وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 17 | المحاور الخمسة للعمل الخيري - قال الإمام

وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 17 | المحاور الخمسة للعمل الخيري

29 دقيقة
  • من مبادئنا الإسلامية ضرورة مطابقة القول للعمل والعمل للقول، فلا يكفي الكلام وحده بل لابد من فعل الخير.
  • على المسلم المشاركة في الحراك الاجتماعي والاندماج مع مجتمعه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين آخى بين المهاجرين والأنصار.
  • الحب والرحمة أساس التعامل بين المسلمين، فالله وصف نفسه بالرحمن الرحيم.
  • العمل الاجتماعي له مجالات مهمة يجب الاهتمام بها: الصحة والتعليم والبحث العلمي والتكافل الاجتماعي والحياة بما فيها الفنون والرياضة.
  • التعليم أساس نهضة الأمة، فنحن أمة "اقرأ" وعلينا الاهتمام بالبحث العلمي الذي هو سر قوة الأمم.
  • لتمويل العمل الاجتماعي طرق متعددة: الوقف والزكاة والصدقات والهبات.
  • الإنفاق في سبيل الله يجوز سراً وعلانية، فالسر فيه إخلاص والعلن فيه دعوة للآخرين.
  • الإيمان والعلم بدون عمل صالح كالأعرج برجل واحدة.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

مبدأ تصديق القول بالعمل وعدم الاكتفاء بالكلام وحده

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

من مبادئنا أننا لا نكتفي بالكلام وحده، بل لا بد لنا من أن يصدق القولَ العملُ، وأن يصدق العملُ القولَ، وأن يصدق العملُ القولَ. هذا مبدأ من المبادئ [التي قام عليها ديننا].

﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]

فالله يحب أن يكون القول مؤيدًا بالعمل، وأن يكون هذا القول مطابقًا للاعتقاد. نهانا عن الكذب وعن الغيبة وعن النميمة وعن النفاق.

النهي عن مجرد الظاهرة الصوتية والأمر بفعل الخير والمشاركة الاجتماعية

ونهانا سبحانه وتعالى عن مجرد الظاهرة الصوتية [أي الكلام دون عمل]؛ فتسمع الكلام فيعجبك، ثم لا يكون هناك عمل مؤيد لهذا الكلام.

انطلاقًا من هذا [المبدأ]، ومع قوله تعالى:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

فمن مبادئنا أن الإنسان لا بد أن يشارك في الحراك الاجتماعي. ونجد في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالتكافل وبالاندماج مع مجتمعاتنا.

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وعرض التنازل عن المال والزوجة حبًّا في الله

فلما جاء [النبي ﷺ] المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وجعل لكل شخص من المهاجرين أخًا من الأنصار. فأحبوا بعضهم حبًّا شديدًا، حتى أن بعضهم عرض عليه أن يتنازل عن جزء من ماله أو عن ماله. بعضهم عرض عليه أن يتنازل عن بيته.

وبعضهم كما ورد في الحديث الصحيح عرض عليه — وهو قد تزوج بامرأتين — أن يطلق إحداهما حتى يتزوجها [أخوه المهاجر]. يتعجب كثيرون جدًّا من الناس من هذا، ويشكك بعضهم في صحة هذه الرواية من أجل أن يريح عقله من التفكير.

الرد على المشككين في رواية المؤاخاة بمحاكمة الحب الذي دفع الصحابي لذلك

يعني [يقول بعضهم]: هذا [الصحابي] لم يكن غيورًا على زوجته؟ كيف يفعل هذا؟ ويدخل في متاهات معينة من الفكرة.

أنا أقول لهم: حاكموا الحب! ائتوا بالحب الذي دفع هذا الإنسان لهذه المقولة وحاكموه، وانتهوا إلى أنه لا ينبغي لنا أن يحب أحدنا أخاه [هذا الحب]؟

مرائياتكم في كيف تعلمون الناس الكراهية والبغضاء وأمثال هذا تحت عناوين مستترة أخرى من الشهامة والغيرة والرجولة وأشياء من مثل هذا! أنا أفرق: هو الرجل الصحابي الآخر عبد الرحمن بن عوف عندما عُرض عليه هذا أبى.

