وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 14 | التعايش - قال الإمام

وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 14 | التعايش

26 دقيقة
  • التعايش مبدأ أساسي نستمده من فهمنا الشامل للإسلام وتاريخه، مستفيدين من تجارب المسلمين في مكة والمدينة والحبشة.
  • لا يعني التعايش تغيير الأحكام الشرعية بعد استقرارها، بل الاستفادة من التجربة التاريخية للمسلمين.
  • الفهم الشرعي يجب أن يشمل الكتاب والسنة والسيرة النبوية، مع مراعاة المقاصد والمصالح والمآلات.
  • التعايش يجب أن يستفيد من مختلف مراحل التاريخ الإسلامي، في المدينة المنورة بقسميها وفي الحبشة وفي فتوحات المسلمين.
  • المسلم لا يترك شيئاً من دينه وأحكامه، لكنه يفرق بين المسائل والقضايا عند التعامل مع واقع مختلف.
  • الإسلام دين رحمة وسلام، وليس دين عنف أو صدام.
  • هذا التعايش يمكّن المسلمين من نشر دعوتهم العالمية دون إكراه أو عنف.
  • نحتاج لمزيد من البحث لتوسيع فهم أسس التعايش وكيفيته وفروعه على أساس علمي راسخ.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

مبدأ التعايش كأساس لفهم الإسلام وشريعته وتاريخه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

من مبادئنا التي ندعو إليها ونحاول أن نطبقها مبدأ التعايش، والأصل الذي نعتمد عليه في هذا [المبدأ] وفي فهمنا لدين الإسلام وشريعته وفقهه وتاريخه، إننا نؤمن بأننا لا بد علينا ألا نضيع شيئًا من دين الله، وأن نفهمه فهمًا كليًّا يتسق بعضه مع بعض.

الاستفادة من تجارب المسلمين في مكة والمدينة والحبشة في التعايش

نريد أن نستفيد مما حدث في المدينة المنورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نريد أن نستفيد مما حدث في مكة من كيفية معيشة المسلمين في وسط المشركين، بل في مدينة ترفضهم ولا تريدهم.

في مرحلة كانوا فيها يختفون في دار الأرقم بن أبي الأرقم عندما يريدون أن يجتمعوا، في مرحلة يكتم فيها أحدهم إسلامه، في مرحلة فيها مواجهة ولو كانت فردية يُعذَّب فيها ذلك الكافر بلال بن رباح، في مرحلة يُجير فيها المشركُ المسلمَ.

في مرحلة أخرى ظهر الإسلام وخرجوا بقوة مع خالد بن الوليد، وخرجوا بقوة مع حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب. في مدينة كهذه وجوٍّ كهذا نريد أن نستفيد منه.

تجربة المسلمين في الحبشة تحت سلطان ملك غير مسلم

كذلك المسلمون في الحبشة، كيف كانوا يعيشون تحت سلطان ملكٍ كان أولًا غير مسلم، وفي وسط مجتمع يرضى بهم وهم غير مسلمين، وفي وسط مجتمع يستقبلهم استقبالًا حسنًا؟

كيف كانوا يتعاملون؟ كيف كانوا يشاركون في أمن البلاد أو في مفاهيم الوطنية ولو كانت الحديثة؟

إذن لا نريد أن نضيع شيئًا، وليس معنى أننا لا نريد أن نضيع شيئًا من هذه المصادر، ليس معنى هذا أننا نقول إن الأحكام تُنسخ بعد استقرارها أو بعد عصر النبوة؛ هذا كلام باطل لا نقول به.

الاستفادة من التجربة التاريخية لا تعني تغيير الأحكام الشرعية المستقرة

ولا نقول أيضًا أنه يجوز مثلًا تغيير حكم الخمر فتصبح حلالًا في عصرنا، بل هي حرام، وأنا أرى في نفسي أنها كانت محرمة في كل دين.

ولكن القضية ليست تغيير الأحكام، بل الاستفادة من التجربة التاريخية للمسلمين؛ لأن زمن التشريع موضعٌ لاستنباط الأحكام. هذه القاعدة هي التي ندعو إليها في فهم الشريعة.

توسيع مصادر الفهم بإضافة السيرة النبوية إلى الكتاب والسنة

كذلك نحن نوسّع الدائرة ونرى أن الأخذ من الكتاب والسنة وهو أمر معتمد ولا بد منه ويمثل أغلب الشريعة، ينبغي أن يُضاف إليه الأخذ من السيرة.

