وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 19 | قضايا المرأة
- •يقوم الاجتماع البشري على العلاقة بين الرجل والمرأة، وقد جعل القرآن المسؤولية مشتركة بينهما، فلم يفرد اللوم للمرأة كما في الأديان السابقة.
- •العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكامل وليست صراع، إذ خلقا من نفس واحدة للقيام بوظائف محددة لعمارة الأرض.
- •المساواة في الإسلام لا تعني التساوي، بل لكل دوره حسب خصائصه ووظائفه مع مراعاة المراكز القانونية.
- •في الميراث، قد تأخذ المرأة مثل الرجل أو نصفه أو أكثر منه، وقد تأخذ هي ولا يأخذ هو، فالقضية متعلقة بالمراكز القانونية وليست بالذكورة والأنوثة.
- •ختان الإناث عادة وليس عبادة، ولما أثبت الطب الحديث أضراره أصبح محرماً.
- •تغيرت الأحوال في قضية تولي المرأة للولايات العامة، وقد تولت نساء القضاء عبر التاريخ، ورئاسة الجمهورية ليست كالخلافة العظمى.
- •ينبغي فهم قضايا المرأة بما يراعي الواقع والمصلحة والمقاصد الشرعية.
مقدمة الدرس وأهمية العلاقة بين الرجل والمرأة في الاجتماع البشري
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من الأسس والمبادئ التي تكوّن فكرنا أن الاجتماع البشري أساسه في النهاية العلاقة بين الرجل والمرأة؛ ولذلك إذا أردنا أن ندخل إلى القرآن باعتباره كتاب هداية، نريد أن نقف على هدايته في هذه العلاقة: في تصوّر الرجل، وفي تصوّر المرأة، وفي تصوّر العلاقة بينهما.
فنحن نسعى إلى دراسة سورة البقرة وهي تتحدث عن قصة الخلق الأول، ونرى أن الله سبحانه وتعالى في القرآن جعل المسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة، ولم يُفرد اللوم والعتاب على المرأة، ولم يجعلها هي التي أغوت آدم وأخرجته من الجنة، كما هو مسطور في كتب الأديان السابقة من أنها اتفقت مع إبليس على آدم وأن المرأة شيطان.
القرآن يساوي بين الرجل والمرأة في المسؤولية عن الخروج من الجنة
بل نراه [القرآن] وهو يساوي بينهما مساواةً تجعل المسؤولية على كل من الطرفين؛
﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا﴾ [البقرة: 36]
بالمثنى،
﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36]
إذن هو يخاطب الرجل والمرأة معًا، والشيطان تسلّط على الرجل كما تسلّط على المرأة، وتسلّط على المرأة كما تسلّط على الرجل.
آية النساء وأساس التكامل بين الرجل والمرأة من نفس واحدة
إذا ما انتقلنا بعد أصل الخِلقة - وهي نظرة ورؤية تختلف في نظر القرآن عنها في نظر الكتب السابقة - لوجدنا الله سبحانه وتعالى وهو يقول:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
وفي هذه الآية نرى أساسًا آخر من أسس العلاقة بين الرجل والمرأة، وهو أن الرجل والمرأة يمثّلان نفسًا واحدة؛ إذن فالعلاقة بينهما هي علاقة التكامل، وبموجبها يتم النسل والانتشار، ويخلق الله منهما رجالًا كثيرًا والنساء، إلا أنهما نفس واحدة، فالعلاقة علاقة تكامل وليست علاقة صراع.
الإسلام يرى التكامل بين الجنسين بينما تروّج المذاهب العالمية للصراع بينهما
الأفكار والمذاهب العالمية تقول إن العلاقة بين الرجل والمرأة - باعتبار أنهما ضدّان - هي علاقة الصراع؛ علاقة الصراع بين الإنسان والكون، بين الحاكم والمحكوم، بين رب العمل وصاحب رأس المال والعمال، بين الرجل والمرأة، وهكذا.
في حين أننا نرى أن الأمر إنما هو على سنة التكامل التي خلق الله عليها الخصائص والوظائف، وكلّف كلًا من الطرفين بعمارة الأرض وعبادة الله وتزكية النفس من أجل أن تسير الحياة. رؤية مختلفة تمامًا وواضحة تمامًا.
