر والخنزير والربا والزنا، وحِلّ البيع وحِلّ الزواج وهكذا. هوية الإسلام لا اختلاف فيها، والحمد لله رب العالمين الذي حفظ دينه وحفظ مصادره:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
الدائرة الظنية وتعدد أقوال الإمام أحمد بن حنبل في المسألة الواحدة
إذا انتقلنا إلى الدائرة الظنية فإننا نجد فيها اختلافًا للفقهاء. في الرعاية الكبرى لابن حمدان وهو من الحنابلة، يروي عن أحمد وحده أكثر من ثمانية عشر قولًا في مسألة واحدة، ويروي أكثر من تسعة أقوال في مسألة أخرى.
أحمد بن حنبل يغيّر رأيه، ولكنه كان مجتهدًا عندما صدر منه هذا وهذا وهذا، إنما غيّر اجتهاده إما لمزيد من التفكير، وإما لحديث جديد وصل إليه، وإما لأنه غيّر رأيه في توثيق حديث ما، إلى آخر أسباب اختلاف الفقهاء والتي ألّف فيها كثير من العلماء.
مراحل أسباب اختلاف الفقهاء من التوثيق إلى الفهم والتطبيق والقياس
هذه الأسباب تأتي في مرحلة التوثيق؛ فبعضهم يصحح الحديث وبعضهم يضعّفه على قواعده. وتأتي في مرحلة الفهم؛ فأدوات كل إمام من الأئمة تختلف. وتأتي في مرحلة التطبيق، وتأتي في مرحلة الإلحاق والقياس، وتأتي في الاختلاف حول مفاهيم معينة أو مداخل معينة.
إلى آخر ما هنالك من أسباب قد تعود مرة إلى اللغة، وقد تعود مرة إلى الشريعة، وقد تعود مرة إلى أصول الفقه، إلى آخر ما هنالك.
المؤلفات في أسباب اختلاف الفقهاء وإيصالها إلى أكثر من ثلاثين سببًا
ألّف فيها الكندهلوي «الإنصاف في أسباب الخلاف»، ألّف فيها ابن تيمية رحمه الله تعالى، وألّف فيها من المحدثين الشيخ علي الخفيف، وهكذا.
أسباب اختلاف الفقهاء كثيرة، وقد أوصلها بعضهم إلى أكثر من ثلاثين سببًا من أسباب اختلاف الفقهاء. لديّ ثروة كبيرة: عندي قطعٌ لا يُناقش فيه، وعندي ظنٌّ قد اختلفت فيه الآراء.
موقف العلماء من الخلاف الفقهي ورؤية الإمام الشعراني في الميزان الكبرى
حاول العلماء عبر العصور أن يبيّنوا موقفهم من هذا الخلاف. أولًا: قَبِلوا هذا الخلاف. وثانيًا: في «الميزان الكبرى» للشيخ الشعراني يحاول أن يبيّن أن كل أولئك [المجتهدين] كانوا على الحق؛ لأنهم بذلوا الجهد واستعملوا الأدوات السليمة فتوصلوا بإذن الله تعالى إلى أحكام مختلفة.
فهذا هو مراد الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الاختلاف بين الفقهاء إنما هو واقع بين الرخصة والعزيمة. هذه وجهة نظر الإمام الشعراني.
رؤية الإمام العثماني والشعراني في أن الخلاف الفقهي بين الرخصة والعزيمة
ووجهة نظر من سبق الشعراني مثل الإمام العثماني؛ فإنه لما ألّف «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» ذهب نفس المذهب الذي ذهب إليه بعد ذلك الإمام عبد الوهاب الشعراني المتوفى سنة تسعمائة وخمسة وسبعين من الهجرة النبوية.
أنه عندما يقول الشافعي بأن لمس المرأة ينقض الوضوء وأبو حنيفة بأنه لا ينقض، فإن هذا إنما هو بين الرخصة والعزيمة: العزيمة مع الشافعي والرخصة مع أبي حنيفة، ولذلك فإن المؤمن يمكن أن يفعل هذا وذاك.
قضية التقليد والتلفيق وموقف العامي وطالب العلم من المذاهب الفقهية
وهنا تأتي المسألة الثالثة في أسس الاختيار الفقهي وهي قضية التقليد والتلفيق. العامي لا مذهب له، مذهبه مذهب من يفتي له. المقلّد يقلّد العلماء: إما أن يكون طالب علم فيقلّد مذهبًا واحدًا، وإما أن يكون عاميًّا فيقلّد من أفتاه ممن يثق في دينه وعلمه، ويجعله بينه وبين الله في تلقّي الأحكام.
