وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 22 | السنن الالهية
- •السنن الإلهية ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، وهي توجد في التاريخ كسنن تاريخية، وفي الأنفس كسنن نفسية، وفي الآفاق كسنن كونية.
- •تُستنبط السنن الإلهية من كتاب الله المسطور (القرآن) ومن كتاب الله المنظور (الكون)، وهناك أيضًا كتاب الله المقدور (الإنسان) الذي يصل بينهما.
- •القرآن كتاب فريد لا مثيل له في إيجازه وإعجازه وحفظه، يحفظه أكثر من أربعين مليون إنسان من مختلف اللغات والأعمار.
- •من سنن الله أن يجعل لكل نبي عدوًا، وكذلك الدعاة إلى الله يواجهون المجرمين.
- •دعا الشيخ رشيد رضا إلى دراسة السنن الإلهية كعلم مستقل، لكن لم يتحقق ذلك رغم وجود مؤلفات تناولتها.
- •السنن المتعلقة بالنفس تشمل الفرد والجماعة والمجتمع والأمة والعالم.
- •العلماء المؤمنون يقرأون نفس الحقائق العلمية قراءة إيمانية، فما يراه الملحد دليلًا على نفي الخالق يراه المؤمن دليلًا على وجوده وحكمته.
مبدأ السنن الإلهية الثابتة التي تحكم الكون
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا أننا نؤمن بـسنن إلهية خلقها الله سبحانه وتعالى، يسير عليها الكون؛ وهذه السنن الإلهية ثابتة لا تتبدل ولا تتحول.
﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]
هذه السنن الإلهية قد تكون في التاريخ، فهناك سنن تاريخية؛ وقد تكون في الأنفس، فهناك سنن نفسية سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة أو على مستوى المجتمع أو على مستوى الأمة أو على مستوى العالم؛ وهناك سنن كونية في الآفاق.
وهذه السنن قد تكون في الأرض، وقد تكون في عالم الحيوان، وقد تكون في عالم النبات، وقد تكون في السماء، وقد تكون في الملك الظاهر وقد تكون في الملكوت الغائب؛ والله سبحانه وتعالى هو صاحب هذا الغيب، بل يطلق عليه بعض العارفين غيب الغيب؛ لأنه لا يطلع على كنهه سبحانه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
السنن الإلهية في كتاب الله المسطور والمنظور
إذن، سنن تحكم هذا العالم؛ والعالم هو ما سوى الله من ملك أو ملكوت، من غيب أو شهادة.
السنن الإلهية نراها في كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور؛ وهو القرآن. والقرآن كتاب فريد لا مثيل له في قِصَره ووجازته، إيجاز في إعجاز، في حفظه الذي تكفل الله به فصدّق نبيه وأيّده.
ليس هناك كتاب على وجه الأرض مثل كتاب القرآن يحفظه الكبير والصغير والأطفال والعرب والعجم؛ يحفظه من يفهمه ومن لا يفهمه، وهو شديد التفلت فلا بد من مراجعته.
لم نرَ أحدًا من الناس يحفظه بلغة أجنبية، وقد تُرجمت معانيه إلى أكثر من مائة وثلاثين لغة؛ حتى الذي نقله إلى الإنجليزية أو إلى الفرنسية أو إلى اليابانية لا يستطيع أن يحفظه وقد قام هو بترجمة معانيه. لم نرَ أحدًا من البشر، ولا واحدًا، يحفظ القرآن بلغة أخرى.
عجائب القرآن الكريم في رسمه ونظمه وانتشاره
كتاب عجيب في رسمه، عجيب في نظمه، عجيب في انتشاره؛ أكثر من أربعين مليون إنسان يحفظون الكتاب عن ظهر قلب بلغات مختلفة؛ منهم التركي ومنهم الملاوي ومنهم الفارسي ومنهم العربي، وجميعهم يحفظون كتاب الله كما أُنزل.
فوجئت أنا في زيارة إسطنبول أن مدارس تحفيظ القرآن بها ستة آلاف طفل صغير؛ وذهبت إلى إحداها واختبرت الأولاد، فإذا بهم يحفظون كأنه صورة فوتوغرافية.
