وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 21 | النموذج المعرفى
- •النموذج المعرفي يمثل الرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة وما قبلها وما بعدها.
- •يقوم النموذج المعرفي الإسلامي على مبادئ أساسية: الإنسان مخلوق لخالق، مكلف في حياته الدنيا، وسيعود للحساب في اليوم الآخر.
- •يجيب النموذج الإسلامي عن الأسئلة الفلسفية الكبرى: من أين أتينا؟ ماذا نفعل الآن؟ وإلى أين المصير؟
- •الإنسان في النموذج الإسلامي سيد في الكون وليس سيداً للكون، فالله هو السيد المطلق.
- •يؤمن المسلمون بالعبادة والعمارة والتزكية، وينهى الإسلام عن الإفساد في الأرض.
- •النموذج المعرفي الإسلامي يقدس أشياء من عالم الأشياء والأشخاص والزمان والمكان، مثل المصحف والكعبة وليلة القدر.
- •يحتوي النموذج الإسلامي على سنن إلهية كالتوازن والتكامل والتدافع والاختلاف.
- •من مبادئ النموذج الإسلامي: لا تزر وازرة وزر أخرى، في القصاص حياة، جزاء سيئة مثلها.
- •يهدف النموذج لحفظ مقاصد الشريعة: حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال.
- •يفيد النموذج المعرفي الإسلامي في الدعوة إلى الله والخطاب العالمي والمقارنة مع النماذج الأخرى.
مقدمة اللقاء والتعريف بمفهوم النموذج المعرفي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
في لقائنا اليوم نتحدث عن مبدأ من المبادئ المهمة التي نسير عليها؛ نتحدث عن رؤيتنا للنموذج المعرفي. ونقصد بالنموذج المعرفي الرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة وما قبل ذلك وما بعد ذلك.
ونقصد بالنموذج المعرفي ما يسمى بالإنجليزية نموذجًا معرفيًا. هذا النموذج المعرفي الذي يحكم، كما يقول كون في الثورات العلمية المختلفة، التي نقلت البشر نقلة نوعية في مسيرتها وتطورها.
فهم النموذج المعرفي بالمقارنة بين الرؤية الإسلامية والحضارة الغربية
نستطيع أن نفهم النموذج المعرفي فهمًا جيدًا عندما نقارن بين وجهة النظر الإسلامية وبين تلك التي بُنيت عليها الحضارة الغربية، والتي يدّعي كثير من الفلاسفة مثل فوكوياما وغيره في نهاية التاريخ أنها قد انتصرت، وأنها قضت على الحضارات الأخرى، واستطاعت أن تنتشر في واقع الناس بملابسها أو بطريقة أكلها أو شربها أو تفكيرها أو إدارتها أو علومها الإنسانية والاجتماعية.
وذلك مما هو واقع في جامعاتنا وفي حياتنا اليومية؛ إذ إن هذه الحضارة استطاعت أن تخترع للإنسان المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة، بحيث إنها سيطرت على البرنامج اليومي للإنسان.
ادعاء فوكوياما بانتصار الحضارة الغربية وتساؤل عن نموذجها المعرفي
وعلى ذلك فقد انتهينا من المقارنات وانتهينا إلى أن هذه الحضارة قد ضربت الحضارات جميعًا في مقتل، وأنها هي الباقية، وأن التاريخ قد انتهى بانتصار هذه الحضارة الوحيدة التي أصبحت هي الحضارة الوحيدة في عالم اليوم. هكذا يرى هذا الفيلسوف أو المفكر في شأن العالم وما يحدث فيه.
فما النموذج المعرفي الذي بُنيت عليه تلك الحضارة التي يُدّعى أنها نهاية التاريخ وأنها هي الحضارة الوحيدة؟
نشأة الموسوعات الغربية وتأسيس المعرفة التجريبية الحسية
هناك في الغرب نشأت فكرة الموسوعات في أواخر القرن الثامن عشر، وبعد سنة ألف وسبعمائة وستين ظهرت الموسوعة البريطانية التي تسمى بريتانيكا في ثلاثة مجلدات كبيرة. واعتبروا أن هذا هو العلم، والعلم التجريبي الذي سُمّي بالإنجليزية علمًا، وأن ما سواه إنما يكون انطباعات أو رؤى أو أفكار لا علاقة لها بالعلم التجريبي الحسي.
