وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 15 | التصوف في الإسلام
- •نؤمن بدين الإسلام كاملاً، ولا نفرق بين رسل الله ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض.
- •الإسلام يقوم على ثلاث مراتب كما في حديث جبريل: الإسلام (أركانه الخمسة)، والإيمان (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر)، والإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه).
- •قامت طائفة من العلماء بحفظ أحكام الإسلام وفقهه، وأخرى بحماية العقيدة وبيان التوحيد، وقام الصوفية بحماية مرتبة الإحسان.
- •التصوف الحقيقي هو طريق مقيد بالكتاب والسنة، قائم على الذكر والفكر، والتخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل.
- •البعض خلط بين التصوف وبين تصرفات بعض المنتسبين إليه، كما خلط آخرون بين الإسلام وأفعال المسلمين.
- •المنهج النبوي قائم على التمييز بين الصحيح والفاسد، والسعة في الأذكار والأدعية مع الالتزام بالشريعة.
- •ينبغي التأمل في كتب الله الثلاثة: القرآن، والكون، والإنسان.
مبادئ الإيمان بدين الإسلام كله وعدم التفريق بين الرسل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا التي نسير عليها أننا نؤمن بدين الإسلام كله، وأننا لا نفرق بين رسل الله سبحانه وتعالى، وأننا لا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض -والعياذ بالله تعالى-. هذا مبدأ معتمد على الكتاب والسنة؛ ففي الكتاب:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
وفي السنة:
قال رسول الله ﷺ: «لا يَضْرِبَنَّ أحدُكم القرآنَ بعضَه ببعض»
الإيمان بالكتاب والسنة معاً وعدم الفصل بينهما
ولذلك فإننا نؤمن بالكتاب والسنة، بكل الكتاب وبكل السنة. نؤمن بالمناهج التي أرادها الله لنا، ونؤمن بمراد الله من خلقه. إذا أردنا أن نوصل شيئًا ذهبنا إلى الكتاب وإلى السنة المشرفة، ولا نفصل بينهما.
فالنبي ﷺ يقول:
«رُبَّ رجلٍ متكئٍ على أريكته، يأتيه الحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، إلا أنني أوتيتُ القرآن ومثله معه»
وفي رواية أخرى: «ومثليه معه».
ورأينا الله سبحانه وتعالى في كتابه قد أمرنا بطاعة نبيه وأن نتبعه وأننا نأخذ ما أتانا به، قال تعالى:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
حديث جبريل وبيان أركان الإسلام والإيمان والإحسان
ولذلك فإننا لما رأينا أن الإمام مسلمًا قد صدَّر في صدر صحيحه بعد مقدمته حديث جبريل الذي يرويه عمر بن الخطاب عن سيدنا رسول الله ﷺ، والذي يقول فيه عمر رضي الله تعالى عنه:
«بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد البياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منا وليس عليه أثر السفر»
فهذه الصفات جعلته مستغربًا؛ من هذا [الرجل الغريب]؟ فجاء حتى جلس إلى النبي ﷺ، فوضع ركبتيه عند ركبتيه ويديه على فخذيه، أي أنه جلس جلسة المتأدب أمام رسول الله ﷺ، وهذه كانت جلسة التلميذ أمام المعلم.
أسئلة جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان وإجابات النبي
وجلس [جبريل عليه السلام] يسأله عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان وعن الساعة وعن القدر، ويجيبه رسول الله ﷺ. ثم في نهاية الحديث قال [النبي ﷺ]:
«أتدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم»
فهذا هو ملخص دين الإسلام: أن هناك عبادة ظاهرة تتأكد بالأركان الخمسة. قال النبي ﷺ في شأنها:
«بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»
ولما سأله جبريل عن الإسلام قال:
«الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»
بيان مراتب الإيمان والإحسان في حديث جبريل
قال [جبريل]: وما الإيمان؟ قال [النبي ﷺ]:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»
قال: وما الإحسان؟ قال:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
إذن فهناك طائفة من أمة النبي ﷺ قامت لحفظ الإسلام في أحكامه، في تشريعه، في فقهه، في جهته الظاهرية التي تضبط حياة الإنسان الفرد وحياة المجتمع وحياة الجماعة، التي تضبط حركة الاجتماع البشري، التي تضبط كل الجوانب الاقتصادية والسياسية، التي تحدد العلاقات بين الناس.
أركان الإسلام الخمسة بين العبادات القاصرة والمتعدية
وهذه [الأحكام الشرعية] مؤداها توضع في هذه الخمسة: في الشهادتين وفي الصلاة والزكاة والصيام والحج.
