وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 27 | مبادى القران - قال الإمام

وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 27 | مبادى القران

28 دقيقة
  • القرآن الكريم كتاب معجز لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، محفوظ بحفظ الله، يظهر في كل عصر للناس ما تقوم به الحجة.
  • المبادئ القرآنية هي جمل مفيدة ليست حقائق عقائدية أو كونية ولا أحكاماً فقهية، بل تعد ملخصاً للفكر البشري وأجزاء من النموذج المعرفي.
  • كلمة "مبدأ" مصدر ميمي يصلح للدلالة على الحدث والزمان والمكان معاً، وتعني بداية الأمر.
  • من المبادئ القرآنية "لا تزر وازرة وزر أخرى" و"القصاص حياة" و"وجزاء سيئة سيئة مثلها".
  • هذه المبادئ تحكم تفكير المسلم وتمنعه من قبول أفكار مخالفة كوراثة الخطيئة أو أخذ الثأر من الجار.
  • المبادئ القرآنية تحول القرآن إلى كتاب هداية، وتكشف عن مكونات العقل المسلم، وتجعل القرآن هداية للعالمين.
  • تحتاج هذه المبادئ أن تتحول إلى منهج في الفهم يُدرس لطلاب العلم ليتعلموا كيفية التعامل مع القرآن الكريم.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

مقدمة المحاضرة ومبدأ التعامل مع القرآن الكريم ككتاب معجز لا تنتهي عجائبه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

من مبادئنا التي نبني عليها مسيرتنا أننا نتعامل مع القرآن الكريم باعتباره كتابًا معجزًا لا تنتهي عجائبه ولا يَخْلَق من كثرة الرد، كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنه باقٍ كمعجزة لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين، وأنه محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى له.

وأنه في إعجازه وعدم انتهاء عجائبه يظهر في كل عصر لأتباع هذا العصر ولأهل هذا العصر ما تقوم به الحجة. كتاب الله نرى مع كل سقف معرفي أنه معجز.

فهم البدوي لجريان الشمس في ضوء الآية القرآنية والسقف المعرفي القديم

فعندما كان البدوي في الصحراء يرى [الشمس] تشرق من المشرق وتتحرك في حركة ظاهرية في السماء ثم تغرب بعد ذلك في جهة المغرب، كان يفهم قوله تعالى:

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]

بأن الشمس تتحرك؛ إنه ليس من أصحاب الرياضيات وليس من أصحاب علوم الفلك، وإنما هو يتحدث بالظاهر أمامه. والقرآن لا يُخرجه من ثقافته هذه وهو يقول:

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]

ويحملها البدوي على ظاهر الحركة الشمسية.

تقدم العلوم واكتشاف دوران الأرض حول الشمس وحركات الأجرام السماوية

ثم تتقدم العلوم ويُثبت علماء الفلك وعلماء الرياضيات حجم الشمس الكبير الذي لا يمكن أن تكون الأرض هي التي تحركها، بل على العكس فإن الشمس هي التي تحرك الأرض. ويكتشفون شيئًا بعد [شيء]؛ أولًا من الناحية الرياضية، ثم بعد ذلك من الناحية الحسية، عندما انفصلوا عن الأرض ورأوها بأعينهم أن الأرض هي التي تدور وأنها تدور دورات مختلفة: مرة حول نفسها فتسبب الليل والنهار، ومرة حول الشمس.

إلا أن القمر مثلًا هو الذي يدور في فلكها فهو الذي يتحرك حركة حقيقية توافق ما نراه بأعيننا. وإن كانت الشمس والقمر يتحركان نفس الحركة أمام الراصد من على الأرض، ولكن حركة القمر حقيقية فهو يتحرك فعلًا، والشمس حركتها حركة ظاهرية.

اكتشاف حركات الشمس المتعددة وجريانها نحو نجم فيجا بسرعة هائلة

إلا أن العلماء عندما يكتشفون هذا يكتشفون أيضًا حركات للشمس نفسها؛ فالشمس تجري حول نفسها وتدور، والشمس أيضًا تجري في الفضاء في المجرة نحو نجم يُسمى بنجم فيجا.

ونجم فيجا هذا الذي تتوجه إليه الشمس تُسرع في اتجاهه بمقدار حددوه اثني عشر كيلومترًا في الثانية الواحدة، أي أن هذه سرعة هائلة تجر وراءها المجموعة الشمسية كلها من كواكب منها الأرض وهي تسبح في الفضاء العظيم.

