الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس الثامن | أ.د علي جمعة - الأربعين في أصول الدين, تصوف

الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس الثامن | أ.د علي جمعة

1 ساعة و 4 دقيقة
  • حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وهما من أشد فساداً لدين المسلم.
  • الجاه حقيقته امتلاك القلوب لتتسخر لصاحبه، وهو أحب من المال لسهولة التوصل به للأغراض.
  • الدنيا مذمومة حين تكون غاية، ومحمودة حين تكون مزرعة للآخرة، فهي منزل من منازل السائرين إلى الله.
  • مثل الخلق في الدنيا كمثل قوم نزلوا جزيرة لقضاء حاجتهم، فبعضهم قضى حاجته وعاد، وبعضهم انشغل بزخارفها.
  • الدنيا والآخرة كضرتين لا تجتمعان في قلب واحد، وطالب الآخرة يحتاج للتفرغ من أشغال الدنيا.
  • حب الدنيا رأس كل خطيئة، ويشمل المال والجاه وجميع الحظوظ الدنيوية التي لا تبقى بعد الموت.
  • الكبر من أخطر الأمراض، وهو أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره، وعلاجه معرفة النفس وحقيقتها.
  • الكبر قد يكون بالعلم أو العبادة أو النسب أو المال والجمال، وكلها أسباب باطلة للتكبر.
محتويات الفيديو(77 أقسام)

افتتاح المجلس والدعاء للأخ أحمد زكريا بالشفاء العاجل

[الشيخ]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[القارئ]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[القارئ]: أهلًا وسهلًا.

[الشيخ]: نبدأ، نبدأ، نقول بسم الله.

[القارئ]: نعم، نبدأ سيدي.

[الشيخ]: أولًا ندعو لأخينا أحمد زكريا بالشفاء العاجل، وبأن يحصل له مناعة من هذا الفيروس، وبألا يُصاب به مرة ثانية أبدًا، وأن يحصل له التحصين إن شاء الله.

[القارئ]: اللهم يحفظكم يا سيدي.

[الشيخ]: آمين، نقرأ الفاتحة على ذلك. بسم الله الرحمن الرحيم.

التعريف بالقارئ محمد صبري الطالب الأزهري

[الشيخ]: من القارئ اليوم؟

[القارئ]: سيدي محمود.

[الشيخ]: سيدي محمود صبري.

[القارئ]: سيدي محمود صبري، وهو طالب أزهري يا سيدي.

[الشيخ]: ولكنه مكتوب أمامي محمد.

[القارئ]: محمد سيدي، نعم، محمد.

[الشيخ]: محمد صبري.

[الشيخ]: تفضل يا سيد محمد.

الأصل الثالث في الرعونة وحب الجاه والآيات والأحاديث الواردة في ذمه

[القارئ محمد صبري]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبإسنادكم سيدي إلى مولانا الإمام الغزالي رحمه الله:

الأصل الثالث في الرُّعونة وحب الجاه.

﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]

قال النبي ﷺ: «حُبُّ المال والجاه يُنبتان النفاق في القلب كما يُنبت الماءُ البقلَ»

وقال ﷺ: «ما ذئبان ضاريان أُرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادًا فيها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم»

أحاديث النبي ﷺ في مدح الخمول وذم الشهرة والجاه

وقال ﷺ في مدح الخمول: «رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرين لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبرَّه»

وقال ﷺ: «إن أهل الجنة كل أشعثَ أغبرَ ذي طِمرين لا يُؤبَه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يُؤذَن لهم، وإذا خطبوا النساء لم يُنكَحوا، وإذا قالوا لم يُنصَت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قُسِم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم»

فهذه الأحاديث تدل على أن أهل الخمول الذين لا يلتفت إليهم الناس هم أقرب إلى الله تعالى، وأن الجاه والشهرة قد يكونان فتنة للعبد.

آثار السلف في ذم الشهرة والجاه وخطر المشي خلف الرجال

وقال سليم بن حنظلة: بينما نحن حول أُبَيّ بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فأعلاه بالدِّرَّة، فقال [أُبَيّ]: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع! فقال [عمر]: إن هذا مذلة للتابع وفتنة للمتبوع.

وقال الحسن [البصري]: إن خفق النعال خلف الرجال قلّما تثبت معه قلوب الحمقى.

وقال أيوب [السختياني]: والله ما صدق اللهَ عبدٌ إلا سرّه ألا يُشعَر بمكانه.

فقد عُرفت بهذا مذمة الشهرة والجاه، إلا أن يُشهِر اللهُ تعالى عبدًا في الدين من غير طلب منه، كما شهّر الأنبياء والخلفاء الراشدين والأولياء.

فصل في بيان حقيقة الجاه وأنه ملك القلوب للتسخير

فصل في بيان حقيقة الجاه.

اعلم أن حقيقة الجاه هي مُلك القلوب لتتسخّر لذي الجاه على حسب مراده، وتُطلِق اللسان بالثناء عليه، وتسعى في حاجته.

وكما أن معنى المال هو مُلك الدراهم ليتوصل بها إلى الأغراض، فكذلك معنى الجاه هو مُلك القلوب. لكن الجاه أحبّ؛ لأن التوصل به إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، ولأنه محفوظ عن أن يُسرق ويُغصب أو تعرض له الآفة.

ولأنه يسري وينمو من غير تكلف؛ فإن من ملك قلبه باعتقاد التعظيم فلا يزال يثني عليه ويقتنص قلوب سائر الناس لصاحبه.

سر حب الجاه ومناسبة الروح للصفات الإلهية من العلو والكبرياء

وفيه سر آخر، وهو أن الجاه معناه العلو والكبرياء والعز، وهي من الصفات الإلهية، والصفات الإلهية محبوبة للإنسان بالطبع، بل هو ألذّ الأشياء عنده.

وذلك لسرّ خفي في مناسبة الروح للأمور الإلهية، وعنه عبارة بقوله تعالى:

﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ [الإسراء: 85]

فهو أمر رباني، شَغْفَةٌ من حيث الطبع الاستبداد والانفراد بالوجود، وهو حقيقة إلهية؛ إذ ليس مع الله موجود، بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة، لها رتبة التبعية لا رتبة المعية. فليس في الوجود مع الله غيره.

شهوة الإنسان للعلو والاستيلاء وتسخير الموجودات

وكأن الإنسان يشتهي ذلك [أي الانفراد بالوجود]، بل في كل شيء أن يقول:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

لكن أظهره فرعون وأخفاه غيره. لكن إن فاته الانفراد بالوجود، فيشتهي ألا يفوته الاستعلاء والاستيلاء على الموجودات كلها ليتصرف فيها على حسب مراده، وهو الإلهية.