بعض هذه العبادات قاصرة على الإنسان تنفعه في نفسه، في علاقته بينه وبين ربه. وبعضها تفعل ذلك أيضًا ولكنها تتعدى في خيرها إلى الآخرين. وبعضها تجمع بين ذلك وزيادة.
على كل حال، فإن هذه الأركان الخمسة هي هوية الإسلام، وهي الواجبات التي لا يجوز لمسلم قادر واعٍ بالغ عاقل أن يتركها.
دور العلماء في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وبيان التوحيد
وقام علماء يدافعون عن العقيدة الإسلامية ويبينون للعالمين كيفية الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالتكليف والوحي بالملائكة وبالأنبياء والرسل. يبينون كل ذلك ويجيبون عما خطر في بال البشر من مشكلات، من معضلات، من أسئلة درسوها واستوعبوها، ردوا على كل قوم بلغته وبأسلوبه.
الحاصل أن هناك طائفة قامت تدافع عن التوحيد وقامت تبين علم الكلام الذي سُمِّي علم الكلام والتوحيد، وسُمِّي بأصول الدين وهكذا. هذا العلم الجليل الذي يحفظ درجة الإيمان.
ضرورة الإيمان بالجانب الأخلاقي ومقام الإحسان في الدين
لكن هذا الإيمان في مجرد تصديقه وصلته بالإسلام كأفعال للجوارح لا يكفي إلا بالجزء الثالث من حديث جبريل [وهو مرتبة الإحسان]. ولذلك لا بد لنا أن نؤمن بهذا أيضًا، وهو الجانب الأخلاقي، جانب القيم.
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»
ويقول ربه في شأنه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
وهذا المقام قام السادة الصوفية عبر العصور بحماية وبيان هذا الطريق إلى الله: كيف تعبد ربك كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
تسمية العلوم الإسلامية بين عصر الصحابة والعصور اللاحقة
عندما سمى العلماء ما قاموا به في حماية مرتبة الإسلام بالفقه، وعندما سمى العلماء ما قاموا به من جهد في مجال بيان وحماية العقيدة الإسلامية بعلم العقيدة أو التوحيد أو أصول الدين أو علم الكلام، كانت هذه الأسماء أسماءً لم ترد في السنة أو عند الصحابة الكرام مباشرة، وإنما كانت أسماء مستحدثة.
وكان الصحابة يجمعون بين كل [هذه العلوم]؛ غير أنه من غير عناء كانوا من أهل اللغة يفهمون عن رسول الله ﷺ. وفوق كل ذلك فقد تربوا في مدرسة النبي المصطفى والحبيب المجتبى ﷺ، والنبي ﷺ كان يربي بالنظرة، ينظر إلى أحدهم فيربيه.
حب الصحابة العظيم لرسول الله وشهادة المشركين بذلك
والمتأمل في السيرة وفي الأحاديث النبوية [يدرك] من هو رسول الله ﷺ في تربيته وفي أصحابه. هذا الرجل [عروة بن مسعود الثقفي] الذي يأتيهم ويقول: والله لقد دخلت على كسرى ودخلت على قيصر، ولم أجد أشد من حب أصحاب النبي ﷺ لمحمد، لم أجد أشد من حب هؤلاء لمحمد.
كانوا يحبونه حبًا عظيمًا. كان [عروة] يمد يده إلى لحية رسول الله وهو يتفاوض [في صلح الحديبية]، جاءه بديل بن ورقاء وجاءه سهيل بن عمرو وكذلك. فالمغيرة [بن شعبة] يضربه بمقبض السيف [قائلًا]: انزع يدك عن لحية رسول الله ﷺ!
موقف أبي بكر الصديق في الدفاع عن النبي أمام المشركين
فلما رأى [عروة بن مسعود] هذا الإجلال، هذا التضامن، قال: يا محمد، إن هؤلاء إذا نسوا وخز السلاح أسلموك -أي سيهربون من حولك-. فقال له أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] كلامًا قاسيًا جدًا.
فقال [عروة]: من هذا؟ قال [النبي ﷺ]: هذا أبو بكر بن أبي قحافة. قال [عروة]: والله لولا يدٌ لك عليَّ في الجاهلية لأغلظتُ لك في القول.
وكانوا يحبون رسول الله ﷺ، الذي لا يفهم تصرفاتهم [إلا] في ظل هذا الحب، فليُحاكَم الحب؛ لأن بعض الناس لا يعني أنهم لم يروا النبي ﷺ وعاشوا في دنياهم وتوغلوا فيها حتى نشأت الحجب بينهم وبين حقيقة رسول الله ﷺ.
