وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 23 | النسخ
- •القرآن الكريم كتاب هداية محفوظ بحفظ الله، صالح لكل زمان ومكان، وهو العهد الأخير والكلمة الأخيرة من الله للناس.
- •معجزة النبي محمد ﷺ هي القرآن الكريم، مع أنه جرت على يديه معجزات كثيرة أخرى تجاوزت الألف.
- •كون النبي ﷺ خاتم النبيين جعل الأمة واحدة، ولو تعدد الأنبياء بعده لتشتت الناس.
- •اختلف العلماء في مسألة النسخ في القرآن والسنة، فالنسخ قد يقع في الأحكام أو التلاوة.
- •نسخ التلاوة محل نظر، ورفضه بعض العلماء كالشيخ عبد الله الغماري وأبي مسلم الأصفهاني.
- •الآيات التي قيل بنسخها قليلة جداً ولا تتجاوز ست آيات، وما من آية قيل إنها منسوخة إلا وقيل إنها غير منسوخة.
- •هناك نظرية النسء أو التأخير، حيث الآية لها شروط عند توفرها يُعمل بحكمها، وعند فقدانها يُؤجل حكمها.
- •السنة لا تقوى على نسخ القرآن؛ لأن القرآن متواتر قطعي، والسنة غالبها آحاد ظنية.
مبادئ أساسية حول القرآن الكريم ككتاب هداية عالمي محفوظ إلى يوم الدين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا أن هذا القرآن الكريم وهو كتاب رب العالمين إلى كل العالمين إلى يوم الدين، إنما هو كتاب هداية، وإنما هو يدعو إلى نسق مفتوح، وأنه محفوظ بحفظ الله له:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
إلى يوم الدين، وأنه صالح لكل زمان ومكان ولكل الناس، وأن الإسلام دين عالمي يدعو الناس أجمعين إلى كلمة سواء:
﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 64]
إذن هذه مبادئنا وهذه عقائدنا.
وجوب الرجوع إلى القرآن الكريم لأخذ الهداية منه كما وصفه الله في سورة البقرة
ويلزم من ذلك [من هذه المبادئ] أن نذهب إلى الكتاب وأن نأخذ منه الهداية، ونعلم أنه هدى للمتقين كما تكلم ربنا سبحانه وتعالى في صدر سورة البقرة:
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
ربنا سبحانه وتعالى جعل هذا الكتاب خاتم الكتب؛ ولذلك إذا كان هناك عهد قديم وإذا كان هناك عهد جديد، فإن هناك عهدًا أخيرًا هو الكلمة الأخيرة من الله سبحانه وتعالى للناس. هذه الصفات — صفات العالمية وصفات الحفظ — جعلت القرآن الكريم معجزة الرسالة [الخاتمة].
معجزة القرآن الباقية مقارنة بمعجزات الأنبياء السابقين وحديث النبي في ذلك
كان كل نبي يأتي إلى قومه تجري على يديه معجزات، هي معجزة الرسول التي على مثلها آمن البشر. وهكذا كان يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «ما أرسل الله من رسول إلا وجاء معه ما على مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أُتيتُه وحيًا — كتاب الله»
النبي ﷺ وهو يقول هذا لا ينفي عن نفسه المعجزة، فقد جرت على يديه معجزات عدّ العلماء منها أكثر من ألف معجزة، بل إنهم قالوا إن كل معجزة لنبي سابق على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قد جرت على يديه عليه الصلاة والسلام.
أنواع معجزات النبي ﷺ أمام قومه من تكثير الطعام إلى إحياء الموتى
المعجزات كانت لقومه؛ ولذلك قال لهم:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنَا فِيكُمْ﴾ [آل عمران: من الآية]
فإنهم يرون المعجزات: من تكثير الطعام، ومن تسبيح الحصى، ومن حنين الجذع، ومن شكوى الحيوانات، ومن سير النباتات إليه صلى الله عليه وسلم — الشيء الكثير — ومن إنبائه بالغيب، ومن الإسراء والمعراج، ومن أشياء كثيرة جدًّا كردّ عين قتادة وشفاء المرضى وإحياء الموتى ومعجزات لا تتناهى.