ويصبح جريان الشمس له معنى آخر بسقف معرفي آخر مختلف عن ذلك السقف الذي كان عند الأوائل، ويبقى النص القرآني صادقًا لا يختلف عن أي حقيقة كانت. إذن فالقرآن معجز في صياغته.

مفهوم المبادئ القرآنية وتمييزها عن الحقائق العقائدية والأحكام الفقهية

من ضمن هذه الأشياء [التي يتجلى فيها إعجاز القرآن] في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، في مجال الفكر، هي قضية المبادئ القرآنية. القرآن يتكلم بكلام وجمل مفيدة، هذه الجمل المفيدة قد تكون متعلقة بالعقيدة:

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 96]

هذه الجملة المفيدة تصف الرب سبحانه وتعالى بأنه غفور يكرر ويبالغ في الغفران ويسامح، وبأنه رحيم يكرر ويبالغ في الرحمة. فالمغفرة والرحمة من صفات الله سبحانه وتعالى، فهذه حقيقة ولكن مردها إلى صفات الله، إلى العقيدة.

وعندما يقول:

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]

هذه حقيقة أيضًا [كونية].

التفريق بين الحقائق والأحكام الفقهية وبين المبادئ القرآنية التي تشكل النموذج المعرفي

إذن فالذي نبحث عنه ليس هو الحقائق العقائدية ولا الحقائق الفقهية التي تبين الأحكام:

﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]

هذا الكلام الذي نأخذ منه أحكام مواقيت الصلاة ونأخذ منه وجوب الصلاة على المؤمن ونأخذ منه فضل قراءة القرآن بالليل:

﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

كل هذه حقائق وأحكام، ولكن هناك أيضًا أشياء في القرآن الكريم تعد ملخصًا للفكر البشري، تعد أجزاء من النموذج المعرفي الذي هو في حقيقته الرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة وما قبل ذلك وما بعده، ذلك موقف الإنسان من العالم. وهذه هي التي نطلق عليها المبادئ القرآنية.

تعريف كلمة مبدأ لغويًا ودلالتها على الحدث والزمان والمكان

وكلمة مبادئ هي جمع لكلمة مبدأ، ومبدأ مصدر ميمي يعني مصدر يبدأ بحرف الميم. والمصدر الميمي يصلح للدلالة على الزمان والمكان والحدث.

إذن فهذا المصدر «مبدأ» يصلح للدلالة على نفس البدء [أي الحدث]، ويصلح للدلالة على زمان البدء، ويصلح للدلالة على مكان البدء، بل ويصلح للدلالة عليها جميعًا.

فكلمة مبدأ تعني بداية الأمر سواء في ذاته أو في مكانه أو في زمانه. هذا معنى المبدأ.

تعريف المبدأ القرآني بوصفه جملة مفيدة ليست حقيقة عقائدية ولا حكمًا فقهيًا

ولذلك نحن نطلق المبدأ على هذه الجملة المفيدة التي تعد ليست حقيقة ولا تشرح حقيقة سواء عقائدية أو كونية، وليست حكمًا ولا تشرح حكمًا ولا تأمر به سواء كان شرعيًا أو غير ذلك.

ولكنها تعطي لنا مبدأ نسير عليه، تعطي لنا طرف الخيط من أوله؛ فإذا سرنا في ذلك الطريق مع هذا المبدأ فإننا نكون قد وصلنا إلى التفكير المستقيم.

مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى وتطبيقه في جميع المجالات

عندما تأملنا آيات القرآن وحاولنا أن نستخرج منها هذا المفهوم وجدنا أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

هذا هو المبدأ؛ أنه يتحدث عن شيء ينبغي علينا أن نؤمن به أولًا، ثانيًا أن نطبقه، ثالثًا في جميع المجالات: سواء في مجال قانون العقوبات، أو في مجال تربية الطفل، أو في مجال أسس الاجتماع البشري في الجماعة البشرية، أو في مجال العقيدة، أو في أي مجال كان.

نجد المبدأ ليس خاصًا بمجال دون مجال، ولكن المبدأ هو بداية الخيط الذي يمكن أن نسير معه في كل المجالات، فهو مكون من مكونات العقل المسلم.

رفض المسلم لفكرة وراثة الخطيئة بناءً على مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

فإذا أتت لنا أفكار تتحدث عن خطيئة آدم وأن هذه الخطيئة موروثة وأنها لا تزول عن الإنسان إلا بطرق معينة، فإن هذا الفكر الذي يجيز وراثة الخطيئة هو ضد ذلك المبدأ، وهذا المبدأ هو ضد ذلك الفكر.