كتاب الله هو كتاب الله المسطور الذي حُفظ وسُطِّر وكُتب، لا بحولنا ولا بقوتنا، وإنما بحول الله وقوته.
كتاب الله المنظور والإنسان كتاب الله المقدور
وهناك أيضًا تُؤخذ السنن الكونية الإلهية من كتاب الله المنظور؛ وكتاب الله المنظور هو ذلك العالم الذي نعيش فيه، نسير في الأرض وننظر ونعتبر ونتأمل.
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
أُمرنا أن نتدبر الكتاب المسطور، وأُمرنا أن نتدبر الكتاب المنظور؛ ولذلك يرى بعضهم أن الإنسان هو كتاب الله أيضًا، وفيه جُمع العالم، فهو مقدور لله سبحانه وتعالى، فسُمِّي كتاب الله المقدور.
إذن، الكتب ثلاثة: الوحي، والوجود، والإنسان الذي يصل بينهما؛ إنها دائرة لا نعرف قبلها من دبرها ولا بدايتها من نهايتها.
العلاقة بين الوحي والوجود والإنسان في القرآن الكريم
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
فتحدث عن الخلق أولًا، ثم بعد ذلك يعيد طلب القراءة فيقول:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]
أي الوحي؛ فوجّه الإنسان إلى الخلق حتى يتوصل به إلى صحة الوحي. فـكتاب الله المنظور وهو الكون لا يعارض، بل ويتفق اتفاقًا عجيبًا مع كتاب الله المسطور وهو القرآن أو الوحي.
ومرة أخرى نراه يبدأ بالوحي ثم يتحدث عن الوجود:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]
فبدأ بتعليم القرآن، ثم بتعليم الإنسان البيان بعد أن خلقه في كونه الفسيح.
كتب ثلاثة: الوحي، والوجود، والإنسان الذي يصل بينهما بالتدبر والتفكر كما أمرنا ربنا سبحانه وتعالى.
مصادر السنن الإلهية في التاريخ والنفس والآفاق
هذه هي مصادر السنن الإلهية سواء كانت في التاريخ أم كانت في النفس أم كانت في الآفاق.
﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]
السنن الكونية عندما نتتبعها في القرآن الكريم نجد أنها أكثر من خمسين سنة إلهية؛ سواء في التاريخ، لأن التاريخ له نظام وله مسيرة؛ والمتأمل في هذه المسيرة يخرج منها ويستنبط سننًا إلهية لا تتخلف.
منها هلاك الأمم، ومنها بقاء الأمم، ومنها سنن تتعلق بـعمارة الأرض، ومنها سنن تتعلق بـالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
سنة الله في جعل الأعداء للأنبياء والدعاة إلى الله
فمن سنة الله أنه جعل لكل نبي عدوًا؛ هذه سنة الله. فإذا ما خُتمت النبوة لسيدنا محمد ﷺ، فإن العلماء وهم ورثة الأنبياء، والدعاة إلى الله الذين امتثلوا لقوله ﷺ:
«بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» [رواه البخاري]
يقومون مقام النبوة كما ورد في بعض الأحاديث: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» يعني في التبليغ عنه ﷺ.
فإذا بهؤلاء الدعاة إلى الله أيضًا يجعل الله سبحانه وتعالى لهم من المجرمين أعداء؛ إذا كان هذا الداعي إنما هو داعية إلى الله سبحانه وتعالى على بصيرة، كما كان رسول الله ﷺ وكان أصحابه.
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]
كان على بصيرة من ربه؛ فإن الله سبحانه وتعالى من سننه أن يقيم له عدوًا من الإنس ومن طائفة المجرمين كما وصفهم الله سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: 29-31]
وما أرسل الله سبحانه وتعالى من نبي إلا وجعل له مجرمين وأعداء؛ سنة الله سبحانه وتعالى في التاريخ.
المؤلفات في السنن الإلهية ودعوة رشيد رضا لاستقلالها علمًا
السنن [في التاريخ] كثيرة؛ ألّف فيها السيد باقر الصدر دروسًا في السنن التاريخية، وألّف فيها أيضًا الشيخ محمد الصادق عرجون، وألّف في السنن الإلهية بحالها الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان؛ إذن هناك مؤلفات كثيرة، راعى كثيرًا من هذه السنن في كتاباته الدكتور سيف عبد الفتاح، وهكذا في مجموعة كبيرة من المؤلفات التي تتكلم عن السنن الإلهية.