النهي عن تمني ما فضّل الله به أحد الجنسين على الآخر وحديث المتشبهين
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]
ويأتي الحديث:
لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال
لأن كل واحد منهما قد خرج عما أقامه الله فيه؛ خرج عن خصائصه التي خلقه الله عليها وأراد خصائص الآخرين، فتمنّى ما فضّل الله به بعضهم على بعض. وكذلك خرج عن الوظائف، وكذلك خرج عن المراكز القانونية، وكذلك خرج عما أراده الله له؛ فبدلًا من أن يقول: «اللهم إني أسألك من فضلك»، إذا به ينحرف فيتمنّى ما لم يُقمه الله سبحانه وتعالى فيه.
نظرية المساواة لا التساوي وفرحة كل جنس بطبيعته ودوره
ومن هنا تتولّد نظرية المساواة لا التساوي؛ فهذا كله يؤدي إلى أن هناك مساواةً بين الرجل والمرأة، وإن كان الرجل رجلًا وكانت المرأة امرأة، والرجل يفرح بأنه رجل والمرأة تفرح بأنها امرأة، ولكن كل واحد منهما يعرف دوره في الحياة ويقوم به طبقًا للخصائص والوظائف.
هذه الرؤية متحررة من أفكار السابقين ومن أفكار اللاحقين، إنما هي مبنية على محاولة أن نجعل الكتاب الكريم كتاب هداية هدًى للمتقين، نحاول أن نمتثل الله سبحانه وتعالى بتدبّر القرآن وبتفهّمه:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]
الرؤية الإسلامية في مواجهة النماذج المعرفية الأخرى ومفهوم الجندر
إذن نحن أمام رؤية لا نقول إنها جديدة، بل إنها تصوغ الأمر صياغةً تقف به أمام النماذج المعرفية الأخرى في العالم؛ أمام نماذج ترى أن العلاقة هي الصراع، وترى التساوي لا المساواة، وترى إنكار حتى الجنس وحتى ما أقامه الله فيه، وتجعل كل ذلك للاختيار.
فوصلنا إلى فلسفة الجندر، والجندر معناه النوع؛ كأنهم يُلغون Male وFemale - أي الذكر والأنثى - ويُلغون كلمة Sex [جنس]، هذا ذكر وهذا أنثى، ولكنهم يقولون بدلًا من الجنس: الجندر، يعني أنه ليس هناك ذكر وليس هناك أنثى، فالذكر يمكن أن يكون أنثى والأنثى يمكن أن تقوم بدور الذكر.
فلسفة الجندر تُلغي الأسرة الطبيعية وتُبيح الشذوذ وتُفضي إلى الفوضى
وعلى ذلك فليس هناك أسرة، والأسرة يُشترط فيها اتحاد الجنس واختلاف النوع؛ فليس هناك أسرة بين رجل ورجل، ولا يجوز أن يتزوج الرجل رجلًا، ولا بين امرأة وامرأة، ولا يجوز ذلك لأن هذا من قبيل الشذوذ.
لكنهم يُبيحون هذا الشذوذ ويُكوّنون الأسرة من أي زوج كان: من رجلين، من امرأتين، من رجل وامرأة. ثم بعد ذلك تتمادى هذه الفوضى إلى ما لا نهاية له، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
المرأة في التصور الإسلامي منضبطة بقيم التكامل والمساواة والخصائص والوظائف
المرأة في التصور الإسلامي على ذلك منضبطة بمجموعة من القيم، منها:
- التكامل
- المساواة لا التساوي
- الخصائص والوظائف
- القيام بالأدوار التي كلّفنا الله بها
- المراكز القانونية التي سيترتب عليها بعد ذلك قضايا الشهادات وقضايا الميراث
وليس في ذلك أي نوع من أنواع العصبية العرقية لأنها امرأة، إذ لا بد أن نقف منها موقفًا سيئًا، بل بالعكس؛ فإن اختلاف أنصبة المواريث وجدنا فيها الآتي:
- •وجدنا أن المرأة قد تأخذ مثل الرجل
- •ووجدنا أن المرأة قد تأخذ نصف الرجل
- •ووجدنا أن المرأة قد تأخذ أكثر من الرجل
- •ووجدنا أن المرأة قد تأخذ والرجل لا يأخذ
- •ووجدنا أن المرأة قد لا تأخذ والرجل يأخذ
قضية الميراث مرتبطة بالمراكز القانونية والحقوق والواجبات لا بالذكورة والأنوثة
إذن فالقضية ليست قضية أنوثة وذكورة بقدر ما هي قضية مراكز قانونية، والمراكز القانونية فيها حقوق وفيها واجبات، وهذا التقسيم مرتبط بتلك الحقوق والواجبات.