وطريقة توثيق السيرة اختلفت عن طريقة توثيق الحديث، واختلف ذلك عن طريقة توثيق القرآن. وموضوع السيرة هو شارح للمواقف، والمواقف تشتمل على أمور متراكبة مختلفة، لها عنصر الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، لها توازنات، لها مراعاة للمآلات والمقاصد والمصالح، فيها مرونة قد لا توجد في النص.

الحاجة إلى مناهج لتطبيق النص المطلق على الواقع المتغير

فالنص مطلق، ولكن المواقف قد تكون نسبية، ونحن في حاجة إلى تطبيق النص المطلق في واقع متغير.

ولذلك نحن في حاجة لاستخراج مناهج فهم هذه المواقف النسبية، حتى تساعدنا على تطبيق المصدر المطلق — نصوص الكتاب والسنة — على الواقع المتغير، حتى نحقق مراد الله سبحانه وتعالى من شرعه.

إذن فدعوتنا هذه ليست نوعًا من أنواع الإنكار ولا النقد ولا الهدم، وإنما هي نوع من الإضافة ونوع من الاستفادة التي نحتاجها أشد الاحتياج في عصرنا الذي نعيش فيه.

التأمل في التجارب الحبشية والمكية والمدنية بقسميها المختلفين

يوجد إذا تأملنا في التجربة الحبشية، وإذا تأملنا في الفترة المكية، وإذا تأملنا في الفترة المدنية بقسميها:

  • القسم الأول: قبل إسلام جميع من في المدينة وطرد اليهود.
  • القسم الثاني: بعد إسلام جميع من في المدينة وبعد إسلام من حول المدينة وبعد طرد اليهود.

هناك قسمان مختلفان وواضح الاختلاف: أن يعيش المسلم في وسط اليهودي والمشرك وكذا إلى آخره، وأن يعيش المسلم وحده في مجتمع تام. ولكن هذه مسألة زمنية وليست مسألة تشريعية.

فهم كيفية معيشة المسلمين الأوائل في مختلف البلدان والأزمنة

وعلى ذلك فينبغي علينا أن نفهم: كيف كان يعيش المسلم الذي رضي الله عنه ورضي عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في الحبشة؟ كيف كان يعيش في مكة؟ كيف كان يعيش في المدينة أولًا وآخرًا؟

ثم كيف عاشوا بعد ذلك مع العالم؟ ماذا فعلوا عندما دخلوا مصر ودخلوا الشام ودخلوا العراق ودخلوا ما وراء النهرين؟ ماذا فعلوا عندما دخلوا الهند؟ وكيف كانت التجربة الإسلامية عبر التاريخ؟

انتشار الإسلام عبر التجارة والزواج والأسرة في أفريقيا وآسيا

كيف كان يعيش التجار مع الأفارقة الوثنيين؟ وكيف دخل الإسلام إلى أفريقيا وإلى إندونيسيا وإلى ماليزيا، وبأي طريق كان ذلك؟

وماذا فعل أهل مصر مع الصحابة الكرام؟ وهل تزوج الصحابة من غير المسلمات وعشنا عيشة هنيئة، وأحب كل واحد منهما الآخر؟ ونتج من هذا الحب ومن هذا الزواج أولاد انتسبوا إلى الإسلام، وبدأ الإسلام ينتشر عن طريق الأسرة. وكيف كان ذلك؟

مفهوم التعايش ومصادره من النصوص والسيرة والتجربة التاريخية

كل هذه النقاط: التجربة الحبشية والمكية والمدنية بقسميها، ومعيشة المسلمين ودعوتهم في العالم، كل هذه العناصر التي ذكرناها تكوّن المفهوم الذي ندعو إليه وهو مفهوم التعايش.

فالتعايش له مصادره، سواء في النصوص أو في المواقف الموجودة في السيرة، أو في التجربة التاريخية التي هي صحيح ليست مصدرًا للتشريع، وإنما تبيّن النجاحات التي حققها المسلمون عندما فهموا بعمق دينهم وطبقوه، فملؤوا الأرض خيرًا وحبًّا وسلامًا واحترامًا وحضارة وبناءً.

