وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 20 | صناعة الفتوى
- •الفتوى هي بيان حكم الله في واقعة معينة، وتختلف عن الفقه والقضاء.
- •الفقه يتكون من عنصر واحد: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
- •الفتوى تتكون من ثلاثة عناصر: استنباط الأحكام، ومعرفة الواقع، والربط بينهما.
- •القضاء يمتلك سلطة إضافية هي الإلزام وتغيير الواقع، فحكم القاضي ينفذ ظاهراً وباطناً.
- •عملية الإفتاء تمر بأربع مراحل: تصوير المسألة، وتكييفها، ومعرفة حكمها، ثم إصدار الفتوى.
- •الواقع له أربعة عوالم: الأشياء، والأشخاص، والأحداث، والأفكار، وهي متداخلة ومعقدة.
- •هناك فرق بين الفعل البشري المجرد والتصرف المركب المعقد في الإفتاء.
- •الاجتهاد مستمر في كل عصر حتى مع عدم زيادة المذاهب.
- •المفتي يراعي المقاصد والمصالح والمآلات واللغة العربية والإجماع عند الإفتاء.
- •الفتوى ليست ملزمة للمستفتي بخلاف حكم القضاء.
مقدمة اللقاء وتعريف الفتوى وعلاقتها بالواقع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
لقاؤنا اليوم مع مسألة مهمة وهي علاقة الفتوى بالواقع. الفتوى هي بيان حكم الله سبحانه وتعالى في واقعة معينة، ولذلك فهي تختلف عن الفقه وتختلف أيضًا عن القضاء، كما نصّ العلماء على ذلك، منهم صديق حسن خان ومنهم ابن تيمية رحمه الله تعالى وغير ذلك كثير.
الفرق بين الفقه والفتوى والقضاء وتعريف الفقه بعنصره الواحد
ما الفرق بين الفتوى والفقه والقضاء؟
الفقه له عنصر واحد: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسَب من أدلتها التفصيلية. هذا العلم مكتسَب من الأدلة التفصيلية، ولذلك "المكتسَب" هي مرفوعة وليست مجرورة؛ العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسَب، وليس "المكتسَبة" كما يقع كثيرًا على سبيل الخطأ في بعض الكتب.
"المكتسَبة" يعني هذا العلم [مكتسَب] من الأدلة التفصيلية. عنصر الوحي وهو معرفة أحكام الله سبحانه وتعالى: الصلاة واجبة، الخمر حرام، البيع حلال، الطلاق جائز.
موضوع علم الفقه هو الفعل الإنساني والأحكام الخمسة
إذا فعل الإنسان كذا وكذا فإنه يكون قد ظاهر زوجته، وحكم الظهار هو صيام كذا وكذا وكفارة كذا وكذا إلى آخره. أحكام شرعية، موضوع علم الفقه الذي يتحدث عنه هو الفعل الإنساني.
كل فعل إنساني له حكم، والأحكام خمسة: الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح. وتتكون جمل مفيدة من الفعل البشري ومن الحكم أحد الخمسة، فنقول: السرقة ثم نقول حرام، أما الحج فواجب على من استطاع الوصول إلى بيت الله سبيلًا، أما الصيام في شهر رمضان فهو واجب على القادر.
الجمل الفقهية المكونة من الفعل الإنساني وحكمه الشرعي
وواجب على المرأة أثناء الحيض والنفاس أن تفطر في رمضان ثم تقضي ما أفطرت بعد ذلك. هذه التفاصيل كلها جمل مفيدة فيها المبتدأ فعل من أفعال الإنسان والخبر حكم من أحكام الله يصفه.
الفقه له عنصر واحد وهو العلم بالأحكام.
عناصر الفتوى الثلاثة وزيادتها عن الفقه بإدراك الواقع والتطبيق
الفتوى لا بد أن تتضمن الواقع وإدراك الواقع في المسألة، ولا بد أيضًا أن تتضمن كيفية تطبيق هذا النص على ذلك الواقع.
إذن يمكن أن نقول إن عناصر الفتوى تختلف عن الفقه بزيادة؛ فلا بد للمفتي أن يكون فقيهًا، مطلعًا على الواقع، عارفًا بكيفية تنزيل ذلك المطلق وهو النص الشرعي الذي تجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال على الواقع.