لكن تعذّر على الإنسان ذلك في السماوات والكواكب والملائكة والبحار والجبال، فاشتهى الاستيلاء على جميعها بالعلم؛ لأن العلم نوع استيلاء أيضًا. كما أن من عجز عن وضع الأشياء العجيبة فيشتهي أن يعرف كيفية الوضع، وكذلك يشتهي أن يعرف عجائب البحر وما تحت الجبال.

حب الإنسان لتملك الأعيان وتسخير القلوب بالتعظيم وانتشار الجاه

ويتصور [الإنسان] أن يَتَسَخَّر له الأعيان التي على وجه الأرض من الحيوان والنبات والمعادن، فيحب أن يتملكها ويتمولها. ويتصور أن يَتَسَخَّر له الإنسان، فيحب أن يستسخره بواسطة قلبه، ويملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه.

ويحصل التعظيم بأن يعتقد فيه كمال الخصال؛ فإن الإجلال يتبع اعتقاد الكمال. فلهذا يحب الإنسان أن يتسع جاهه وينتشر صيته حتى إلى البلاد التي يعلم قطعًا أنه لا يطؤها ولا يرى أهلها؛ لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية.

وكلما صار أكثر عقلًا كانت هذه الصفة عليه أغلب، وشهواته البهيمية فيه أضعف.

فصل في بيان حقيقة الرفعة من حيث الذم والمدح والكمال الحقيقي

فصل في بيان حقيقة الرفعة من حيث الذم والمدح.

لعلك تقول: فإذا كان كذلك [أي أن حب الجاه من نتائج العقل]، فلِمَ كان طلب الرفعة مذمومًا وهو من نتائج العقل وخواص الروح لمناسبته الأمور الربانية؟

فاعلم أن الرفعة الحقيقية طلبها محمود غير مذموم؛ إذ مطلوب الكل هو القرب من الله تعالى، وذلك هو الرفعة والكمال؛ إذ هو عزّ لا ذِلّ فيه، وغنى لا فقر معه، وبقاء لا فناء بعده، ولذة لا كُدُورة لها. وطلب ذلك محمود.

وإنما المذموم طلب الكمال الوهمي دون الحقيقي.

الكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والقدرة والحرية والكمال الوهمي في المال والجاه

والكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والقدرة والحرية، وهو أن لا يكون مقيدًا بغيره. ولا يُتصوَّر للعبد حقيقة القدرة؛ فإن قدرته إنما تكون بالمال والجاه، وذلك كمال وهمي؛ فإنه أمر عارض لا بقاء له، ولا خير فيما لا بقاء له.

بل قيل: أشد الغم عندي في سرور تيقّن عنه صاحبه انتقالًا. كيف وهذه القدرة العارضة مع سرعة انقضائها بالموت وبآفاتها قبله لا تصفو عن مكدرات؟ فمن توهمها كمالًا فقد زلّ.

بل الكمال في الباقيات الصالحات التي يُنال بها القُرب من الله سبحانه، ولا تزول بالموت بل تتضاعف تضاعفًا غير محدود.

المعرفة الحقيقية بالله تعالى والعلم بالموجودات من حيث أنها أفعال الله

وذلك هو المعرفة الحقيقية بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وهو العلم بكل الموجودات؛ إذ ليس في الموجود إلا الله تعالى وأفعاله.

لكن قد ينظر فيها الناظر لا من حيث إنها أفعال الله تعالى، كالذي ينظر في التشريح لغرض الطب، أو ينظر في هيئة العالم لمعرفة الاستدلال بأحكام النجوم، فهذا لا قدر له.

ومن الكمال الحقيقي الحرية، وهي انقطاع علاقتك عن جميع علائق الدنيا، بل عن كل ما يفارقك بالموت، والاقتصار في الالتفات إلى لازمك الذي لا بد لك منه وهو الله تعالى.

وحي الله إلى داود والباقيات الصالحات والكمال الحقيقي والوهمي

كما أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود، أنا بُدُّك اللازم فالزم بُدَّك.

فالعلم والحرية من الباقيات الصالحات وهما كمالان حقيقيان، والمال والبنون زينة الحياة الدنيا وهما كمالان وهميان.

والمنكوسون هم الذين عكسوا الحقيقة، فأعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي واشتغلوا بطلب الكمال الوهمي، وهم الذين يحترقون عند الموت بنيران الحسرة؛ إذ يشاهدون أنهم خسروا الدنيا والآخرة.

أما الآخرة فلأنهم لم يطلبوها ولم يحصّلوا أسبابها من المعرفة والحرية، وأما الدنيا فلأنها ودّعتهم وانقلبت إلى أعدائهم وهم ورثتهم.

حقيقة الموت وبقاء العلم والإيمان بعد مفارقة الروح للبدن

ولا تظنّن أن العلم والإيمان يفارقانك بالموت؛ فالموت لا يهدم محل العلم أصلًا، وليس الموت عدمًا حتى تظن أنك إذا عُدمت عُدمت صفاتك.

بل معنى الموت قطع علاقة الروح من البدن إلى أن تُعاد إليه، وإذا تجرّد [الإنسان] عن البدن فهو على ما كان عليه قبل الموت من العلم والجهل.

وفهم هذا يطول، وتحته أسرار لا يحتمل هذا الكتاب كشفها.

فصل في بيان علاج داء الجاه وأنه كمال وهمي زائل

فصل في بيان علاج داء الجاه.

إذا عرفت حقيقة الجاه وماهيته وأنه كمال وهمي، فقد عرفت طريق العلاج في قمع حبه من القلب.

إذا علمت أن أهل الأرض لو سجدوا لك مثلًا لما بقي إلى مدة قريبة لا الساجد ولا المسجود له، كيف ويشحّ الدهر عليك بأن يُسلّم لك الملك في محلتك فضلًا عن قريتك أو بلدتك!

فكيف ترضى أن تترك ملك الأبد والجاه الطويل العريض عند الله تعالى وعند ملائكته بجاهك الحقير المُنغَصّ عند جماعة من الحمقى لا ينفعوك ولا يضرونك، ولا يملكون لك موتًا ولا حياةً ولا نشورًا ولا رزقًا ولا أجلًا؟

ضوابط طلب الجاه المباح وشروط القناعة بقدر الضرورة

نعم، ملك القلوب كملك الأعيان، وأنت محتاج منه إلى قدر يسير لتحرس نفسك عن الظلم والعدوان وعما يشوّش عليك سلامتك وفراغك اللذين تستعين بهما على دينك.

فطلبك لهذا القدر مباح بشرط القناعة بقدر الضرورة كما في المال، وبشرط ألا تكتسبه بالمراءاة بالعبادة فذلك حرام كما سيأتي، وأن لا تكتسبه بالتلبيس بأن تُظهر من نفسك ما أنت خالٍ عنه؛ فلا فرق بين ملك القلوب بالتلبيس وبين ملك الأموال [بالغصب].