الحب هو الدافع الحقيقي وراء عرض الصحابي ومن لا يفهم الحب يتعجب

لكن السؤال: ما الذي دفع هذا الصحابي إلى أن يتحدث لأخيه بهذا الكلام؟ أن لديه زوجتين وسيطلق إحداهما من أجل أنه يحبه.

لا يفهم هذا من لا يفهم الحب. من لا يفهم الحب يتعجب كثيرًا من هذه الرواية؛ يريد أن ينكرها أو يريد أن يسخر منها أو يريد مواقف مختلفة.

ولكن الحقيقة في هذا الأمر أن الحب حاكم. الحب — وأظن إنكم عندما ستحاكمون الحب فإنكم أنتم أيها القضاة الظالمون حينئذ — ستحكمون على أنفسكم؛ لأن الحب أكبر بكثير مما أنتم عليه.

الرد على المشككين في الروايات الصحيحة وتكريم الإنسان بالروح والرحمة

هذا الكلام نقوله لبعض المشككين في الروايات الصحيحة والذين يريدون منا أن نكون مجرد جسم بيولوجي، قطعة لحم لا روح فيها ولا حب ولا مودة ولا شهامة ولا كرامة ولا إخوة ولا شيء من هذا، ثم يفهمون النصوص من خلال هذا الوضع.

ونحن نقول: أبدًا! الإنسان فريد مكرم.

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

وهذا الإنسان الفريد المكرم نفخ الله فيه من روحه وأسجد له ملائكته، ووضع في قلبه الرحمة وهي أساس الحب. ومن نُزعت من قلبه الرحمة فإنه لا يعرف الحب.

الرحمة أساس الحب ووصف الله نفسه بالرحمن الرحيم لطمأنة العباد

حتى الحب الذي يطلقونه الآن على الشهوة، حتى هذا الحب هم لا يعرفونه؛ لأن الرحمة هي أساس الحب.

ولذلك فإن الله قد وصف نفسه بالصفتين: الرحمن الرحيم، وجعلها أول ما يُذكر في كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم. وأول هذا أنه لما خاطبنا بالرحمة في ذاته — وهي من صفات الجمال — طمأننا وأطمأن قلبنا بذكره سبحانه وتعالى.

فهو رحمن ومنتقم جبار، لكن لا، الرسالة التي أرسلها إلينا تقول أنه أيضًا رحيم. ولذلك يقول العلماء: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، يعني لا تخف، أحبب ربك.

الحب مأمور به في الإسلام ووجوب فعل الخير والعيش مع المجتمع

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

إذن فالحب مأمور به ومدفوع إليه. ومن درجة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

فالإنسان لا بد له من أن يفعل الخير لقوله تعالى:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

والإنسان لا بد أن يعيش مجتمعه.

قال رسول الله ﷺ: «لِينُوا في أيدي إخوانكم»

قال رسول الله ﷺ: «كونوا عباد الله إخوانًا»

وقال ﷺ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من بات شبعان وجاره جائع»

الرحمة تشمل المسلم وغيره ووجوب الاندماج في المجتمع وتقديم العمل على القول

وعندما يقول [النبي ﷺ]:

«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

فهو يتحدث بشكل عام عن المسلم وعن غير المسلم.

ومن هنا كان لا بد أن نعيش عصرنا وأن نرى مشكلاتنا وقضايانا، وأن نندمج في مجتمعنا، وأن نقدم العمل على القول.

ومن هنا فلا بد على كل واحد منا أن يشارك في العمل الاجتماعي. والعمل الاجتماعي في ظني — وهو مؤيد في الإسلام بكثير من الصور — له مجالات ينبغي أن نهتم بها.

المجال الأول في العمل الاجتماعي وهو مجال الصحة وحق العلاج للجميع

على رأس اهتماماتنا المجال الأول وهو مجال الصحة. لا نريد في يوم من الأيام أن يكون العلاج قاصرًا على الأغنياء، وتصل تكاليف العلاج إلى غير المقدور عليه.