ولذلك كل ما كان خارجًا عن هذا الكم من المعرفة فإنه لا يكون موثوقًا به، ويحتاج إلى تجريب؛ فإن ثبت دخل، وإلا فلا.
تطور البريطانيكا وظهور الموسوعات العالمية الكبرى
وتطورت البريطانيكا حتى أصبحت مؤسسة كبيرة ضخمة تُدار من أمريكا، ونشأت موسوعات عالمية أخرى كالموسوعة الإيطالية والموسوعة الروسية في مجلدات كبيرة تصل إلى ستين مجلدًا وأكثر. ولكن ظلت البريطانيكا لها رونقها القديم.
ومؤسسة بريتانيكا أصدرت مجموعة من الكتب أسمتها الكتب العظيمة التي كان لها أكبر الأثر في بناء الحضارة الغربية الحالية. وهذه المجموعة التي تسمى في الإنجليزية بالكتب العظيمة منشورة في أكثر من خمسة وخمسين مجلدًا.
محتوى الكتب العظيمة ومفاهيمها الأساسية في الحضارة الغربية
المجلد الأول والثاني من هذه المجلدات إنما يتحدثان عن المفاهيم ويعالجان أكثر من مائة مفهوم، منها: مفهوم الإنسان، ومفهوم الغيب، ومفهوم العلم، ومفهوم الثقافة، والحضارة والفكر إلى آخره. يعالجانها في مجلدان كبيران للمفاهيم.
وبقية الأجزاء تشتمل على النصوص الأصلية للمفكرين العظام الذين أثّروا، ابتداءً من أرسطوطاليس مع اليونان وانتهاءً ببرتراند راسل أو جان بول سارتر، ومرورًا بعصر التنوير وما قبله، وقبل ذلك في العصور الوسطى توماس الأكويني أو توماس أكوينوس، وكذلك جان جاك روسو أو فولتير إلى آخر ما هنالك من فلاسفة وأدباء وعلماء أثّروا تأثيرًا واضحًا في الحضارة.
خلاصة الفكر الأوروبي في أربعمائة وخمسين كتابًا ومائة واثنين من المفاهيم
فمنهم أينشتاين ومنهم داروين ومنهم نيوتن عبر التاريخ الطويل. أربعمائة وخمسون كتابًا هي خلاصة الفكر الأوروبي، لخّصوها في مائة واثنين من المفاهيم.
نشروا كل هذا وهو بين أيدي الناس، ويطورونه كل سنة بإضافة الجديد الذي يعتبر مؤثرًا في الحضارة الغربية.
فما النموذج المعرفي الإسلامي الذي نخاطبهم به إزاء هذا النموذج المركب المعقد الذي جاء عبر التاريخ؟
تغير النموذج المعرفي الغربي عبر التاريخ من نيوتن إلى أينشتاين
وتغيّر [النموذج المعرفي] لديهم، كما يقول كوين: إن النموذج المعرفي يتغير فيتغير معه حال العلم. فعلم الميكانيكا عند نيوتن يختلف عن علم الرياضيات عند فيثاغورس أو عند إقليدس أو عند أرشميدس.
ثم بعد ذلك ننتقل إلى نوعية أخرى عند أينشتاين وتلاميذه وزملائه.
هذا النموذج المعرفي ماذا يرى في الإسلام؟
إننا نأخذ ما في العقيدة الإسلامية المستنبط من الكتاب والسنة؛ إننا نأخذ من كلام علمائنا الأفاضل الذين سهروا على الكتاب والسنة ويستنبطون منها المفاهيم والأحكام، ووضّحوا لنا هذا في كتبهم في علم الكلام، وفي علم العقيدة، وفي علم التوحيد، بل وفي علم الفقه وفي علم التصوف وفي الأخلاق والقيم.
الأسئلة الكبرى الثلاثة وإجابة النموذج المعرفي الإسلامي عنها
كل ذلك وضّحوا لنا الإجابة على مجموعة كبيرة من الأسئلة، منها الأسئلة الكبرى الثلاثة التي يسميها الغرب بالأسئلة النهائية: من أين نحن؟ وماذا نفعل الآن؟ وماذا سيكون غدًا؟ السؤال عن الماضي والحاضر والمستقبل.
والإجابة جاهزة عندنا: أننا قد خُلقنا لخالق كريم، وإنه هو الرزاق المحيي المميت، وإنه لم يتركنا عبثًا بل أرسل الرسل وأوحى بالوحي، وإنه كلّفنا. ونظرية التكليف تجعلنا نلتزم بالأوامر وننتهي عن النواهي؛ فبين الأمر والزجر يعيش المؤمن عندما يتوثق من أن هذا أمر وأن هذا نهي أو زجر.