فإذا حصّلت الجاه بطريقه واقتصرت على قدر التحرز من الآفات، فتُرجى لك السلامة.

خطر الجاه على الدين وأن قليله يدعو إلى كثيره

إلا أنك في خطر عظيم أكثر من خطر المال؛ لأن قليل الجاه يدعو إلى كثيره، فإنه ألذّ من المال.

ولذلك لا يسلم الدين غالبًا إلا لخامل مجهول لا يُعرف، كما فهمتَ ذلك من الأخبار [السابقة في ذم الشهرة].

فصل في حب المدح وأنه من البواعث على طلب الجاه وأوجه التلذذ به

فصل في حب المدح وأنه من البواعث على طلب الجاه.

من البواعث على طلب الجاه حب المدح؛ فإن الإنسان يتلذذ به من ثلاثة أوجه:

  1. أحدها: أنه يُشعر صاحبه بكمال نفسه، والشعور بالكمال لذيذ؛ لأن الكمال من الصفات الإلهية.
  2. والثاني: أنه يُشعر بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده وكونه مسخّرًا له.
  3. والثالث: أنه يُشعر صاحبه بأن المادح يُصغى إلى مدحه فينتشر بسببه جاهه.

فلذلك إذا صدر المدح من بصير بصفات الكمال واسع الجاه والقدرة في نفسه، وكان على ملأٍ من الناس، تضاعفت لذة المدح.

أسباب زوال لذة المدح وكراهية الذم وعلاقتهما بالمعصية

وتزول اللذة الأولى بأن يصدر [المدح] عن غير أهل البصيرة؛ فإنه لا يُشعر بالكمال. وتزول الثانية بأن يصدر عن خسيس لا قدر له؛ لأن ملك قلبه لا يُعتدّ به. وتزول الثالثة بأن يُمدح في الخلوة لا في الملأ، إلا من حيث يتوقع أنه أيضًا ربما يمدح في الملأ.

وأما الذم فإنه مكروه لنقيض هذه الأسباب.

وأكثر الخلق أهلكهم حب المدح وكراهية الذم، ويحملهم ذلك على المراءاة وفنون المعصية.

علاج حب المدح بالتفكر في حقيقة الكمال الوهمي والحقيقي

وعلاج ذلك أن يتفكر في اللذة الأولى: فإن مُدح بكثرة المال والجاه فليعلم أنه كمال وهمي وهو سبب فوات الكمال الحقيقي، فهو جدير بأن يحزن لأجله لا أن يفرح به.

وإن مُدح بكمال العلم والورع فينبغي أن يكون فرحه بوجود تلك الصفات وعلم الله تعالى بها، لا بذكر غيره، ويشكر الله تعالى عليها لا يشكر غيره.

هذا إن كان متصفًا به، وأما إن كان غير متصف به ففرحه به حماقة، كفرح من يثني عليه غيره ويقول: ما أطيب العطر التي في أحشائك وأمعائك! وهو يعلم ما فيها من الأقذار والأنتان.

حال من يفرح بالمدح بالورع وهو خالٍ عنه وعلاج لذة الجاه عند المادح

وهذا حال من يفرح بالمدح بالورع والزهد والعلم وهو يعلم من باطن نفسه أنه خالٍ عنه.

[الشيخ]: تفضل.

[القارئ]: وأما اللذة الثانية والثالثة - وهي لذة الجاه عند المادح وغيره - فعلاجه ما ذكرناه في حب الجاه [من أنه كمال وهمي زائل].

تعليق الشيخ على الأصل السادس في التخلية وتمهيد للأصل السابع

[الشيخ]: ما زلنا هكذا في الأصل السادس من التخلية؛ أننا نريد أن نُخلي القلب من كل قبيح، وبعد ذلك سوف نرى كيف نُحلّيه بكل صحيح.

والكلام هو كأنه لا يحتاج إلى شرح مستفيض في هذا، فندعو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إرشادات هذا الإمام الجليل [الغزالي].

الأصل السابع.

[القارئ]: اللهم آمين.

الأصل السابع في حب الدنيا وأنه رأس كل خطيئة وبيان شعب الدنيا

الأصل السابع في حب الدنيا.

اعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وليست الدنيا عبارة عن المال والجاه فقط، بل هما حظّان من حظوظ الدنيا وشُعبتان من شُعَبها، وشُعَب الدنيا كثيرة.

ودنياك عبارة عن حالتك قبل الموت، وآخرتك عبارة عن حالتك بعد الموت. وكل ما لك فيه حظ قبل الموت فهو من دنياك، إلا العلم والمعرفة والحرية وما يبقى معك بعد الموت؛ فإنها أيضًا لذيذة عند أهل البصائر، ولكنها ليست من الدنيا وإن كانت في الدنيا.

تعلق الحظوظ الدنيوية بالأعيان والحظ والشغل في إصلاحها

ولهذه الحظوظ الدنيوية تعاون وتعلّق بك، وتعلّق بما فيه الحظ، وتعلّق بأعمالك المتعلقة بإصلاحها. فهي ترجع إلى أعيان موجودة، وإلى حظّك منها، وإلى شُغلك في إصلاحها.

أما الأعيان فهي الأرض وما عليها، قال الله تعالى:

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7]

ومطلوب الآدمي من الأرض إما عينها فللمسكن والمحرث، وإما نباتها فللتداوي والاقتيات، وإما معادنها فللنقود والأواني والآلات، وإما حيواناتها فللمركب والمأكل، وإما الآدميون منها فللمنكح وللاستسخار [أي التسخير].

جمع القرآن لشهوات الدنيا والتعبير عن الحظ بالهوى

وقد جمع الله سبحانه ذلك في قوله:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ﴾ [آل عمران: 14] الآية.

وأما حظك منها فقد عبّر القرآن الكريم عنه بالهوى، فقال:

﴿وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40]

وقال مفصّلًا له:

﴿أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ﴾ [الحديد: 20] الآية.

وذلك يندرج فيه جميع المهلكات الباطنة من الكبر والغِلّ والحسد والسُمعة والرياء والنفاق والتفاخر والتكاثر وحب الدنيا وحب الثناء، وهي الدنيا الباطنة، وإنما الأعيان هي الدنيا الظاهرة.

شغل الناس بالحرف والصناعات وحقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة

وأما شُغلك في إصلاحها فهي جملة الحِرَف والصناعات التي الخلق مشغولون بها، وقد نسوا فيها أنفسهم ومبدأهم ومعادهم لاستغراقهم باشتغالهم بها.

