وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 28 | المدخل لتفسير القران
- •يقوم فهم القرآن الكريم على مبادئ محددة تتمثل في الإيمان بأنه كلام الله المنزل المحفوظ بحفظ الله.
- •التعامل مع القرآن يكون بإطلاقية متجاوزة للزمان والمكان والأشخاص والأحوال، مما يرفض دعوات التاريخانية التي تحصره في زمن النزول.
- •يفسر القرآن باللغة العربية بخصائصها وقواعدها وقوانينها وأساليبها، مع الاهتمام بمستوى الحرف والمعاني.
- •الالتزام بضوابط التفسير تشمل مراعاة سقف معرفي مكون من اللغة والإجماع والمقاصد الشرعية والمصالح المرعية والمآلات المعتبرة.
- •الاستفادة من التراث التفسيري والقواعد الفقهية الكبرى مثل "الضرر يزال" و"العادة محكمة" و"المشقة تجلب التيسير".
- •التفسير يهدف لاستخراج السنن الإلهية ومنظومة القيم المستمدة من أسماء الله الحسنى وتحويلها إلى واقع معيش.
- •القرآن كتاب هداية يبحث في أصول المسائل والعلاقات الإنسانية والكونية بما يحقق العمران والتزكية.
مقدمة في المبادئ الأساسية للتعامل مع الكتاب والسنة والتراث
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا أن نحدد موقفنا في كيفية تعاملنا مع الكتاب المكرم ومع السنة المشرفة، ومن مبادئنا كيفية تعاملنا مع التراث الإسلامي ومع التراث الإنساني، ومن مبادئنا كيفية صياغة المنهجية الإسلامية، وكذلك نتحدث مع هذا عن المعرفة الإسلامية، ومن مبادئنا قضية إدراك الواقع.
وهذه المجموعة هي التي تحدد فكرة الإنسان في عصرنا الحديث وتجعله قادرًا على فهم هذا العصر وعلى فهم هذا الدين وعلى الربط بينهما، وهو الأمر الذي نكرره كثيرًا عندما نتحدث عن صناعة الإفتاء مثلًا. ويحتاج الأمر إلى تفصيل في كل نقطة من هذه النقاط.
الإيمان بأن القرآن كلام رب العالمين وقيام البرهان القطعي على ذلك
أولها: كيف نتعامل مع القرآن؟ مبادئنا التي نتحدث فيها كلها تصب في كيف نتعامل مع القرآن الكريم.
أولًا: إننا نعتبر هذا الكتاب هو كلام رب العالمين؛ كثير من البشر لا يعتقدون مثل ما نعتقد، لكننا آمنا وصدقنا وقام البرهان القطعي لدينا؛ لأننا نعرف اللغة العربية، ولأننا حفظنا القرآن الكريم عن ظهر قلب، تلوناه بالليل والنهار، تدبرنا فيه تدبرًا واسعًا، قرأنا ما حوله من علوم.
وكلما فعلنا ذلك كلما ازداد إعجابنا به، وهذا الإعجاب هو جزء من الإيمان، وازداد إيماننا به. وهذا الإيمان لم يقف عند حد الانبهار والدهشة التي اندهشنا بها وانبهرنا بها.
تطبيق حقائق القرآن من سنن إلهية ومبادئ وقيم وأحكام ومقاصد عليا
بل إننا طبقنا ما [ورد] من حقائق وما ورد فيه من سنن إلهية، وما ورد فيه من مبادئ، وما ورد فيه من قيم تتصل بمنظومة أسماء الله الحسنى، وما ورد فيه من أحكام شرعية، وما ورد فيه من مقاصد عليا وعظمى استخلصتها عقول كثيرة عبر التاريخ.
فأنتجت حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ العرض [أي كرامة الإنسان] وحفظ المال. كل ذلك جعلنا ننبهر بهذا الكتاب.
الإعجاز اللغوي للقرآن وفشل محاولات تقليده عبر التاريخ
انبهارنا به أيضًا جاء من أدائه اللغوي؛ قارناه بالشعر فلم يكن شعرًا، وقارناه بالنثر فلم يكن نثرًا، وقارناه بالمحاولات التي حاولها بعضهم في تقليده من المحدثين ومن الأوائل.
