الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس الثامن | أ.د علي جمعة

الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس الثامن | أ.د علي جمعة - الأربعين في أصول الدين, تصوف
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته القارئ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته الشيخ: أهلا وسهلا القارئ: أهلا وسهلا الشيخ: نبدأ نبدأ نقول بسم الله القارئ: نعم نبدأ سيدي الشيخ: أولا ندعو لأخينا أحمد زكريا بالشفاء العاجل وبأن يحصل له مناعة من هذا الفيروس وبألا يصاب به مرة ثانية أبدا، وأن يحصل له التحصين إن شاء الله، القارئ: اللهم يحفظكم يا سيدي الشيخ: آمين، نقرأ الفاتحة على ذلك. بسم الله الرحمن الرحيم... الشيخ: من القارئ اليوم؟ القارئ: سيدي محمود، الشيخ: سيدي
محمود صبري، القارئ: سيدي محمود صبري وهو طالب أزهري يا سيدي، الشيخ: ولكنه مكتوب أمامي محمد. القارئ: محمد سيدي نعم، محمد، الشيخ: محمد صبري. تفضل يا سيد محمد، القارئ [محمد صبري]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبإسنادكم سيدي إلى مولانا الإمام الغزالي رحمه الله, الأصل الثالث في الرُعْوَنَة وحب الجاه قال الله عز وجل: "تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حبُّ المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل"، وقال
صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبان ضاريان أُرسلا في زريبة غنم بأكثر فساداً فيها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم" وقال صلى الله عليه وسلم في مدح الخَمُول: "رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبرَّه". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤبَه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يُؤذَن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم يُنصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قُسِم نوره
يوم القيامة على الناس لوسعهم. وقال سليم بن حنظلة: بينما نحن حول أُبَيّ بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فأعلاه بالدِّرَّة، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع. فقال: إن هذا مذلة للتابع وفتنة. للمتبوع وقال الحسن: "إن خفق النعال خلف الرجال قلما تثبت معه قلوب الحمقى". وقال أيوب: "والله ما صدق الله عبد إلا سره ألا يشعر بمكانه". فقد عرفت بهذا مذمة الشهرة والجاه، إلا أن يشهر الله تعالى عبداً في الدين من غير طلب منه،
كما شهر الأنبياء والخلفاء الراشدين والأولياء. فصل في بيان حقيقة الجاه، اعلم أن حقيقة الجاه هي ملك القلوب لتتسخر لذي الجاه على حسب مراده، وتُطْلِقَ اللسان بالثناء عليه، وتسعى في حاجته. وكما أن معنى المال هو مُلْك الدراهم ليتوصل بها إلى الأغراض، فكذلك معنى الجاه هو مُلْكُ القلوب، لكن الجاه أحب لأن التوصل به إلى المال أيسر من التوصل. بالمال إلى الجاه ولأنه محفوظ عن أن يُسرق ويُغصب أو تعرض له الآفة، ولأنه
يسري وينمو من غير تكلف، فإن من ملك قلبه باعتقاد التعظيم فلا يزال يثني عليه ويقتنص قلوب سائر الناس لصاحبه. وفيه سر آخر وهو أن الجاه معناه العلو والكبرياء والعز، وهي من الصفات الإلهية، والصفات الإلهية. محبوبة للإنسان بالطبع، بل هو ألذ الأشياء عنده، وذلك لسر خفي في مناسبة الروح للأمور الإلهية، وعنه عبارة بقوله تعالى: "قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى"[الإسراء: ٨٥]، فهو أمر رباني. شَغْفَةٌ من حيث الطبع الاستبداد والانفراد بالوجود،
وهو حقيقة الإلهية، إذ ليس مع الله موجود، بل الموجودات كلها كالظل من نور. القدرة لها رتبة التبعية لا رتبة المعية، فليس في الوجود مع الله غيره، وكأن الإنسان يشتهي ذلك، بل في كل شيء أن يقول: "أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ"[النازعات: ٢٤]، لكن أظهره فرعون وأخفاه غيره. لكن إن فاته الانفراد بالوجود، فيشتهي ألا يفوته الاستعلاء والاستيلاء على الموجودات كلها ليتصرف فيها على حسب مراده وهو. الإلهية لكن تعذر على الإنسان
ذلك في السماوات والكواكب والملائكة والبحار والجبال فاشتهى الاستيلاء على جميعها بالعلم لأن العلم نوع استيلاء أيضا كما أن من عجز عن وضع الأشياء العجيبة فيشتهي أن يعرف كيفية الوضع وكذلك يشتهي أن يعرف عجائب البحر وما تحت الجبال ويتصور أن يَتَسَخَّرَ له الأعيان التي على وجه الأرض من الحيوان والنبات والمعادن فيحب أن يتملكها ويتمولها ويتصور أن يَتَسخَّرَ له الإنسان، فيحب أن يستسخره بواسطة قلبه، ويملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه، ويحصل التعظيم بأن يعتقد
فيه كمال الخصال، فإن الإجلال يتبع اعتقاد الكمال، فلهذا يحب الإنسان أن يتسع جاهه وينتشر صيته حتى إلى البلاد التي يعلم قطعاً أنه لا يطؤها ولا يرى أهلها لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية، وكلما صار أكثر عقلاً كانت هذه الصفة عليه أغلب وشهواته البهيمية فيه أضعف. فصل في بيان حقيقة الرفعة من حيث الذم والمدح. لعلك تقول: فإذا كان كذلك، فلما كان طلب الرفعة مذموماً وهو من نتائج. العقل وخواص