الأمور الثلاثة التي ينبغي أن تتوافر في المفتي لإصدار الفتوى
ثلاثة أمور ينبغي أن تتوافر في المفتي: ليس فقط أن ينظر في الكتاب بل ولا يدرسه للطلاب ويكون فقيهًا بذلك، لكنه غير قادر على إدراك الواقع، وإذا أدرك الواقع يكون غير قادر على كيفية إنزال هذه الأحكام على الواقع.
[إنزال الأحكام على الواقع يكون] تحت مظلة معينة مكونة من المقاصد الشرعية ومن المصالح ومن مراعاة المآلات ومن اللغة العربية ومن الإجماع وهكذا.
منهج المفتي في مراعاة الواقع والمقاصد عند استنباط الأحكام
فالمفتي عندما يذهب في استنباط الأحكام فإنه يراعي الواقع المحيط به، ويرى إذا ما طبقنا هذا الحكم في ذلك الواقع بطريقة معينة: هل يضر ذلك بمقاصد الشريعة أم لا؟
فإذا وجد الأمر كذلك أعاد حساباته؛ لا يستطيع أن يُخرج الفتوى إلا بعد مراجعة مع النفس وإعادة لعملية الاستنباط ولعملية الإيقاع، حتى يتبين له أين الخلل؛ لأن الشريعة لا ينقض بعضها بعضًا، والتمسك بالأحكام الشرعية لا يضر بالأحكام الشرعية بالبطلان ولا بمقاصد الشريعة بالبطلان.
استحالة تناقض الأوامر الإلهية مع المقاصد الشرعية ومراجعة المفتي لنفسه
وهذه المقاصد المرعية التي أمرنا الله أن نراعيها لا يمكن أن تكون الأوامر الإلهية ناقضة وهادمة لها، لا يمكن. ولذلك يراجع [المفتي] نفسه مرة أخرى؛ لأن خللًا ما قد يكون.
هذا الخلل هو الصورية: أخذ الأمور بصورها ولم يأخذها بحقائقها. قد يكون هذا الخلل أنه أخذ جزءًا ونسي جزءًا، قد يكون هذا الخلل أنه لم يراعِ المآل، أنه خالف الإجماع، أنه خرج عن مقتضى دلالات الألفاظ في اللغة العربية، أنه لم يراعِ في ذهنه في المرة الأولى المصالح التي يتوخاها الشرع أو المقاصد التي يأمرنا بها الشرع.
إعادة المفتي لحساباته عند تأثير الفتوى على المقاصد والمصالح
ولذلك فإن المفتي عندما يرى هذا ويرى أن فتواه لو طُبّقت لأثّرت على المقاصد أو المصالح أو المآلات المرجوة بالبطلان، فإنه يعيد حساباته مرة أخرى وعملية الإفتاء مرة أخرى.
الفقه مكون من عنصر واحد، يُضاف إليه — إلى هذا العنصر — في الفتوى عنصران. يُضاف عنصران إلى هذا العنصر الذي هو الفقه، فهي تصبح الفتوى كأنها مبنية على ثلاثة عناصر:
- استنباط الأحكام.
- معرفة الواقع.
- الربط بينهما.
الفرق بين الفتوى والقضاء وشرط علم القاضي بالأحكام الشرعية
هنا يقودنا ذلك إلى الفرق بين الفتوى وبين القضاء. القضاء لا بد أن يعلم [القاضي] الأحكام الشرعية حتى لا يخرج عنها؛ لأنه لو خرج عن الحكم الشرعي فهو باطل.
ولذلك الحكم لو صدر مخالفًا للإجماع من القاضي فهو باطل، أما لو كان فيه اختيار فقهي فهو صحيح وينفذ ظاهرًا — أي أمام الناس — وباطنًا — أي عند الله.
سلطة القاضي في الإلزام وتغيير الواقع وتميزه عن المفتي والفقيه
ولذلك لا بد لكل الناس أن تلتزم بالحكم القضائي؛ لأن الله أعطى للقاضي سلطة لم يعطها للمفتي ولم يعطها للفقيه، وهي سلطة تغيير الواقع.
ولذلك فالقاضي ينبغي عليه أن يكون فقيهًا، وينبغي عليه أن يدرك الواقع، وله سلطة إضافية في تغيير ذلك الواقع وإنشاء واقع جديد.