الصحابة جمعوا بين الفقه والعقيدة والإحسان ولم يحتاجوا لتسمية العلوم
كما يقول البوصيري في البردة:
وكيف يعلم في الدنيا حقيقتَه ... قومٌ نيامٌ تسلَّوا عنه بالحُلُمِ
فسيدنا رسول الله ﷺ كان حبيبًا لهؤلاء الناس، وهؤلاء الناس كانوا فقهاء، كانوا علماء، كانوا يدافعون عن العقيدة ويعلمونها حق التعليم، وكانوا أيضًا من أهل الإحسان.
ولذلك لم تظهر كلمة التصوف كما لم تظهر كلمة الفقه ولا الأصول ولا كلمة العقيدة ولا أمثال هذه الكلمات كأسماء على هذه العلوم. فالتصوف هو العلم الذي يحمي مرتبة الإحسان.
التصوف علم حماية مرتبة الإحسان المقيد بالكتاب والسنة
فعندما ننشئ علمًا يبين للناس كيف يعبدون الله سبحانه وتعالى كأنهم يرونه، وكيف أنهم في حالة الانحطاط عن هذه الرتبة العالية -فإن لم تكن تراه فهو يراك- كيف يراقبون الله سبحانه وتعالى، وما معالم هذا الطريق إلى الله.
ويعتمدون في ذلك على الكتاب والسنة. يقول سيد الطائفة الجنيد [البغدادي]:
«طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة»
ولكن في العصر الحاضر خلط كثير من الناس بين التصرفات الصوفية وبين التصوف، كما خلط كثير من الخلق بين الإسلام وبين أفعال المسلمين.
أفعال المسلمين ليست حجة على الإسلام وتحذير النبي من فساد الزمان
وأفعال المسلمين في أي مكان وفي أي زمان لم تكن أبدًا حجة على الإسلام، بل إن النبي ﷺ يحذر الناس من فساد الزمان ومن البعد عن السنة.
وفي حديث حذيفة [بن اليمان] الذي أخرجه البخاري، يبين رسول الله ﷺ أن الشريعة هي الأساس، وأننا سنرى فتنًا وسنرى مخالفة وسنرى اختلافًا بين الناس.
ويقول حذيفة وهو يسأل: أبعد هذا الشر من خير؟ قال: «نعم وفيه دَخَن». أبعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم». كيف؟ [قال]: «إنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف». يعني أن المسألة هي أن المسلمين ليسوا حجة على الإسلام.
التفريق بين حكم الله ورسوله وبين اجتهادات البشر
ولما أمر [النبي ﷺ] أمير الجيوش قال:
«فإن أنزلتهم فأنزلهم على -لا، بل على- شرط الله ورسوله، فلعلك تخطئ؛ شرط الله ورسوله»
فإذن عندما نتفاوض باجتهادنا، ولكن ليس هذا هو كلام الله ورسوله، وإنما هذا ما فهمناه من كلام الله ورسوله ﷺ.
ومن أجل ذلك فإن العلماء من أهل التصوف تقيدوا بالكتاب والسنة واجتهدوا، كما اجتهد الفقهاء [واجتهد] أهل العقيدة والمتكلمون في هذا الفهم، لكنه مقيد بالكتاب والسنة.
المنهج النبوي في إزالة الباطل مع الحفاظ على الأصل الصحيح
نشأت ناشئة الآن تنكر التصوف لما رأته من بعض الخلل أو البدع ممن ينتسبون إلى التصوف. فمن العجب مثلًا أن يتصور أحد أن رسول الله ﷺ لأنه وجد أصنامًا حول الكعبة يهدم الكعبة! هذا مثال مخالف للمنهج النبوي.
المنهج النبوي أنه أزال الأصنام وأبقى الكعبة. المنهج النبوي -وهو منهج رباني- أن:
﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]
إذا كانوا [الصحابة] لديهم حرج أن يفعلوا الأفعال التي فعلها المشركون عندما قصدوا وحجوا إلى بيت الله وأرادوا الإلغاء [لهذه الشعائر].
تخليص شريعة إبراهيم من الوثنية والحفاظ على أصل العبادة
لكن هذا [السعي بين الصفا والمروة] من دين إبراهيم، هذا من الحنيفية، هذا بأمر الله سبحانه وتعالى. وهم [المشركون] قد خلطوا الوثنية بشريعة إبراهيم، فخلَّصها الله سبحانه وتعالى منها، وجعل شريعة إبراهيم صافية نحج بها إلى يومنا هذا، من طواف وسعي ورمي ومبيت ووقوف إلى آخره.