ثم بعد ذلك غدًا نعود إلى ربنا في يوم للحساب: الجنة أو النار، أو الثواب والعقاب. وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
موقف الحضارة الغربية من مسألة الإله وتحويلها إلى حرية شخصية
رؤية واضحة للإجابة على هذه الأسئلة الفلسفية العظمى، التي أُجيب عنها في الحضارة الغربية بأنه قد نُحّيت مسألة الإله وجُعلت من مجال الإيمان إلى مجال العلم. ولذلك فليؤمن به من آمن، وليكفر به من كفر؛ فهذه حرية شخصية لا يُسأل عنها الإنسان، وليفعل ما يشاء في هذا المجال.
إلا أننا يمكن أن نسأل أسئلة أخرى، وهي: كيف نشأ هذا الكون؟ ووُضعت النظريات ونُقضت هذه النظريات في جدال لا نهاية له وفي تخبط ما بعده تخبط.
نظرية الانفجار الكبير والآية القرآنية في عدم إشهاد المخلوقات خلق السماوات
فهناك نظرية الانفجار الكبير، وهي أن العالم كان نقطة ثم انفجر فكانت هذه المادة الأولى التي تشكّلت بدوران عشوائي وهو يدور حتى الآن.
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]
فإذا كان ربنا لم يُشهدهم خلق السماوات ولا خلق الأرض ولم يدلّهم على ذلك، فجاءت مجموعة من العلوم كعلم الجيولوجيا والأنثروبولوجيا؛ هذه تبحث في طبقات الأرض وهذه تبحث في الإنسان وفي ثقافاته واجتماعه وتفرقه وانتقالاته وهجرته، حتى تصل إلى إجابة بعض الأسئلة.
نظرية داروين في التطور وإشكالية وحدة الخلق والخالق
ويأتي داروين فيتأمل الإنسان ويراه أنه على قمة تطور بدأ من السمكة فالطائر فالحيوان فالقرد فالقردة العليا فالإنسان. ولكنه لم يُجب على كل الأسئلة، واختلط عليه وحدة الخلق التي تدل على وحدة الخالق، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
اختلط عليه ذلك لما رأى أن هناك خالقًا واحدًا وراء الجميع بقضية التطور التي ألّفها، والتي انتُقدت كثيرًا حتى لزم الأمر أن يأتي كثير من العلماء بالداروينية الحديثة.
أركان النموذج المعرفي الإسلامي: الخلق والتكليف واليوم الآخر
إذن فالنموذج المعرفي عند المسلمين يتمثل في:
- أن الإنسان مخلوق لخالقه.
- أن الإنسان مكلَّف في حياته الدنيا.
- وأن الإنسان سيعود في يوم آخر للحساب والثواب والعقاب.
وهذا الإيمان باليوم الآخر يتحكم في سلوك الإنسان ويتحكم في أفعاله ويتحكم في اتخاذ قراراته. ولذلك فهو في غاية الأهمية؛ لما يُحجم الإنسان عن الزنا أو عن السرقة أو عن القتل؟ إنه يخاف الله ويأتمر بأمره.
ليست المسألة مسألة أخلاقية فحسب، وليست المسألة مسألة فيها تفضيل لذلك الإنسان الذي امتنع عن الزنا والفحشاء والفاحشة والسرقة، بل المسألة هي مسألة الإيمان باليوم الآخر الذي ربط فيه الله سبحانه وتعالى الخير بالثواب والشر بالعقاب.
الفرق بين الرؤية الإسلامية والغربية في مسألة الإله واليوم الآخر وتشريع الأحكام
رؤية أخرى غير الرؤية التي نحّت الإله من ناحية، ونحّت اليوم الآخر من ناحية أخرى. والسؤال: فكيف ننظر إلى الإنسان؟ [في الرؤية الغربية] له عقل يستطيع أن يفكر، ولذلك فبهذا العقل يُنشئ الأحكام.
أما عندنا [في الرؤية الإسلامية] فالعقل يُفسّر الأحكام ويُطبّق الأحكام ويفهم الأحكام، لكن الذي يُنشئ الحكم هو الله؛ فالله هو الحاكم لا إله إلا هو.