ولذلك نرى إذا مات إنسان وترك زوجةً وأبناءً وأمًّا وأبًا، فإن الأم والأب كل واحد منهما يأخذ السدس؛ هذه امرأة وهذا رجل، ولكن هذا له السدس وهذه لها السدس.
أما إذا مات وترك ولدًا وبنتًا، فإن البنت تأخذ نصف الولد:
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
والولد يُكلَّف لمراكزه القانونية بالإنفاق عليها وبتزويجها والقيام بشأنها دائمًا؛ فالأنوثة عندهم [في فلسفة الجندر] بذلك عجز دائم يستوجب الرعاية دائمًا، أي أن المسألة مثل قضايا الطفولة وقضايا المرأة تحتاج إلى تكليف إضافي على الرجل للحماية والعناية والرعاية.
أمثلة على حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل أو يُحرم الرجل دونها
وهكذا وجدنا المرأة قد تأخذ والرجل لا يأخذ؛ مات رجل وترك زوجةً وبنتًا وأمًّا وأختًا، فإن:
- •الأم تأخذ السدس
- •الزوجة تأخذ الثمن
- •البنت تأخذ النصف
- •وقد تركت مع البنت الأخت وهي أنثى تأخذ الباقي: خمسة على أربعة وعشرين
- •والعم لا يأخذ شيئًا وهو ذكر ومن أهل العصبات
إذن القضية هي قضية المساواة لا التساوي، قضية المراكز القانونية، قضية التكامل، قضية القيام بالأدوار، قضية الخصائص والوظائف، قضية ألا يتمنى كل طرف منهما أن يكون في مقام الآخر.
قضية الختان وضرورة بناء الموقف الفقهي على العلم لا على الأهواء
هناك مما يتعلق بقضايا المرأة قضية شاعت في عصرنا وكثر فيها اللغط، وهذا اللغط يأتي من إرادة نقل ما في الكتب إلى الواقع وعدم مراعاة الأسقف المعرفية، وهذا ليس من الفقه في شيء.
ومبدؤنا أن نعيش عصرنا وأن لا نترك ديننا، وأنه لا تعارض بين الأصالة وبين المعاصرة. هي قضية الختان، وقضية الختان أُثيرت في سنة ألف وتسعمائة وخمسين في مجلة طبية ثقافية تسمى مجلة الدكتور، حيث نشرت ملحقًا في عدد من أعدادها في سنة ألف وتسعمائة وخمسين تُحذّر من الختان - من ختان الإناث وليس الذكور - وكلامنا كله في ختان الإناث.
موقف علماء الأزهر عام 1950 من قضية ختان الإناث ومطالبتهم الأطباء بالموضوعية
وعُرض الأمر حينئذٍ على جماعة العلماء؛ بعضهم قال: لا، هذه سنة. وبعضهم - وهم الأكثر من هيئة كبار العلماء - كالشيخ محمد عرفة والشيخ محمود شلتوت أستاذ الشريعة الذي أصبح بعد ذلك الإمام الأكبر والشيخ الأزهر، والشيخ البنا كامل البنا، والشيخ عبد الوهاب خلاف، وأمثال هؤلاء كثيرون، كتبوا في مجلة الأزهر وكتبوا في اللواء الإسلامي لأحمد باشا حمزة ليبيّنوا الأمر على وجهه كتابةً دقيقة ممتعة.