تقلص مصادر الفهم وإغفال السيرة والتعمق في مقاصد النصوص

هذا هو الذي ندعو إليه، هذا هو الذي نشعر به، وهو أننا وكأننا قد تقلصت مصادرنا وحُصرت في النصوص وأُغفلت السيرة.

كما أنها حُصرت في السنين الأخيرة في المدينة وأُغفلنا ما قبلها من تاريخ الوحي، كما أنها انحصرت في ظاهر هذه النصوص ولم يُرَد عند بعضهم التعمق إلى ما وراء هذه النصوص من أغراض أو من أهداف أو من أوضاع.

واقع التعايش مع الفنادق والبنوك وصناعة السينما في البلدان المسلمة

عندما نذهب إلى بعض البلدان ونجد أن الفنادق بها خمور وينزل فيها السائحون إلى هذه البلدان، وأنه قد استقر في نظام البلاد مؤسسات مالية مثل البنوك هي عند بعض الباحثين والعلماء من باب الربا.

وأن استقر في ثقافة هذه البلدان صناعة السينما، وأن صناعة السينما ليست مجرد صناعة ترتبط بالتقنيات الحديثة، بل هي أيضًا تحمل فكرًا. وهذا الفكر عندما يُؤدَّى تحدث من خلاله مخالفات شرعية قد تتعلق بالأهداف وبالدعوة التي وراءها الفيلم، وقد تتعلق أيضًا بغير ذلك من الأداءات التي تتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة أو بحجاب المرأة المسلمة أو بغير ذلك من الأمور.

الجدل حول اعتزال الفنانين وأهمية نظرية التعايش في المجتمعات المعاصرة

وهناك جدل كبير يتمثل في اعتزال الفنانين والفنانات، ويتمثل في عودة بعضهن أو بعضهم، ويتمثل في قضية العودة هذه تكون بالحجاب أو من غير حجاب، من خلال مناظرات معينة ترفض أو تقبل، جدلية واسعة وأمور موجودة في هذا المجال.

في الفنادق، وفي بلد تُباع فيه الخمور، وبلد تعتبر السياحة من أساسيات الاقتصاد فيها، وفي بلد فيه هذه الثقافة وهذه الصناعة التي تمكنت أكثر من ثمانين سنة كصناعة السينما ونحو ذلك، تأتي أهمية نظرية التعايش التي نتحدث عنها.

التعايش لا يعني التنازل عن الدين بل التفريق بين المسائل والقضايا

أنا لا آمر المسلم بأن يترك شيئًا من دينه ولا من أحكامه، لكنه أيضًا لا بد له كأساس من أسس التعايش أن يفرّق بين المسائل وبين القضايا.

مسلم يريد ألا يستعمل التماثيل وألا توجد في بيته، فله ذلك. بعض الإعلاميين والصحفيين والمفكرين يريدون أن يتدخلوا وأن يفعلوا مثلما يفعل الإرهابيون تمامًا في فرض الرأي بالقوة، وقد يكون هنا ليس بالأسلحة وإنما بالاستهزاء وبالسخرية وبعدم الاحترام تجاه هذا الذي لا يريد كلبًا في بيته أو لا يريد تمثالًا في بيته.

حرية الاعتقاد الديني وعدم جواز الإرهاب الفكري تجاه المتمسكين بالأحكام

يا أخي، هناك اعتقاد، وهذا الإنسان يعتقد أن هذا هو طريق الجنة، وأنت لا تعتقد. فكما تركك تختار طريق النار وتركك وهو يتعايش معك، فأيضًا أن تتركه يختار طريق الجنة، هو حرّ.

ليس من المعقول أن يكون هناك إرهاب فكري لكل من تمسك بحكم شرعي ما دام تحت مظلة التعايش. هو حرّ يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة» رواه البخاري

وهو يعتقد في صحة ما أخرجه البخاري. ما شأنك وما شأن التدخل في عقائد الناس ما داموا لم يتدخلوا في عقائدك؟

خوف بعض العلمانيين من تمكن الدين في المجتمع وازدواجية المعايير

الحقيقة أن هؤلاء يخافون من وضع معين وهو تمكّن الدين من أغلب الشعب، وأن الدين يعتقد فيه جماهير المصريين مثلًا، بل جماهير العرب، بل جماهير أمة الإسلام.