لكن على كل حال كانت معجزات أمام قومه، وعلى ذلك بنى هذا البناء الضخم في أصحابه وأخرجهم من الظلمات إلى النور ومن عصر الجاهلية إلى عصر الإسلام.
دور الصحابة في نشر النور واستمرار الحديث عن سيرتهم واستنباط العبر منها
فخرجوا [أصحاب رسول الله ﷺ] من أجل أن ينشروا النور في العالم كله إلى يوم الدين، وما زلنا نتحدث عنهم — عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم — ونستنبط من حياتهم الكثير من العبر والدروس.
ولكن ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم — ولأنه النبي الخاتم وهذه النبوة الخاتمة — وحّدت الأمة. وهذا الدين لفت النظر إلى الوحدة: إله واحد، نبي واحد، شهر واحد للصيام، قبلة واحدة نتوجه إليها، موسم واحد للحج، والحج عرفة يوم واحد نقف فيه لرب العالمين نذكره وندعوه سبحانه وتعالى.
مفهوم الوحدة الشامل في الإسلام وخاتمية النبوة وضرورة التبليغ عن النبي ﷺ
إذ الوحدة بمفهومها العميق ليس فقط في توحيد الإله، بل أيضًا نبيهم واحد فهو خاتم النبيين وخاتم المرسلين؛ ولذلك كان لا بد أن يُبلَّغ عنه ويقوم مقامه أناس يبلغون عنه ولو آية، كما قال:
قال رسول الله ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية»
وكذلك كان لا بد من أن يُحفظ الكتاب؛ لأنه لو حُرِّف فمن ذا الذي يأتي من بعده [ليصححه]؟ ولو أننا افترضنا أن الأنبياء تأتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم لتشتتت الأمة؛ فمع كل نبي تؤمن بهذا النبي طائفة وتكفر به طائفة، على ما جرت عليه عادة البشر وسنة الله سبحانه وتعالى في التاريخ.
وحدة الأمة بسبب خاتمية الرسالة وكون القرآن المصدر الوحيد للهداية
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان واحدًا كانت الأمة واحدة؛ ولذلك لا تشرذم ولا تفرق ولا تكفير لأهل القبلة، وذلك بسبب خاتمية الرسالة والنبوة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم ختم الرسالة، وبذلك أصبح القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للهداية إلى يوم الدين. ومن هنا نأتي إلى موضوع مبدئنا وهو موقفنا من فكرة النسخ.
خريطة السلف الصالح لقضية النسخ وتحرير معناه بين الإزالة والتخصيص
هناك خريطة تركها السلف الصالح لقضية النسخ. أولًا في تحرير معناه: النسخ قد يُراد به الإزالة وقد يُراد به التخصيص. وهكذا جرت عادة كتب الأصول الأولى أن تُطلق على التخصيص النسخ، وبعد ذلك انفصلت المفاهيم بتمييز تلك المصطلحات، فأصبح للنسخ مفهوم وللتخصيص مفهوم آخر.
النسخ الذي تركه لنا العلماء نسخٌ قد يقع في القرآن إما في أحكامه وإما في تلاوته، والنسخ قد يقع في السنة إما في أحكامها وإما في نصها، والنسخ قد يقع فيما بين القرآن والسنة. وعلى هذه الخريطة فإن هناك قرآنًا نسخ سنة، وإن هناك سنة قد نسخت قرآنًا.
نسخ السنة بالسنة المنصوص عليه مع أمثلة من أحاديث زيارة القبور وادخار اللحوم
وعلى ذلك إذا أردنا أن نتحدث عن النسخ فعلينا أن نتحدث عن هذه الأنواع التي تحدث عنها السلف الصالح.