ولكن نحن نتكلم عن الاختيار الفقهي، نتكلم عمّا يفعله المفتي الفقيه وهو لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد أو وصل إلى مرتبة الاجتهاد.
الاختيار الفقهي لغير المجتهد وارتباطه بتحقيق المقاصد الشرعية
الاختيار الفقهي في حالة ما إذا كان المفتي لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد يرتبط بتحقيق المقاصد الشرعية. أنه وهو يفتي، كما تكلمنا قبل ذلك، يكون بين النص وبين الواقع، ويريد بذلك أن يحقق المقاصد الشرعية من حفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان والملك له.
فيريد أن يحافظ على هذه المقاصد، ولذلك لا يمكن أن تخرج فتوى تعود على أحد هذه المقاصد بالبطلان على مستوى الفرد أو المجتمع أو الأمة أو حتى على مستوى العالم والكون.
مراعاة المصالح وعموم البلوى في الاختيار الفقهي وضوابط التقليد بين المذاهب
فلا بد عليه أن يراعي المقاصد الشرعية، لا بد عليه أن يراعي مصالح الناس. فإن هناك ما يسمى بـعموم البلوى؛ فإن بلوى قد تنتشر بين الناس يُضطر معها المفتي أن يقلّد مالكًا وأن يترك أبا حنيفة، أو يقلّد الشافعي ويترك أحمد بن حنبل، أو يقلّد ابن حنبل ويترك الأوزاعي، وهكذا فيما لا نهاية له من الاختيارات.
فإذا لم يكن مجتهدًا فإن الاختيار الفقهي لا بد أن يكون مرتبطًا بالمصالح والمقاصد، ولا بد أيضًا أن يكون في مجال الظن والاختلاف لا في مجال اليقين والقطع والإجماع.
وظيفة الاختيار الفقهي للمجتهد ومفهوم الاستئناس عند الإمام الشافعي
أما لو كان مجتهدًا فإن وظيفة الاختيار الفقهي تكون حينئذٍ للاستئناس. فلا بد علينا أن نفهم هذه الكلمة: الاستئناس، وهي كلمة عبّر بها الشافعي عندما تكلم عن قول الصحابي؛ فإن قول الصحابي لا يأخذ به الشافعي إنما يستأنس به.
فالاستئناس مسألة معروفة عند المجتهدين الكبار منذ القديم، وهي أنه يطمئن عندما يرى الصحابة الكرام [قد قالوا بمثل قوله] وهو لا يقلّدهم، وإنما قد وافق اجتهاده اجتهادهم.
شهادة ابن دقيق العيد والسيوطي على موافقة اجتهادهم لمذهب الشافعي
وهذا الذي ورد عن بعض الأئمة الذين اتبعوا المذاهب في الظاهر وكانوا حقيقةً من المجتهدين، كما قال ابن دقيق العيد: «ما قلّدنا الشافعية ولكن وافق اجتهادنا اجتهاده».
وهكذا يقول أيضًا السيوطي أنه اجتهد في الفقه فوصل إلى مذهب قارنه بالمذاهب، فإذا به هو مذهب الشافعي إلا في سبعة عشر مسألة، كلها أقوال ضعيفة أيضًا في المذهب. فلم يسمِّ نفسه سيوطيًّا مثلًا أو ينسب إليه مذهبًا جديدًا؛ حيث أنه قد وافق الشافعية ووافق اجتهاده اجتهاد هذا العالم العظيم رضي الله تعالى عنه وعن جميع العلماء العاملين إلى يوم الدين.
خلاصة وظيفة الاختيار الفقهي بين المجتهد وغير المجتهد
فـالاختيار الفقهي وظيفته الاستئناس إن كان مجتهدًا، ووظيفته إذا لم يكن مجتهدًا ترتبط ارتباطًا عضويًّا بتحقيق المقاصد والمصالح وعدم الخروج عن الإجماع.
مشروعية الاختيار الفقهي والجدل العلمي حولها في أواخر القرن التاسع عشر
الاختيار الفقهي إذن قضية أولًا مشروعة، ولقد أُثير حولها مجموعة من الأسئلة في أواخر القرن التاسع عشر. رأيناها في كتب أُلّفت مع الإمام الباجوري ومع الشمس الأنبابي ومع الإمام الحلواني الدمياطي ومع آخرين.