مثال التنازع على الأرض وحكم القاضي الذي ينهي النزاع ظاهرًا وباطنًا
فلو تنازع اثنان على قطعة أرض، ثم ولنتصور أن الاثنين يظن كل واحد منهما بينه وبين ربه أن هذا حق فعلًا — يعني لا نتخيل أن واحدًا منهم يكذب وأن الآخر لا يكذب؛ لأنه لو كانت هكذا فإنها عند الله يعني كبيرة على الكاذب المغتصب الذي يريد أن يأخذ الأرض.
لكن فعلًا هو يظن أنها أرضه والآخر يظن أنها أرضه، فتُرفع إلى القاضي، ورأى القاضي أنها للأول. فهذا القرار من القاضي ينهي النزاع ويرفع الخصام ويجعل هذه الأرض ملكًا حقيقيًا للأول، ولا يجوز للثاني لا عند الناس ولا عند الله أن يطالب بها.
حكم القاضي إذا أخطأ بسبب البينات والتحذير النبوي من اغتصاب الحقوق
أما لو كان الأول كاذبًا والثاني هو الصادق، وبالرغم من ذلك فإن الأوراق وقرائن الأحوال والشهادات والبينات والأيمانات وما إلى ذلك جعلت القاضي يظن خطأً أنها للأول فحكم بذلك، فهي عند الناس للأول وكل الناس لا بد أن يتعاملوا معه كالأول.
ولكن حذّره رسول الله صلى الله عليه وسلم ديانةً في العلاقة بينه وبين ربه، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «من أخذ شبرًا من الأرض بغير حق طُوِّق سبعين أرضًا يوم القيامة»
يعني سيُطوَّق في عنقه سبعين أرضًا وأراضين. هذا جمع أرض، وجمع الأرض معناه الكرة الأرضية؛ لأن شبرًا من الأرض اغتصبه بغير حق.
حديث النبي عن الحكم بالظاهر وخطورة اقتطاع حق الغير
قال رسول الله ﷺ: «وإنما أنا بشر أحكم بينكم ولعل أحدكم أن يكون أبلغ في الحجة من أخيه، فمن اقتطع حق أخيه بغير حقه فإنما اقتطع قطعة من النار»
هذه ديانة [أي في العلاقة بين العبد وربه]. أما لو كان الأمر غير ذلك والأمور ملتبسة وهناك نزاع وخصام، فإن القاضي من سلطته ومما أقامه الله فيه أن يتدخل وينهي هذا النزاع ويحكم حكمًا ينفذ في الظاهر والباطن.
مثال حكم القاضي بالطلاق رغم رفض الزوج وسلطة تغيير الواقع
رجل وامرأة ذهبا إلى القاضي، تطلب المرأة الطلاق، فالرجل لا يريد أن يطلّق. ورأى القاضي أن المرأة لها الحق في طلب الطلاق وأنه يحكم بالطلاق. قال له الرجل: أنا لا أطلّق، فطلّق عليه القاضي.
ينفذ هذا الحكم ظاهرًا وباطنًا. رفض الزوج بعد الحكم وقال: لا أبدًا، هذه ما زالت زوجتي، هو مخطئ، لا يجوز له هذا. والمرأة بعد ذلك وبعد الحكم النهائي تعتدّ وتتزوج.
سلطة القاضي في تغيير الواقع مقارنة بعدم إلزام المفتي للسائل
إذن القاضي يغيّر الواقع، وأخونا الآخر يقول: أنا غير معترف. لا علاقة لنا ولا للمجتمع ولا عند الله باعترافه أو عدم اعترافه؛ لأن القاضي لديه سلطة التغيير.
في حين أنه لو ذهب إلى المفتي وأفتى لهم بوقوع الطلاق مثلًا، فلم يقتنع الزوج وقال: أبدًا لم يقع الطلاق وأنت أيها المفتي قد أخطأت في فتواك، فإنه لا يستطيع المفتي أن يُلزم السائل كما يستطيع القاضي أن يُلزم المتخاصمين بما يراه من أحكام.
فهناك عنصر إضافي آخر للقاضي وهو عنصر الإلزام في الحكم، وهو لا يتوفر في الفتوى التي ليست ملزمة.