وخلَّص منها النواقص أو الزوائد التي أضافها الوثنيون المشركون. لم يُلغِ هذا الأمر [كله]؛ ولأن هذا ليس من الإنصاف، ليس من العدل. رسول الله ﷺ يعلمنا الإنصاف والعدل، ولذلك ميَّز هذا من ذاك.
تعليم النبي لأصحابه التمييز بين الحق والباطل دون تكفير
لما سأله بعض من معه فقال له: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال [النبي ﷺ]:
«أتسألوني كما سأل بنو إسرائيل موسى؟ اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة»
علَّمهم ووضَّح لهم، لم يكفرهم ولم يُلقِهم في اليم، وإنما وضَّح لهم هذا من ذاك، وأن هذه ذات الأنواط ينبغي أن تُنحَّى.
عندما سمع امرأة رآها وهي تغني فقالت: «وأنَّ لنا نبيًا يعلم ما في غد»، قال: «ويحكِ يا امرأة، إن الله علَّام الغيوب». وكانت تغني بغناء بُعاث، فقال: «خوضي فيما كنتِ فيه تخوضين». [أي] اتركي حكاية أن النبي يعلم الغيب هذه بذاته، وادخلي في التغني بالأيام التي كانت تُعَدُّ أيام نصر حتى للأنصار قبل إسلامهم.
منهج واضح في تخليص الحق من الباطل دون رمي الجميع
منهج واضح أننا إذا اختلط الأمر فإننا لا نرمي الجميع، بل علينا أن نخلِّص هذا من ذاك، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وننكر البدع والانحرافات.
ولكن التصوف بين أعدائه وأدعيائه تاه في عصرنا الحاضر. فهناك من يتمسك بمجموعة من البدع مدعيًا أنها هي التصوف، والتصوف بريء من ذلك. التصوف هو حفظ مرتبة الإحسان، التصوف مقيد بالكتاب والسنة، التصوف له علماؤه عبر العصور كتبوا فيه وعاشوا من أجله وأوضحوه بالألفاظ المختلفة في عصور مختلفة.
تراث علماء التصوف في الزهد والورع والتقوى وأعمال القلوب
تحدثوا عن الزهد وألَّف فيه أحمد بن حنبل وألَّف فيه غير واحد من الأئمة. تحدثوا عن الورع، تحدثوا عن التقوى، تحدثوا عن أعمال القلوب، وكتب كل هؤلاء في هذا.
ولكن ابتُلينا في عصرنا هذا بمن يريد أن يخالف المنهج النبوي في الحقيقة، لكنه يتزيَّا في الظاهر بالزي النبوي. تراه يطلق لحيته ويقصر ثوبه ويمسك بسواكه فوق أذنيه، وكأنه من الجيل الأول ومن السلف الصالح.
ثم تراه في بعض الأحيان عن جهل، وفي بعض الأحيان عن غرور وكِبر، تراه أيضًا يخرج على المنهج النبوي.
التحذير من أحداث الأسنان وبيان منهج علماء الإحسان
أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
العلماء الذين قاموا بحماية مرتبة الإحسان حتى تصل إلى درجة أن تعبد الله كأنك تراه، قيَّدوا هذا الطريق أولًا بالذكر والفكر. فهو طريق مقيد بالذكر، والذكر أخذوه من القرآن الكريم. قال تعالى:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
الذكر والفكر والتدبر في خلق السماوات والأرض طريق إلى الله
فإن الذكر هو الطريقة، والفكر والتدبر والتأمل في خلق السماوات والأرض، في عالم النبات والحيوان، فيما ينفع الناس:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
إذن هناك فكر سطحي ينظر بلا تأمل ويجمع المعلومات، وهناك فكر عميق يدخل في حقائق الأشياء، وهناك فكر مستنير وهو أن يربط هذا بالإيمان بالله فيقول: سبحانك. فكلمة «سبحانك» إنما هي تأتي في قمة التفكير ببديع صنع الله الدال عليه سبحانه وتعالى.
حقيقة الإحسان والتوسعة في الأذكار والتدبر في الكتب الثلاثة
وهذا الأمر هو حقيقة الإحسان. فالذين لا يريدون أن يتفكروا والذين لا يريدون أن يتذكروا، والله سبحانه وتعالى قد فتحها، ومنهج النبي ﷺ التوسعة في الأذكار.
فلما رأينا الله سبحانه وتعالى أمرنا بالذكر وأمرنا بالتفكر:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنعام: 11]
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
يعني يتأمل في الكون، ثم يقول في القراءة الثانية:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]
يعني الوحي. فيتدبر في كتاب الله المنظور وهو الكون من حولنا، ويتدبر في كتاب الله المسطور وهو القرآن والوحي والسنة الصحيحة، ويتدبر أيضًا في حال نفسه: كتاب الله المقدور وهو الإنسان.