لا نريد أن يتحول الإنسان إلى شيء يُباع ويُشترى، فيتحول مثلًا إلى قطع غيار، كما نسمع عمن أراد أن يبيع كليته من أجل أن ينفق على أبنائه، أو مثل هذه الحالة المزرية بالإنسان.

فهذا أمر لا يرضى عنه الله ولا رسوله، أن يتحول الإنسان إلى شيء يُهمل، أو إلى شيء يُباع ويُشترى، أو إلى شيء منبوذ، أو لا يكون له الحق في هذا الحق الذي هو واجب على المجتمع كله وهو الصحة أو العلاج.

المجال الثاني وهو التعليم وأهميته في أمة اقرأ وأن العلم لا ينتهي

المجال الثاني هو مجال التعليم. هذه أمة اقرأ، أول ما نزل: اقرأ! هذه أمة قال لها ربها:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

قال لها ربها:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

قال لها ربها ما معناه أن العلم من المحبرة إلى المقبرة، من المهد إلى اللحد، فيقول:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

و«ذي علم» يعني عالم، و«عليم» صيغة مبالغة. ومعنى هذا أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، أن العلم لا ينتهي.

استمرار طلب العلم من المهد إلى اللحد وتواضع العالم أمام ربه

يعني لا يزال الإنسان يتعلم وتكون معه المحبرة يكتب بها إلى أن يصل إلى المقبرة وهو ما زال يتعلم بعض الشيء.

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

معناها استمرار العلم.

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

معنى هذا استمرار العلم. ومعنى هذا أن الإنسان كلما تعلم علمًا يتوصل إلى الله سبحانه وتعالى في أي علم كان. وهو [العالم] في المقام المستنير فإنه يتضاءل أمام نفسه؛ لأنه كلما اتسعت مساحة معرفته فإنه يكتشف أن الباقي له أكبر بكثير جدًّا مما علم.

تواضع العالم الحقيقي شعور داخلي نابع من إدراك سعة ما يجهله

ولذلك فهو متواضع لربه، لا عن دعوى ولا عن إثبات حالة، ولا عن تمثيل أو نفاق، بل شعور داخلي أنه علم الآن مليون معلومة وعرف في الوقت نفسه أن مليار معلومة لا يعلمها.

وإذا علم المليار عرف أن الناقص له عدد لا نهاية له. ومن أجل ذلك هو يُخبت لربه ويخشع ويتواضع تواضعًا حقيقيًّا وليس لفظيًّا أو بلسانه فقط.

التعليم أساس من الأسس التي جاء بها الإسلام.

واقع الأمية المؤلم في أمة اقرأ وتراجع التعليم والجامعات في العالم الإسلامي

تصوروا أن أمة اقرأ الأمية فيها تزيد عن خمسين في المائة، والإحصاءات الرسمية تأتي فوق الثلاثين في المائة!

تصوروا أن أمة اقرأ التعليم فيها أصبح تعليمًا روتينيًّا، وأصبحت جامعاتنا متأخرة عن جامعات العالم بعد أن كانت هذه هي أرض الحضارة ومنبع العلم.

تصوروا أن مصر مثلًا — يعني — فيها أزمة في هذا التعليم.

القضية الثالثة وهي البحث العلمي بوصفه فرضًا واجبًا على المسلمين

القضية الثالثة والتي أرى أن المسلمين في شأنهم الآن شأن فروض — الفروض المهمات التي لا يمكن أن نقلل من شأنها وننقصها من مرتبة الفرض والواجب — هو البحث العلمي.

فالبحث العلمي في غاية الأهمية، يجب علينا أن نهتم به، وهو سر قوة الأمم، وهو الذي سيمكننا من المشاركة في بناء الحضارة العالمية.

الكفاءات العربية التي حصلت على جائزة نوبل دليل على القدرة على المشاركة الحضارية

نحن لدينا كفاءات استطاع أربعة على الأقل أو خمسة أن يحصلوا على جائزة نوبل: السادات حصل عليها في السياسة، ونجيب محفوظ، وأحمد زويل، والبرادعي.