أشار الشيخ رشيد رضا في مجلة المنار إلى هذه السنن، ودعا إلى أن تُفرد بالدراسة وبالعلم؛ ونعلم أن توليد العلوم كان من سمات الحضارة الإسلامية.
فمثلًا، مادة علوم القرآن التي ألّف فيها الزركشي كتابه الماتع [البرهان] هي مادة جديدة، جمع فيها أشياء قد تكون مبعثرة هنا وهناك في علم التفسير وفي الحديث وفي أصول الفقه وفي اللغة، إلا أنه جمعها كلها في مكان واحد حيث ما تعلقت بالقرآن وبدراسة القرآن؛ جمعها من القراءات ومن رسم القرآن ومن ضبط القرآن، جمعها من التاريخ وألّف كتابه [البرهان في علوم القرآن].
كتاب البرهان والإتقان وتطور علوم القرآن حتى القرن العشرين
إلا أن كتاب [البرهان] للزركشي لم يُعرف ولم ينتشر ولم يُدرس؛ فجاء الإمام السيوطي وخطرت له نفس الخاطرة ونفس الفكرة، فألّف كتابه [الإتقان] كما تكلم عن نفسه، ثم بعد ما أتمه وقع له كتاب [البرهان] للإمام الزركشي، فاستفاد منه وضمّن كتابه [الإتقان] كثيرًا مما ورد في كتاب [البرهان] للزركشي.
علم جديد؛ حتى أنه لم يستقر في الأكاديميات إلا في القرن العشرين؛ أما قبل ذلك فلم نسمع أن أحدًا قد درّس أو درس [البرهان] أو [الإتقان]، بل كانت مراجع يُرجع إليها.
فدعا رشيد رضا في مجلة المنار إلى أن تصير السنن الإلهية في درس مستقل وفي مادة مستقلة، ويلتزم الطلاب بها كعلم جديد يفتح لهم الآفاق، وتقوم له علوم مساعدة تساعده على أن يسير في طريقه؛ وتكون نوعًا من أنواع توليد العلوم التي توقفت في القرن الرابع، ولم تخرج بعد ذلك إلا علم أو علمان؛ مثل علم الوضع عند عضد الدين الإيجي، وعلوم القرآن عند الإمام الزركشي ثم الإمام السيوطي.
دعوة رشيد رضا لجعل السنن الإلهية علمًا مستقلًا وتوليد العلوم
وبعد ذلك في القرن العشرين أصبح يُدرَّس في الأكاديميات العلمية علم الوضع، ويُدرَّس أيضًا علم علوم القرآن.
فهل يمكن أن يستجيب العلماء لدعوة الشيخ رشيد رضا من أكثر من مائة سنة، ولم يحدث أي شيء إلا مؤلفات بسيطة لا تتجاوز المؤلفات العشرة في هذا المعنى؛ بما لم يجعلها علمًا حتى الآن؟
لكن كان المرجو والمقصود من كلام الشيخ رشيد رضا أن تتحول هذه المعاني إلى علوم تُدرَّس، وتكون متفرعة مثلًا من علم التفسير أو من علم علوم القرآن؛ وتوليد العلوم وانفصالها كان من سمات الحضارة الإسلامية.
حيث مثلًا انفصل علم المواريث من الفقه وأصبح علمًا مستقلًا بذاته له المتخصصون فيه الذين قد لا يتقنون غيره؛ وكما استقل علم القراءات عن علوم القرآن في مجملها أو عن التفسير، فإن عالم القراءات لا يستغني أبدًا عن التفسير في توجيه قراءاته وفي فهمها وهكذا، إلا أن علم القراءات قد استقل بنفسه.
توليد العلوم واستقلال العلوم من سمات الحضارة الإسلامية.