الروح لمناسبته الأمور الربانية، فاعلم أن الرفعة الحقيقية طلبها محمود غير مذموم، إذ مطلوب الكل هو القرب من الله تعالى، وذلك هو الرفعة والكمال، إذ هو عز لا ذِلَ فيه، وغنى لا فقر معه، وبقاء لا فناء بعده، ولذة لا كُدُوْرَةَ لها، وطلب ذلك محمود، وإنما المذموم طلب. الكمال الوهمي دون الحقيقي، والكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والقدرة والحرية، وهو أن لا يكون مقيداً بغيره، ولا يُتصور للعبد حقيقة القدرة، فإن قدرته إنما تكون بالمال
والجاه، وذلك كمال وهمي، فإنه أمر عارض لا بقاء له، ولا خير فيما لا بقاء له، بل قيل: أشد الغم عندي في سرور. تيقن عنه صاحبه انتقالاً، كيف وهذه القدرة العارضة مع سرعة انقضائها بالموت وبآفاتها قَبْلَه لا تصفو عن مكدرات، فمن توهمها كمالاً فقد زلّ، بل الكمال في الباقيات الصالحات التي ينال بها القُرب من الله سبحانه، ولا تزول بالموت بل تتضاعف تضاعفاً غير محدود، وذلك هو المعرفة الحقيقية بذات الله تعالى. وصفاته وأفعاله وهو العلم بكل الموجودات
إذ ليس في الموجود إلا الله تعالى وأفعاله لكن قد ينظر فيها الناظر لا من حيث إنها أفعال الله تعالى كالذي ينظر في التشريح لغرض الطب أو ينظر في هيئة العالم لمعرفة الاستدلال بأحكام النجوم فهذا لا قدر له ومن الكمال الحقيقي الحرية وهي انقطاع علاقتك عن جميع عَلائق الدنيا بل عن كل ما يفارقك بالموت، والاقتصار في الالتفات إلى لازِمِكَ الذي لا بد لك منه وهو الله تعالى، كما أوحى الله إلى داود عليه السلام: "يا داود، أنا بُدُك اللازم فالزم بُدَّك"، فالعلم والحرية من
الباقيات الصالحات وهما كمالان حقيقيان والمال والبنون زينة الحياة الدنيا وهما كمالان وهميان والمنكوسون هم الذين عكسوا الحقيقة فأعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي واشتغلوا بطلب الكمال الوهمي وهم الذين يحترقون عند الموت بنيران الحسرة إذ يشاهدون أنهم خسروا الدنيا والآخرة أما الآخرة فلأنهم لم يطلبوها ولم يحصلوا أسبابها من المعرفة والحرية وأما الدنيا فلأنها ودعتهم وانقلبت إلى أعدائهم وهم ورثتهم، ولا تظنن أن العلم والإيمان يفارقانك بالموت، فالموت
لا يهدم محل العلم أصلاً، وليس الموت عدماً حتى تظن أنك إذا عُدمت عُدمت صفاتك، بل معنى الموت قطع علاقة الروح من البدن إلى أن تُعاد إليه، وإذا تجرد عن البدن فهو على ما كان عليه قبل. الموت من العلم والجهل وفهم هذا يطول وتحته أسرار لا يحتمل هذا الكتاب كشفها. فصل في بيان علاج داء الجاه: إذا عرفت حقيقة الجاه وماهيته وأنه كمال وهمي، فقد عرفت طريق العلاج في قمع حبه من القلب. إذا علمت أن أهل الأرض لو سجدوا لك مثلاً لما بقي إلى مدة قريبة لا الساجد ولا المسجود
له، كيف ويشح الدهر عليك بأن يسلم لك الملك في محلتك فضلاً عن قريتك أو بلدتك، فكيف ترضى أن تترك ملك الأبد والجاه الطويل والجاه الطويل العريض عند الله تعالى وعند ملائكته بجاهك الحقير المُنْغَصِّ عند جماعة من الحمقى لا ينفعوك ولا يضرونك ولا يملكون لك موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ولا رزقاً ولا أجلاً. نعم، ملك القلوب كملك الأعيان، وأنت محتاج منه إلى قدر يسير لتحرس نفسك عن الظلم والعدوان وعما يشوش عليك سلامتك وفراغك اللذين تستعين بهما على دينك. فطلبك لهذا القدر مباح
بشرط القناعة بقدر الضرورة كما. في المال وبشرط ألا تكتسبه بالمراءاة بالعبادة فذلك حرام كما سيأتي، وأن لا تكتسبه بالتلبيس بأن تُظهر من نفسك ما أنت خالٍ عنه، فلا فرق بين ملك القلوب بالتلبيس وبين ملك الأموال. فإذا حصلت الجاه بطريقه واقتصرت على قدر التحرز من الآفات، فتُرجى لك السلامة إلا أنك في خطرٍ عظيمٍ أكثر من خطر المال لأن قليل الجاه يدعو إلى كثيره فإنه ألذ من المال ولذلك لا يسلم الدين غالباً إلا لخامل مجهول لا يُعرف كما فهمتَ
ذلك من الأخبار. فصل في حب المدح وأنه من البواعث على طلب الجاه. من البواعث على طلب الجاه حب المدح فإن. الإنسان يتلذذ به من ثلاثة أوجه: أحدها أنه يُشعر صاحبه بكمال نفسه، والشعور بالكمال لذيذ لأن الكمال من الصفات الإلهية. والثاني أنه يُشعر بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده وكونه مسخراً له. والثالث أنه يُشعر صاحبه بأن المادح يُصْغَى إلى مدحه فينتشر بسببه جاهه، فلذلك إذا صدر المدح من بصير. بصفات الكمال واسع الجاه والقدرة في نفسه، وكان على ملأٍ من الناس، تضاعفت لذة المدح. وتزول اللذة الأولى
بأن يصدر عن غير أهل البصيرة، فإنه لا يشعر بالكمال. وتزول الثانية بأن يصدر عن خسيس لا قدر له، لأن ملك قلبه لا يُعتد به. وتزول الثالثة بأن يمدح في الخلوة لا. في الملأ إلا من حيث يتوقع أنه أيضاً ربما يمدح في الملأ، وأما الذم فإنه مكروه لنقيض هذه الأسباب، وأكثر الخلق أهلكهم حب المدح وكراهية الذم، ويحملهم ذلك على المراءاة وفنون المعصية، وعلاج ذلك أن يتفكر في اللذة الأولى، فإن مُدح بكثرة المال والجاه فليعلم أنه كمال وهمي وهو سبب. فوات الكمال الحقيقي فهو