بالنسبة لنسخ السنة بالسنة فهذا النسخ إما أن يكون منصوصًا عليه، كما لو قال [النبي ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «ألا إني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تُذكّر بالآخرة»
فالنسخ هنا واضح؛ لأنه أولًا كان ينهاهم ثم أذن لهم. وكذلك:
قال رسول الله ﷺ: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي»
فالآن — من أجل الدافّة [أي الضيوف] الذين كانوا يَرِدون — فنهاهم عن ادخار اللحوم حتى يُقرَّب الضيف ويُكرَم الضيف، فالآن كلوا وادّخروا. حدث نهي هنا ثم حدث بعد النهي إباحة فحدث نسخ.
المتتبع لمثل هذه الأشياء يجدها محصورة على كل حال في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
النوع الثاني من نسخ السنة حكم العلماء بالنسخ عند تعارض ظواهر الأحاديث
النوع الثاني هو الذي حكم العلماء [فيه بالنسخ] عندما تعارضت ظواهر الحديث، فحكموا على أحد النصين بأنه ناسخ والآخر بأنه منسوخ.
فعندما ينهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر إلى غروب الشمس، ثم يأتي ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا أن يطوف بهذا البيت في أي ساعة شاء من ليل أو نهار أن يصلي لله ركعتين»
ادّعى بعضهم أن هذا الحديث قد نسخ الأول، وبعضهم قال: لا، بل إنه يخصصه بموضع البيت الحرام، وبعضهم يجمع بينهما زمانًا أو مكانًا فيقدم هذا أو يقدم ذاك.
الفرق بين النسخ المنصوص عليه واجتهاد العلماء في تحديد الناسخ والمنسوخ في الحديث
وعلى كل حال إن لم يكن هناك نص على أن هناك نسخًا — مثل القسم الأول — ولكن هنا في هذا القسم الثاني العلماء هم الذين فكروا، فقال بعضهم بأن هناك ناسخًا ومنسوخًا ورفضه بعضهم.
إذا تتبعنا من ألّف في ناسخ الحديث ومنسوخه نجد — مثلًا في الاعتبار للحازمي — فنجد أن الأحاديث محدودة على كل حال التي قيل بأنها ناسخة أو التي قيل بأنها منسوخة. وذهب بعضهم من المعاصرين إلى أن الحديث المنسوخ لا يتعدى عشرة أو إحدى عشر حديثًا، وأن النسخ في الحديث إنما هو أمر محدود.
أنواع النسخ في القرآن الكريم بين نسخ التلاوة ونسخ الحكم وأقسامها الأربعة
إذا انتقلنا إلى القرآن فسنجد أن العلماء يتحدثون عن أربعة أقسام:
- آيات نُسخت تلاوتها ونُسخ حكمها.
- آيات نُسخت تلاوتها ولم تُنسخ في حكمها.
- آيات نُسخ حكمها ولم تُنسخ تلاوتها.
- آيات لم تُنسخ لا في تلاوتها ولا في حكمها.
والحقيقة أن نسخ التلاوة أمر محل نظر، اعتمد فيه العلماء على بعض المرويات التي رُويت في كتب صحيحة مثل صحيح البخاري رضي الله تعالى عنه أو صحيح مسلم أو غيرهما من الكتب المعتمدة.
رفض الشيخ الغماري لنسخ التلاوة وتأليفه كتاب ذوق الحلاوة في امتناع نسخ التلاوة
إلا أن بعض المحققين — ومنهم شيخنا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري — كان يرفض هذه الفكرة [فكرة نسخ التلاوة]؛ أن يكون هناك نسخ تلاوة؛ لأنه كتاب محفوظ، ولأنه كتاب تجاوز الزمان والمكان، ولأنه كتاب الحفظ فيه من عند الله وليس من عند البشر.
ولذلك فهناك علامة استفهام على نسخ التلاوة، وألّف في ذلك كتابًا صغيرًا شحن فيه الأدلة التي تدل على ضعف القول بنسخ التلاوة، سماه «ذوق الحلاوة في امتناع نسخ التلاوة».
وكان يذهب بعض العلماء هنا أو هناك عبر التاريخ إلى هذا المذهب، منهم أبو مسلم الأصبهاني كما نقل عنه الإمام الرازي في تفسيره.