وإنما شاغَلُهم العلاقة؛ فإن علاقة القلب بحب حظوظها، وعلاقة البدن بشَغْل إصلاحها. فهذه هي حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة.

وإنما خُلقت للتزود منها إلى الآخرة، ولكن كثرة أشغالها وفنون شهواتها أنست الحمقى سفرهم ومقصدهم، فقصروا عليها همتهم.

مثل المنشغل بالدنيا كالحاج الذي اشتغل بتسمين ناقته ففاته الحج

وكانوا كالحاج في البادية يشتغل بتعهد الناقة وعَلْفها وتسمينها، فيتخلف عن الرُّفقة حتى يفوته الحج وتهلكه سباع البادية.

تعليق الشيخ على كلام الغزالي وعلاقته بعوامل الإنتاج في الاقتصاد

[الشيخ]: هنا يتكلم الإمام الغزالي على مسألة أخذها بعد ذلك علماء الغرب، وهي مصادر وعوامل الإنتاج.

وهل الأرض - وهي مصدر تلك الخيرات التي منها السكن والتي منها الملبس والتي منها الدواء والتي منها المسكن - فالمسكن والمأكل والمشرب والملبس والدواء من الأرض، هل هي مصدر من مصادر الاقتصاد من عدمه؟

فالمذهب القديم أنها مصدر، ولا زال أئمة الاقتصاد في العالم يعتبرون أن الأرض فيها من المميزات الأساسية ما يجعلها عنصرًا منفردًا في عناصر الإنتاج.

عناصر الإنتاج الأربعة: الأرض والعمل والمال والتنظيم

العنصر الثاني هو عنصر العمل، والذي بموجبه يأخذ الإنسان أجرًا.

والعنصر الثالث هو عنصر المال، والذي به تقليب هذه الأحوال، والذي يأخذ في مقابله ربحًا أو فائدة. فالتاجر من خلال تقليبه لماله في الأسواق فإنه يكسب ربحًا.

والعنصر الرابع وهو عنصر أضافه بعض المُحدَثين منذ مائة سنة أو أكثر، وهو التنظيم؛ أن كل عوامل الإنتاج هذه تحتاج إلى من ينظمها حتى تعمل في بوتقة واحدة وينتج منها المُنتَج.

إضافة الإمام الغزالي عنصر الغاية كعنصر خامس في الإنتاج

كما نرى هنا أن الإمام الغزالي يضيف مسألة خامسة لا يلتفت إليها أولئك [علماء الاقتصاد الغربيون]، وهي الغاية.

أن الغاية من هذه المنتجات هي عمارة الأرض، هو عبادة الله، هو تزكية النفس، هو تهيئة البيئة المناسبة التي يحيا فيها الإنسان من أجل يوم آخر.

باعتبار أن الدنيا جزء من الحياة، وأن الحياة مكونة من الدنيا ومن الآخرة، وأنه لا تخالف [أي تعارض] بين الدنيا والآخرة؛ لأن الدنيا هي مزرعة الآخرة.

الفرق بين تطبيقات المسلمين للإنتاج ونظرة المستعمرين واستنزاف الثروات

وحتى نؤكد على ذلك فسنرى في الفصل القادم كون الدنيا مزرعة للآخرة، وأننا لا نكره دنيانا بل نحب أن نُعمّرها، وذلك من خلال أن نجعل لها غاية.

قضية أن نجعل للإنتاج غاية وأن يكون عنصرًا منها فرقٌ كثيرًا بين تطبيقات المسلمين لدين الله في أرضه، وبين نظرة المستعمرين بعد ذلك وهم محتلون في الحقيقة، يستنزفون ثروات الأمم ويحملونها إلى بلادهم لبنائها، دون النظر إلى أصحاب الأرض ولا أصحاب العمل ولا أصحاب المال ولا أصحاب التنظيم ولا شيء من هذا؛ لأنها [عندهم] إن هي إلا حياتنا الدنيا، ولأنه [عندهم] المصالح مقدمة على المبادئ.

دعوة الشيخ لبحث قضايا السوق والإنتاج عند المسلمين وعمارة الأرض

فهذا الذي يكتبه الإمام الغزالي هنا يحتاج إلى بحث عميق في قضية السوق عند المسلمين، وقضية الإنتاج عند المسلمين، وقضية الطلب والعرض عند المسلمين، وقضية هذا التاريخ المشرف الذي عمرنا به الأرض.

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلب منكم عَمارها، من أجل هذا وهو تكامل الدنيا مع الآخرة وليس تصارع الدنيا مع الآخرة.

يفعل هذا الفصل الماتع بعد كلامه هذا، وهو كلام عميق يحتاج إلى شرح كثير.

[الشيخ] يقول: فصل في كون الدنيا مزرعة للآخرة، تفضل.

فصل في كون الدنيا مزرعة الآخرة ومثل الرباط على قارعة الطريق

[القارئ]: فصل في كون الدنيا مزرعة الآخرة.

هذه الدنيا المذمومة المُهلكة هي بعينها مزرعة الآخرة في حق من عرفها؛ إذ يعرف أنها منزل من منازل السائرين إلى الله تعالى، وهي كرباط بُني على قارعة الطريق، أُعِدّ فيها العلف والزاد وأسباب السفر.

فمن تزوّد منها لآخرته واقتصر منها على قدر الضرورة التي ذكرناها في المطعم والملبس والمنكح وسائر الضرورات، فقد حرث وبذر وسيحصد في الآخرة ما زرع.

ومن عرّج عليها واشتغل بلذاتها هلك.

مثل أهل الدنيا كركاب سفينة نزلوا جزيرة وتفرقوا فيها

ومثل الخلق فيها كمثل قوم اختبأوا وركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وخوّفهم المُقام واستعجال السفينة، فتفرقوا فيها.

فبادر بعضهم وقضى حاجته ورجع إلى السفينة فوجد مكانًا خاليًا واسعًا.

ووقف بعضهم ينظر في أزهار الجزيرة وأنوارها وطرائف أحجارها وعجائب رياضها ونغمات طيورها، فرجع إلى السفينة فلم يجد إلا مكانًا ضيقًا حرجًا.

وأكبّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها، فلم تسمح نفسه إلا بأن يستصحب شيئًا منها، فلم يجد في السفينة إلا مكانًا ضيقًا، وزادته الحجارة ثقلًا وضيقًا، فلم يقدر على رميها ولم يجد لها مكانًا، فحملها على عنقه وهو ينوء بأعبائها.

من تولج الغياض ونسي المركب فافترسته السباع وهو مثل أهل الدنيا

وتولّج بعضهم الغياض ونسي المركب وانشغل بالتفرج في تلك الأزهار والتناول من تلك الثمار، وهو في تفرجه غير خالٍ من خوف السباع والحذر من السقطات والنكبات.