الكتب الثلاثة التي يجب التأمل فيها: القرآن والإنسان والأكوان
فهناك كلام الرحمن الرحيم:
﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 2-4]
وهناك الإنسان وهناك الأكوان. هذه الثلاثية -الكتب الثلاثة- التي يجب أن نتأمل ونتدبر فيها، وبذلك نكون من المفكرين في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى.
الذكر والفكر منهج النبي ﷺ في الذكر [كان على] السعة. فإذا جاء شخص يريد التقيد فهو أحد رجلين:
الفرق بين من يعيش الذكر بقلبه ومن يريد إثبات حالة
أولًا: أنه أحب ما ورد في السنة ووجد قلبه فيه، وهذا لا بأس به. فهذا عاش [سنة] النبي ﷺ، وكونه قد عاش النبي ﷺ أمر محمود. حتى إن هذا الكلام الوارد في الأحاديث من دعاء ومن ذكر ومن [أذكار] في مواضع كثيرة، فإنه يعيشه ويفهم معناه ويجد قلبه عنده، وهو الأساس: أن تجد قلبك.
أما الآخر: فإنه يؤدي إثبات حالة، يريد أن يقنع نفسه أو يقنع الناس أنه في حالة إثبات حالة، وينكر على من خرج عن هذه الأذكار. فيخالف بهذا الإنكار المنهج النبوي. المنهج النبوي كان على السعة.
قصة الصحابي الذي زاد في الذكر بعد الركوع وإقرار النبي له
تعال انظر إلى رجل يدخل [المسجد]، فبعد الصلاة يقول [النبي ﷺ]: من الذي قال ما قال عند الرفع من الركوع؟ فيسكت الرجل ويظن أنه قد أتى بخطأ. فيقول [النبي ﷺ]: ماذا قال؟ فإنه لم يقل إلا خيرًا.
قال: أنا يا رسول الله، قلت: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، ملء [السماوات] والأرض وملء ما شئت من شيء إلى آخر الحديث.
قال [النبي ﷺ]:
«رأيت بضعًا وثلاثين ملَكًا يبتدرونها أيهم يصعد بها إلى السماء»
قبل أن يُقِرَّها النبي ﷺ. فالنبي ﷺ علَّمنا أن نذكر الله [بسعة].
سعة منهج النبي في التلبية وإقراره لاجتهادات الصحابة المختلفة
وفي حديث جابر وعن أنس، في حديث جابر يقول: وكانوا يلبون بما تسمعون الآن، والنبي ﷺ يلبي بتلبيته:
«لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»
في حين أن أنسًا [رضي الله عنه] يقول: «لبيك حقًا لبيك، تعبُّدًا ورِقًّا». في حين عبد الله بن مسعود يقول: «لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، والرغباء إليك، لبيك اللهم لبيك».
وتركه [النبي ﷺ] واحد [منهم] يقول: هذا أقره النبي ﷺ وهذا لم يقره النبي. هذه [التلبيات] كانت كثيرة، ولكن عندما يخطئ [أحدهم] يتدخل النبي ويصحح ويعلِّم.
تصحيح النبي للخطأ في التلبية وبيان سعة الأذكار
فرجل يقول: «إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك»، قال له [النبي ﷺ]: قف، هذا خطأ! «إلا شريكًا» كيف؟ يعني الله لا شريك له، فاحذف هذه من ذكرك من الدعاء.
فعلَّمنا ربنا سبحانه وتعالى عن طريق نبيه أن الأذكار واسعة، وأن المفروض أن نجد قلبنا عندها.
ولذلك رأينا عبر القرون رأينا العلماء والصالحين وهم يذكرون الأذكار وليست واردة في السنة [بنصها]، فيزيدون. يقولون:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
فيقولون: «وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عفو يا غفار». دعاء وذكر بأسماء الله الحسنى، جميل:
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
أساس طريق التصوف: الذكر والفكر والتخلي والتحلي والتقيد بالكتاب والسنة
فإذا كان هذا النمط وهذا المنهج هو أساس طريق التصوف: مقيد بالذكر والفكر، مقيد بالتخلي والتحلي من أجل التجلي، مقيد بقواعد منها أن الملتفت لا يصل، وكل ذلك وارد بالتفصيل في الكتاب والسنة.
ومن أراد أن يحمل الناس اضطرارًا على مذهبه وأن ينكر على منهج الكتاب والسنة فهو مخطئ.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