كيف يفكر المفتي والمرحلة الأولى تصوير المسألة بدقة
كيف يفكر المفتي؟
المفتي أول شيء يقوم به هو تصوير المسألة. فلما تصوّر أمام المسألة تصويرًا صحيحًا — وعبء هذا التصوير يقع على عاتق المفتي والمستفتي — فالمفتي يجلس يسأل المستفتي ويعينه على استخراج الحقيقة للوصف الواقعي غير المتحيز للحادثة، ويحاول بقدر الإمكان أن يفهمها فهمًا دقيقًا بكل جوانبها.
وهذه خبرة لا توجد كثيرًا عند الناس، وهي كيفية السؤال حتى نصل إلى الحقيقة.
تدريب المفتي على سؤال المستفتي والفرق بين تعلم الفقه وتعلم الإفتاء
إن المفتي لا بد له أن يكون مدرّبًا على مسألة سؤال المستفتي والوصول إلى صورة صحيحة أقرب ما تكون إلى الواقع إن شاء الله.
وهو ما يفتقر إليه كثير ممن يتعلمون الفقه لكن لا يتعلمون كيفية الإفتاء؛ فالفتوى تحتاج إلى تدريب.
مرحلة التكييف الفقهي للمسألة بعد تصويرها وتحديد بابها
بعد مرحلة التصوير تأتي مرحلة أخرى تسمى بالتكييف [الفقهي]. سمعت السؤال، لكن هذا السؤال ينتمي إلى أي باب؟ هل هو هبة أم وصية؟ هل هو زواج أم طلاق؟ هل هو بيع أم سَلَم أم استصناع؟ هل هو من باب العبادات أم المعاملات أم العلاقات إلى آخره؟
تكييف. وبعد مرحلة التكييف — وهي على عاتق المفتي — يأتي دور الحكم.
مرحلة معرفة الحكم الشرعي من المصادر أو المذاهب الفقهية
معرفة الحكم [الشرعي]: ومعرفة الحكم إما أن يقوم المفتي بمعرفته من المصادر إذا كان مجتهدًا، أو بالاطلاع على المذاهب ومعرفة آراء العلماء فيما هو مدوّن تحت أيدينا من ثروة فقهية ضخمة وصلت إلى مليون ومائة وسبعين ألف فرع فقهي تحت أيدينا، في مذاهب تزيد على الثمانين — خمسة وثمانين مذهبًا — من أئمة الاجتهاد عبر العصور.
استمرار الاجتهاد عند ابن دقيق العيد وموافقة اجتهاده للمذهب الشافعي
وكان ابن دقيق العيد يقول — وهو يشير إلى استمرار الاجتهاد حتى لو لم تزد المذاهب —: ما قلّدنا الشافعي ولكن وافق اجتهادنا اجتهاده.
يعني ابن دقيق العيد كأنه مجتهد، لكنه لما اجتهد وجد نفسه مثل الإمام الشافعي، فسمّى نفسه ونسب نفسه إلى المذهب الشافعي.
الإمام السيوطي واجتهاده المستقل الذي وافق المذهب الشافعي إلا في سبع عشرة مسألة
كذلك يقول الإمام السيوطي في كتاب [التحدث بنعمة الله] — ألّف كتابًا في هذا الشأن للدلالة على استمرار الاجتهاد بالرغم من عدم استمرار المذاهب — أي أن هناك فرقًا بين استمرار الاجتهاد واستمرار المذاهب.
وهو الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض. وفي كتاب "التحدث بنعمة الله" قال أنه اجتهد وحده فوجد نتيجة اجتهاده هي المذهب الشافعي إلا في سبع عشرة مسألة.
السيوطي لم يخرج عن المذهب الشافعي وانتسابه إليه رغم اجتهاده
سبع عشرة مسألة فقط هي التي خالف فيها المذهب الشافعي، ثم وجدها أقوالًا ضعيفة في المذهب، أي كأنه لم يخرج عن المذهب الشافعي. فكان يقول: أنا جلال الدين السيوطي الشافعي.
أي أنه لم يُنشئ مذهبًا جديدًا؛ لأنه بتطبيقه للقواعد التي اختارها وجد نفسه مطابقًا للمذهب الشافعي.