جدير بأن يحزن لأجله لا أن يفرح به، وإن مُدِح بكمال العلم والورع فينبغي أن يكون فرحه بوجود تلك الصفات وعلم الله تعالى بها، لا بذكر غيره، ويشكر الله تعالى عليها، لا يشكر غيره. هذا إن كان متصفاً به، وأما إن كان غير متصف به ففرحه به حماقة كفرح من يثني عليه غيره ويقول ما أطيب العطر التي في أحشائك وأمعائك وهو يعلم ما فيها من الأقذار والأنْتان، وهذا حال من يفرح بالمدح بالورع والزهد والعلم وهو يعلم من باطن نفسه أنه خالٍ عنه. الشيخ: تفضل. القارئ: وأما وأما
اللذة الثانية والثالثة وهي لذة الجاه عند المادح وغيره فعلاجه ما ذكرناه في حب الجاه. الشيخ: ما زلنا هكذا في الأصل السادس من التخلية أننا نريد أن نخلي القلب من كل قبيح، وبعد ذلك سوف نرى كيف نحليه بكل صحيح. والكلام هو كأنه لا يحتاج إلى شرح مستفيض في هذا، فندعو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إرشادات هذا. الإمامُ الجليلُ الأصلُ السابعُ القارئ: اللهمَّ آمين الأصلُ السابعُ في حبِّ الدنيا اعلمْ أنَّ حبَّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ
وليستِ الدنيا عبارةً عن المالِ والجاهِ فقط، بل هما حظَّانِ من حظوظِ الدنيا وشُعبتانِ من شُعَبِها وشُعَبُ الدنيا كثيرةٌ ودنياكَ عبارةٌ عن حالتِكَ قبلَ الموتِ وآخرتُكَ عبارةٌ عن حالتِكَ بعدَ الموتِ وكلُّ ما لك فيه حظ قبل الموت فهو من دنياك إلا العلم والمعرفة والحرية وما يبقى معك بعد الموت فإنها أيضاً لذيذة عند أهل البصائر ولكنها ليست من الدنيا وإن كانت في الدنيا ولهذه الحظوظ الدنيوية تعاون وتعلق بك وتعلق بما فيه الحظ وتعلق بأعمالك المتعلقة بإصلاحها فهي ترجع إلى أعيان.
موجودةٌ وإلى حظِّك منها وإلى شُغلِك في إصلاحها. أمَّا الأعيانُ فهي الأرضُ وما عليها، قال الله تعالى: "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" [الكهف: ٧]. ومطلوبُ الآدميِّ من الأرضِ إمَّا عينُها فللمسكنِ والمَحْرَثِ، وإمَّا نباتُها فللتداوي والاقتياتِ، وإمَّا معادنُها فللنقودِ والأواني والآلاتِ، وإمَّا حيواناتُها فللمركبِ والمأكلِ، وإمَّا الآدميون منها فللمَنْكَحِ وللاسْتِسْخار[أي: التسخير]، وقد جمع الله سبحانه ذلك في قوله: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ" [آل عمران: ١٤]
الآية. وأما حظك منها فقد عبَّر القرآن الكريم عنه بالهوى فقال: "وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ" [النازعات: ٤٠] وقال مفصلاً له: "أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ" [الحديد: ٢٠] الآية، وذلك. يندرج فيه جميع المهلكات الباطنة من الكِبر والغِل والحسد والسُمعة والرياء والنفاق والتفاخر والتكاثر وحب الدنيا وحب الثناء، وهي الدنيا الباطنة، وإنما الأعيان هي الدنيا الظاهرة. وأما شُغْلُكَ في إصلاحها فهي جملة الحِرَف والصناعات
التي الخلق مشغولون بها، وقد نسوا فيها أنفسهم ومبدأهم ومعادهم لاستغراقهم باشتغالهم بها، وإنما شاغَلُهم العلاقة. فإن علاقة القلب بحب حظوظها وعلاقة البدن بِشَغْلِ إصلاحها، فهذه هي حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة، وإنما خُلِقت للتزود منها إلى الآخرة، ولكن كثرة أشغالها وفنون شهواتها أنست الحمقى سفرهم ومقْصِدَهُم، فقصروا عليها همتهم، وكانوا كالحاج في البادية يشتغل بتعهد الناقة وعَلْفِها وتسمينها. فيتخلف عن
الرُفْقَةِ حتى يفوته الحج وتهلكه سباع البادية. الشيخ: هنا يتكلم الإمام الغزالي على مسألة أخذها بعد ذلك علماء الغرب وهي مصادر وعوامل الانتاج، وهل الأرض وهي مصدر تلك الخيرات التي منها السكن والتي منها الملبس والتي منها الدواء والتي منها المسكن، فالمسكن والمأكل والمشرب والملبس والدواء من الأرض، هل هي مصدر من مصادر الاقتصاد من عدمه، فالمذهب القديم أنها مصدر، ولا زال أئمة الاقتصاد في العالم يعتبرون أن الأرض فيها من المميزات الأساسية ما يجعلها عنصراً
منفرداً في عناصر الانتاج. العنصر الثاني هو عنصر العمل والذي بموجبه يأخذ الإنسان أجراً، والعنصر الثالث هو عنصر المال والذي به تقليب هذه الأحوال. والذي يأخذ في مقابله ربحاً أو فائدة، فالتاجر من خلال تقليبه لماله في الأسواق فإنه يكسب ربحاً. والعنصر الرابع وهو عنصر أضافه بعض المحْدَثين منذ مائة سنة أو أكثر وهو التنظيم، أن كل عوامل الانتاج هذه تحتاج إلى من ينظمها حتى تعمل في بوتقة واحدة وينتج منها المُنْتَج كما نرى هنا. أن الإمام الغزالي يضيف مسألة خامسة لا يلتفت إليها أولئك وهي الغاية،