ولذلك ترى المسلم لا يستطيع من البداية ولا يستطيع بصورة أصلية واضحة أن يقبل فكرة وراثة الخطيئة؛ فالمبدأ أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

رفض المسلم لمبدأ أخذ الثأر من الجار تطبيقًا لمبدأ عدم تحمل وزر الغير

عندما يسمع المسلم في بعض الثقافات ومنها الثقافة العربية الجاهلية قبل الإسلام أنه «خذ ثأرك من جارك»، [أي] أخذ الثأر من الجار، فإنه يرفض هذا المبدأ، يرفض هذا المنهج، يرفض هذا التصرف؛ لأن مبدأه الذي كوّن عقله هو أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

«خذ ثأرك من جارك» مَثَلٌ عامّي، لكن المسلم يأباه ويشعر أن فيه ظلمًا وأنه لا يمكن أن نأخذ ثأرنا إلا ممن ظلمنا، إذا لم نسلك سبيل الصبر والاحتساب.

سبيل الصبر والاحتساب عند البلاء كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

ولكن إذا سلكنا سبيل الصبر والاحتساب فإننا نصبر على هذا البلاء ونوسع صدورنا ونرجو ثواب ربنا ونتجاوز عن هذا البلاء، وفي ذلك الخير الكثير كما وصف الله سبحانه وتعالى وكما أمرنا رسوله صلى الله عليه وسلم في كلام طويل في الصبر على البلاء وعلى الأذى من الناس.

إنما المبدأ هو أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

المبدأ القرآني ليس حقيقة كونية ولا أمرًا تكليفيًا بل قاعدة عامة شاملة

هل هذا [المبدأ] يمثل حقيقة كونية؟ لا، هو يمثل مبدأ يشتمل على أوامر.

هل هو أمر مثل ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]؟ أبدًا، إنه يتكلم كما لو كان الأمر يتعلق بخبر أنه لا تزر وازرة وزر أخرى. لم يقل لنا: أي أنتم مكلفون بألا تزر وازرة وزر أخرى، بل جعلها قاعدة عامة، جعلها مبدأ في جميع المجالات.

وصف الله لنفسه بالعدل وتحريم الظلم اتساقًا مع مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى

ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى وهو يصف نفسه لنا في يوم القيامة وصف بأنه:

﴿لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]

ووصف نفسه فقال:

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]

ووصف نفسه فقال:

﴿إِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزلزلة: 7-8]

وحاسب المسألة بالذرة من أنه هو العدل سبحانه وتعالى وبأنه لا يُظلم ولا يُظلم عنده أحد، وأن الله سبحانه وتعالى حرّم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرمًا. كل هذا يتسق مع ذلك المبدأ الذي يقول لا تزر وازرة وزر أخرى.

مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى في صحف إبراهيم وموسى وأثره في رفض عقائد الأديان المحرفة

هذا المبدأ كما في سورة النجم إنما هو في صحف إبراهيم وموسى والكتب السابقة. لا بأس، إذن فهو مبدأ أيضًا لا يختص به القرآن، إنما هو الذي ينبه عليه القرآن.

ومخالفة ذلك المبدأ كما نرى سوف تدخل في نطاق واسع من المخالفة حتى في العقائد؛ فإن أديانًا بحالها لا يستطيع المسلم أن يصدق جزئياتها وما فيها مما وضعه الكهنة لهذه الأديان، وذلك بسبب هذه الكلمة البسيطة القصيرة، الجملة المفيدة، ولكن في الوقت نفسه تعد مبدأ عامًا من المبادئ.

مبدأ القصاص حياة ورفض المسلم لمقولة الجاهلية القتل أنفى للقتل

مثل [المبادئ] القرآنية:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]

إذا سمع المسلم هذا المبدأ وفي القصاص حياة، فإنه يأنف من قول الجاهلية «القتل أنفى للقتل»؛ فإن القصاص ليس قتلًا إلا في الصورة، بل إنه مقابلة عدوان ثابت عن طريق القضاء.

ولذلك فهذه الصفات وهي أنه عدوان وأنه ثابت وأنه عن طريق القضاء لا تكون إلا في المجرم وليس على سبيل الثأر الذي ابتدعه الناس في صعيد مصر مثلًا، من أنه إذا قُتل من عائلتهم واحد فإنهم يقتلون الكبير في العائلة المقابلة.

ظلم أخذ الكبير بجريرة القاتل وتمادي الثأر في مقابل القصاص الشرعي

هذا الكبير ما ذنبه أن يؤخذ بجريرة القاتل؟ القاتل قد يكون فردًا من أفراد الناس وليس كبيرًا ولا عظيمًا ولا مؤلمًا أن يموت، وهو في بعض الأحيان مستعد أن يضحي بنفسه من أجل العائلة.