أي إن هذه أمور تبين لنا أننا قادرون على أن نشارك في الحضارة العالمية. فاروق الباز أو مجدي يعقوب أو غير ذلك ممن ساهموا في علوم الفضاء أو في الطب أو في ذلك إلى آخره.

لدينا قدرة، ولكن تخلف البحث العلمي الحقيقة وعدم تفعيله وربطه بالصناعة هو من أسباب ما نحن فيه الآن من حاجة إلى نهضة وحاجة إلى أن تستيقظ الحضارة مرة أخرى.

مجال التكافل الاجتماعي ورعاية اليتيم والفقير والأرامل وأطفال الشوارع

لدينا مجال آخر وهو مهم، وهو مجال التكافل الاجتماعي: اليتيم والفقير والأرامل والمطلقات ممن لا مأوى لهم، ومشكلة أطفال الشوارع هذه وأمثالها نسميها التكافل الاجتماعي.

التكافل الاجتماعي واجب على كل واحد منا أن يؤدي فيه ما يستطيع أن يؤديه. وهو مجال مهم متعلق بالأمن الاجتماعي والاستقرار، ومتعلق أيضًا بمحو الأمية، متعلق أيضًا بقضية البطالة، متعلق أيضًا بحياة الإنسان.

نجاح الجمعيات في التكافل الاجتماعي بين إعطاء الصنارة وإعطاء السمكة

نحتاج في هذه التنمية الاجتماعية أو المشاركة الاجتماعية إلى الاهتمام بالتكافل الاجتماعي. نجحنا والحمد لله في كثير من الجمعيات التي مارست هذا العمل.

فاستطعنا أن نعطي الإنسان صنارة نعلمه الصيد، لا أن نعطيه سمكة. لكن هناك أناس غير قادرين على الصيد — يده مقطوعة — فلا بد أن نعطيه السمكة.

ولذلك رأينا ذلك في بنك الطعام، ورأينا في جمعية رسالة، ورأينا في دار الأورمان، ورأينا في مؤسسة مصر الخير. كل هذه الجمعيات نجحت، وغيرها أيضًا نجح.

الحاجة إلى تفعيل الجمعيات الأهلية وتعلم إدارة العمل الاجتماعي بكفاءة

ونريد تفعيل الجمعيات في كل مكان؛ لأن المسألة أكبر من أن تقوم بها جمعية واحدة أو مؤسسة واحدة. لكن هناك طرق للنجاح.

لدينا أكثر من عشرين ألف جمعية، لكن نرى أن الناجح منها لا يتجاوز العشرين، أي واحد في الألف!

ويمكن لهذه الجمعيات إذا علمت كيف تدير نفسها وكيف تدير العمل الاجتماعي، يمكن لها وبقوة أن تفعل شيئًا بقوة في التكافل الاجتماعي وفي غيره أيضًا من المجالات التي ذكرناها.

مجال الحياة والفنون والرياضة وخطر انحراف الفن من أجل المال

هناك أيضًا الحياة، وهذه تشمل الفنون. في بعض الأحيان ينحرف بعضهم بالفن وبرسالته، وهذا الانحراف يكون في واقع الأمر من أجل المال؛ أي أنه يفرط في مبادئه، أو أنه أصلًا ليس لديه مبدأ، وإنما المال هو عنصر للفن الرديء.

فالفن الرديء يتخذه سبيلًا من أجل المال. وهذا من المؤلفة قلوبهم [أي يحتاجون إلى دعم مالي ليقدموا فنًّا راقيًا]. ولذلك يحتاج هذا الأمر إلى أن نعطي له مالًا من أجل أن يقدم الفن الراقي المؤثر وليس الفن الرديء السلبي الذي يضر بالمجتمع بالباطل.

رفض المقامرة في الرياضة وبيان خطرها الشرعي والاجتماعي

وفي الرياضة يطالب بعضهم بإجراء المراهنات مثل المراهنات على الخيل ومراهنات القمار من أجل الرياضة. لا! نحن ننفق على الرياضة ونعطيهم أموالًا ونعلي من شأنها دون الدخول في هذه المقامرات.