تأويل أبي مسلم الأصبهاني لآية النسخ وحملها على النسخ بين الشرائع المختلفة
وأبو مسلم الأصبهاني له تفسير أنكر فيه النسخ، وكان يؤوّل قوله تعالى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]
يحملها على النسخ بين الشرائع المختلفة؛ فعندما جاء موسى بالتوراة جاء بعده عيسى وقال:
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50]
فنُسخت بعض الأحكام الثابتة عند موسى. ثم عندما جاء سيد الخلق صلى الله عليه وسلم سيدنا محمد نسخ أيضًا ما قد أورده موسى وعيسى في شريعته الغراء الخاتمة عليه الصلاة والسلام.
فريق أبي مسلم الأصبهاني يرى امتناع نسخ التلاوة والأحكام داخل القرآن الكريم
إذن ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [البقرة: 106] هذه يحملها أبو مسلم وفريق معه — يشير إليهم أيضًا الرازي ببعضهم ولم يذكر من هؤلاء — وهذا الفريق يرى امتناع نسخ التلاوة، بل وامتناع نسخ الأحكام أيضًا.
وعند التحقيق — كما فعل الدكتور مصطفى زيد — نجد أن الآيات التي قيل بنسخها آيات قليلة لا تتجاوز الست آيات. وجميع الآيات التي قيل بأنها منسوخة قال العلماء عنها إنها ليست بمنسوخة على الإطلاق، وحتى هذه الستة أيضًا محل خلاف، وقال كثير من العلماء بعدم نسخها.
لا إجماع على نسخ أي آية في القرآن وكل ما قيل بنسخه قيل أيضًا ببقائه
يقول عبد المتعالي الجبري في مثل هذا التتبع أنه ما من آية قيل إنها منسوخة إلا وقيل إنها ليست بمنسوخة. و«الناسخ والمنسوخ» للسيوطي أو لابن سلام يؤكد ذلك.
فليس هناك آية واحدة في الكتاب أُجمع على أنها منسوخة، بل هي آراء وأفكار وليست إجماعات وليست قطعية. فلو أن الإنسان مع كل آية اختار أنها غير منسوخة فإنه لا يكون قد خالف أي إجماع يكون في هذا المقام.
نقد مرويات نسخ التلاوة وجهود الشيخ الغماري في بيان ضعف أسانيدها
بعد ذلك وجد العلماء في هذا — يعني إنكار نسخ التلاوة ونقد المرويات التي وردت فيه — قام السيد عبد الله بن الصديق الغماري في «ذوق الحلاوة» بهذا الانتقاد، وبيّن أن كل رواية في سندها مقال يستوجب عدم القطع بهذا الأمر.
المهم الذي لسنا في حاجة إليه [أي نسخ التلاوة] ينتج من هذا أن القرآن ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية برواية حفص، وستة آلاف آية برواية حمزة الزيات، كلها محكمة وكلها لم يطرأ عليها التغيير ولا الشك ولا الريب؛ لأنه لا ريب فيه، وكلها محل هداية وكلها لها أحكامها.
نظرية الإمام الزركشي والسيوطي في تأجيل الأحكام بدلًا من نسخها وقراءة ننسئها
جاءنا الإمام الزركشي في «البرهان» ثم بعده الإمام السيوطي في «الإتقان» بنظرية جديدة يفسرون فيها قوله تعالى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106]
وهناك قراءة — والقراءات يفسر بعضها بعضًا — فيها: ﴿أَوْ نُنسِئْهَا﴾ أي نؤخرها، والنسيء التأخير كما هو معلوم في لغة العرب.
هذه النظرية تقول إن كثيرًا من الآيات التي يظن بعضهم أنها منسوخة هي ليست كذلك، بل لها شروط متى توفرت هذه الشروط كان حكمها، وإذا فقدنا شرطًا من هذه الشروط أجّلنا حكمها إلى الوقت المناسب لها.