قالوا: يا جماعة الأطباء، هذه عادة موروثة، وهذه العادة وُرثت من تجربة الشعوب؛ فلا بد عليكم عندما تطالبوننا بتركها أن تجتمع كلمتكم وأن تكون مبنيةً هذه الكلمة على العلم والبحث والتدقيق، لا على الأهواء والرؤى والفلسفات والتقليد للغرب أو للشرق.
شرط العلماء للأطباء وموقف الشريعة من ترك العادات الضارة
فإذا اجتمعت كلمتكم المبنية على العلم لا على الأهواء، فإننا لا بأس عندنا في الشريعة بترك هذه العادة.
المبحث الأول فيها: هل الختان عادة أو عبادة؟ جماهير المسلمين ترى أنه من قبيل العادة، ويلخّص ذلك حديث بسند ضعيف لا تقوم به الحجة، إنما منطوقه يبيّن هذه الحقيقة أن ختان الإناث من قبيل العادات وليس من قبيل العبادات:
«ختان الرجال سنة والنساء مكرمة»
كلمة مكرمة معناها أنها ليست من الشريعة.
النبي ﷺ كان يترك أمور المعارف لأهلها وحديث تأبير النخل دليلًا على ذلك
ما الذي حدث؟ حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك الأمور المتعلقة بالمعارف لأهل المعرفة في عصره، وحديث تأبير النخل ليس ببعيد عنا:
قال [النبي ﷺ]: «ماذا تفعلون؟» قالوا: نُؤبّر النخل يا رسول الله. فقال: «إن هذا بقدر الله». فظنّوا أنه يأمرهم بترك الأسباب، فلما لم يخرج التمر - لأنه لا بد من تأبير النخل وتلقيحه - قال:
«أنتم أعلم بأمور دنياكم»
وهذه المقولة منه صلى الله عليه وسلم تردّ جانبًا من تصرفات الحياة إلى المعارف؛ ولذلك يقول الإمام الشافعي وهو يعلّمنا في كتابه الأم هذه الحقيقة: أن بعض الأمور تتعلق بالمعارف وبأسقف المعارف والأسقف المعرفية للعلوم.
الإمام الشافعي وربط الكراهة الفقهية بالمعرفة الطبية في مسألة الماء المشمس
عندما يتكلم [الإمام الشافعي] أن محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى يروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يكره الوضوء بالماء المشمس، يقول الشافعي: «وأنا لا أكرهه إلا أن يكون من جهة الطب».
هو لا يعترض على عمر ومحمد بن إبراهيم بن أبي يحيى، وإن تكلّم فيه مالك وكان ثقةً عند الإمام الشافعي، إنما القضية هي أنه لا يكرهه إلا أن يكون من جهة الطب؛ إذا كانت المعارف الطبية تبيّن أن الماء المشمس بهذه الشروط التي اشترطها الفقهاء يضر الإنسان فهو مكروه، وهو أن يكون في بلد حار وأن يكون في إناء من المعدن سوى الذهب والفضة - وإن كان حرامًا - لكن أيضًا الذهب والفضة لا يُحدث الزهومة التي تعلو الماء فتضر الجسد.
الطب حينئذٍ كان يقولون هكذا؛ فلو أن الطب الآن قال: لا، كل هذا كلام غير منضبط أو خطأ، فإننا سنغيّر آراءنا؛ لأننا ربطناها أول مرة بالوجود، بالمعرفة، بالسقف الذي وصل إليه العلم.
الحديث الضعيف في ختان الإناث وأن النبي ﷺ لم يختن بناته
وفي الحديث الضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على امرأة ختنت طفلةً فقال:
«اشمّي ولا تنهكي، فإنه أحظى للزوج وأنضر للوجه»
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يختن بناته؛ فهذا كله جعلنا نقول إن الختان من قبيل العادة.
سنة ألف وتسعمائة وخمسين رفض العلماء أن يستسلموا فجأةً لما ظهر أنه من الأهواء أو من التقليد أو الانضباع بالغرب، وطالبوا الأطباء بأن يكونوا موضوعيين وبأن يبحثوا علميًا وبأن تجتمع آراؤهم وبأن يبيّنوا لنا الحقيقة.
