الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس العاشر | أ.د علي جمعة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعليكم السلام ورحمة الله. مبارك المولد النبوي، ومبارك علينا جميعاً، وكل عام أنتم بخير. سيدي، لدينا رجاء، أحبة يطلبون أن يسمعوا منكم المسلسل بالأولية بالرحمة، والمسلسل بالمحبة قبل أن نختم المجالس.
حدثنا مشايخنا وكان أول حديث يحدثنيه، عن مشايخهم وكان أول حديث يحدثوه وتنتهى الأولية عند سفيان بن عيينة رضى الله تعالى عنه ينمو به إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يقول: "الراحِمونَ يَرحَمُهُم الرَّحمَنُ تعالى"، وفي رواية: "تبارك وتعالى ارحَموا مَن في الأرضِ يَرحَمْكُم مَن في السماء" بسكون الميم، وفي رواية: "يَرحَمُكُم مَن في السماء" بضم الميم. واجعلوا هذا أول حديث أُحدِّثُكُم به وأُسنِدُه إلى سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم. وأما السكون في "يَرحَمْكُم" فهو على الدعاء كأنه يدعو لنا بالرحمة على أي حال، وأما السكون فيكون على الشرط، يعني إذا رحمتم من في الأرض رحمكم الله، وإن لم ترحموا من في الأرض
لا يرحمكم الله. وهذا يقول عنه العلماء إن أسلوب الشرط أو الشرطية في اللغة هي السببية عند الأصوليين، يُستفاد من وجودها الوجود ومن عدمها العدم. أما روايةُ - يرحمكم الله - فهو يدعو لنا على كل حال، فبالضم دعاءٌ وبالسكون شرطٌ. وأما الحديث المسلسل بالمحبة فعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيده وقال: "يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك". وقال له معاذ: "بأبي أنت وأمي". يا رسولَ الله وأنا أحبُّك. وقال: أوصيك
يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه. وأنا أقول لكم وأنتم تحضرون هذه المجالس الطيبة إني أحبكم، وهذا حديث مسلسل بالمحبة، فكل شيخ يقول لمن بعده من تلاميذه إنني أحبك وأجزتكم به على هذا الشرط وأجزتكم أيضاً بكل ما لي حق الرواية فيه من الإجازات
المختلفة التي تلقيناها عن مشايخنا في مصر بالأزهر الشريف وخارجه، وأيضاً في الهند وفي البلاد العربية والإسلامية وأينما طفنا في المشارق والمغارب، وأما سند كتاب الأربعين في أصول الدين لحجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فقد أخذناه من طريق شيخنا وقدوتنا وإمامنا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري من طنجة بالمغرب، وهو أخذه عن الشيخ المعمر محمد دويدار التلاوي الكفراوي ببيته بتلا من
قرى مصر في الوجه البحري، وهو قد أخذها بالإجازة العامة عن شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر وهو أخذها عن الشيخ الأمير الكبير وهو أخذها عن الشيخ الحفني عن الشيخ البديري عن الملى محمد شريف عن الفقيه علي بن محمد الحكمي عن الشيخ محمد المكي عن الإمام إمام الأئمة وبدر التتمة الجلال السيوطي عن صالح بن السراج عمر البلقيني السراج البلقيني عن أبي إسحاق التنوخي عن التقي سليمان بن حمزة عن عمر بن كرم الدينوري
عن الحافظ أبي الفرج البغدادي عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين يا رب وأيضاً من طريق مسند الدنيا العلامة أبي الفيض بن محمد ياسين الفداني المكي ببيته في مكة الشافعي القدوة الذي تلقى عن أكثر من سبعمائة شيخ بكثير ممن وردوا إلى الحرم المكي الشريف، رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، وهو أخذها عن الشيخ محمد عبد الباقي بن ملا علي الأيوبي اللكنوي الهندي ثم بعد ذلك المدني،
وهو أخذها عن السيد محمد أمين بن أحمد رضوان المدني بسنده إلى محمد ثابت بن إسماعيل البهرماري وهو أخذها عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأيضاً من طريق مسند الدنيا عبد الرحمن بن محمد عبد الحي الكتاني عن والده مسند العصر وفريد عصره وأوانه محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني رحمه الله تعالى بسنده عن الإمام القزويني عمر بن علي بن عمر القزويني وهو أبو حفص سراج الدين بسنده عن أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف اليوسفي عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه،
وكما اتصلت أسانيدنا بهذا الإمام وكتبه نجيزكم برواية الأربعين في أصول الدين سماعاً في تلك المجالس المكرمة ولكم أن تجيزوها لمن بعدكم مع حرصكم على تقوى الله في السر والعلن وأن لا تنسونا من دعائكم في خلواتكم وجلواتكم، اللهم آمين آمين. سيدي، هل تريدون قراءة البرزنجي؟ سيدي، صراحة كنا نود لكن الأخ المنشد لم يلتحق بنا. طيب، وهو كذلك. نبدأ خاتمة في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور فيها: خاتمة
