يضطر لدفع رشوة حتى تتم أعماله دون تعطيل | أ.د علي جمعة - فتاوي

يضطر لدفع رشوة حتى تتم أعماله دون تعطيل | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • الرشوة والسحت من صور الفساد التي تحرمها الشريعة الإسلامية ويجب على المجتمع محاربتها.
  • الرشوة هي دفع المال لتقديم مصلحة على حساب آخرين، كمن يعطي رشوة لكي يفوز بمناقصة على حساب منافسيه.
  • السحت هو دفع المال للحصول على حق أصيل، مثل استخراج رخصة تخصه وما يسمى بـ"الإكرامية" أو "الشاي".
  • عند الاضطرار الحقيقي، يجوز دفع المبالغ المطلوبة لتخليص الأوراق الحكومية، لكن الضرورة تقدر بقدرها.
  • حالة الاضطرار تشبه أكل الميتة عند المجاعة، فهي حرام منزوع الإثم أو حلال للمضطر.
  • الضرورة تقدر بقدرها، فلا يجوز التوسع في دفع أكثر مما طُلب أو تقديم هدايا إضافية.
  • يجب عدم اعتبار هذه الممارسات من الحقوق المكتسبة، بل هي حرام أبيح للضرورة.
  • يُشجع على الإبلاغ عن الفاسدين للجهات الرقابية للمساعدة في القضاء على الفساد.
محتويات الفيديو(5 أقسام)

سؤال عن حكم دفع مبالغ لتخليص الأوراق الحكومية وبيان أنه من الفساد

أنا رجل أعمال ولديّ أعمال تحتاج إلى تخليص أوراق مع المصالح الحكومية، فأضطرّ لدفع بعض المبالغ، وإن لم أفعل لن تتمّ [المعاملات]، فهل عليّ ذنب؟

هذه مسألة أُثيرت قديمًا وحديثًا، حتى أنها أُثيرت في [سياق] مقاومة الفساد. أولًا دعنا نتفق أن هذا [الدفع للموظفين] من الفساد البيّن الذي يجب علينا جميعًا القضاء عليه. يجب أن نتفق على هذا، ونرى هذا ونتأثّم منه، وننشر في ثقافتنا أن هذا حرام، وأن هذا من أسباب عدم استجابة الدعاء، وأن هذا من قبيل السُّحت إن لم يكن من قبيل الرشوة.

الفرق بين الرشوة والسحت في المعاملات المالية مع الموظفين

انتبه، ما الفرق بين الرشوة والسُّحت؟ الرشوة تأكل بها حقّ أخيك؛ في حصة إسمنت مثلًا، إما تخرج لك [أنت] وإما تخرج لأخيك، فذهبت أنت ترشو الموظف لكي يُظهرها لك أنت ولا يُظهرها للطرف المقابل، لأخيك، لخصمك، هذه هي الرشوة.

في قضية أخرى، نقوم بعمل مناقصة أو ممارسة أو أي شيء، فأنت تقدّم ظرفًا وذاك يقدّم ظرفًا، فتعطي رشوة لكي يجعل هذا الظرف هو الذي يفوز بدلًا من ذلك الظرف ويُسنَد إليك الأعمال، هذه هي رشوة.

وما هو السُّحت؟ أنت تطالب بحقّك، أنت ذهبت لتستخرج رخصة، إنها رخصتك أنت، سواء كانت رخصة مبانٍ أو رخصة أخرى أو رخصة مزرعة مثلًا، هذه خاصتك أنت، لا يوجد أحد يقابلك فيقول لك: لن أعطيك الرخصة إلا بالأذى. ما هو هذا الأذى الذي هو هذا الشاي؟ والله! الناس يعرفون ما هي الإكرامية؟ الشاي سُحت، هذا سُحت، فهو حرام. فالإجابة أن هذا [الدفع لتخليص الأوراق] حرام.

حكم الاضطرار وهل يبيح المحرّم مع بقاء وصف الحرمة عليه

ندخل الآن في مرحلة ثانية: الميتة حرام، والخمر حرام، والخنزير حرام، هل عند الاضطرار يبقى حرامًا أيضًا؟ نعم، ولكن زال إثمه؛ فيبقى حرامًا لكن زال إثمه.

﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]

انظر: فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه. ما اسمها في هذه الحالة؟ اختلف الأصوليون في تسميتها؛ الذنب الذي سنرتكبه هذا أن آكل قطعة لحم خنزير أو قطعة من ميت -والعياذ بالله- أو كأسًا من الخمر -والعياذ بالله-، ما اسم هذه الحالة؟

فمنهم من قال إنها تُسمّى حرامًا منزوع الإثم، أي أنها حرام صحيح ولكن في عفوٍ. ومنهم من قال إنها حلال؛ لأن الله تعالى يقول:

﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]

وما ليس فيه إثم فهو حلال. ومنهم من قال: لا تُسمّى بشيء، ما اسمها؟ اسمها التي لا تُسمّى.

قاعدة الضرورة تقدّر بقدرها وتطبيقها على دفع المال للموظفين

كل هذا بناءً على ثقافة الرفض، يعني عندما نقول للشخص: فإذا اضطررت من غير عدوان، فـالضرورة تُقدَّر بقدرها. هو طلب مني مائة جنيه، فتقول له: الله يا رجل! مائة جنيه؟ كيف يا رجل؟ خذ مائة وخمسين! ها هم، هذا لا يصحّ.

مثل الميتة؛ الميتة لا يصحّ أن أصنع منها كبابًا وكفتة وأجلس آكل حتى أشبع هكذا، لا، على قدر سدّ الرمق فقط. صحيح آخذ منها، أخذتُ قطعة وشويتها وأكلتها ووجدتُ نفسي ما زلتُ جائعًا، لكن رأسي الذي كان يدور بدأ يهدأ هكذا، لكنني لم آكل كثيرًا؛ لأن الضرورة تُقدَّر بقدرها.

ما زالت قطعة اللحم تزن مائة جرام، أخذتُ منها خمسين فقط، وهذا يكفي؛ لأن الضرورة تُقدَّر بقدرها على القدر، فلا تتوسّع في هذا لا أفقيًّا ولا رأسيًّا.

التحذير من التوسع في الفساد ووجوب الإبلاغ عنه وملاحقته

ولا ترسل هدية في غير الشيء [المطلوب]؛ قفص رمان، وقفص برتقال، وقفص موز، ليس بينك وبينه شيء، قلتُ: لعلنا نحتاجه! هذا هو الفساد العميق الذي ينخر فينا. لماذا؟ لأننا اعتبرنا هذا كأنه من الحقوق المكتسبة. لا، ليس من الحقوق المكتسبة، هذا حرام لكن أُبيح، أُبيح بقدره، كما يقولون: تتعطّل أموري وسيتخرّب بيتي، فيُباح بقدره ولا زيادة فيه.

وذلك بعد [محاولة البدائل]: هل ممكن أن نُبلّغ عنه الرقابة الإدارية؟ حسنًا، ما المانع؟ بلّغ عنه. كل واحد بحسب ظروفه، راقب هذا المجرم وبلّغ عنه، حتى لو أخذ [منك المال] بلّغ عنه.

وهكذا يجب أن نعرف أن هذا ذنب كبير، ويجب أن نعرف أن الحياة لا بدّ أن تستمر، وأن الفساد لن يعيقنا، وإننا نلاحق الفساد حتى نقضي عليه.