تطبيق نظرية تأجيل الأحكام على آية لكم دينكم ولي دين في ظروف الاستضعاف
قال تعالى: عندما يكون المؤمنون يتعايشون في عالم ليست لهم فيه اليد الطولى — كما عاشوا في الحبشة وكما عاشوا في مكة، وكما كانوا مختلطين بغيرهم من اليهود ومن المشركين في أوائل العهد المدني قبل إجلاء اليهود وقبل دخول الناس أفواجًا في دين الله سبحانه وتعالى في القسم الثاني من العهد المدني —
لما كان الأمر كذلك كان حكم قوله تعالى:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
كان حكمًا سائرًا؛ لأن المسلم ليس له اليد العليا، فلا يستطيع أن يرفع الطغيان ولا أن يصد البغي ولا أن يدافع عن الحق ولا أن يقوم بحماية القضايا الكبرى.
مسؤولية المسلم عند القوة في إقامة العدل ورفع الطغيان وحديث انصر أخاك
ولكن عندما يكون المسلم مسؤولًا عن العالم فإنه يؤدّب من يخرج عن هذا العالم — عن النظام العام — عن حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وكرامة الإنسان وحفظ الملك، ويرفع اليد ويضربها إذا كان ظالمًا، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا.» قالوا: يا رسول الله، نصرناه مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «بأن تأخذوا على يده، فهذا نصره»
المسلم عندما يقاتل وعندما يصادم إنما يجعل ذلك في سبيل الله من أجل المصلحة، ومن أجل رفع الطغيان، ومن أجل صد العدوان، وليس من أجل البغي في الأرض ولا لمصالح دنيوية يحصل عليها لنفسه ولا لاستعمار بغيض ينقل خيرات البلاد إلى بلاد المسلمين.
الدليل التاريخي على أن المسلمين لم يستعمروا البلاد وفقر الحجاز شاهد على ذلك
بل إن الحجاز — مهد الدعوة ومهبط الوحي — ظلت فقيرة إلى أن خرج البترول فيها منذ ما لا يزيد عن مائة عام، وطوال عمرها وهي فقيرة.
لماذا؟ لأن المسلمين لم يحتلوا البلاد ولم يستعمروها.
نظرية النسيء وأن جميع آيات القرآن صالحة للهداية وليس فيها ناسخ ومنسوخ
هذه نظرية النسيء [التأجيل]: أن الآيات ليس فيها ناسخ ومنسوخ، وأن كلها للهداية، وأن أي واحدة منها تصلح لحال من الأحوال.
هناك أيضًا فكرة أن تتسلط السنة على القرآن. السنة رُويت إلينا بطرق آحاد، وقليل منها لا يتجاوز مائة وعشرين حديثًا رواية بالتواتر. وليس في هذه المائة والعشرين حديثًا أي شيء يُدّعى أنه ينسخ القرآن، إنما الذي يُدّعى أنه ينسخ القرآن قد يكون أيضًا رواية ضعيفة.
مثال آية الوصية للوالدين وادعاء نسخها بحديث لا وصية لوارث وآيات المواريث
وذلك قوله سبحانه وتعالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ... إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 180]
في هذه الآية الوالد والوالدة من الورثة، فيأتي قائل فيقول إن هذه الآية قد نُسخت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا وصية لوارث»
ولأن الله سبحانه وتعالى عندما أنزل أحكام المواريث في سورة النساء نسخ بذلك — مع قول النبي صلى الله عليه وسلم — هذه الآية.
الرأي المخالف في آية الوصية وحملها على الوالدين غير المسلمين لاختلاف الدين
ويأتي عالم آخر ومجتهد آخر ويرى الأمر ليس كذلك، بل إن الوصية المذكورة في هذه الآية على عمومها وعلى بقائها لأمرين أو من جهتين:
الجهة الأولى: إذا صدّقت بالحديث — وهو مروي عند أبي داود في سننه «لا وصية لوارث» وفيه مقال — وأخذت به، حملت الآية على الوالدين غير المسلمين؛ [لأن] اختلاف الدين مانع من موانع الميراث.
فالرق مانع؛ ولذلك يقول صاحب الرحبية:
ويمنع الشخص من الميراث واحدةٌ من عللٍ ثلاث: قتلٌ ورقٌّ واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين.