فلما رجع إلى السفينة لم يصادفها، فبقي على الساحل، فافترسته السباع ومزّقته الهوام.

فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا والآخرة، فتأملها واستخرج وجه الموازنة فيها إن كنت ذا بصيرة.

دعاء الشيخ للإمام الغزالي على صياغته الإلهامية في تمثيل الحال

[الشيخ]: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجازي عنا الإمام الغزالي على هذه الصياغة الإلهامية التي ألهمه الله بها في تمثيل الحال. آمين.

فصل في كون الدنيا والآخرة ضرتين وشروط السعادة في الآخرة

فصل في كون الدنيا والآخرة ضرّتين.

[القارئ]: من عرف نفسه وعرف ربه.

[الشيخ]: بل عَرَفَ، عَرَفَ.

[القارئ]: نعم. من عرف نفسه وعرف ربه وعرف زينة الدنيا وعرف الآخرة، شاهد بنور البصيرة وجه عداوة الدنيا للآخرة؛ إذ ينكشف له قطعًا ألّا سعادة في الآخرة إلا لمن قَدِم على الله تعالى عارفًا به محبًا له.

فإن المحبة لا تُنال إلا بدوام الذكر، وإن المعرفة لا تُنال إلا بدوام الطلب والفكر، ولا يتفرغ لهما إلا من أعرض عن أشغال الدنيا.

فراغ القلب من غير الله شرط لاشتغاله بحب الله ومعرفته

ولا تستولي المعرفة والحب على القلب ما لم يفرغ من حب غير الله تعالى. ففراغ القلب من غير الله ضرورة اشتغاله بحب الله تعالى ومعرفته.

ولن يُتصوَّر ذلك إلا لمُعرِضٍ عن الدنيا قانعٍ منها بقدر الزاد والضرورة.

فإن كنت من أهل البصيرة فقد صرت من أهل الذوق والمشاهدة، وإن لم تكن كذلك فكن من أهل التقليد في الإيمان، وانظر إلى تحذير الله تعالى إياك بالكتاب والسنة.

آيات قرآنية في ذم إيثار الحياة الدنيا على الآخرة

وقد قال الله عز وجل:

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: 15] الآية.

وقال تعالى:

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النحل: 107] الآية.

وقال عز اسمه:

﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ [النازعات: 37-38]

ولعل ثلث القرآن ذمّ الدنيا وذمّ أهلها.

أحاديث نبوية في ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها

وقد قال ﷺ: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى»

وقال ﷺ: «يا عجبًا! قلنا: العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور»

وقال ﷺ: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون»

وقال ﷺ: «إن الله عز وجل لم يخلق خلقًا أبغض إليه من الدنيا، وإنه لم ينظر إليها منذ خلقها»

حديث من أصبح والدنيا أكبر همه وعقوبة التعلق بالدنيا

وقال ﷺ: «من أصبح والدنيا أكبر همّه فليس من الله في شيء، وألزم الله قلبه أربع خصال: همًا لا ينقطع عنه أبدًا، وشغلًا لا يتفرغ عنه أبدًا، وفقرًا لا يبلغ غناه أبدًا، وأملًا لا يبلغ منتهاه أبدًا»

حديث أبي هريرة في رؤية الدنيا عند المزبلة وحقيقتها

وقال سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه: قال سيدنا رسول الله ﷺ:

«يا أبا هريرة، ألا أُريك الدنيا جميعها؟» قلتُ: نعم. فأخذ بيدي إلى مزبلة فيها رؤوس أناسٍ وعذراتٌ وخِرَقٌ وعظامٌ.

وقال: «يا أبا هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم، وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم عظامٌ بلا جلد، ثم هي صائرةٌ رمادًا. وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها، ثم قذفوها من بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها. وهذه الخِرَق البالية كانت رياشهم ولباسهم، كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت والرياح تَصْفِقُها [أي تضربها]. وهذه العظام هي عظام دوابهم التي كانوا يَنْتَجِعون [أي يرتحلون لطلب مواضع الكلأ] عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيًا على الدنيا فليبكِ»

حديث أقوام أعمالهم كجبال تهامة يؤمر بهم إلى النار لتعلقهم بالدنيا

وقال ﷺ: «ليَجيئنّ أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة، فيُؤمر بهم إلى النار»

فقالوا: يا رسول الله، أمُصلّون؟ قال:

«نعم، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هَنَةً من الليل، فإذا عُرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه»

وقال عيسى عليه السلام: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد.

وقال نبينا ﷺ: «احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت»

أقوال عيسى عليه السلام للحواريين في الرضا بدني الدنيا مع سلامة الدين

وقال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين، ارضوا بدُنيّ الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدُنيّ الدين مع سلامة الدنيا.

وقال عيسى عليه السلام أيضًا للحواريين: لأكلُ خبز الشعير بالملح الجريش، ولبس المسوح، والنوم على المزابل، كثير مع عافية الدنيا والآخرة.

مكاشفة عيسى عليه السلام بالدنيا في صورة عجوز شوهاء قتلت أزواجها

ورُوي أن عيسى عليه السلام كُوشِف بالدنيا فرآها في صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة.

فقال لها: كم نكحتِ؟ فقالت: إني لا أحصيهم. فقال: يُطلّقونك أم ماتوا عنك؟ فقالت: بل قتلتُ كلّهم.

فقال عيسى عليه السلام: بؤسًا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين!

[الشيخ]: نعم.

[القارئ]: نعم سيدنا.

فصل في أن الغفلة سبب لدخول الدنيا إلى القلب ومثل صاحب الدنيا

فصل في أن الغفلة سبب لدخول الدنيا إلى القلب.

اعلم أن من ظن أنه يلابس الدنيا ببدنه ويخلو عنها بقلبه فهو مغرور.

قال النبي ﷺ: «مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء، هل يستطيع الذي يمشي في الماء ألا تبتلّ قدماه؟»

وكتب علي رضي الله عنه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه: مثل الدنيا مثل الحية، يلين مسّها ويقتل سمّها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها.

وكن أسرّ ما تكون بها أحذر ما تكون منها؛ فإن صاحبها كلما اطمأن إليها وإلى سرور، أشخصه عنه مكروه.

مثل طالب الدنيا كشارب ماء البحر ومثل الدنيا كدار ضيافة

وقال عيسى عليه السلام: مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شَرَبًا ازداد عطشًا حتى يقتله.

واعلم إنما يطمئن إلى الدنيا وهو يتيقن أنه راحل عنها فهو في غاية الحماقة.

بل مثل الدنيا مثل دار هيّأها صاحبها وزيّنها لضيافة الواردين والصادرين، فدخل واحد داره فقدّم إليه طبقًا من ذهب عليه بخور وريحان ليَشَمّها ويترك الطبق لمن يلحقه لا ليتملكه.