في القرن العشرين، في أوائل القرن العشرين مع الشيخ محمد منصور ومع الشيخ عبد الفتاح الشنواني، وهكذا في كتب حول هذه القضية.
أسئلة جوهرية حول الاختيار الفقهي والتلفيق والأخذ بالقول الضعيف
هي قضية الاختيار الفقهي وكيف يكون، وهل يجوز أو لا يجوز؟ قضية موقفنا من المذاهب المختلفة، وكيف نأخذ منها.
وما أسس التلفيق إذا ما لفّقنا؟ مرة نأخذ من هذا ومرة نأخذ من هذا ومرة نأخذ من هذا، هل هذا جائز؟ فأجازوه، أجازه جمهورهم.
هل يمكن أن نأخذ بالقول الضعيف؟ حدث كلام وألّف أحد الناس «رفع العتاب والملام عمن قال إن الأخذ بالضعيف من المذهب حرام». هذا يقف ضد الأخذ بالضعيف مطلقًا، وهذا معناه أن فريقًا آخر كان يأخذ بالضعيف مطلقًا.
استقرار الرأي على مشروعية الاختيار الفقهي وضوابطه في النصف الأول من القرن العشرين
الجدل العلمي الذي حصل في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في منتصفه الأول استقر على مشروعية الاختيار الفقهي، وأنه ينبغي أن يتصل اتصالًا وثيقًا بـالمصالح والمقاصد، وأنه يصدر من المشتغلين الراسخين في العلم ولا يصدر من كل أحد.
وأن الاختيار الفقهي يتغير في مسلكه من عصر إلى عصر باعتبار تغير المصالح وباعتبار تغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
الرسائل والكتب التي أُلّفت في الاختيار الفقهي واستقرار قواعده
كل هذا استقر عليه الرأي بعد جدل فقهي أصولي أُلّفت فيه الرسائل وهي بين أيدي الناس إلى يومنا هذا. طُبعت في أواخر القرن التاسع عشر والثلث الأول أو النصف الأول من القرن العشرين حتى استقرت هذه القواعد في الاختيار الفقهي.
تطور دار الإفتاء المصرية من التزام المذهب الحنفي إلى الاختيار بين المذاهب
نرى مثلًا مؤسسة مثل دار الإفتاء المصرية كانت تلتزم بالمذهب الحنفي في كل شيء وتفتي بالراجح منه. والراجح في المذهب الحنفي قد يكتنفه الغموض والاختلاف.
ولذلك نرى أن ما اختارته المجلة العدلية باعتباره الراجح من المذهب الحنفي يخالف ما اختاره قدري باشا، العالم الحنفي الكبير وزير الحقانية المصري، في كتابه «مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان» أو في كتابه «الأحوال الشخصية» في أربع مجلدات وهو مطبوع.
اختلاف أسس الترجيح بين العلماء وتغيرها من جيل إلى جيل
لماذا يختلف [الراجح بين هذه المصادر]؟ لأن أسس الاختيار وأسس الترجيح وأسس اعتبار أن هذا الرأي هو الراجح وهو الأقوى تختلف من جيل إلى جيل ومن عالم إلى عالم.
الفتاوى الهندية عندما وُضعت، وُضعت من أجل اختيار الأرجح، كما وُضعت المجلة من أجل اختيار الأرجح، ووُضعت كبداية للتقنين حتى يرجع إليها القضاة. التترخانية ولكن اختلف هذا مع المجلة، ثم اختلف مع قدري باشا.
وكل ذلك يبيّن أن الاختيار الفقهي قد يختلف باختلاف الجهات الأربعة للتغير: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
اقتراح محمد عبده الأخذ من المذهب المالكي وتوسع الموسوعة الفقهية إلى المذاهب الثمانية
بعد ذلك عندما جاء محمد عبده مفتيًا للديار المصرية اقترح أن يُؤخذ من المذهب المالكي ما يحل مشكلة الناس. ثم بعد ذلك بدأ الاتساع في الأخذ حتى جاء الشيخ محمد فرج السنهوري وهو ينشئ الموسوعة الفقهية في سنة ألف وتسعمائة وبضع وستين، فإذا به يجعلها على المذاهب الثمانية.
فوسّع الدائرة بدلًا من الفقه الحنفي والاقتصار عليه كما كانت الدولة العثمانية، توسّع إلى المذاهب الأربعة كما حدث في أوائل القرن العشرين وأواسطه الأول.
ضم المذاهب الثمانية بما فيها الظاهرية والإباضية والزيدية والجعفرية
ثم بعد ذلك زاد الاتساع إلى المذاهب الثمانية، فضمّوا إليها الظاهرية والإباضية والزيدية والجعفرية - والزيدية والجعفرية من فرق الشيعة -.
وكل هذه المذاهب الثمانية معمول بها إلى الآن، كتبها متوفرة وصلت إلينا، وأيضًا يتبعها أقوام في مشارق الأرض ومغاربها، قلّوا أو كثُروا.
الحاجة إلى وضع أسس مضبوطة للاختيار الفقهي بعد اتساع الدائرة
الاختيار الفقهي إذا اعتُمد، وبعد ألف وتسعمائة وستين في عام ألف وثلاثمائة وثمانين بدأت الدائرة تتسع، وأصبحت هناك حاجة لوضع أسس مضبوطة من أجل عملية الاختيار الفقهي.
تشمل تغيير المنهج، وهذا هو الجدل الذي حدث في أوائل القرن كما ذكرنا مع عبد الفتاح الشنواني ومحمد منصور والشيخ الحلواني من قبلهم في «الحكم المبرم» إلى آخره. وقضية التلفيق والتقليد، وقضية المصالح والمقاصد، وقضية القطعي والظني.
هل يمكن الاختيار بناءً على الأحوط وسد الذريعة في الاختيار الفقهي
والتيار الفقهي بعد ذلك أيضًا يتحدث عن قضية الأحوط. هل يمكن أن نختار بناءً على الأحوط؟ ما هذه الأسس التي ينبغي علينا أن نتبعها عندما نتبع الاختيار الفقهي؟
وهل الأحوط وسد الذريعة من هذه المسائل أم أنها ليست من هذه المسائل؟ إذن هذه الصورة مهمة ويجب أن تُكتب وتُدرس بجميع جوانبها وبأهم ما فيها.
تغيير المسلك الفقهي بين العصور والمواقف وأهميته كأساس من أسس الاختيار
لأن التلفيق قد كُتب فيه والتقليد كُتب فيه والأحوط كُتب فيه، ولكن تغيير المسلك - وهو أنني في عصر أختار أبا حنيفة، ثم في عصر آخر أختار الشافعي، وفي موقف أختار أبا حنيفة، وفي موقف آخر أختار الشافعي - تغيير المسلك هذا يحتاج إلى كتابة وتوضيح.
لكنه على كل حال هو قائم في أذهاننا وهو أساس من أسس الاختيار الفقهي المضبوطة عندنا، ولكنه جديد؛ حتى هذه الكلمة لم تُستعمل، إنما هي وصف لما حدث في الجدل العلمي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
مثال تغيير المسلك الفقهي في قضية الزواج بلا ولي والطلاق الثلاث
وضربوا لذلك مثالًا جرى حوله النقاش كثيرًا واختلفت فيه الآراء، وهو أن رجلًا قد تزوج على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان من غير ولي، ثم إنه طلّق زوجته هذه ثلاث مرات ووقع الطلاق.
فأراد أن يغيّر المسلك وأن يقلّد الإمام الشافعي فيُبطل العقد الأول - يعني نحكم ببطلانه لعدم وجود الولي -. وفعلًا هذا لو حكم به حاكم شافعي لحكم ببطلانه؛ لأن الولي لم يكن حاضرًا أو راضيًا وليس ركنًا من أركان العقد حينئذ، وزوّجت المرأة نفسها على مذهب أبي حنيفة النعمان.
نتيجة تغيير المسلك في قضية الزواج والطلاق والضجة العلمية حولها
وعلى ذلك يحكم الشافعي ببطلان هذا الزواج، فالطلقات الثلاثة وقعت في غير محل؛ حيث إنها وقعت في عقد باطل. وبذلك يجوز أن يرجع إليها بزواج جديد على مذهب الشافعي والولي حاضر، ويكون له ثلاث طلقات أخرى؛ لأن الأول قد انتهى ولا يُنظر إليه.
وقد أُثيرت ضجة كبيرة حول هذه القضية، لكنها قضية تغيير المسلك: هل يجوز هذا أم لا يجوز؟
خاتمة وأهمية دراسة أسس الاختيار الفقهي لطلبة العلم
إن هذا الأمر هو من المهمات التي ينبغي أن يهتم بها طلبة العلم وأن يدرسوها بدقة وبعمق؛ لأنها تفيد في الاختيار الفقهي.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