سمعنا أن أبا العلاء المعري له كتاب [الفصول والغايات] يحاول به أن يقلد القرآن، لكنه لم يفلح، ولم يستطع أبو العلاء المعري ولا غيره أن يأتي بمثل هذا القرآن. سمعنا أن ابن المقفع في [الدرة اليتيمة] حاول، ولكن شتان بين هذا الذي يحاول أن يضع شيئًا يحاكي به القرآن.
سمعنا أن بيرم التونسي صنع أشياء هزلية يحاول أن يحاكي بها القرآن، وأن مسيلمة صنع مثل ذلك، وأن في النهاية قام قسيس من القساوسة يحاول أن يؤلف شيئًا يقلد به القرآن. فكانت الأمور كلها في إعجاز بليغ أن أحدًا لا يستطيع أن يصوغ هذه الصياغة.
فشل جميع محاولات محاكاة القرآن وعجز الناس عن حفظها بخلاف القرآن
لم يحفظ أحد [الفصول والغايات] ولا [الدرة اليتيمة]، لم يحفظ أحد هذه الترهات [والتخاريف] التي أتى بها ذلك القس. وكانت هذه المحاولات عبر العصور تؤكد وتؤيد إعجاز القرآن؛ لم يحفظها أحد ولا يستطيع أن يحفظها.
والقرآن يحفظه الصغير والكبير، العربي والأعجمي، المرأة والرجل، الجاهل والأمي والمتعلم والعالم. مسألة عجيبة غريبة!
وتُرجم القرآن إلى أكثر من مائة وثلاثين لغة، لم نسمع على وجه الأرض أن أحدًا ممن ترجموا حفظ كلام ترجمته الذاتية، هذه ترجمته بذاته بنفسه، ولكنه يحفظ القرآن ولا يحفظ المقابل لهذا، ولم يحفظه أحد. ما هذا؟ إنها كلمة الله التي تصرخ في العالمين!
الإيمان بأن القرآن من عند الله وأنه محفوظ بحفظ الله تعالى
المهم أننا نؤمن أولًا بأن هذا الكتاب من عند الله.
ثانيًا: نؤمن — وهذا مدخل لتفسيره — أن هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه محفوظ بحفظ الله له، وأن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظه، فقال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
وقد حُفظت هناك القراءات المتواترة المتفق عليها بين المسلمين، وهي قائمة لا إشكال فيها؛ مصاحف الغرب كمصاحف الشرق.
دراسة معهد برلين لأربعين ألف نسخة من القرآن وإثبات حفظه من التحريف
حتى أن معهدًا من المعاهد قام قبل الحرب العالمية الثانية في برلين وجمع أكثر من أربعين ألف نسخة [من المصاحف]، وقدم تقريرًا محفوظًا في المكتبة الوطنية في برلين إلى الآن، يقول إنه بعد المقارنات لم يجد أي أخطاء من نوع تحريف الكتاب، وأن هذا كتاب محفوظ بكل معنى الكلمة.
اطلع على هذا محمد حميد الله وكتب في مجلة الأمة مقالًا عن هذا التقرير. وجاءت الحرب العالمية الثانية فذهب هذا المعهد في برلين حتى بنسخ القرآن، أربعين ألف نسخة جُمعت من كل العصور ومن كل مكان فلم يجدوا اختلافًا فيها.
عدم وجود مصحف مخالف للمصحف المعتمد والاهتمام بمستوى الحرف في التفسير
نعم، هناك قراءات شاذة موجودة في الكتب، لكن هل يملك أحدهم مصحفًا مخالفًا للمصحف المعتمد بقراءاته العشر؟ أبدًا، لا وجود لهذا عبر التاريخ.
إذن فالقرآن محفوظ، حقيقة ثانية نتعامل مع القرآن بموجبها. ولذلك فإننا نهتم في التفسير بمستوى الحرف؛ الفاء والواو وحروف المعاني وكل شيء فيه نهتم به أساسًا.