استمرار الاجتهاد حتى مع عدم تكاثر المذاهب وعدم الحاجة لإنشاء مذهب جديد
فالاجتهاد مستمر حتى ولو لم تكن المذاهب متكاثرة أو مستمرة؛ لأن الاجتهاد قد يتوافق مع السابق، وحينئذ ليس هناك داعٍ لأن نُنشئ مذهبًا جديدًا باسم جديد؛ لأنه لم يخرج في مجمله أو في جُلّ مسائله عن المسائل القديمة ولا عن القواعد القديمة ولا عن المناهج القديمة.
وهنا تتحقق هذه المعادلة أيضًا في استمرار الاجتهاد حتى مع عدم زيادة المذاهب.
المرحلة الرابعة من عمل المفتي وهي إصدار الفتوى بمراعاة الواقع
المرحلة الرابعة تأتي تحت عنوان الفتوى. بعد أن عرفنا الحكم — أنا سُئلت مثلًا عن الخمر وعرفنا أنها مسكرة ثم جاء الحكم بأن الخمر حرام — يأتي دور الفتوى.
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]
فلا بد لي من مراعاة الواقع.
تعريف الواقع وعوالمه الأربعة وعالم الأشياء كعنصر أول
ومن هنا ينبغي لنا أن نفهم ما هذه الكلمة التي قد تكون في أذهان كثير من الناس هلامية المعنى: الواقع، ما هو الواقع؟
الحقيقة عوالمه أربعة:
العالم الأول هو عالم الأشياء: السيارة، الطائرة، السجادة، المصباح وهكذا، أشياء. عالم الأشياء، ومن عالم الأشياء — عالم الأشياء يمكن أن نتملكه — ولذلك فالحيوانات والبهائم والبقر والخيل وكذلك أيضًا من عالم الأشياء.
العالم الثاني عالم الأشخاص والفرق بين الشخصية الطبيعية والاعتبارية
العالم الثاني هو عالم الأشخاص. والأشخاص تشمل الإنسان مثلًا. في عصرنا الحاضر أصبح لدينا شخصيتان:
- •شخصية طبيعية: لها ذمة، لها عقل، لها نفس ناطقة، لها محاسبة عند الله.
- •شخصية اعتبارية: نشأت في صورة الشركات التي تطورت بعد ذلك إلى الشركات المساهمة والشركات العابرة للقارات والمصارف، وبدأت تنفصل انفصالًا شديدًا عن أصحابها حتى مثّلت شخصية موجودة، لكنها بالرغم من وجودها إلا أنها شخصية اعتبارية أو شخصية معنوية.
يجب علينا أن نفهم الفرق بين الشخصيتين، ولعل في إحدى اللقاءات أن نتحدث بتوسع عن الشخصية الاعتبارية وما تختلف الأحكام بشأنها عن الشخصية الطبيعية وما تتفق فيه الأحكام أيضًا وكيف يكون معيار ذلك.
العنصر الثالث من الواقع وهو الأحداث وما يحيط بها من زمان ومكان وأحوال
العنصر الثالث من الواقع هو الأحداث: الدولار انخفض سعره أو ارتفع، هناك حرب قائمة في المنطقة المعينة، هناك احتلال تمّ من جيوش العدو للمنطقة المعينة، هناك مؤتمر سوف يُعقد في المكان فلان يتحدث عن أحداث معينة.
وهذه الأحداث لها منهج للتعامل معها ولها اعتبار؛ لأن هذه الأحداث يحيط بها الزمان ويحيط بها المكان وتحيط بها الأحوال وتحيط بها الأشخاص لأنهم قائمون بها أيضًا.
دراسة الحدث من حيث الزمان والمكان والأشخاص والأحوال المحيطة به
والأشخاص الذين يصنعون الأحداث ويشاركون فيها ليسوا هم الأشخاص المعنيين بالعنصر الثاني [عالم الأشخاص]. الأشياء فالأشخاص فالأحداث فالأفكار.
لكن الأحداث لا بد — ونحن ندرس الحدث — أن ندرس زمن هذا الحدث ومكان هذا الحدث، وأيضًا ندرس الأشخاص القائمين بهذا الحدث، وندرس الأحوال التي اكتنفت هذا الحدث:
- •هناك حالة حرب وهناك حالة سلم.
- •هناك حالة صحة وهناك حالة مرض.