فالشعب — يعني — الذي اعتاد على المقامرة كان هذا خللًا فيه: أولًا من الناحية الشرعية، ثانيًا من الناحية الاجتماعية. القمار يسبب الإدمان كما هو مشاهد. القمار مصيبة كبرى حرمه الله وهو جدير بالتحريم؛ لأنه يحطم الإنسان [ويحطم] العمران.

ملخص المجالات الخمسة للعمل الاجتماعي وأهمية البحث العلمي والبيئة البحثية

كل هذا من الحياة. خمسة [مجالات]: الصحة، والتعليم، والبحث العلمي — وهو يختلف تمامًا عن التعليم، يحتاج إلى مراكز بحثية وإلى مختبرات —.

الشركات الدوائية لم تفتح الشركات العالمية عندنا هنا في مصر من أجل عدم وجود البيئة البحثية العلمية.

فالبحث العلمي، والتكافل الاجتماعي، والحياة — هذه الخمسة هي خمسة مهمة في العمل الاجتماعي. وأن يذوب أحدنا في الجماعة، ودين الله سبحانه وتعالى دلنا على الجماعة.

الوقف الإسلامي كصورة لتمويل العمل الخيري وإمكانية تطويره

من أين نفعل هذا الخير؟ جاء الإسلام بصور مختلفة، فجاء لنا بالوقف. يمكن أن نستمر فيه، يمكن أن نطور قوانينه، يمكن أن نستفيد من تجارب الأمم الأخرى التي أنشأت الصناديق الاستئمانية والمؤسسات الخيرية — وهي أنواع وصور من مفهوم الوقف الإسلامي — نستفيد منها في المحاسبة، في المراقبة، في الإدارة، في الاستثمار، في غير [ذلك]؛ لأن الفكرة هي فكرتنا، تلك بضاعتنا رُدت إلينا.

الوقف أحد صور تمويل هذه المجالات في عمل الخير.

حقيقة الوقف في الإسلام وإخراج المال من ملك صاحبه إلى ملك الله

الوقف يُخرج العين من ملك صاحبها إلى ملك الله. بالأدبيات الحديثة يقولون: إلى ملك المجتمع. نحن نقول في الإسلام: إلى ملك الله، الذي يمثل اللهَ في أرضه هذا الخليفة من أبناء آدم.

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

فأتخلى عن شيء من مالي فيخرج من ملكي إلى ملك الله. صورة الوقف ويمكن أن تتطور، يمكن أن تتطور أيضًا حتى طبقًا للقوانين المعمول بها وخلافه إلى وقف النقود، وهذا يتأتى في صورة الصناديق الخيرية الاستثمارية.

المؤسسات المالية والشخصية الاعتبارية ووقف الأموال على مذهب مالك

هذه بعض المؤسسات المالية والشركات العاملة والشخصية الاعتبارية وتمكنها في المجتمعات من الناحية الفعلية ومن الناحية القانونية.

يمكن أن نوقف الأموال — وهو مذهب مالك — إلا أننا نوقف مليون جنيه لا نتصرف فيها، ونأخذ من ريعها من أجل هذه المجالات [الخمسة في العمل الاجتماعي].

فريضة الزكاة وسهم العاملين عليها وتكلفة تحصيل الزكاة في العصر الحاضر

مثلًا فرض الله الزكاة وأمر بوصولها مباشرة لمستحقيها ونص عليهم. وهذه الزكاة ركن من أركان الدين.

ومن أولئك الذين أباح الله لهم أن يأخذوا من الزكاة هم فئة العاملين عليها. العاملون عليها يجوز لهم أن يأخذوا جزءًا من الزكاة: واحدًا من ثمانية — لأنهم ثمانية أصناف — واحد من ثمانية، أي اثنا عشر ونصف في المائة من الزكاة يمكن أن تذهب لتحصيل الزكاة.

ومن أنواع تحصيل الزكاة في العصر الحاضر الإعلام في التلفزيون وفي الصحافة — هذا مكلف وهذه الجهات لا تفعل هذا مجانًا — فيمكن من الزكاة أن ندفع، ولكن في حدود الاثني عشر ونصف في المائة فقط؛ لأن هذا المجال هو من العاملين عليها.