أن الغاية من هذه المنتجات هي عمارة الأرض هو عبادة الله هو تزكية النفس هو تهيئة البيئة المناسبة التي يحيا فيها الإنسان من أجل يوم آخر، باعتبار أن الدنيا جزء من الحياة وأن الحياة مكونة من الدنيا ومن الآخرة وأنه. لا تخالف [أي: تعارض] بين الدنيا والآخرة لأن الدنيا هي مزرعة الآخرة، وحتى نؤكد على ذلك فسنرى في الفصل القادم كون الدنيا مزرعة للآخرة وأننا لا نكره دنيانا بل نحب أن نُعَمِرَها، وذلك من خلال أن نجعل لها غاية، قضية أن نجعل للانتاج غاية وأن يكون عنصراً منها فرق كثيراً بين تطبيقات المسلمين لدين
الله في أرضه وبين نظرة المستعمرين بعد ذلك وهم محتلون في الحقيقة يستنزفون ثروات الأمم ويحملونها إلى بلادهم لبنائها دون النظر إلى أصحاب الأرض ولا أصحاب العمل ولا أصحاب المال ولا أصحاب التنظيم ولا شيء من هذا لأنها إن هي إلا حياتنا الدنيا ولأنه [عندهم] المصالح مقدمة على المبادىء فهذا الذي يكتبه الإمام الغزالي هنا يحتاج إلى بحث عميق في قضية السوق عند المسلمين وقضية الانتاج عند المسلمين وقضية الطلب والعرض عند المسلمين وقضية هذا التاريخ المشرف الذي عمرنا به الأرض و"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" [هود: ٦١] أي طلب منكم عَمَارَها من أجل
هذا وهو تكامل الدنيا مع الآخرة وليس تصارع الدنيا مع الآخرة، يفعل هذا الفصل الماتع بعد كلامه هذا، وهو كلام عميق يحتاج إلى شرح كثير، يقول: فصل في كون الدنيا مزرعة للآخرة. تفضل: القارئ: فصل في كون الدنيا مزرعةَ الآخرة، هذه الدنيا المذمومة المُهلكة هي بعينها مزرعة الآخرة في حق من عرفها، إذ يعرف أنها منزل. من منازل السائرين إلى الله تعالى وهي كرباط بُني على قارعة الطريق، أُعِدَّ فيها العلف والزاد وأسباب السفر، فمن تزود منها لآخرته واقتصر منها على قدر الضرورة
التي ذكرناها في المطعم والملبس والمنكح وسائر الضرورات، فقد حرث وبذر وسيحصد في الآخرة ما زرع، ومن عَرَّج عليها. واشتغل بلذاتها هلك ومثل الخلق فيها كمثل قوم اختبأوا وركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وخَوَّفَهم المُقام واستِعْجال السفينة. فتفرقوا فيها، فبادر بعضهم وقضى حاجته ورجع إلى السفينة فوجد مكاناً خالياً واسعاً، ووقف بعضهم ينظر في أزهار الجزيرة وأنوارها وطرائف أحجارها وعجائب رياضِها ونغمات طيورها. فرجع
إلى السفينة فلم يجد إلا مكاناً ضيقاً حرجاً، وأكَبَّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها، فلم تسمح نفسه إلا بأن يستصحب شيئاً منها. فلم يجد في السفينة إلا مكاناً ضيقاً، وزادته الحجارة ثقلاً وضيقاً، فلم يقدر على رميها ولم يجد لها مكاناً، فحملها على عنقه وهو ينوء بأعبائها. وتولج بعضهم الغياض ونسي المركب وانشغل بالتفرج في تلك الأزهار والتناول من تلك الثمار، وهو في تفرجه غير خالٍ من خوف السباع والحذر من السقطات والنكبات. فلما رجع إلى السفينة لم
يصادفها فبقي على الساحل، فافترسته السباع ومزقته الهوام. فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا والآخرة، فتأملها واستخرج وجه الموازنة فيها إن كنت ذا بصيرة. الشيخ: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجازي عنا الإمام الغزالي على هذه الصياغة الإلهامية التي ألهمه الله بها في تمثيل الحال، آمين. فصل في كون الدنيا، القارئ: فصل في كون الدنيا والآخرة ضَرتين. من عَرِفَ نفسه، من عرف نفسه وعرف ربه، الشيخ: بل عَرَفَ، عرف، نعم. مَن عرفَ نفسَهُ وعرفَ ربَّهُ وعرفَ زينةَ الدنيا وعرفَ الآخرةَ شاهدَ بنورِ البصيرةِ وجهَ
عداوةِ الدنيا للآخرةِ، إذ ينكشفُ لهُ قطعاً ألّا سعادةَ في الآخرةِ إلا لمَن قَدِمَ على اللهِ تعالى عارفاً بهِ محباً لَهُ، فإنَّ المحبةَ لا تُنالُ إلا بدوامِ الذكرِ، وإنَّ المعرفةَ لا تُنالُ إلا بدوامِ الطلبِ والفكرِ. ولا يتفرغ لهما إلا من أعرض عن أشغال الدنيا، ولا تستولي المعرفة والحب على القلب ما لم يفرغ من حب غير الله تعالى، ففراغ القلب من غير الله ضرورة اشتغاله بحب الله تعالى ومعرفته، ولن يُتصوَّر ذلك إلا لمُعرِضٍ عن الدنيا قانعٍ منها بقدر الزاد والضرورة، فإن كنت من أهل البصيرة فقد صرت من أهل الذوق والمشاهدة،
وإن لم تكن كذلك فكن من أهل التقليد في الإيمان، وانظر إلى تحذير الله تعالى إياك بالكتاب والسنة. وقد قال الله عز وجل: "مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا" [هود: ١٥] الآية. وقال تعالى: "ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ" [النحل: ١٠٧] الآية وقال عز اسمه: "فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ‎*‏ وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا" [النازعات:٣٧- ٣٨]. ولعل ثلث القرآن ذم الدنيا وذم أهلها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى". وقال صلى
الله عليه وسلم: "يا عجبا"، قلنا: "العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور". وقال صلى الله عليه وسلم: "الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا، وإنه لم ينظر إليها منذ خلقها". وقال صلى الله عليه وسلم: "من أصبح والدنيا أكبر همِّه فليس من الله في شيءٌ وألزم الله قلبه أربع خصال هماً لا ينقطع عنه أبداً وشغلاً لا يتفرغ عنه أبدا وفقرًا لا يبلغُ غناه أبداً