يترتب على ذلك القول بمجلس يُنتخب وأنه هو الذي يُنشئ الأحكام، وعلى ذلك فقد أباحوا ما حرّم الله من إجهاض ومن شذوذ ومن أمور لا تليق بالبشرية ولا بالمجتمع البشري أن تكون، حتى عند العقلاء. وما زال العقلاء في أغلب بقاع الدنيا يأبون هذا ويرفضونه.
رفض أتباع الأديان لوثيقة الأمم المتحدة في مؤتمري القاهرة وبكين
ظهر هذا عندما ظهرت وثيقة الأمم المتحدة لمؤتمر السكان في القاهرة ولمؤتمر بكين وبكين بلاس عشرة أو بلاس خمسة بعد ذلك. فقد اجتمع أتباع أكثر من ثلاثين دين على وجه الأرض، منهم الشنتو والهندوس والبوذية والجيتا والمسلمون واليهود والنصارى وكل أنواع الديانات الكبرى على وجه الأرض في بلجيكا، واتفقوا على رفض هذه الوثيقة لما تشتمل عليه من حرية جنسية أو من إجهاض أو من غير ذلك من بلاياها.
لكن هذا هو النيو إيج أو العصر الجديد أو الفكر الجديد.
ملخص النموذج المعرفي الإسلامي: الخلق والتكليف والعودة إلى الله
نموذجنا المعرفي إذن يشتمل على:
- أن الإنسان مخلوق للخالق.
- وأنه مكلَّف.
- وأن هناك يومًا آخر سنعود فيه إلى ربنا.
ويُجيب ذلك على الأسئلة الثلاثة الكبرى.
كذلك نموذجنا المعرفي يرى أن الإنسان سيّد في الكون وليس سيدًا للكون؛ فإن السيد هو الله، أما الإنسان فهو مُكرَّم.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]
أسجد الله الملائكة لآدم لعلو شأنه ولعلمه، وسورة البقرة وهي تتحدث عن قصة الخلق تؤكد ذلك المعنى الذي يُفيدنا في بناء نموذجنا المعرفي.
الإنسان سيد في الكون المسخّر له والكون يسبح ويعبد ربه
الإنسان سيّد في الكون، هذا الكون مسخَّر له؛ سخّر الله لنا السماوات وسخّر لنا الأرض.
من النموذج المعرفي أن هذا الكون يسبّح ويعبد ربه وأنه يمتثل للإرادة الإلهية، فنراه:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
هذا الكون المسبِّح إذا ما عبدنا ربنا سبحانه وتعالى نحن نسير في تياره، وإذا ما عاندنا وتركنا عبادة الله التي هي هدف ومراد الدنيا سرنا في غير اتجاه هذا الكون.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
العبادة والعمارة والتزكية ثلاثة محاور في النموذج المعرفي الإسلامي
نحن نؤمن بـالعبادة والعمارة والتزكية؛ فربنا سبحانه وتعالى أمرنا بالعبادة وأمرنا أيضًا بعمارة الأرض:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
وأمرنا بالتزكية:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
وربنا سبحانه وتعالى نهانا عن التدمير وأمرنا بالتعمير:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ [البقرة: 204-205]
تقديس الأشياء والأشخاص والزمان والمكان في النموذج المعرفي الإسلامي
ويقول [ربنا سبحانه وتعالى]:
﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 31-32]
ربنا سبحانه وتعالى يبني لنا في الكتاب وفي السنة المشرفة على لسان نبيه، يبيّن لنا نموذجنا المعرفي الذي يقول: إننا نُقدّس شيئًا من عالم الأشياء وعالم الأشخاص، وشيئًا من الزمان ومن المكان.
نحن نُقدّس الكعبة ونُقدّس المصحف ونحترم النبي ﷺ احترامًا بليغًا. نحن نعتز بتتبع ليلة القدر. نحن نعلم أن الكعبة هي محل نظر الله سبحانه وتعالى، وأن المتعلق بالملتزم يلتزم فيه استجابة الدعاء. يا عمر، هاهنا تُسكب العبرات.
التقديس في الإسلام مقابل إنكاره في الحضارة الغربية
نؤمن بذلك؛ لا يستطيع أحدنا أن يُلقي بالمصحف أو أن يُناوله أخاه من على بُعد، بل كلما أمسكنا بالمصحف وضعناه فوق كل كتاب ووضعناه فوق رؤوسنا أو قبّلناه. إنه التقديس الذي تُنكره حضارة أخرى.