موانع الميراث الثلاثة وأثر اختلاف الدين في طمأنة الناس على صدق إسلامهم
فالقاتل إذا قتل فإنه يُمنع من الميراث، والرق يمنع من الميراث، واختلاف الدين يمنع من الميراث؛ فالكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر.
وهذا طمأن الناس كثيرًا في الدعوة إلى الله وفي انتشار الإسلام؛ حيث إن الشخص إذا أسلم فإنه لا يأخذ معه أموال أبيه ولا عائلته غير المسلمة، بل يتركها. فكان هذا معناه أن هذا الشخص أسلم لوجه الله لا يريد جزاءً ولا شكورًا ولا مالًا.
وكذلك إذا كان الأمر كذلك وعلى قاعدة المعاملة بالمثل فإن الوالد غير المسلم لا يرث من الولد المسلم وكذلك العكس.
جواز الوصية للوالدين غير المسلمين بناء على الآية دون نسخ وموقف الفقهاء المصريين
فالوصية للوالدين عندما يكون الوالد أو الوالدة من غير المسلمين فيجوز للإنسان المسلم أن يوصي، فتأتي الآية في أحكامها من غير نسخ وفي الوقت نفسه تصدق بالحديث.
النظام المصري والفقهاء المصريون الذين وضعوا الوصية في سنة ست وأربعين ومن قبلها الميراث في سنة خمس وعشرين لم يروا أن هذا الحديث صحيح؛ ولذلك ذهبوا إلى أنه يمكن الوصية للوارث بشرط ألا تزيد على الثلث.
الوصية للوارث أخذوا بها واستدلوا بالآية؛ عند عدم الحديث فإن الآية تبقى على عمومها، سواء كان الوالدان من غير المسلمين — وهذا حتى مع الحديث — أم كان الوالدان من المسلمين — وهذا لا بد لنا أن ننكر رواية الحديث لما فيه من إشكال.
القرآن كتاب هداية له الكلمة العليا والسنة النبوية شرح وتطبيق معصوم له
على كل حال فإن القرآن الكريم عندنا هو كتاب هداية، له الكلمة العليا، له الكلمة الأولى. السنة النبوية شرح له وهو التطبيق المعصوم لكتاب الله سبحانه وتعالى.
السنة النبوية لا بد فيها من صحة السند، ومع ذلك فلا بد أن نفسرها وهي تفصّل مجمل الكتاب، ولكن لا بد أن نفسرها تحت ظلال القرآن الكريم.
لا يجوز ولا يصح أن نفسر السنة بمعزل وبعيدًا عن كتاب الله، ولا أن نفسر كتاب الله بمنأى وبُعد عن السنة؛ فكلاهما من عند الله، فهو صلى الله عليه وسلم صاحب الوحيين:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۞ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النجم: 3-4]
ولذلك سُمّي بصاحب الوحيين.
خلاصة الموقف من النسخ وأن القرآن يُنزَّه عنه وأن أحكامه تُؤجَّل لا تُلغى
إذن النسخ تلاوةً وحكمًا يمكن أن نُنزّه عنه القرآن، والنسخ يمكن أن يقع في السنة، والقرآن ينسخ السنة، لكن السنة لا تقوى على نسخ القرآن.
وذلك أن القرآن قد وصل إلينا بطريق متواتر قطعي، وأن السنة وصلت إلينا بطريق الآحاد. والآحاد هو الظن، والمتواتر هو اليقين، والظن لا يقوى على أن يُلغي أو ينسخ أو يغيّر اليقين.
هذا هو الملخص الذي ندخل من خلاله إلى أن القرآن كتاب هداية، وأن آياته باقية، وأن هذه الآيات يمكن أن تفقد بعض شروطها — كما أوقف سيدنا عمر الحدّ في عام الرمادة، كما أوقف [سهم] المؤلفة قلوبهم لذهاب المحل — ولكن تبقى هي بنفس أحكامها وتُطبَّق مرة أخرى عند عودة شروطها.
هذا، وبالله التوفيق، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