منظمة الصحة العالمية تُعلن ضرر ختان الإناث عام 2000 وقياسه بتحريم التدخين
وظل الأطباء في أبحاث كثيرة لا نهاية لها، وفي سنة الألفين أعلنت منظمة الصحة العالمية - وهي منظمة محايدة لا تتدخل في الأهواء وما إلى ذلك، وهي التي أعلنت قبل ذلك الضرر البليغ للدخان -.
والدخان من الناحية الفقهية أو ما ورد في الكتب في خمسة أقوال: منهم من رآه واجبًا، ومنهم من رآه مكروهًا، ومنهم من رآه حرامًا، ومنهم من رآه مندوبًا، ومنهم من رآه مباحًا وهكذا. لكن لما جاءت المنظمة وأعلنت أنه يسبب الوفاة وأنه يسبب الأمراض الخبيثة، فإن كلمة الفقهاء انتهت إلى تحريمه، حتى أن بعضهم حرّم التدخين السلبي كذلك.
كذلك في قضية الختان، أثبتت الأبحاث أنها عادة مضرة، ونحن عندنا أنها عادة وليست من العبادة.
الوفاء بعهد علماء 1950 واتباع الأطباء حين اجتمعت كلمتهم على العلم
ولذلك فقد وفينا بما عاهد عليه مشايخنا ومشايخ مشايخنا من كبار هيئة العلماء في سنة ألف وتسعمائة وخمسين، حيث أقرّوا بأن الأطباء إذا اتفقت كلمتهم وكانت مبنيةً على العلم وكانت واضحةً جليةً من غير تقليد لأحد من الناس، فإننا نتبعهم.
هذا الذي فعلناه، وهذا هو الذي يجب أن نفعله دائمًا، وهذا هو المنهج الذي نراه في كلام الشيخ شلتوت وكلام الشيخ محمد عرفة وكلام الشيخ البنا وكلام الشيخ خلاف وغيرهم، من أننا أقوام لا نترك ما ورثناه بما قد يكون فيه فائدة إلا إذا ثبت فعلًا أنه ضار.
هل يمكن أن يكون الختان مباحًا في وقت وحرامًا في وقت آخر؟
هل يمكن أن يكون الختان في وقت ما مباحًا وفي وقت آخر حرامًا؟
نعم، الدنيا تتغير؛ الملابس تتغير، والملابس التي ترتديها النساء الآن ضيقة، كم من المهازل والمساخر التي تُعرض حتى في أجساد المرأة والاتجار فيها بهذه الفضائح التي تحدث حولنا، تُضعف الشهوة الجنسية.
هذا التلوث الذي لفّ العالم، هذا الضجيج، التلوث السمعي والتلوث البصري والتلوث البيئي، الطعام اختلف، نظام الأدوية اختلف؛ فإن النظام الدوائي الكيميائي ليس هو نظام الأعشاب الطبية الذي نسميه الآن الطب البديل وهو أصيل، ولكن البديل هو هذا النظام الدوائي الذي أهلك الجسد البشري.
تغيّر نمط حياة الإنسان الحديث وأثره على الجسد والنفس والحكم الفقهي
الجسد البشري كان يتعامل مباشرةً مع الكون؛ فكان يركب الحصان والإبل والحمار وكان يمشي، لكن الآن هناك السيارة والطائرة، وأصبح هناك منظومة جديدة للإنسان غيّرت من حياته وغيّرت مما يضره.
كل هذه الأشياء تغيّرت وغيرها تغيّر، فغيّرت النفس وغيّرت الجسد وغيّرت في الإنسان أشياء كثيرة. نحن نريد أن ندرك الواقع، نريد أن نحقق المصلحة، ونريد أيضًا وفي أذهاننا دائمًا - وهذا أساس من الأسس القوية - أننا دين منفتح ودين دعوة.
الحالة من العولمة التي نعيش فيها لا نريد أن نكون حجابًا بين الخلق والخالق، نحن نريد أن نُبلّغ الإسلام بصورة لافتة للنظر.