وهم يرون أن أحدًا إذا قال بحرمة ما يستحلّونه وما يفعلونه أنه قد قدح فيما يريدونه للمجتمع. إذن فأين الحرية؟ وأين الليبرالية؟ وأين مبدأ «دعه يعمل، دعه يمرّ» التي ينادون بها؟

أمر عجيب غريب أن يكيلوا بمكيالين وأن يزنوا بميزانين! هذا أمر لا جدال فيه.

التعايش كما مارسه المسلمون في مكة مع وجود الأصنام حول الكعبة

نحن ندعو المسلمين إلى التعايش كما كانوا يفعلون في مكة، حيث ما أقام المشركون الأصنام حول الكعبة، لكنهم كانوا يصلون في الكعبة.

وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة ولم تُزَل الأوثان المعبودة — وليس التماثيل التي تُزيَّن بها البيوت — بل الأوثان المعبودة لم تُزَل، ولم يحاول أحد منهم أن يحطمها.

الرد على من يطالب بتحطيم التماثيل في الميادين بمنطق التعايش

شخص يقول لي: فلماذا تتركون التماثيل المنصوبة في ميادين القاهرة؟ ماذا تقصد؟ هل لا بد علينا أن نقول إنها حلال؟ هناك شيء آخر وهو: إنها حرام ونتركها، كما ترك المسلمون ليس فقط هذه التماثيل التي قد تعبّر عن تعظيم أو عن إحياء لذكرى أو كذلك، بل التماثيل المعبودة من دون الله تركوها في مكة ولم يحطموها لا بليل ولا بالنهار.

ولم يتخذوا فعل سيدنا إبراهيم [عليه السلام] مع تماثيل قومه المعبودة، لم يتخذوها، لم يتخذوا هذا الطريق أصلًا من أجل التعايش الذي تعلمناه في الحبشة وفي مكة وفي المدينة.

الرد على من يسمون أنفسهم فقهاء الخنادق ويفتخرون بالعنف والقتل

وعندما نصنع مؤتمرًا في فندق يبيع الخمور، يأتي الإخوة أهل العنف والدماء التي تسيل على الأرض فيقولون: هؤلاء فقهاء الفنادق ونحن فقهاء الخنادق! وكأنهم يفتخرون بهدم بنيان الرب وبقتل الناس بغير حق.

وينسون قوله صلى الله عليه وسلم تأسيسًا في هذا:

قال رسول الله ﷺ: «من قتل أمتي من غير تمييز بين برّ وفاجر — وهو ما يحدث في التفجيرات — فليس مني ولست منه»

التعايش يجعلني أذهب إلى المؤتمر، أنا لا أشرب الخمر ولا أجلس على مائدة يُدار عليها الخمر، وأقيم المؤتمر وأستضيف الناس، ولا يشرب أحد منهم خمرًا ولا يريدها ولا يطيقها.

الخمر تظل محرمة بالإجماع حتى لو انتشرت في الأفلام والمجتمع

وستظل الخمر محرمة حتى لو كانت في الأفلام المصرية عبر ثمانين سنة ليس فيها فيلم إلا وفيه خمر. وبالرغم من ذلك فإن الشعب يرفضها ويعلم أنها محرمة بالإجماع، حتى الذي يشربها فإنه يعلم أنه يرتكب حرامًا.

وسيظل الأمر كذلك، سيظل الأمر أنه حرام ومنكر، وأن حتى الذي يمارسه يعلم أنه حرام وأنه منكر. وهذا من هوية الإسلام.

ولكن التعايش هو أن أذهب إلى هذا الفندق وليس في نيتي أن أدمّر ما فيه من خمر.

الرد على صحفي أثار قضية ترك التماثيل المحرمة وإلزام الشباب بتحطيمها

تحدثت مع أحد الصحفيين الذي أثار مثل هذا الكلام، فقال: إذا كانت التماثيل محرمة فإننا نكون آثمين إذا تركناها. قلت له: أنت تدعو الشباب إذن إلى أن يدخلوا الفنادق ويكسروا صالات القمار والخمر التي هي محرمة بالإجماع.

فصمت. فقلت له: لماذا تصمت؟ لماذا تصمت والأمر في أوضح الواضحات وأجلى البينات؟

نحن نقول بالتعايش، وهذا التعايش جعلني أسير في هذا الميدان ولا أنظر إلى هذا التمثال، وقد تنظر إليه أنت تتأمل جماله أو جمال صنعته أو جمال هيئته أو جمال أو إتقان فنانه، أنت حرّ.