السنن المتعلقة بالنفس ومستوياتها من الفرد إلى الأمة
هناك أيضًا النفس والسنن المتعلقة بالنفس؛ والنفس كلمة قد تشمل الفرد في ذاته، وقد تشمل الجماعة، وقد تشمل المجتمع، وقد تشمل الأمة.
﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52]
فالأمة نفس واحدة. إذن النفس كلمة لها درجات؛ درجة في ذات الإنسان، ودرجة تتحدث عن الأسرة، عن جماعة المسجد، عن جماعة المدرسة، عن جماعة العمل، عن جماعة الجوار والجيران.
ثم هناك أيضًا بعد ذلك ما يتحدث عن المجتمع الذي له مؤسساته وله مشكلاته التي تتعلق بالأمية وتتعلق بالبطالة وتتعلق بالحالة الصحية وتتعلق بمؤسسات الدولة وتتعلق بمدى الحريات فيها إلى آخر ما هنالك.
وهناك أيضًا الأمة بمعنى تلك الأمة الواحدة التي نراها تجتمع اجتماعًا واحدًا في الحج إلى بيت الله الحرام من كافة أنحاء الأرض ومن جميع الجنسيات ومن كل اللغات.
السنن الكونية في الآفاق وتطورها في العلوم التجريبية
وهناك أيضًا ما يتعلق بـالعالم المحيط بنا، ونحن في عصر قد رُفعت فيه الحدود وسُمِّي ذلك بـالعولمة؛ والاتصالات والمواصلات والتقنيات جعلتنا نعيش في الجوار، فكلنا نتجاور، يؤثر بعضنا في بعض، تنتقل الأفكار بسرعة مذهلة وآنية؛ بحيث إنها وهي تخرج من فم مبدعها أو مبتدعها فإنها تُسمع فورًا وفي العالم كله.
إن السنن المتعلقة بالنفس أيضًا لها قواعدها ولها كيفية دراستها وكيفية الاستفادة منها بعد هذه الدراسة.
كذلك السنن التي في الآفاق وهي قد تطورت جدًا في العلوم التجريبية، أو من خلالها التي مَنَّ الله على الإنسان بمعرفتها في العصور المتأخرة.
قراءة العلماء المؤمنين للعلوم التجريبية دليلًا على الإيمان لا الإلحاد
كثير من العلماء إذا ما قرأوا كتب أولئك الذين يستنبطون مما يرون الإلحاد، فإنهم يستنبطون من ذات الرؤية الإيمان؛ ولذلك نراهم يؤلفون كتابًا يسمونه مثلًا [الله يتجلى في عصر العلم]، أو آخر يسميه [العلم يدعو للإيمان]، أو آخر يسميه [الإنسان ذلك المجهول]، وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي ترى رؤية أخرى وتقرأ قراءة أخرى لذات الموضوع.
[العلم والطب محراب الإيمان] إلى آخر هذه الكتب التي تقرأ الحقائق نفسها ولكن بصورة أخرى.
فـداروين مثلًا عندما يتحدث عن التطور، يصدّقه ذلك العالم [المؤمن] ويقول: سبحان الله، كلامك صحيح من ناحية الوصف لكنه خاطئ من ناحية التفسير؛ فنعم هناك تشابه بين كل هذه المخلوقات، وهذا دليل على وحدانية رب العالمين الذي خلق كل ذلك ولم يخرج عن خلقه شيء.
﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: 11]
رد الملحد على الكائنات الدقيقة في الأمازون وجواب المؤمن
جاء أحد الملحدين وهو يقول: لا يمكن أن يكون لهذا الكون إله، لماذا؟ قال: لأني رصدت في مستنقعات الأمازون في البرازيل هذه الكائنات؛ عشرة آلاف كائن حي تُؤخذ من المياه كل يوم، نرصدها ونسجلها على الحاسوب بواسطة المجهر المجهري، ونرى أشكالها ونحفظها.
والغريب أنها تنتهي تمامًا ولا وجود لها إطلاقًا عند الغروب وكأنها تحلّل نفسها، ثم بعد ذلك تتكون عشرة آلاف أخرى فنأخذها في اليوم التالي، وفي اليوم الثالث عشرة أخرى، وفي اليوم الرابع عشرة أخرى.