تفسير القرآن بالإطلاقية وتحريره من قيود الزمان والمكان والأشخاص
ثالثًا: نحن عندما ندخل إلى القرآن نفسره بإطلاقية، وهذا جزء من التفسير. والإطلاقية معناها أنه محرر من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهذا معناه أنه وكأنه — ولأنه صفة من صفات الله سبحانه وتعالى — قد نزل الآن.
إذن فالدعوة إلى التاريخية أو التاريخانية أو كذلك إلى آخره مما يُستعمل في الأدبيات الحديثة، هي دعوة شبيهة بقضية خلق القرآن التي ظهرت في عصر المأمون. وخلق القرآن معناه أنه شيء حادث لم يكن قبل ذلك، وما دام هو حادث فهو محصور في بيئته، وبذلك فإنه لا يتعدى الزمان ولا يتجاوز المكان، لا يقفز فوق الأشخاص والأحوال.
الرد على من يحصر القرآن في العصر النبوي ومن ينكر عالمية الرسالة
وعلى ذلك فهو [أي القرآن عند أصحاب التاريخانية] صالح للعصر النبوي وشبيه العصر النبوي لأولئك الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم، وشبيه من كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا تغيرت العصور وخرجت عن ما كانوا يسيرون فيه فإنه لا يصلح لهذا.
هذه دعوة قد يؤيدها بعض من أسموا أنفسهم بالمفكرين المحدثين؛ أرادوا أن يتحرروا من إطلاقية القرآن ومن أنه متجاوز للزمان والمكان والأشخاص والأحوال. ولكننا نؤمن بهذه الإطلاقية ونؤمن أنه ليس منحصرًا في تاريخ معين ولا في زمن معين وبين أشخاص معينين.
ظهرت طائفة قليلة تؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم باعتباره نبيًّا للعرب فقط وليس للعالمين، ونحن نرفض هذا الاتجاه ونرفض هذا الكلام.
الأدلة على عالمية رسالة النبي ﷺ وأنه خاتم النبيين والمرسلين
فإنه [النبي ﷺ] قد أُرسل صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس بشيرًا ونذيرًا:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
قال النبي ﷺ: «كان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس كافة»
فكان صلى الله عليه وسلم وإلى يوم الدين هو خاتم النبيين والمرسلين، وهو المصطفى المختار، وهو [الماسية] الذي تحدثت عنه الكتب السابقة. فهو صلى الله عليه وسلم باقٍ فينا بقرآنه الذي أوحاه الله إليه. إذا فسرنا القرآن بإطلاقه.
تفسير القرآن بلغة العرب وأهمية خصائصها وقواعدها وأساليبها
رابعًا: نحن نفسر القرآن بلغة العرب، ولغة العرب لغة عجيبة وثرية. تحدثنا قبل ذلك عن الفلسفة اللغوية وهي بعض إشارات ألقيناها في الطريق حول أهمية اللغة العربية وحول خصائصها.
نحن ندرك اللغة بخصائصها وقواعدها وقوانينها وأساليبها، وهذه الأربعة — الخصائص والقواعد والقوانين والأساليب — تساعدنا دائمًا في فهم كلام الله سبحانه وتعالى.
حروف المباني في اللغة العربية والترتيب الهجائي والأبجدي
نحن نتعامل على مستوى الحرف فنقف عند كل حرف. والحروف في لغة العرب منها ما هو حروف مباني ومنها ما هو حروف معاني.
أما حروف المباني فهي التي تتكون منها الكلمة، وهي ثمانية وعشرون حرفًا. وهذه الحروف الثمانية والعشرون: ألف وباء وتاء وثاء وجيم إلى آخر الحروف تنتهي بالياء، بهذا الترتيب الهجائي الذي كان أولًا ترتيبًا أبجديًّا: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ.
وثخذ ضظغ هذه الحروف الستة هي الزيادة عما كان في العبرية وكان في اللاتينية؛ فالعبرية اثنان وعشرون حرفًا، واللاتينية اثنان وعشرون حرفًا، ولكن العرب زادوا على ذلك ستة أحرف لا تنطق بها العبرية ولا تنطق بها اللاتينية، فجعلوها في الآخر في هذا الترتيب الأبجدي. فهناك ترتيب هجائي وهناك ترتيب أبجدي.