فجهل رسمه فظن أنه وَهَب ذلك له، فلما تعلّق به قلبه استُرجِع منه فضجر وتوجّع.

سنة الله في الدنيا أنها دار ضيافة للمجتازين لا للمقيمين

ومن كان عالمًا برسمه [أي بقانون الضيافة] انتفع به وشكره وردّه بطيبة قلب وانشراح صدر.

فكذلك سنة الله في الدنيا؛ فإنها دار ضيافة على المجتازين لا على المقيمين، ليتزودوا منها ما ينتفعون به كما ينتفعون بالعارية، ثم يتركونها لمن يلحق بعدهم بطيبة نفس من غير تعلّق القلب بها.

فهذه أمثلة الدنيا وما خلق الله فيها.

تعليق الشيخ على ابتلاء الناس بحب الدنيا وضرورة بناء المناهج التربوية على هذه الرؤية

[الشيخ]: وهذا الكلام هو الذي ابتُلينا به في عصور متتالية حتى تفاقم بين الناس. وينبغي أن يكون أساس ما كتبه الإمام الغزالي في العلاقة بين الدنيا والآخرة، ومعنى حب الدنيا الذي هو مخالف لحب الآخرة، ومعنى العمارة الدنيوية التي هي مزرعة للآخرة.

ومعنى أن هذه الأمثلة الطيبة التي تؤدي إلى التوكل وإلى الصبر وإلى التسليم وإلى الرضا وإلى إعطاء كل ذي حق حقه، يفتقدها كثير من الخلق الآن.

ولذلك يجب أن تُبنى المناهج التعليمية ابتداءً من تعليم الطفولة على هذه الرؤية وهذا النموذج المعرفي الرائق الذي يقدمه الإمام الغزالي.

طريق السعادة البشرية الوحيد وتحذير من التحسر على فوات الدنيا

وهو طريق، الطريق الوحيد للسعادة البشرية. الناس تُتعِس نفسها إذا ظنت أنها تملك هذه الدنيا، وأنها تتحسّر على فواتها، أو تحزن الحزن المهلك والمُهلع [أي المُفزع] عند فقد الحبيب أو بُعده ونحو ذلك من الأمور.

كلام الإمام الغزالي هنا ينبغي أن يتحول إلى مناهج تربوية وإلى أمثلة متكاثرة يتكلم بها المدرس والواعظ والشيخ إلى آخره.

الأصل الثامن في الكبر.

الأصل الثامن في الكبر والآيات والأحاديث الواردة في ذمه

[القارئ]: نعم سيدي، الأصل الثامن في الكبر.

قال الله تعالى:

﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]

وقال تعالى:

﴿فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 72]

وقال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته»

وقال ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر»

وقال ﷺ: «يُحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذرّ، يطؤهم الناس لهوانهم على الله عز وجل»

أحاديث في التحذير من الكبر والتعظم في المشي وفضيلة التواضع

وقال ﷺ لبلال: «إن في جهنم واديًا يقال له هبهب، حقّ على الله أن يُسكنه كل جبار، فإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه»

وقال ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من نفخة الكبر»

وقال ﷺ: «لا ينظر الله تعالى إلى من جرّ ثوبه خيلاء»

وقال: من تعظّم في مشيته لقي الله تعالى وهو عليه غضبان.

وقال ﷺ في فضيلة التواضع: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله تعالى»

أحاديث في فضل التواضع ووحي الله إلى موسى عليه السلام

وقال ﷺ: «طوبى لمن تواضع في غير مسكنة»

وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي، ولم يتعظم على خلقي، وألزم قلبه خوفي، وقطع النهار بذكري، وكفّ نفسه عن الشهوات من أجلي.

وقال نبينا ﷺ: «إذا تواضع العبد لله رفعه الله تعالى إلى السماء السابعة»

وقال ﷺ: «إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعةً، فتواضعوا رحمكم الله تعالى»

وقال ﷺ: «إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده فيكون مِهنةً لأهله، يدفع به الكبر عن نفسه»

فصل في بيان حقيقة الكبر وأنه رؤية النفس فوق الغير في صفات الكمال

فصل في بيان حقيقة الكبر.

حقيقة الكبر أن يرى [الإنسان] نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فيحصل فيه نفخة وهزّة من هذه الرذيلة والعقيدة.

ولذلك قال ﷺ: «أعوذ بك من نفخة الكبرياء»

ولذلك استأذن بعضهم عمر رضي الله عنه ليعظ الناس بعد صلاة الصبح، فقال [عمر]: لا، أخشى أن تنتفخ [أي النفس] حتى تبلغ الثريا.

ثم إن هذه النفخة يصدر منها أفعال على الظاهر، كالترفع في المجالس، والتقدم في الطريق، والنظر بعين التحقير، والغضب إذا لم يُبدأ بالسلام وقُصِّر في حوائجه وتعظيمه.

آثار الكبر من الأنفة عن الوعظ وجحد الحق واحتقار العامة

ويحمله [الكبر] على أن يأنف إذا وُعظ وعُلِّم، ويعنف إذا وُعظ وعُلِّم، ويجحد الحق إذا ناظر، وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير.

وإنما عظُم الكبر حتى لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه؛ لأن تحته ثلاثة أنواع من الخبائث العظيمة:

أولها: أنه منازعة لله تعالى في خصوص صفته؛ إذ الكبرياء رداؤه كما قال [في الحديث القدسي]، فإن العظمة لا تليق إلا به. ومن أين تليق العظمة من العبد الذليل الذي لا يملك من أمر نفسه شيئًا فضلًا عن أمر غيره؟

الخبيثة الثانية للكبر: جحد الحق وازدراء الخلق وخبأ الله ثلاثاً في ثلاث

الثانية: أنه يحمله على جحد الحق وازدرائه وازدراء الخلق.

قال ﷺ في بيان الكبر: «المتكبر من سفه الحق وغمص الناس»

والأُنفة من الحق تُغلق باب السعادة، وكذلك استحقار الخلق.

وقال بعضهم: إن الله سبحانه خبأ ثلاث أشياء في ثلاث: خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرنّ شيئًا منها لعل رضا الله فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرنّ شيئًا منها صغيرة كانت أو كبيرة فلعل سخط الله تعالى فيها، وخبأ ولايته في عباده فلا تحقرنّ أحدًا منهم فلعله وليّ الله تعالى.

الخبيثة الثالثة للكبر: أنه يحول بين صاحبه وجميع الأخلاق المحمودة

الثالثة: أنه يحول بينه وبين جميع الأخلاق المحمودة؛ لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع، ولا على ترك الأنَفة والحسد والغضب.

ولا يقدر على كظم الغيظ، ولا على اللطف في النصح، ولا على ترك الرياء.

وبالجملة فلا يبقى خُلق مذموم إلا ويضطر المتكبر إلى ارتكابه، ولا خُلق محمود إلا ويضطر إلى تركه.

فصل في علاج الكبر بالإجمال ومعرفة الإنسان حقيقة نفسه

فصل في علاج الكبر بالإجمال.

العلاج الإجمالي لقمع رذيلة الكبر أن يعرف الإنسان نفسه، وأن أوله نطفة مَذِرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة.

ويفهم قوله تعالى:

﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 17-21]

فليعلم أنه خُلق من كتم العدم، وأنه لم يكن شيئًا مذكورًا، فلا شيء أقلّ من العدم.

مراحل خلق الإنسان من التراب إلى النطفة وضعفه أمام الأمراض والعلل

ثم خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة ليس لها سمع ولا بصر ولا حياة ولا قوة. ثم خلق له ذلك كله وهو بعد على غاية النقصان.

تستولي عليه الأمراض والعلل، وتتضاد فيه الطبائع فيهدم بعضها بعضًا، فيمرض كرهًا ويجوع كرهًا ويعطش كرهًا. ويريد أن يعلم الشيء فيجهله، ويريد أن ينسى الشيء فيذكره، ويكره الشيء فينفعه، ويشتهي الشيء فيضره.

لا يأمن في لحظة من أن يُختلس روحه أو عقله أو صحته أو عضو من أعضائه. ثم آخره الموت والتعرض للعقاب والحساب، فإن كان من أهل النار فالخنزير خير منه.

استنكار الكبر ممن يحمل العذرة وقول الحسن البصري لمن يتبختر

فمن أين يليق به الكبر وهو عبد مملوك ذليل لا يقدر على شيء؟

قال الحسن البصري رحمه الله تعالى لبعض من يتبختر في مشيته: ما هذه مشية من في بطنه خرء!

فكيف يليق الكبر بمن يغسل العذرة بيده مرتين في كل يوم وهو حامل لها على الدوام؟

فصل في علاج الكبر بالتفصيل: السبب الأول الكبر بالعلم وآفته

فصل في علاج الكبر بالتفصيل.

علاج الكبر على التفصيل بالنظر إلى ما به التكبر، وهو أربع خصال:

الأول: العلم.

قال النبي ﷺ: «آفة العلم الخيلاء»

وقال ﷺ: «لا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يفي علمكم بجهلكم»

وقلّما يخلو العالم من آفة الكبر؛ فإنه يرى نفسه فوق الناس بالعلم الذي هو أشرف فضيلة عند الله تعالى. فيتكبر تارة بالدين بأن يرى نفسه عند الله عز وجل أفضل من غيره، وتارة في الدنيا بأن يرى حقه واجبًا على الناس ويتعجب منهم إن لم يتواضعوا له.

العالم المتكبر أولى بأن يسمى جاهلاً وخطر الخاتمة

وهذا بأن يُسمّى جاهلًا أولى؛ لأن العلم الحقيقي هو ما يُعرّفه ربه ونفسه وخطر خاتمته وحجة الله تعالى عليه.

ويلاحظ الخاتمة فلا يرى جاهلًا إلا ويقول: إنه عصى الله تعالى بجهل، وأنا عصيته بعلم، فحجة الله تعالى عليّ آكد.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: من ازداد علمًا ازداد وجعًا.

وقال الله تعالى لنبيه ﷺ:

﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]

حديث قراء القرآن الذين لا يجاوز حناجرهم وحذر السلف من الكبر

وقال ﷺ: «يكون قوم يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم، يقولون: قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا ومن أعلم منا؟» ثم التفت وقال: «أولئك منكم أيها الأمة، أولئك هم وقود النار»

ومن هذا اشتد حذر السلف رحمهم الله، حتى إن حذيفة رضي الله عنه أمّ مرة بقوم، فلما سلّم قال: لتلتمسنّ إمامًا غيري أو لتصلّنّ وحدانًا، إني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني.

التذكير بخطر الخاتمة وقصة عمر قبل إسلامه وحديث العالم يوم القيامة

وينبغي أن يتذكر الإنسان أنه كم من مسلم نظر إلى عمر رضي الله عنه قبل إسلامه فاستحقره، ثم كانت خاتمة عمر رضي الله عنه كما كانت، وذلك المسلم لعله ارتدّ بعده. فكان المتكبَّر عليه من أهل الجنة والمتكبِّر من أهل النار.

وما من عالم إلا ويُتصوَّر أن يُختم له بالسوء، ويُختم للجاهل بالسعادة، فكيف يكون التكبر مع معرفة ذلك؟

وقد قال النبي ﷺ: «يُؤتى بالعالم يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيطيف به أهل النار فيقولون: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه»

تحذير العالم من التكبر وقصة بلعم بن باعوراء وعلماء السوء

فأيّ عالم يسلم من ذلك؟ فلِمَ لا يشغله خوفه عن التكبر!

وقد قال الله تعالى في بلعم بن باعوراء وكان من أكابر العلماء:

﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: 176]

لأنه أخلد إلى الشهوات.

وقال الله تعالى لعلماء اليهود:

﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]

فلينظر في الأخبار التي وردت في علماء السوء حتى يغلب خوفه كبره. وإنما يبقى الكبر مع هذا لمن اشتغل بعلوم غير نافعة في الدين كالجدل واللغة وغيرهما، أو لمن اشتغل بالعلم وهو خبيث الباطن فازداد خبثه بسببه.

السبب الثاني للكبر: الورع والعبادة وحماقة من يحمل مصائب الناس على كرامته

[الشيخ]: تفضل.

[القارئ]: أكمل سيدي.

[الشيخ]: اقرأ.

السبب الثاني: الورع والعبادة.

ولا يخلو المتعبد في باطنه عن كبر، وقد تنتهي الحماقة ببعضهم إلى أن يحمل مصائب الناس ومسراتهم على كرامته. فمن آذاه ومات أو مرض قال: قد رأيتم ما فعل الله سبحانه به! وربما يقول عند الإيذاء: سترون ما يجري عليه.

وليس يدري الأحمق أن جماعة من الكفار ضربوا الأنبياء وآذوهم، ثم مُتِّعوا في الدنيا فلم يُنتقم منهم، بل ربما أسلم بعضهم فسعد في الدنيا والآخرة. فكأنه يرى نفسه أفضل من الأنبياء ومؤذيه أخسّ من الكفار!

واجب العابد في التواضع للعالم والفاسق والخوف من خبث الباطن

وحقّ العابد إذا نظر إلى عالم أن يتواضع له لجهله [أي لجهل العابد مقارنة بالعالم]، وإن نظر إلى فاسق أن يقول: لعل فيه خُلقًا باطنًا يستر معاصيه الظاهرة.