قال ذلك الملحد: إذا كان لهذا الكون خالق فهذا عبث؛ وعلى ذلك فإذا كنتم تقولون بالخالق فهذا الخالق ليس بحكيم، ما الفائدة؟ هو يتساءل ذلك الملحد عن أن يخلق كل هذه الأعداد كل يوم؛ نحن نرى أنه ليس هناك إله وأن الأمر هو أن الطبيعة تكون هذا دون حكمة ودون وعي ودون إدراك، وطبائع قوانين هذه الأشياء تجعلها تنتهي في آخر النهار وينتهي الأمر.
فعندما سمع المؤمن منه ذلك صرخ فقال: لا إله إلا الله، سبحانه وتعالى ما زال خالقًا، وهذا إثبات لهذا؛ وكان ينبغي عليك أن تقرأ هذا لا أن تنفي الخالقية التي هي أوضح من الواضحات.
ولا يصح في الأشياء في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل؛ لا يصح العقل، قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، وينكر الفم طعم الماء من سقم.
الرد القرآني على الملحد بأن الله لا يزال خالقًا في كل لحظة
فربنا سبحانه وتعالى لا يزال خالقًا، وتلا عليه قوله تعالى:
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]
فشأن ربنا الآن هو أن يخلق هذا، وهو ما زال خالقًا؛ فيحيي ويميت، وهو ما زال يحيي ويميت سبحانه وتعالى أبدًا.
فإذا كنا لا نرى هذا في الكائنات الحية بصورة لافتة للنظر، فها أنت قد رأيته في الكائنات الدنيا التي تسمى بـالأميبا وحيدة الخلية أو كذلك؛ فكان ينبغي عليك أن تقول: سبحان الله لا قوة إلا بالله، هذا خالق قوي قدير حكيم لا نهاية لقوته ولا لحكمته؛ لا أن تقول أن هذا يدل على إنكار الإله.
التواصل الغريب بين جماعات النمل والنحل دليل على الخالق الحكيم
كذلك ألّف بعضهم في تأثر جماعات النمل وجماعات النحل بعضها ببعض مع تباعد الأميال وتباعد المكان؛ فإذا تصرفت مجموعة من النمل في الهند تصرفًا معينًا من الهدوء أو من السكينة أو من الاضطراب أو من الهيجان، فإننا نرى في أمريكا في ذات الوقت كذلك يحدث لزملائها من جنسها.
فما الذي وصل هذا بذاك؟ إنه [الملحد] ينكر وجود الخالق الحكيم من أجل هذه الرؤية؛ والمؤمن يقرأ نفس الشيء فيقول: سبحان الله.
فرويد ووصف النفس الإنسانية والقراءة الإسلامية لمستوياتها
فرويد عندما تحدث عن النفس الإنسانية لا ننكر شيئًا مما قال، لكننا نقول له: أنت تصف النفس الأمارة بالسوء فقط لا غير.
أن هناك نفسًا لوّامة، وهناك نفسًا ملهمة، وهناك نفسًا مطمئنة، وهناك نفسًا راضية، وهناك نفسًا مرضية، وهناك نفسًا كاملة.
من قال لك إن النفس نسلّمها عندما تقول لإشباعها من سعارها الجنسي؟ من قال هذا؟ لم يقل بهذا إلا أنت في تفسيرك لا في وصفك؛ ووصفك صادق دقيق، ولكن لنا قراءة أخرى.
هذه القراءة إنما تكون من خلال سنن الله سبحانه وتعالى الكونية.
السنن الإلهية مصادرها وحقائقها ومفاهيمها وصلتها بالنموذج المعرفي
السنن الإلهية إذ لها مصادر ولها حقائق ولها مفاهيم؛ وهي أدوات يمكن بها التفسير، ويمكن عمل شبكة منها لنتبين سنن الله سبحانه وتعالى في كونه.
السنن الإلهية مع المقاصد الشرعية، مع منظومة القيم المأخوذة من أسماء الله الأسماء الحسنى، مع قضية المبادئ القرآنية؛ تمثل وحدة تندرج تحت مفهوم النموذج المعرفي كما سبق في لقاء آخر أن أوضحنا.
إلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