حروف المعاني في اللغة العربية وتصنيفها حسب عدد حروفها
ولكن حروف المعاني منها ما كان على حرف واحد مثل الواو والفاء والباء والتاء، ومنها ما كان على حرفين [مثل] عن ومن، ومنها ما كان على ثلاثة مثل إلى وعلى، ومنها ما كان على أربعة مثل لعل، ومنها ما كان على خمسة مثل لكنّ. لا تزيد حروف المعاني عن هذه الخمسة.
وكل حرف من حروف المعاني التي بلغت أكثر من ثمانين حرفًا في لغة العرب له معانٍ عدة. وهذه المعاني كانت نحو ستة وخمسين معنى.
حروف المعاني المذكورة في القرآن وتفصيل ابن هشام لها في مغني اللبيب
وهذه الحروف ليست كلها مذكورة في القرآن، بل المذكور منها في القرآن نحو أربعة وثلاثين حرفًا من هذه الحروف الثمانين. أو يمكن أن نقول — مع اعتبار واختلاف بعض الناس في كون هذه الكلمة من الحروف أو لا — أنهم قد وصلوا إلى التسعين. فمن هذه التسعين هناك أربعة وثلاثون حرفًا.
وكل حرف قد يكون له معنى أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو تسعة، كما فصّل ذلك كله ابن هشام في [مغني اللبيب عن كتب الأعاريب]. بعضها يكون حقيقة وبعضها يكون مجازًا.
ونحن نؤمن بالحقيقة والمجاز من أساليب العرب، نؤمن بالإطلاق والتقييد؛ فكلما قلّت القيود زاد الموجود.
ملخص المداخل الأربعة لتفسير القرآن الكريم والحاجة لمعرفة ما يحيط بالنص
نؤمن إذن بأن هذا الكتاب إذا أردنا أن نفسره فنفسره باللغة العربية. إذا كان هذا الكتاب من عند الله أولًا، وإذا كان هو محفوظ في ذاته ثانيًا، وإذا كنا لا بد أن ندخل إليه مدخلًا بإطلاق ثالثًا، وإذا كنا لا بد أن نستعمل العربية بخصائصها وقواعدها وقوانينها وأساليبها في التفسير رابعًا.
فإننا سنجد أنفسنا نحتاج إلى معرفة ما يحيط بالنص حين نزوله؛ فإن هذا النص لا نستطيع أن نفسره بحيث نستنبط منه أحكامًا تخالف نصًّا شرعيًّا آخر في الكتاب أو في السنة.
ضوابط الاستنباط من القرآن ومراعاة المقاصد والإجماع والمصالح
لا نستطيع أن نستنبط منه معنى يقضي على مقاصد الشريعة بالبطلان، لا نستطيع أن نستنبط منه معنى يطعن في إجماع الأمة، لا نستطيع أن نستنبط منه معنى يضيع مصالح الناس أو تكون له عواقب سيئة وليست عواقب خيّرة؛ لأن هذا الكتاب قال:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
إذن فلا بد من مراعاة سقف معرفي مكوّن من لغة العرب، ومن الإجماع، ومن المقاصد الشرعية، ومن المصالح المرعية، ومن المآلات المعتبرة. هذا سقف لا نستطيع أن نتجاوزه، وهذا جزء من المدخل لتفسير القرآن الكريم.
ضرورة البناء على التراث التفسيري والاستفادة من كتب الحديث والفقه واللغة
المدخل لتفسير القرآن الكريم في الحقيقة كثير منه إننا لا بد لنا من أن نبني على ما سبقنا، ولذلك ينبغي لنا أن نقرأ ما كُتب في القرآن الكريم في التفاسير المختلفة.
والأمر ليس مقصورًا على كتب التفسير، بل تساعد في ذلك كتب الحديث، وتساعد في ذلك — خاصة في آيات الأحكام — كتب الفقه وآيات الأحكام، وتساعد في ذلك أيضًا كتب الأدب وكتب اللغة.