وأملاً لا يبلغ منتهاه أبداً. وقال سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه: قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة، ألا أُريك الدنيا جميعها؟" قلتُ: "نعم". فأخذ بيدي إلى مزبلة فيها. رؤوسُ أناسٍ وعذراتٌ وخِرَقٌ وعظامٌ. وقال: يا أبا هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم، وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم عظامٌ بلا جلد، ثم هي صائرةٌ رماداً. وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها، ثم قذفوها من بطونهم، فأصبحت والناس يتحامونها. وهذه الخِرَق البالية
كانت رياشهم ولباسهم، كانت رياشهَم ولباسهَم. فأصبحت والرياح تَصْفِقُها [أي: تضربها]، وهذه العظام هي عظام دوابهم التي كانوا يَنْتَجِعُون [أي يرتحلون لطلب مواضع الكلآ] عليها أطراف البلاد. فمن كان باكياً على الدنيا فليبكِ. وقال صلى الله عليه وسلم: "ليَجيئنَّ أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة، فيُؤمر بهم إلى النار". فقالوا: "يا رسول الله، أمصلون؟" قال: "نعم، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هَنَةً من الليل". فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه، وقال عيسى عليه السلام: "لا يستقيم حب الدنيا والآخرة
في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد". وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: "احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت". وقال عيسى عليه السلام: "يا معشر الحواريين، ارضوا بِدُني الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدُني الدين مع سلامة الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا. وقال عيسى عليه السلام أيضًا للحواريين: لأكلُ خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة. وروي أن عيسى
عليه السلام كُوشِفَ بالدنيا فرآها في صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة، فقال لها: "كم نكحتِ؟" فقالت: "إني لا أحصيهم". فقال: "يُطلِقونَك أم ماتوا عنك؟" فقالت: "بل قتلتُ كُلَّهُم". فقال عيسى عليه السلام: بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين. الشيخ: نعم القارئ: نعم سيدنا". فصل في أن الغفلة سبب لدخول الدنيا إلى القلب. اعلم أن من ظن أنه يلابس الدنيا ببدنه ويخلو عنها بقلبه فهو مغرور. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء"، هل يستطيع الذي يمشي في الماء
ألا أن تبتل قدماه؟ وكتب علي رضي الله عنه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه: "مثل الدنيا مثل الحية، يلين مسها ويقتل سمها"، فأعرض عما يعجبك. منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها، وكن أسرّ ما تكون بها أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها كلما اطمأن إليها وإلى سرور، أشخصه عنه مكروه. وقال عيسى عليه السلام: "مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شَرَباً ازداد عطشاً حتى يقتله". واعلم إنما
يطمئن إلى الدنيا وهو يتيقن أنه راحل عنها فهو في غاية الحماقة، بل مثل الدنيا مثل دار هيأها صاحبها وزينها لضيافة الواردين والصادرين، فدخل واحد داره فقَدَّمَ إليه طبقًا من ذهب عليه بخور وريحان ليَشَمَّها ويترك الطبق لمن يلحقه لا ليتملكه، فجهل رسمه فظن أنه وَهَبَ ذلك له. فلما تعلق به قلبه استُرْجِعَ منه فضجر وتوجع، ومن كان عالمًا برسمه انتفع به وشكره ورده بطيبة قلب وانشراح صدر، فكذلك سنة الله في الدنيا فإنها دار ضيافة على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا
منها ما ينتفعون به كما ينتفعون بالعارية ثم يتركونها لمن يلحق بعدهم بطيبة نفس من غير تعلق القلب بها فهذه أمثلة الدنيا وما خلق الله فيها، الشيخ: وهذا الكلام هو الذي ابتُلينا به في عصور متتالية حتى تفاقم بين الناس، وينبغي أن يكون أساس ما كتبه الإمام الغزالي في العلاقة بين الدنيا والآخرة، ومعنى حب الدنيا الذي هو مخالف لحب الآخرة، ومعنى العمارة الدنيوية التي هي مزرعة. للآخرة، ومعنى أن هذه الأمثلة الطيبة التي تؤدي إلى التوكل وإلى الصبر وإلى التسليم وإلى الرضا وإلى إعطاء كل ذي حق حقه يفتقدها
كثير من الخلق الآن، ولذلك يجب أن تُبنى المناهج التعليمية ابتداءً من تعليم الطفولة على هذه الرؤية وهذا النموذج المعرفي الرائق الذي يقدمه الإمام الغزالي، وهو طريق. الطريق الوحيد للسعادة البشرية الناس تُتْعِسُ نفسها إذا ظنت أنها تملكُ هذه الدنيا وأنها تَتحسَّرَ على فواتها أو تحزن الحزن المهلك والمُهْلع [أي: المُفزع] عند فقد الحبيب أو بُعدِه ونحو ذلك من الأمور. كلام الإمام الغزالي هنا ينبغي أن يتحول إلى مناهج تربوية وإلى أمثلة متكاثرة يتكلم بها المدرس والواعظ والشيخ إلى آخره.