ولكن الظلم تمادى بهؤلاء فقتلوا الكبير عندما أُخذ منهم أحد أو قُتل منهم أحد. بالقصاص [الشرعي] بخلاف ذلك [الثأر الجاهلي].

الرد على من ادعى أن عبارة القتل أنفى للقتل أبلغ من الآية القرآنية

أتذكر حتى نتعمق في هذا المبدأ أن أحدهم قد اعترض على قوله تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾ [البقرة: 179]

وقال: كلمات أربعة، فأين هذا الإيجاز والإعجاز الذي تتحدثون عنه في القرآن؟ إنه من الأولى أن نقول «القتل أنفى للقتل».

ورد على هذا مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تعالى كما هو منشور في مجموعة مقالاته التي سُميت بوحي القلم. وفي هذه المقالات يرد فيها على ذلك المدعي الذي يدعي بأن هناك ما هو أبلغ من القرآن: «القتل أنفى للقتل» وأنه أولى من قول الله تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]

بل وأوجز.

أوجه الرد على المقارنة بين القتل أنفى للقتل والقصاص حياة من حيث العدد والتكرار

فالقتل أنفى للقتل كلمات ثلاث وهذه كلمات أربعة «ولكم في القصاص حياة». يرد مصطفى صادق الرافعي ويرد غيره على هذا فيقولون:

إن هذه الكلمة إذا ما أردنا نقارنها فعلينا أن نقارنها بما يقابلها لا بما يزيد عنها في المعنى من القرآن الكريم. والذي يقابلها من القرآن الكريم «القصاص حياة» هذه واحدة [أي كلمتان فقط مقابل عبارة كاملة].

ثانيًا: التكرار في هذه العبارة «القتل أنفى للقتل» كرر القتل مرتين، والقتل الثاني والقتل الأول لم نعرف كُنههما. أما كلمة القصاص فإن القتل الأول يكون ظلمًا والقتل الثاني يكون عقوبة، وهناك فرق بين الظلم وبين العقوبة.

الرد من حيث عدد الكلمات الحقيقي وخطأ المعنى في عبارة القتل أنفى للقتل

ثالثًا: «القتل أنفى للقتل» في مقابل «القصاص حياة»؛ إذا عددتها أنها كلمات ثلاث «القتل أنفى للقتل» باعتبار اتصال اللام الأخيرة بالقتل، فإننا نكون أمام كلمتين إزاء ثلاث.

ولكن الحقيقة أن «القتل أنفى للقتل» أربع كلمات وليست ثلاثًا؛ لأن «القتل» واحدة، «أنفى» ثانية، «لِ» وهي حرف جر وهي من الكلمات رابعة، «القتل» خامسة [فهي خمس كلمات في الحقيقة].

«القتل أنفى للقتل» كلام خاطئ في المعنى وهذا هو الوجه الرابع أو الخامس في الرد على ذلك.

القصاص الشرعي يوقف الفتن بخلاف القتل الذي يثير مزيدًا من القتل

أما القصاص فإنه فعلًا يوقف ثوران الفتن التي يحاول فيها المظلوم أن يأخذ بثأره من الظالم. القصاص يكون أمام القضاء، يكون بعد الإثبات، يكون بعد إعطاء الإنسان حقوقه في نفي التهمة عن نفسه، يكون ذلك بالبينات وبالأيمان وبالأدلة وبالقرائن وبغير ذلك مما هو ثابت في المرافعات أمام القاضي الذي يثبت أو لا يثبت الجريمة التي تستحق القصاص.

القتل ليس أنفى للقتل بل القتل يثير القتل، يثير القتل أكثر. القصاص هو شريعة من عند الله.

شريعة القصاص تشمل العفو والدية وتراعي ملابسات القتل المختلفة

ولذلك ففيها [شريعة القصاص] العفو في مقابل الدية وفيها العفو مجانًا. فكم من قتيل يتمنى أهله أن يموت، وكم من قاتل يكون قد قتل بدافع الدفاع عن النفس أو عن العرض أو عن المال.

وقد يكون المقتول في بعض الأحيان هو الظالم والقاتل هو المظلوم. ولذلك فإن العفو مجانًا أو العفو عن طريق دفع الدية أو عدم العفو بالمرة والقصاص، كل ذلك مركب في هذا الكلام [القرآني].

«القتل أنفى للقتل» كلمات فيها عوار من ناحية النطق، ليس في التكرار فقط بل في استعمال القاف وهي من حروف الجهر من غير أن نستعمل معها شيئًا يخففها، بل إننا كررناها أيضًا.