مرتبات الموظفين من سهم العاملين عليها وتكلفة الحصول على المال في الاقتصاد والقرآن

وكذلك مرتبات الموظفين الذين يديرون هذه الأموال ويوصلونها إلى مستحقيها إلى آخره. وكان قديمًا يُسمى بالساعي، فالساعي يأخذ من بيت مال الزكاة أو من الزكاة، ولكن في حدود الثُّمن.

وهذه تُعرف في الاقتصاد بتكلفة الحصول على الدخل أو المورد أو المال إلى آخره — تكلفة الحصول عليه — وهي موجودة في القرآن لما أدخلوا العاملين عليها وجعلها جزءًا من التحصيل، جعلها إذن جزءًا من التحصيل، بمعنى تكلفة الحصول على المال.

الصدقات حق في المال سوى الزكاة ووجوب التصدق على أصحاب الأموال

لدينا الصدقات، والصدقات يقول في شأنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«اعلموا أن في المال حقًّا سوى الزكاة»

فيبقى إذن أن هناك حقًّا على بعض الناس الذين يملكون مصانع وأراضي وعقارات وما إلى ذلك، وقد لا تجب في كل هذه الزكاة. فعليه أن يتصدق وأن يتصدق من سعته بعد [أن] وسّع الله عليه.

شروط الزكاة غير منطبقة عليه، نعم صحيح، لكن يجب عليه أن يتصدق.

الصدقة أوسع من الزكاة وتجوز لغير المسلمين وللأغنياء وتحل مشكلة الاختلاط

والصدقة أوسع من الزكاة. [الزكاة] تختص بالمسلمين، والزكاة تختص بالفقراء والمساكين ومن نص عليهم ربنا في آية التوبة.

لكن الصدقة تجوز لغير المسلمين، والصدقة تجوز حتى للأغنياء. وهنا نجد أن هذه السعة قد حلت المشكلة.

لدينا مشكلة الاختلاط [بين المسلمين وغيرهم]؛ فنحن نعيش في وطن واحد وبدون تمييز. ولذلك يمكن أن ننفق من الزكاة هنا ومن الصدقات هنا، وتكون المعاملة واحدة.

هذا تفكير — وتفكير منطقي — لا نراه أنه يخالف شيئًا من الكتاب ولا من السنة. ونحمد الله أننا من المسلمين، نعمة هي أكبر النعم علينا أننا مسلمون.

الهبات والتبرعات وجواز الإنفاق سرًّا وعلانية في الإسلام

أيضًا الهبات، والهبة هذه لها أحكامها، ولكن يدخل في صورها التبرعات.

بعض الناس يخفي زكاته وصدقته في الخفاء — يعطيها في الخفاء — وبعض الناس يريد أن يعطي هبة وأن يستفيد من هذا الإعطاء، وأن يكون ذلك علنًا أمام الناس.

والله سبحانه وتعالى أجاز لنا الإنفاق سرًّا وعلانية، وجعل السر والعلانية وجهين للإنفاق. فإن السر فيه شيء من الإخلاص، ولكن العلن فيه شيء أيضًا من الدعوة — دعوة الناس إلى أن يقتدوا بالآخرين في هذا الخير.

فمن أراد أن يخفي نفسه فلا بأس، ومن أراد أن يعلن عن نفسه فلا بأس، وكلاهما على خير.

خلاصة المبادئ: العمل يؤكد القول والإيمان لا يكتمل بدون العمل الصالح

إذن هذا هو مفهوم ومبدأ من مبادئنا، وهو أن العمل لا بد أن يؤكد القول، وإننا [لا] نكتفي بالظاهرة الصوتية، وأن العلم لا بد معه — والإيمان كذلك — من العمل الصالح.

﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [البقرة: 277]

وأن الإيمان والعلم بدون العمل الصالح فهو كالأعرج برجل واحدة؛ يكون متألمًا ويكون بطيئًا في سيره، وقد لا يُقبل عند ربه.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.