الأصل الثامن في الكبر. القارئ: نعم سيدي. الأصل الثامن في الكبر قال الله تعالى: "كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ" [غافر: ٣٥] وقال تعالى: "فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ" [الزمر: ٧٢]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر، وقال صلى الله عليه وسلم: "يُحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر، يطؤهم الناس لهوانهم على الله عز وجل"، وقال صلى الله عليه وسلم
لبلال: "إن في جهنم وادياً يقال له هبهب، حق على الله أن يسكنه كل جبار". فإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه، وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من نفخة الكبر"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ينظر الله تعالى إلى من جر ثوبه خيلاء"، وقال: "من تعظم في مشيته لقي الله تعالى وهو عليه غضبان"، وقال صلى الله عليه وسلم في فضيلة التواضع: ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله تعالى. وقال صلى الله عليه وسلم: "طوبى لمن تواضع في غير مسكنة". وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام:
"إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي، ولم يتعظم على خلقي، وألزم قلبه خوفي، وقطع النهار بذكري وكفّ نفسه عن الشهوات من أجلي، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: "إذا تواضع العبد لله رفعه الله تعالى إلى السماء السابعة". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعةً، فتواضعوا رحمكم الله تعالى". وقال صلى الله عليه وسلم: "إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده فيكون مِهْنَةً لأهله يدفع به الكبر عن نفسه. فصل في بيان حقيقة الكبر: حقيقة
الكبر أن يرى نفسه فوق غيره في صفات الكمال فيحصل فيه نفخة وهزة من هذه الرذيلة والعقيدة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بك من نفخة الكبرياء"، ولذلك استأذن بعضهم عمر رضي الله عنه ليعظ الناس بعد صلاة الصبح فقال: لا أخشى أن تنتفخ [أي النفس] حتى تبلغ الثريا، ثم إن هذه النفخة يصدر منها أفعال على الظاهر كالترفع في المجالس والتقدم في الطريق والنظر بعين التحقير والغضب إذا لم يُبدأ بالسلام، وقُصِّرَ في حوائجه وتعظيمه، ويحمله على أن يأنف إذا وُعظ وعُلِّم، ويعنف إذا وُعظ. وعلم ويجحد الحق إذا ناظر وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير وإنما عظُم
الكبر حتى لا يدخل في الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه لأن تحته ثلاثة أنواع من الخبائث العظيمة أولها أنه منازعة لله تعالى في خصوص صفته إذ الكبرياء رداؤه كما قال فإن العظمة لا تليق إلا به ومن أين تليق العظمة من العبد الذليل الذي لا يملك من أمر نفسه شيئًا فضلًا عن أمر غيره. الثانية أنه يحمله على جحد الحق وازدرائه وازدراء الخلق. قال صلى الله عليه وسلم في بيان الكبر: "المتكبر من سفه الحق وغمص الناس" والأُنْفَةُ من الحق تُغلق باب السعادة وكذلك استحقار الخلق. وقال بعضهم إن الله سبحانه خَبَأ
ثلاث أشياء في ثلاث: خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن شيئاً منها، لعل رضا الله فيه. وخبأ سخطه في معصيته، فلا تحقرن شيئاً منها صغيرة كانت أو كبيرة، فلعل سخط الله تعالى فيها. وخبأ ولايته في عباده. فلا تَحقِرنَّ أحداً منهم فلعله وليُّ الله تعالى، الثالثة أنه يَحول بينه وبين جميع الأخلاق المحمودة لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع، ولا على ترك الأنَفة والحسد والغضب، ولا يقدر على كظم الغيظ، ولا على اللطف في النصح، ولا على ترك الرياء. وبالجملة فلا يبقى خُلق مذموم إلا
ويضطر المتكبر إلى ارتكابه، ولا خُلق محمود إلا ويضطر إلى تركه. فصل في علاج الكبر بالإجمال: العلاج الإجمالي لقمع رذيلة الكبر أن يعرف الإنسان نفسه، وأن أوله نطفة مَذِرَة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، ويفهم قوله تعالى: "قُتِلَ الإنسانُ ما أكفره". مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ. فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ كَتْمِ الْعَدَمِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، فَلَا شَيْءَ أَقَلُّ مِنَ الْعَدَمِ.
ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ لَيْسَ لَهَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ وَلَا حَيَاةٌ. ولا قوة ثم خلق له ذلك كله وهو بعد على غاية النقصان تستولي عليه الأمراض والعلل وتتضاد فيه الطبائع فيهدم بعضها بعضاً فيمرض كرهاً ويجوع كرهاً ويعطش كرهاً ويريد أن يعلم الشيء فيجهله ويريد أن ينسى الشيء فيذكره ويكره الشيء فينفعه ويشتهي الشيء فيضره لا يأمن في لحظة من أن يختلس روحه أو عقله أو صحته أو عضوٌ من أعضائه ثم آخره الموت والتعرض للعقاب والحساب، فإن كان من أهل النار فالخنزير خير منه، فمن أين يليق
به الكبر وهو عبد مملوك ذليل لا يقدر على شيء؟ قال الحسن البصري رحمه الله تعالى لبعض من يتبختر في مشيته: "ما هذه مشية من في بطنه خرء، فكيف يليق الكبر بمن يغسل العذرة بيده مرتين في كل يوم وهو حامل لها على الدوام. فصل في علاج الكبر بالتفصيل: علاج الكبر على التفصيل بالنظر إلى ما به التكبر وهو أربع خصال، الأول العلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "آفة العلم الخيلاء". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يفي علمكم بجهلكم"، وقلما يخلو العالم من آفة الكبر، فإنه يرى
نفسه فوق الناس بالعلم الذي هو أشرف فضيلة عند الله تعالى، فيتكبر تارة بالدين بأن يرى نفسه عند الله عز وجل أفضل من غيره، وتارة في الدنيا بأن يرى حقه واجباً على الناس، ويتعجب منهم إن لم يتواضعوا له، وهذا بأن يُسمى جاهلاً أولى، لأن العلم الحقيقي هو ما يُعَرِّفه ربه ونفسه وخطر خاتمته وحجة الله تعالى عليه. ويلاحظ الخاتمة فلا يرى جاهلاً إلا ويقول إنه عصى الله تعالى بجهل. وأنا عصيته بعلم فحجة الله تعالى عليّ آكد. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "من ازداد علماً ازداد وجعا". وقال الله تعالى لنبيه صلى
الله عليه وسلم: "وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ" [الشعراء: ٢١٥]. وقال صلى الله عليه وسلم: "يكون قوم يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم، يقولون قد قرأنا القرآن، فمن اقرأ منا ومن أعلم منا، ثم التفت وقال: "أولئك منكم أيها الأمة، أولئك هم وقود النار". ومن هذا اشتد حذر السلف رحمهم الله، حتى إن حذيفة رضي الله عنه أمَّ مرة بقوم، فلما سلّم قال: "لتلتمسن إماماً غيري أو لتصلين وحداناً، إني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم". أفضل مني، وينبغي أن يتذكر الإنسان أنه كم من مسلم نظر إلى عمر رضي الله عنه قبل إسلامه فاستحقره، ثم كانت خاتمة عمر رضي الله عنه
كما كانت، وذلك المسلم لعله ارتد بعده، فكان المتكبر من أهل النار والمتكبر عليه من أهل الجنة. وما من عالم إلا ويُتصور أن يُختم له. بالسوء يُختمَ للجاهل بالسعادة، فكيف يكون التكبر مع معرفة ذلك؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يُؤتى بالعالم يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيطيف به أهل النار فيقولون: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه". فأي عالم يسلم من ذلك، فلم لا يشغله خوفه عن التكبر وقد قال الله تعالى في بلعَم بن باعوراء وكان من أكابر العلماء:
"فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث" [الأعراف: ١٧٦] لأنه أخلد إلى الشهوات. وقال الله تعالى لعلماء اليهود: "كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَۢا" [الجمعة: ٥]. فلينظر في الأخبار. التي وردت في علماء السوء حتى يغلب خوفه كبره، وإنما يبقى الكبر مع هذا لمن اشتغل بعلوم غير نافعة في الدين كالجدل واللغة وغيرهما، أو لمن اشتغل بالعلم وهو خبيث الباطن فازداد خبثه بسببه. الشيخ: تفضل. القارئ: أكمل سيدي، الشيخ: اقرأ القارئ: السبب الثاني: الورع والعبادة، ولا يخلو المتعبد في باطنه عن
كبر. وقد تنتهي الحماقة ببعضهم إلى أن يحمل مصائب الناس ومسراتهم على كرامته، فمن آذاه ومات أو مرض قال: "قد رأيتم ما فعل الله سبحانه به"، وربما يقول عند الإيذاء: "سترون ما يجري عليه"، وليس يدري الأحمق أن جماعة من الكفار ضربوا الأنبياء وآذوهم، ثم مُتِّعوا في الدنيا فلم يُنتقم منهم. منهم بل ربما أسلم بعضهم فسعد في الدنيا والآخرة فكأنه يرى نفسه أفضل من الأنبياء ومؤذيه أخس من الكفار وحق العابد إذا نظر إلى عالم أن يتواضع له لجهله وإن نظر إلى فاسق أن يقول لعل فيه خلقاً باطناً يستر معاصيه الظاهرة ولعل في باطني حسداً