التعايش يعني أن أعيش بقناعاتي الدينية دون فرضها على الآخرين

وأنا أتعايش معك لأنني أعتقد أن هذا الحديث صحيح وأن معناه هو هذا، أنت لا تعتقد، أنا أتعايش معك.

وأدخل الفندق فأترك الخمر وأترك العري وأترك القمار، وأقوم بواجبي من أداء محاضرة أو لقاء أو مؤتمر أو أبحاث أو نحو ذلك. وهذا نوع من أنواع التعايش.

ولكن فكرك أنت عن الإسلام أنه دين عنيف، فلما جئت إليك بأنه دين رحمة وبأنه دين تعايش وبأنه دين سلام لم يعجبك هذا! أنت تريد هذا الإسلام الذي يمثله أولئك الإرهابيون المرجفون.

رفض الإسلام الوسطي الأزهري والمطالبة بفهم التعايش كجزء من الدين

أنتم لا تريدون الإسلام الذي فهمه علماء الأزهر الشريف عبر التاريخ، وهذه الوسطية الراقية الفائقة الجميلة التي دعوا الناس إليها. أنتم لا تريدون أن تفهموا هذا الإسلام، أنتم تريدون أن يكون الإسلام هو تلك الأفعال التي أتى بها هؤلاء المرجفون. هذه هي الحقيقة.

التعايش جزء لا يتجزأ من الدين، يجعلنا لسنا في حالة صدام ولا صراع؛ لأن من سنن الله في كونه الوفاق، والصراع أمر طارئ موجود لكنه طارئ. ومن هنا وبهذه العقلية ندعو إلى التعايش.

التعايش يؤثر في حياتنا العملية كما عاش الصحابة في بلاد المسلمين وغيرهم

ويؤثر هذا [التعايش] في وجودنا: نحصل على العلم ونطبع كتبنا في المطبعة التي قد تطبع الهزليات والمهازل، ولكننا نطبع كتبنا لأننا نتعايش.

هكذا كان الصحابة يعيشون، سواء في بلاد غير المسلمين كالحبشة، أو سواء في بلادهم وإن كانت في الحبشة فهناك هجرة. وهم يعيشون في مكة يعيشون في بلادهم، فهناك إنجليزي مسلم وهناك أمريكي مسلم، وهذه بلاد لا تريد الإسلام ولا تطبقه ولا تفكر فيه، ولها ذلك.

أنماط التعايش المختلفة هي أساس واقعنا المعاصر ومصادر فهمنا الشامل

ولكن التعايش الذي حدث من المسلم في الحبشة وهو مهاجر، أو مع أهله وهو في مكة، أو في مدينة أخرى وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنماط مختلفة من التعايش هي أساس واقعنا الذي نحيا فيه.

نحن لا نشعر بإثم ولا نتحرج ولا نصطدم مع المجتمعات التي حولنا، وإنما نحن نعيش بحكمة، ونعيش ونحن نعتمد على الكتاب والسنة والسيرة، وعلى التجربة الناجحة التاريخية، وعلى مقاصد الشريعة، وعلى المصالح، وعلى المآلات، وعلى العلم.

دعوة الإسلام العالمية تقوم على الإرشاد دون إكراه أو عنف

ولذلك نذكر الله ونحن مطمئنون، ونحن نعلم أنها دعوة عالمية، وأن كل هذه الصور لا بد أن تحدث؛ لأنها دعوة تجاوزت الزمان وتجاوزت المكان، ودعت الستة مليارات للإسلام.

نرشدهم إلى هذا من غير إكراه ومن غير عنف، ولكننا نقول إن هذا ما عرفناه من الحق فارتضينا أن نبلّغه إليكم.

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

الدعوة إلى توسيع النقاش حول أسس التعايش وفروعه وتأسيسه على العلم

التعايش نشأ بعد دعوتي إليه — والحمد لله — كثير من المؤتمرات، بل ومن المراكز البحثية التي تريد أن تبحث فيه. وربما هذه الحلقة وضعت كثيرًا من النقاط على الحروف.

ولكننا نريد المزيد من توسيع النقاش حول أسس هذا التعايش وكيفية هذا التعايش والفروع المتعلقة بهذا التعايش، حتى نؤسس كلامنا دائمًا على علم أكثر رسوخًا وأكثر قوة.

وإلى لقاء قريب.