- •هناك حالة رواج اقتصادي وهناك حالة كساد اقتصادي.
- •هناك حالة فقر وحالة غنى، حالة علم وحالة جهل.
- •هناك حال وهكذا أحوال كثيرة.
- •هناك حالة اضطرار وحالة اختيار.
وينبغي أن تدخل كل هذه الأمور في إدراك الواقع.
العنصر الرابع من الواقع وهو الأفكار والفلسفات والأسئلة الكبرى
والعنصر الرابع هو الأفكار. هناك فلسفات كثيرة ورؤى كثيرة مرتبطة بنموذج معرفي وإطار كلي للإنسان وللكون وللحياة ولما قبل ذلك ولما بعد ذلك.
هذه الأفكار تجيب في بعضها على الأسئلة الكبرى. هذه الأفكار والأسئلة الكبرى هي: من أين نحن؟ وماذا نفعل الآن؟ وماذا سيكون غدًا؟
هذه الأفكار متشابكة متعارضة في بعض الأحيان، أختلف معها أو أتفق معها وهكذا.
تعقيد الواقع وتداخل عناصره والعلاقات المتبادلة بين مكوناته
هذه عناصر الواقع، لكن الواقع ليس محددًا بهذه الكيفية، بل إنه متداخل، شديد التركيب، شديد التعقيد، شديد التطور، شديد التغيير، شديد التعقيد في بعض الأحيان.
ولذلك فهناك علاقات متبادلة بين كل عنصر من هذه العناصر والثلاثة الأخرى. وهذه العلاقات المتبادلة تجعل هناك فرقًا بين الفعل الإنساني والتصرف الإنساني.
الفرق بين السؤال عن الأفعال البسيطة والسؤال عن التصرفات المركبة
عندما يأتي شخص ويقول: كيف أصلي ركعتين؟ أو يقول: هل يجوز لي أن أبيع أو أشتري السلعة المعينة بالطريقة المعينة؟ أو يقول يعني نريد أن نسأل عن فكرة التأمين أو فكرة المصرفية أو فكرة الشخصية الاعتبارية وهكذا.
فإنه يسأل عن أفعال بشرية يقوم بها البشر، وهذه الأفعال سهلة التناول. ولكن عندما يسألني عن العلاقات الدولية أو عن أحداث قائمة، هذه هناك فرق كبير بين الفتوى وبين الرأي.
الفرق بين الرأي الشخصي والفتوى الشرعية وضرورة دراسة الخريطة الكاملة
نعم، أنا لديّ رأيي في هذه الأمور، لكن الفتوى معناها بيان حكم الشرع، وحينئذ فلا بد أن أدرس كل هذه الخريطة.
وحينئذ إذا لم يكن لديّ قدرة أو الأدوات لدراسة عناصر التصرفات، فإنني لا أستطيع أن أُنشئ فتوى للفعل الذي هو وسط هذه التصرفات.
الفارق بين الفعل المجرد البسيط والتصرفات المركبة في الإفتاء
إذن فهناك فارق كبير بين الفعل المجرد الذي يمكن أن نعطي فيه فتوى سريعًا لعدم تركيبه وتعقيده ولعدم وجود العلاقات البينية بالعمق الذي يوجد في التصرفات.
أما في التصرفات فهناك علاقات بينية عميقة لا بد من إدراك كنهها؛ لأن لديّ قواعد أطبقها، منها ارتكاب أخف الضررين واجب، وأنا لا أعرف الضرر الأكبر والضرر الأصغر في هذا من الاتفاقيات الدولية القائمة، منها أمور كثيرة جدًا في غاية التعقيد.
التحذير من استغلال الفتوى سياسيًا وأهمية دراسة الواقع في عملية الإفتاء
ولذلك الذي يسأل عن التصرفات ويريد أن يستغل الفتوى من الناحية السياسية أو من الناحية الاقتصادية أو لمعارضته للحكومة، نقول له: نحن ننأى بأنفسنا عن أن نكون لعبة حزبية بين أطراف مختلفة.
نحن نقول عندما نتأكد ونعلم أن حكم الله هو هذا. هو ملخص للواقع، ودراسة الواقع تحتاج إلى كلام كثير، لكن هي جزء لا يتجزأ من عملية الإفتاء.
شكرًا لكم وإلى لقاء.