ولعل في باطني حسدًا أو رياءً أو خبثًا خفيًا مَقَتَني الله تعالى عليه، فلا يقبل أعمالي الظاهرة، وإن الله سبحانه ينظر إلى القلوب لا إلى الصور.

ومن الخبث الباطن الكبر.

قصة خليع بني إسرائيل والعابد الذي أحبط الله عمله بسبب الكبر

إذ رُوي أن رجلًا من بني إسرائيل يُقال له خُلَيع بني إسرائيل لكثرة فساده، جلس إلى عابد من بني إسرائيل وقال: لعل الله تعالى يرحمني ببركته.

فقال العابد في نفسه: كيف يجلس معي مثل هذا الفاسق! وقال له: قم عني.

فأوحى الله تعالى إلى نبي زمانه: مُرهما ليستأنفا العمل؛ فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد.

قصة العابد الذي تألى على الله فلم يغفر له وحذر الأكياس من الكبر

ورُوي أن رجلًا وطئ رقبة عابد من بني إسرائيل وهو ساجد، فقال له العابد: ارفع قدمك، فوالله لا يغفر الله لك!

فأوحى الله سبحانه إليه: أيها المتألّي عليّ، بل أنت لا يغفر الله لك.

فالأكياس [أي أهل الفطانة والأدب] يَحذرون من ذلك، ويقولون ما كان يقوله عطاء السلمي مع شدة ورعه: كان إذا هبّت ريح عاصف أو صاعقة يقول: ما يصيب الناس كل ذلك إلا بسببي، ولو مات عطاء لتخلّصوا.

الفرق بين من يخلص العمل ويخاف وبين من يتكلف أعمالاً ظاهرة ويمن على الله

وقال بعضهم في عرفات: أنا أرجو الرحمة لجميعهم لولا كوني فيهم.

فانظر كم بين من يخلص العمل والورع ثم يخاف على نفسه، وبين من يتكلف أعمالًا ظاهرة لعلها لا تخلو من الرياء والآفات، ثم يمنّ على الله تعالى بعمله!

السبب الثالث للكبر: النسب وعلاجه بالنظر إلى حقيقة الأصل

السبب الثالث: الكبر بالنسب.

وعلاجه أن ينظر في نسبه؛ فإن أباه نطفة مَذِرة وجدّه التراب، ولا أقذر من النطفة ولا أذلّ من التراب.

ثم المفتخر بالنسب يفتخر بخصال غيره، ولو نطق آباؤه لقالوا: من أنت في نفسك؟ ما أنت إلا دودة من بول من له خصلة حسنة!

ولذلك قيل: لئن فخرت بآباء ذوي نسب، لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا.

وكيف يتكبر بنسب ذوي الدنيا ولعلهم صاروا حُمَمة في النار يودّون لو كانوا خنازير وكلابًا يتخلصون مما هم فيه؟

كيف يتكبر بنسب أهل الدين وهم كانوا أهل تواضع وخوف من العاقبة

وكيف يتكبرون بنسب أهل الدين وهم في أنفسهم ما كانوا يتكبرون، وكان شرفهم بالدين، ومن الدين التواضع.

وكان أحدهم يقول: ليتني كنت تبنة، وليتني كنت طائرًا. كلهم قد شغلهم خوف العاقبة عن الكبر مع عظم علمهم وعملهم.

فكيف يتكبر بنسبهم من هو عاطل عن خصالهم؟

السبب الرابع للكبر: المال والجمال والأتباع وبيان أنها أمور عارضة زائلة

السبب الرابع: الكبر بالمال والجمال والأتباع.

والكبر بها جهل؛ فإنها أمور خارجة عن الذات - أعني المال والأتباع - وكيف يتكبر بخصلة تمتد إليها يد السارق والغاصب؟

وكيف يفتخر بالجمال وحمّى شهر تُفسده والجدري يزيله؟ بل لو تفكر الجميل في أقذار باطنه لأدهشه ذلك عن تزويق ظاهره.

ولو لم يتعهد الجميل بدنه أسبوعًا بالغسل والتنظيف لصار أقذر من الجيفة، من تغيّر النكهة والصُنان [أي الرائحة الكريهة للبدن] ورائحة العذرة وكثرة الوسخ والمخاط والرَّمَص [أي الوسخ الأبيض الذي في مجرى الدمع من العينين].

فمن أين للمزبلة أن تفتخر بجمالها؟ والإنسان بالحقيقة مزبلة؛ فإنه منبع الأقذار والنجاسات.

ختام المجلس والوقوف عند الأصل التاسع في العجب

[الشيخ]: نعم، وإلى هنا نقف عند الأصل التاسع في العجب، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قدّم لنا إمامنا [الغزالي] رضي الله تعالى عنه.

حكم ترديد الأذان من أي موضع أدركه السامع ومذهب المالكية في ذلك

ويسأل سائل: هل يُشترط ترديد الأذان من بدايته؟

يتحدث العلماء عن هذا وأنه ما دام المؤذن يؤذن فيجوز في أي موضع فيه أن يبدأ، ولكنه يقول مثل ما قال المؤذن. فلو أنه أدرك الشهادتين مثلًا، فيقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يُكمل بعد المؤذن معه.

والسادة المالكية عندهم أنه لو كان مع البداية فإنه يجوز له بعد الشهادتين أن يُكمل حتى لو استمرّ المؤذن في الأذان، أي من البداية يكبّر معه ويتشهد معه، ثم سريعًا يقول: حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.

ويتشغل فيما كان يتشغل به من علم أو مذاكرة أو غير ذلك إلى آخره. وعلى هذا جرى كثير من أهل مصر، أي على هذا المذهب، وهو منصوص مذهب المالكية.

ضابط الدفن في أرض الخمول وأنه يحتاج إلى الشيخ المربي

ويقول سائل آخر: هل الدفن في أرض الخمول له ضابط نعرفه به أو أنه متروك للشيخ المربي؟

الضابط أنه إذا غبت لا يذكرك أحد، فهكذا تكون أنت مدفونًا في أرض الخمول، لا يسأل عنك أحد.

لا، وهذا أمر صعب؛ أنه لو غبت فكأنك أصلًا غير موجود؛ لأنك تكفي خيرك شرّك، وتقلل من اتصالك بالأنام. فهذا هو الضابط وهو ضابط كبير.

ولذلك الأفضل أن نتركه للشيخ المربي؛ لأنه يحتاج إلى إدراك الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

الدعاء بالشفاء والمغفرة والختام بالسلام

نرجو الله سبحانه وتعالى أن يشفي مريضنا، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن نلتقي على الخير إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.