فإن كل حضارة المسلمين قد خدمت المحور الذي جعلته محورًا لحضارتها وهو الكتاب الكريم.
قصة الشيخ محمد راشد في تفسير حروف حم وعمق التفسير القرآني
ولذلك رأينا رجلًا من كبار العلماء، الشيخ محمد راشد أستاذ التفسير في الأزهر الشريف، وكان من هيئة كبار العلماء في بداية القرن العشرين، يجلس ليفسر الحواميم السبع.
فيقول أحدهم: يا مولانا، لا نريد أن تفسر لنا فتقول "الله أعلم بمراده"، بل نريد أن تفسر لنا ما معنى هذا الحرف "حم"؟ قال الشيخ وهو كأنه يداعب تلاميذه: في كم تريدون هذا التفسير؟ في مرة أم في أسبوع أم في شهر أم في السنة كلها؟
قال أحدهم: وماذا ستقول في سنة بأكملها في حرف واحد؟ قال: ماذا تريدون؟ قالوا: خير الأمور أوسطها، فجعلنا نفسرها في شهر. وكان درس التفسير كل يوم بعد الفجر في الأزهر الشريف.
ستة وخمسون تفسيرًا لحرف حم وضرورة الاطلاع على التراث التفسيري
وجلس الشيخ [محمد راشد] يفسر "حم"، وجلس فأتى بنحو ستة وخمسين تفسيرًا لـ"حم". ثم بعد ذلك قال: سننتقل الآن من "حم"، ولكن اعلموا أن كل "حم" في كل سورة لها معنى آخر غير "حميم" الذي تكلمنا عنه.
إن هذا الزخم الكبير حول ما وهبه الله للناس في تفسير كتاب الله لا بد أن نطلع عليه ونحن نخوض لجة التفسير.
القرآن كتاب هداية لا يخالف الحقائق العلمية ولا تنتهي عجائبه
هذه [القاعدة المهمة]: إننا كأساس في مدخل التفسير نبحث فيه باعتبار أن الكتاب كتاب هداية وليس كتاب جغرافيا ولا كتاب حقائق علمية، ولكنه لا يخالف الجغرافيا ولا يخالف الحقائق العلمية ولا تنتهي عجائبه.
فهذا — سابعًا أو ثامنًا — أنه لا تنتهي عجائبه. فنحن ندخل فيه ونفسر بما يقيم الاجتماع البشري ويطوره ويمكّنه.
قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير»
ولذلك بحثنا ونحن نقوم بالتفسير عن السنن الإلهية بأقسامها المختلفة التي التقيناها سويًّا عليها في مرة من المرات.
منظومة القيم المستمدة من أسماء الله الحسنى وتحويلها إلى واقع معيش
أيضًا بحثنا عن منظومة القيم والعلاقات البينية فيها. هذه المنظومة القائمة على أسماء الله الحسنى التي توجد في القرآن نحو مائة واثنين وخمسين اسمًا من أسماء الله الحسنى.
هذه الأسماء تمثل التجلي والتحلي والتخلي، تمثل الأسماء التي هي للجمال وللجلال وللكمال، تمثل التخلق والتعلق؛ منظومة متكاملة بعلاقاتها البينية تمثلها أسماء الله الحسنى.
كيف نفعل ونحوّل مثل هذه الأسماء إلى واقع معيش وإلى أخلاق مرضية وإلى القضاء على الصفات الرديئة؟ كيف نحوّل هذه القيم إلى مناهج تربوية؟
الضابط التاسع في التفسير: التصور الخلاق وتداعي الأفكار والأسئلة الممتدة
إذن فالضابط التاسع في مدخل التفسير هو التصور الخلاق، تداعي الأفكار، الأسئلة الممتدة. هذا أحد ضوابط تفسيرنا: عندما تأتيني آية أسأل نفسي سؤالًا: كيف أطبقها؟ فتأتيني مشكلات، فكيف أحل هذه المشكلات وأنا في ظلال القرآن وتحت سقف الشريعة؟
وأنا أحل المشكلات تأتيني أسئلة فأجيب عنها في صورة متتالية ممتدة فيها تداعٍ للأفكار. وهنا هذه الأفكار كلها يكون الغرض منها خدمة النص بكيفية تطبيقه على الواقع.
البحث عن السنن الإلهية والمقاصد الشرعية والقواعد الفقهية في التفسير
الذي نبحث عن السنن الإلهية وعن المبادئ العامة وعن القيم وعن المقاصد الشرعية التي استنبطها الإمام الغزالي والإمام الشاطبي وكتبوا فيها ووسّعوا فيها، بالرغم من أنه ليس هناك آية تتحدث عنها، وإنما هم تدبروا وتعلموا وتداعت أفكارهم فخرجوا بحفظ النفس والعقل والدين إلى آخره. هذا الذي ذكرناه مرارًا.
وكذلك القواعد التي بنى الفقهاء وتأملوا الشريعة [واستخلصوها منها]:
- •الضرر يُزال.
- •العادة محكّمة.
- •المشقة تجلب التيسير.
- •الشك لا يُرفع به اليقين.
- •خلوص النية [أي إن أردت أجرها].
القواعد الفقهية الخمس كأمهات للقواعد ومكون من مكونات تفسير القرآن
خمس قواعد محررة في مذهبي للشافعي بها تكون البصيرة. هذه القواعد الخمس التي بنى عليها ابن السبكي، أو هذه القواعد الخمس التي بنى عليها الإمام السيوطي كتابه [الأشباه والنظائر]، القواعد الفقهية، وجعل هذه هي أمهات القواعد الفقهية، ويتفرع عنها غيرها من قواعد لا تُحصى ولا تُعد.
هذه القواعد الخمس مكوّن من المكونات التي ندخل بها لتفسير القرآن الكريم.
تطبيق القواعد الفقهية الخمس على تفسير القرآن مع الأدلة القرآنية
أن الضرر يُزال؛ الشريعة لا تأتي بضرر أبدًا ولا ترغب في الضرر ولا تحب الضرر وهي تزيل الضرر:
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
القرآن صالح لكل زمان ومكان، والعرف معتبر ما لم يخالف هذا العرف أمرًا إلهيًّا أو نبويًّا أمرنا باتباعه.
المشقة تجلب التيسير:
﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا بِٱللَّهِ﴾ [الحج: 78]
إن المشقة تجلب التيسير، هذه هي الشريعة، روح الشريعة. الضرر يُزال، عادة قد حُكّمت، وكذلك المشقة تجلب التيسير.
قاعدة الشك لا يرفع اليقين وقاعدة إخلاص النية من أدوات التفسير
والشك لا يُرفع به المتيقن؛ حلّ كل التعارض: الشك لا يرفع اليقين. وكل ذلك منضبط تحت قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري في صدر صحيحه:
قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
وهو يفسر قوله تعالى:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
فلا بد لنا من الإخلاص، ولا بد لنا من توجيه النية لله، ولا بد لنا من أن يكون ذلك صافيًا لا تشوبه شائبة.
هذه القواعد الخمس هي جزء من أدوات التفسير التي ندخل بها مداخل التفسير.
تطبيق مداخل التفسير في البحث عن أصول العلاقات والعبادة والتزكية
كل هذا هو الذي طبقناه أثناء التفسير الذي يمكن لكم أن تستمعوا إليه. نبحث فيه عن أصول المسائل؛ عن العلاقة بين الرجل والمرأة، وما بين الإنسان والكون، وما بين المخلوق والخالق.
كيف تكون أصول العبادة؟ وكيف تكون أصول العمران والعمارة؟ وكيف تكون أصول التزكية؟ العلاقة بين العبد وربه، بين العبد والكون، بين العبد ونفسه. كل ذلك له أصول.
ونحن نحاول أن نستخرجها من كتاب الهداية:
﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
من كتاب القرآن الكريم الذي نعيش به في كل المعاني؛ معاني الطفولة، معاني حفظ البيئة، معاني السعي في الأرض، وتصحيح صورة الإسلام في العالمين.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