جمال كلمة حياة في تخفيف وقع كلمة القصاص من الناحية الصوتية والبيانية

«القصاص» فإننا وجدنا في المقابل لها «حياة»، وكلمة حياة مكونة من الحاء والحاء مهموسة وهي أيضًا مرققة، والياء كذلك، والألف لينة، والهاء تخرج من الفم بهذه الطريقة التي تخفف وقع كلمة القصاص التي فيها غلظة وقوة وشدة وحزم، فتخففها كلمة حياة.

ويأخذ الرجل [الرافعي] في بيان هذا المبدأ القرآني «القصاص حياة»، والذي ورد هنا بكسر القصاص من أجل الإعراب:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]

مبدأ وجزاء سيئة سيئة مثلها والإرشاد إلى العفو عند تعذر المساواة في العقوبة

هذا المبدأ القرآني يُضاف إلى المبدأ الأول [لا تزر وازرة وزر أخرى]، وهناك أكثر من ثلاثين مبدأ في القرآن، منها:

﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]

وهذا مبدأ قرآني، كلمة «مثلها» تعبر عن المساواة. وفي بعض الأحيان تتعذر المساواة في العقوبة، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى يرشدنا حينئذ إلى العفو؛ ما دمنا إذا أردنا أن نأخذ حقنا فلا نستطيع أن نأخذه بمثل ما قد أُوذينا به، فعلينا إذن أن نعفو.

وهذا المعنى تراه في بعض التفاسير كتفسير القرطبي عند قوله تعالى:

﴿وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]

الفرق بين الجَرح والجُرح وصعوبة المماثلة في القصاص في الجروح

فالجَرح عندما يحدث، الجَرح هو مصدر والجُرح هو اسم المصدر الناتج عنه؛ لأن العلاقة بين المصدر واسم المصدر أن اسم المصدر هو أثر المصدر. ولذلك العطاء هو المصدر والعطية التي أُعطيت في هذا العطاء هي اسم المصدر، والجَرح هو المصدر والجُرحة هي أثر هذه العملية وهي الجُرح.

﴿وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]

وهذه قد تُسمى القصاص نفسه؛ لأن الجرح له طول وعرض وعمق، فهل يمكن أن نضرب المعتدي بحيث إننا نُحدث فيه ذات الجرح؟ يمكن ذلك نظريًا، فهل يمكن عمليًا؟ إنه أمر في غاية الصعوبة.

حكمة الله في الإرشاد إلى العفو من خلال مبدأ الجروح قصاص عند تعذر المماثلة

لدرجة أن [الله] وكان ربنا سبحانه وتعالى أراد منا العفو ما دام الحكم أن الجروح قصاص والواقع إننا لا نستطيع المماثلة.

إذن فالنهاية تؤدي إلى إيقاف هذا الانتقام والتحول إلى الصبر والتحول إلى العفو والتحول إلى قبول حتى الديات. وهكذا يأمرنا من طرف خفي بالعفو بعد أن يهدئ بالنا: وأن الجروح فيها القصاص، ولكن افعلها بالمماثلة.

لا أستطيع يا ربي أن أفعلها بالمماثلة. إذن فعليك بالعفو.

أهمية المبادئ القرآنية في تحويل القرآن إلى كتاب هداية وكشف مكونات العقل المسلم

المبادئ القرآنية في الحقيقة هي من مبادئنا؛ لأنها تحول القرآن إلى كتاب هداية، لأنها تكشف عن أحد مكونات العقل المسلم، لأنها جزء من النموذج المعرفي، لأنها تجعل القرآن الكريم لا تنتهي عجائبه كما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لا يَبلى من كثرة الترديد، هو هداية للعالمين وليس للمسلمين فقط إلى يوم الدين، ولكن لمن أراد منه الهداية ولمن دخله لا يريد أن يتلاعب معه وإنما يعظم شأنه.

فإن شأن القرآن الكريم ونسبته إلى الكلام كنسبة ذات الله إلى خلقه؛ لأنه صفة من صفاته سبحانه وتعالى.

الدعوة إلى تحويل المبادئ القرآنية إلى منهج يُدرّس لطلاب العلم

المبادئ القرآنية من أهم الأشياء التي نبهنا إليها وكتبنا فيها وأرشدنا تلامذتنا لأخذ الرسائل العلمية فيها، وقد تم كل ذلك والحمد لله.

ويبقى أن تتحول إلى منهج في الفهم وإلى منهج يُدرّس لطلاب العلم حتى نعلم الناس كيف يتعاملون مع القرآن الكريم.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.