أو رياءً أو خبثاً. خَفِيًا مَقَتني اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَلَا يَقْبَلُ أَعْمَالَي الظَّاهِرِة، وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ لَا إِلَى الصُّوَرِ. وَمِنَ الْخُبْثِ الْبَاطِنِ الْكِبْرُ، إِذْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ خُلَيْعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِكَثْرَةِ فَسَادِهِ جَلَسَ إِلَى عَابِدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَالَ: لَعَلَّ اللهَ تَعَالَى يَرْحَمُنِي بِبَرَكَتِهِ، فَقَالَ الْعَابِدُ. في نفسه كيف يجلس معي مثل هذا الفاسق وقال له قم عني، فأوحى الله تعالى إلى نبي زمانه: "مُرهما ليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد". وروي أن رجلاً وطئ رقبة عابد من بني إسرائيل وهو ساجد، فقال له العابد: "ارفع
قدمك، فوالله لا يغفر الله لك". فأوحى الله سبحانه إليه أيها المتألي علي، بل أنت لا يغفر الله لك، فالأكياس[أي أهل الفطانة والأدب] يَحْذَرون من ذلك، ويقولون ما كان يقوله عطاء السلمي. مع شدة ورعه كان إذا هبت ريح عاصف أو صاعقة يقول: "ما يصيب الناس كل ذلك إلا بسببي، ولو مات عطاء لتخلصوا". وقال بعضهم في عرفات: "أنا أرجو الرحمة لجميعهم لولا كوني فيهم، فانظر كم بين من يخلص العمل والورع ثم يخاف على نفسه، وبين من يتكلف أعمالاً ظاهرة لعلها لا تخلو من الرياء والآفات، ثم يمن على الله تعالى بعمله. السبب الثالث الكبر بالنسب، وعلاجه أن ينظر في
نسبه، فإن أباه نطفة مَذِرَة وجده التراب ولا. أقذر من النطفة ولا أذل من التراب، ثم المفتخر بالنسب يفتخر بخصال غيره، ولو نطق آباؤه لقالوا: من أنت في نفسك؟ ما أنت إلا دودة من بول من له خصلة حسنة. ولذلك قيل: لئن فخرت بآباء ذوي نسب، لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا. وكيف يتكبرُ بنسب ذوي الدنيا ولعلهم صاروا حُمَمَةَ في النار يودون لو كانوا خنازير وكلابًا يتخلصون مما هم فيه، وكيف يتكبرون بنسب أهل الدين وهم في أنفسهم ما كانوا يتكبرون، وكان شرفهم بالدين، ومن الدين التواضع، وكان أحدهم يقول: "ليتني كنت تبنة" و"ليتني كنت طائرًا"، كلهم قد شغلهم
خوف العاقبة عن الكبر مع عظم علمهم وعملهم. فكيف يتكبر بنسبهم من هو عاطل عن خصالهم؟ السبب الرابع: الكبر بالمال والجمال والأتباع، والكبر بها جهل، فإنها أمور خارجة عن الذات - أعني المال والأتباع - وكيف يتكبر بخصلة تمتد إليها يد السارق والغاصب؟ وكيف يفتخر بالجمال وحمى شهر تُفسده والجدري يزيله؟ بل لو تفكر الجميل في أقذار باطنه لأدهشه ذلك. ذلك عن تزويق ظاهره، ولو لم يتعهد الجميل بدنه أسبوعاً بالغسل والتنظيف لصار أقذر من الجيفة من تغير النكهة والصُنان[أي الرائحة الكريهة للبدن] ورائحة العذرة وكثرة
الوسخ والمخاط والرَّمَص‌[أي الوسخ الأبيض الذي في مجرى الدمع من العينين]، فمن أين للمزبلة أن تفتخر بجمالها والإنسان بالحقيقة مزبلة، فإنه منبع الأقذار والنجاسات. الشيخ: نعم، وإلى هنا نقف عند الأصل التاسع في العجب ونرجو الله. سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قدم لنا إمامنا رضي الله تعالى عنه. ويسأل سائل: هل يُشترط ترديد الأذان من بدايته؟ يتحدث العلماء عن هذا وأنه ما دام المؤذن يؤذن فيجوز في أي موضع فيه أن يبدأ، ولكنه يقول مثل ما قال المؤذن. فلو أنه أدرك الشهادتين مثلاً، فيقول: الله أكبر. اللهُ أكبر، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أن محمدًا رسولُ
اللهِ، ثم يُكمِلُ بعد المؤذنِ معهُ، والسادةُ المالكيةُ عندهم أنه لو كان مع البداية فإنه يجوزُ له بعد الشهادتين أن يُكمِلَ حتى لو استمرَّ المؤذنُ في الأذان. أي من البداية يكبر معه ويتشهد معه ثم سريعاً يقول حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ويتشغل فيما كان يتشغل به من علم أو مذاكرة أو غير ذلك إلى آخره وعلى هذا جرى كثير من أهل مصر. أي على هذا المذهب وهو منصوص مذهب المالكية. ويقول سائل آخر: هل الدفن في أرض الخمول له ضابط نعرفه به أو أنه متروك
للشيخ المربي؟ الضابط أنه إذا غبت لا يذكرك أحد، فهكذا تكون أنت مدفوناً في أرض الخمول، لا يسأل عنك أحد. لا، وهذا أمر صعب أنه لو غبت. فكأنك أصلاً غير موجود لأنك تكفي خيرك شرك وتقلل من اتصالك بالأنام فهذا هو الضابط وهو ضابط كبير، ولذلك الأفضل أن نتركه للشيخ المربي لأنه يحتاج إلى إدراك الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. نرجو الله سبحانه وتعالى أن يشفي مريضنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن نلتقي على الخير إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته