يريد خطيبي أن يرى شعري..فماذا أفعل؟ | أ.د. علي جمعة
- •الحجاب فرض بإجماع علماء المسلمين، وقد دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع.
- •اتفق الأئمة الأربعة على أن المرأة يمكنها كشف وجهها وكفيها فقط، مستدلين بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر.
- •يجب على المرأة المسلمة التي بلغت سن التكليف بمداهمة الحيض أن تلتزم بالحجاب الشرعي.
- •اختلف العلماء في حدود ما يُسمح للخاطب رؤيته من المخطوبة.
- •مذهب الأئمة الأربعة عدم جواز رؤية الخاطب أكثر من الوجه والكفين.
- •أجاز بعض العلماء كابن حزم رؤية أكثر من ذلك، استدلالاً بحديث جابر بن عبد الله الأنصاري.
- •يمكن للمسلم الأخذ بالعزيمة (رأي الأئمة الأربعة) أو الرخصة (رأي من أجاز).
- •هناك حالات استثنائية يجوز فيها كشف ما زاد عن الوجه والكفين كالطبيب والقاضي، لكن لا يمكن جعل الاستثناء أصلاً.
سؤال فتاة مخطوبة عن حكم رؤية الخاطب لشعرها وبيان حكم الحجاب
تسأل فتاةٌ فتقول: أنا فتاةٌ مخطوبةٌ ومحجبةٌ، والخاطب يريد أن يرى شعري، فما هو الحكم الشرعي في هذا؟
اتفق الأئمة الأربعة على أن المرأة يمكن لها أن تكشف وجهها وكفيها، واستدلوا في ذلك بما أخرجه أبو داود عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رآها يومًا بغير حجاب، وهي أخت عائشة عليها السلام، فقال لها:
قال النبي ﷺ: «يا أسماء، إذا بلغت المرأة المحيض لا يبدو منها إلا هذا وهذان، وأشار إلى وجهه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم وإلى كفيه»
وحجاب المرأة المسلمة فرض باتفاق بين جميع فرق المسلمين من أصحاب القبلة، سلفًا وخلفًا، قديمًا وحديثًا، سنةً وشيعةً.
إجماع العلماء على فرضية الحجاب وعدم جواز الخروج عليه
لا نعلم خلافًا بين العلماء الذين اطلعوا على تلك النصوص الشريفة من كتابٍ وسنةٍ، أيًّا كان مذهبهم، أنهم قالوا بعدم فرضيته، بل هو فرضٌ باتفاق الأمة وبإجماع العلماء وإلى يوم الناس هذا.
ولذلك لما أعيا بعض من اشتغلوا بالإعلام والصحافة في الدعوة إلى نبذ الحجاب وخلعه، عندما أعياهم الأمر بدؤوا يكذبون ويختلقون الأشياء، فتنشر بعض الصحف أن هناك شخصًا قد حصل على الدكتوراة في عدم فرضية الحجاب من الأزهر.
وهذا والله أمر تضحك منه الثكلى وتُسقط منه الحُبلى ويشيب منه الأقرع، الأقرع لا شعر عنده يشيب من هذا الكلام الذي لا أصل له ولا فصل، وهو بهتان محض.
الإجماع على فرضية الحجاب مصدر تشريعي قطعي لا يجوز الخروج عليه
[فرضية الحجاب] الملحد بإتفاق العلماء وإلى يوم الدين هذا بإجماع لا ينقدح ولا يجوز الخروج عليه؛ لأنه لا تجتمع أمة النبي صلى الله عليه وسلم على ضلالة.
والإجماع مصدر من مصادر التشريع ينقل الدليل الظني إلى دليل قطعي، فثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن عورة المرأة [هي جميع بدنها] سوى الوجه والكفين.
ولذلك فكل من لمح دون أن يصرح فأوهم الناس أن الحجاب ليس فرضًا، فبادرت نساء كثيرات بخلع الحجاب، كل ذلك باطل مخالف لما اتفقت عليه الأمة، ومخالف للكتاب والسنة، ومخالف للعفاف، ومخالف لكل قواعد أصول الفقه التي بُني عليها هذا الدين.
التفريق بين عدم الالتزام بالحجاب وبين تغيير الحكم الشرعي
كون المرأة لا تستطيع أن تلتزم بهذا الأمر [أي الحجاب]، هذا أمر آخر، تعرف أنها مخطئة وتدعو الله: يا ربِّ في يومٍ من الأيام وفِّقني.
أما أن تُغيِّر الحكم [الشرعي] من أجل هواها، فهذه مصيبة أشدُّ وأنكى من قول فلان وعلان وتُركان من النساء والرجال ممن لم يبلغوا حتى قراءة القرآن مرة في حياتهم، بل ولا فهم هذا القرآن، بل ولا تقعيد القواعد وفهم أصول وأسس الفهم أبدًا.
تمهيد للإجابة عن فرضية الحجاب وعلامة بلوغ المرأة الموجبة للتكليف
إذا فهذا تمهيد للإجابة أن حجاب المرأة المسلمة فرض على كل امرأة بلغت، وبلوغ المرأة واضح بمداهمة الحيض لها.
تكون قد بلغت اثني عشر سنة، ثلاثة عشر سنة، خمسة عشر سنة، مثلما يكون طبقًا للعادة والجينات والجو والطقس ودرجة الحرارة إلى آخره، ولكن في النهاية العلامة للتكليف هي هذه [أي الحيض].
والمرأة التي تحيض تكون من الناحية الحيوية قابلة للحمل، حتى لو منعنا زواج القاصرات الصغيرات لأمور أخرى لا علاقة لها بهذا الشأن.
حكم رؤية الخاطب للمرأة بملابس البيت ومذهب الأئمة الأربعة في ذلك
فيأتي من هنا السؤال، ومن خلال ما ذكرناه: هل يجوز للخاطب أن يرى المرأة بما نسميه ملابس المهنة؟ وما ملابس المهنة؟ يعني الملابس التي تلبسها في البيتِ، فتكونُ متخففةً من الطرحةِ ويظهرُ منها نصفُ ساعدِها أو ثُلثا ساعدِها، وتكونُ غيرَ مرتديةٍ جوربًا أو أيَّ شيءٍ.
فهذا ليس الوجهَ والكفينِ فقط بل أكثر، فذهبَ الأئمةُ الأربعةُ إلى عدمِ جوازِ ذلك. يعني الأئمةُ الأربعةُ الذي يريدُ أن يُقلدَهم، أو الذين يريدُ أن يلتزمَ بهم، أو الذين يريدُ أن يتورعَ في هذا، فإن الأئمة الأربعة متفقون على عدم جواز أن يرى الخاطب سوى الوجه والكفين فقط لا غير.
استدلال بعض العلماء بحديث جابر في جواز نظر الخاطب إلى المخطوبة
إلا أن بعض علماء المسلمين استدلوا بما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
قال النبي ﷺ: «إذا أراد أحدكم أن يخطب فلينظر منها ما يجعله يفعل هذا»
وهذا الخاطب في السؤال هو متمسك بأن يراها كما هي في بيتها.
والإمام الباجوري عندنا في الشافعية يقول: من ابتُلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز، الذي يُبتلى بشيء مختلف فيه بين العلماء ليس محل إجماع.
مذهب ابن حزم في جواز نظر الخاطب وفعل جابر بن عبد الله في التلصص
هل الخاطب له أن يفعل هذا [أي ينظر إلى المخطوبة بأكثر من الوجه والكفين]؟ ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى أنه يجوز له أن يفعل هذا.
وكان جابر [بن عبد الله رضي الله عنه] يقول: فكنت أتلصص لمن أريد خطبتها، يعني يختبئ وراء نخلة أو وراء شجرة لكي يتلصص على الفتاة التي ربما ترفض أصلًا أن يراها، لا تريدك يا سيدي فليتركها بلا زواج.
ولكن هذا كان وفق عادات عصرهم، بخلاف عصرنا الذي نرى فيه النساء غير محجبات أصلًا، والعري قد ملأ العالم شرقًا وغربًا، والأمر لله.
خلاصة الرأيين في نظر الخاطب بين الورع والرخصة والتخيير بينهما
فماذا نفعل؟ فنقول: من ابتُلي بشيء من ذلك فليقلد من أجاز.
إذن فعندنا رأيان: رأي تمسك بالورع وهو رأي الأئمة الأربعة، ورأي آخر أخذ بالإباحة والجواز لما قد وسع علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديث جابر فيما أخرجه أحمد.
والأمر لك ولك [أي للخاطب والمخطوبة]، فإذا أردتم أن تأخذوا بالرخصة فهذا جائز، وإذا أردتم أن تأخذوا بالورع وأن تميلوا إلى العزيمة فهذا جائز. والله تعالى أعلى وأعلم.
التأكيد على فرضية الحجاب وبيان الحالات الاستثنائية التي أجازها الشرع
ولا يُفهم من كلامي هذا أن الحجاب ليس فرضًا، بل هو فرض باتفاق، ولكن هناك حالات يُجيزها لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، منها:
- •نظر الطبيب.
- •ومنها الخاطب.
- •ومنها القاضي.
- •ومنها رجل الأمن.
وهكذا يعني في حالات معينة، لكن هذه حالات وليست هي التي يسير عليها المسلم حياته كلها، إنما هذه استثناء، ولا يمكن أن نجعل الاستثناء أصلًا.