الموافقة على تحريم ختان الإناث بعد وفاء الأطباء بشروط العلماء
فلما تأتي قضية مثل هذه القضايا ونرى أنه قد وفى الأطباء ما طُلب منهم من قبل، فإننا حينئذٍ نوافقهم عليها مراعين كل هذه الأشياء.
كل العالم يسمعنا، كل العالم انتهى إلى ما انتهت إليه منظمة الصحة العالمية من أن ختان الإناث جريمة وبأنه خطأ.
ولو أننا أضفنا إلى ذلك معنى ختان الإناث؛ ختان الإناث يتحدث عنه الماوردي ويتحدث عنه النووي، إنه شيء مثل الجراحة في مكان حساس دقيق لا يتقنها إلا القلة من الأطباء المتخصصين، وحتى هذه الجراحة التي يتحدثون عنها الآن، إلا أن هذه الجراحة ليس فيها إزالة للعضو التناسلي ولكن فيها تهذيب له، ولا يكون ذلك إلا بشروط معينة وبكيفية معينة وباستثناء معين يقرره الطبيب المختص وليس كل طبيب.
الدعوة إلى التفكير العلمي الواعي وتحذير من نقل الكتب على الواقع دون وعي
إذن نحن أمام تفكير: إما أن يكون علميًا، وإما أن يستمر في النقل غير الواعي من الكتب محاولًا أن يفرضه على الواقع في محاولة لسحب الماضي على الحاضر دون وعي؛ لأننا نكون بذلك صادّين عن سبيل الله من غير أن نقصد، ومصيبة كبرى هي من أسس التفكير.
هناك قضية أخرى تتبّعناها عبر التاريخ وأيضًا تغيّرت فيها الأحوال وفهمنا فيها النص النبوي الشريف فهمًا جديدًا، فهناك قضية تولّي المرأة للولايات العامة.
تولي المرأة الولايات العامة والقضاء في ضوء تغيّر الأحوال ومشاركتها في بناء المجتمع
تغيّر الحال؛ تعلّمت المرأة وخرجت للعمل وشاركت في بناء المجتمع، ثم يأتي شخص ويقول: إن كان يمكن أن تُعيَّن قاضيةً، أو يمكن أن تُعيَّن وكيلة نيابة، أو يمكن أن تُعيَّن رئيسة جمهورية أو لا.
والقضية ليست هكذا؛ تتبّعنا فعل المسلمين فوجدنا أن ثُمَل وشَغَب تولّيتا القضاء، وأن أكثر من تسعين امرأة عبر التاريخ تولّين القضاء، وأن أكثر من تسعين امرأة [تولّين] الولايات العامة.
وأن رئاسة الجمهورية ليست هي الخلافة؛ المرأة لا يمكن أن تقوم بالخلافة العظمى التي يُفترض فيها أن يكون قائدًا للجيوش وأن يكون إمامًا للصلاة وأن يكون خطيبًا للجمعة إلى آخره.
رئاسة الجمهورية ولاية قاصرة لا خلافة عظمى وللمرأة حق توليها
أما رئاسة الجمهورية فهي بديل، فهي مثل شيء من الولايات القاصرة وليست هي الولاية العظمى.
الإمام الطبري وابن أبي ليلى يريان أن المرأة تتولى حتى الإمامة العظمى؛ إذن هناك اختيار فقهي يمكن أن يوافق عصرنا وأن لا يضر بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
دولة مثل فرنسا تأتي المرشحة فيها وهي تقف مع المسلمين، فإذا بنا نأمر المسلمين أن لا يعطوا أصواتهم إليها، فإذا بالمسلمين في هذا البلد يرون من البلاء ما الله به عليم. هذه أمور فيها انعزال عن الواقع وعن المصلحة وعن المقاصد الشرعية وعن فهم الدين الفهم الصحيح في وجهة نظرنا.
خاتمة الدرس والتأسيس لقضايا المرأة مع التمثيل بقضيتين مهمتين
قضايا المرأة كثيرة، يكفينا اليوم أن نؤسّس هذا التأسيس في العلاقة بين الرجل والمرأة، ثم نضرب الأمثلة في قضيتين مهمتين كما قدّمنا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