ينكرون التقديس مطلقًا، حتى أنهم ينكرون تقبيل يد الأب أو الأم أو العالم أو الكبير أو كبير القبيلة مثلًا.
إذن فنحن أمام نموذج معرفي مختلف يؤمن بالاحترام، وهناك نموذج آخر يؤمن بالتساوي المطلق حتى بين الإنسان وبين الكائنات.
الإنسان في النموذج الإسلامي ليس جزءًا من الكون وأثر ذلك على الطب
ولذلك فإن من نموذجنا المعرفي أن الإنسان ليس جزءًا من الكون، ولكن هناك [نموذجًا آخر] يرى أنه جزء من الكون، ولذلك يخضع للطب التجريبي ولا يرى كثيرًا إلا إذا ثبت ذلك بالتجريب أيضًا في المسائل الروحية والنفسية.
حتى إن التخصص المفرط الذي عاش فيه كثير من الأطباء عاملوا به الإنسان كقطعة لحم بيولوجية وليس كإنسان مُكرَّم مخلوق له روح. قديمًا كان الطبيب يشم عرق الإنسان ويسأله عن مشكلاته بينه وبين أبنائه وبينه وبين زوجته، عن مشكلاته المالية وهكذا، إلى أن يصف له العلاج المناسب.
أما الآن فإن الأمر محصور في التحاليل والأشعة وشيء من التعامل شبه المادي مع هذا الجسد الذي أمامنا، مما دعا كثيرًا من الناس إلى الدعوة للطب البديل الذي نشأ في أكثر من عشرين نوعًا من أنواع الطب البديل؛ وذلك لأن علم الأدوية ولأن هذا النظام الطبي الذي يعامل الإنسان كمادة وككم لم يعد ينجح في كثير من الأحيان.
السنن الإلهية في القرآن الكريم ومنها التوازن والتكامل والتدافع
إذ إن النموذج المعرفي يؤثر في حياة الناس سلبًا أو إيجابًا. لو تتبعنا وأخذنا نتتبع مفردات هذا النموذج المعرفي لطال بنا المقام.
النموذج المعرفي يشتمل أيضًا على مجموعة من السنن الإلهية التي علّمنا الله سبحانه وتعالى إياها؛ إن هذا الكون قد حُكم بالتوازن، وأن الأصل في العلاقة بين الإنسان والكون وبين الإنسان ونفسه وبين الإنسان وأخيه إنما هو التكامل وليس الصراع، وأن العلاقة بين الرجل والمرأة كذلك هي التكامل.
سنن إلهية أكثر من خمسين سنة إلهية في القرآن الكريم، منها: التوازن ومنها التكامل ومنها التدافع ومنها الاختلاف إلى غير ذلك من سنن ربانية خلقها الله سبحانه وتعالى وهي الحاكمة في حياة الناس وفي مسيرتها.
المبادئ القرآنية في النموذج المعرفي ومقاصد الشريعة الإسلامية
كذلك فإن هناك مبادئ قرآنية ربنا سبحانه وتعالى علّمنا إياها:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
مبدأ قرآني يمنع فكرة توارث الخطيئة التي بُنيت عليها أديان أخرى.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]
في القصاص حياة؛ هذا مبدأ قرآني يُطبَّق في التربية ويُطبَّق في الجنايات والعقوبات.
﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]
هذه المقابلة والمشاكلة مبدأ قرآني في أكثر من ثلاثين موضعًا قرآنيًا.
كذلك علّمنا الإسلام من نموذجه المعرفي أن مقاصد الشريعة الغراء هي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ كرامة تُسمى بالعرض، وحفظ الملك والمال. إذا كان هناك مراعاة لمصالح الناس ومصالح العباد.
النموذج المعرفي الإسلامي صياغة جديدة لمعارف الكتاب والسنة وفائدته في الدعوة
كل هذا يكون النموذج المعرفي الذي نسعى لصياغته؛ مجرد صياغة جديدة لكلام معروف مألوف نقرؤه جميعًا في الكتاب وفي السنة، ولكن قد يكون بألفاظ أخرى وقد يكون بترتيب آخر. ولكن مصدر هذا هو الكتاب والسنة لا يخرج أبدًا.
النموذج المعرفي يُفيد في الدعوة إلى الله، ويُفيد في الخطاب العالمي ونحن نؤمن بعالمية الإسلام، ويُفيد في المقارنة بينه وبين الآخرين عندما يسأل أحدنا: من أنت؟ وما إسلامك؟ وما معنى مسلم؟
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