في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور فيها. واعلم أن الأخلاق الذميمة كثيرة، ولكن ترجع أصولها إلى ما ذكرناه، ولا يكفيك تزكية النفس عن بعضها حتى تتزكى عن جميعها. ولو تركت واحد منها غالباً عليك، فذلك يدعوك إلى البقية، لأن بعضها يرتبط بالبعض، ويتقاضى بعض الأخلاق الذميمة بعضاً، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، والسلامة المطلقة لا تُنال بدفع بعض الأمراض، بل إنما تُنال بالصحة المطلقة، كما أن الحُسن لا يحصل بحُسن بعض الأعضاء ما لم يحسن جميع الأطراف، والنجاة في حُسن الخُلق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أثقل ما يوضع في الميزان الخُلق الحَسَن".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقيل له: "ما الدين؟" قال: "الخلق الحسن". وقال: "حسن الخلق خلق الله". وقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً". وقد كثرت الأقاويل في تحقيقه وبيان حدّه، والأكثرون تعرضوا لبعض ثمراته ولم يحيطوا بجميع تفصيله، والذي يطلعك على حقيقته أن تعلم أن الخَلْق والخُلُق عبارتان، فيُراد بالخَلْق الصورة الظاهرة، وبالخُلُق الصورة الباطنة، وذلك لأن الإنسان مركب من جسد يُدرك بالبصر، ومن
روح ونفس تُدرك بالبصيرة لا بالبصر، ولكل واحد منهما هيئة إما قبيحة وإما حسنة، والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدراً، ولذلك أضافه الله عزّ وجلّ إلى نفسه وأضاف البدن إلى الطين فقال: "إني خالق بشراً من طين، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي"، ووصف الروح بأمر ربانى فقال: "قل الروح من أمر ربي"، وأعني بالروح والنفس هنا معنى واحداً وهو الجوهر العارف المدرك من الإنسان بإلهام الله تعالى. وكما قال "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها
قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها". حتى لو كان ذلك أنهما واحد وإنما يختلفان بالاعتبار، باعتبار أن الروح هي التي يحيا بها الجسد وأن النفس هي التي معها الحساب وبها الإدراك ولها المراتب، والنفس هي التي تخرج من جسد الإنسان فتظهر ظاهرة النوم عند الإنسان فينام، وإذا رجعت مرة أخرى أفاق واستيقظ. أما الروح إذا خرجت فلا تخرج إلا مع النفس، وإذا خرجت فإنه يكون قد مات. ولذلك سُمي النوم بالميتة الصغرى والموت بالنومة الكبرى، ولذلك فهما يختلفان من هذا. فإذا رأى الإمام الغزالي في هذا الموضع أنهما
كأنهما شيء واحد لأنهما يحل بعضهما في بعض، ويبقى إذاً الخلاف بالاعتبار، يعني إذا اعتبرنا حياة الإنسان أسميناها روحاً، وإذا اعتبرنا إدراك الإنسان أسميناها نفسا والخلاف بسيط. كما أن للحسن الظاهر أركانا كالعين والأنف والفم والخد ولا يوصف الحسن الظاهر بالحسن مالم يحسن جميعها، فكذلك الصورة الباطنة لها أركان لابد من حسن جميعها حتى يحسن الخلق، وهى أربعة معانٍ: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة
العدل بين هذه القوى الثلاث. فإذا استوت هذه الأركان الأربعة واعتدلت وتناسقت، حصل حسن الخلق وام وأما قوة العلم فاعتدالها وحسنها أن تصير بحيث يُدرَس بها الفرق بين الصدق والكذب في القول، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأعمال. وحتى إذا صلحت هذه القوة كذلك، حصلت منها ثمرة الحكمة، وهي رأس الفضائل. بل قال الله عز وجل: "ومن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب"، وأما قوة الغضب فاعتدالها أن يقصر انقباضها وانبساطها على موجب إشارة الحكمة والشرع، وكذلك قوة الشهوة. وأما قوة العدل فهي في
ضبط قوة الغضب وقوة الشهوة تحت إشارة الدين والعقل، فالعقل منزلته منزلة النصح، وقوة العدل هي القدرة، ومنزلتها منزلة المنفذ الممضى لإشارة العقل والغضب والشهوة هما اللذان تنفذ بهما الإشارة، وهما كالكلب والفرس للصياد. فإن حَسُن بعض هذه دون بعض، كان كما لو حَسُن بعض أعضاء الوجه، فلا يُطلق اسم الحسن عليه إلا إذا حَسُن الجميع واعتدل. فإذا حَسُنت واعتدلت وانشعب منه جميع الأخلاق المحمودة. وأما قوة الغضب فيعبر عن اعتدالها بالشجاعة والله تعالى يحب الشجاعة، وإن مالت إلى طرف الزيادة
وسميت تهوراً، وإن مالت إلى النقصان تسمى جبناً، وينشعب من اعتدالها خلق الكرم والنجدة والشهامة والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتؤدة، وأما إفراطها فيحصل منه خلق التهور والصلف والبذخ والاستشاطة والكبر والعجب، وأما تفريطها فيحصل منه الجبن والمهانة والذلة والخساسة وعدم الغيرة وضعف الحمية على الأهل وصغر النفس. وأما الشهوة فيُعبّر عن اعتدالها بالعفة، وعن إفراطها بالشره، وعن تفريطها وضعفها بالخمود. فيصدر من العفة السخاء والحياء والصبر والسماحة والقناعة
والورع المساعد والظرف. والظرف وقلة الطمع، ويصدر عن إفراطها الحرص والشره والوقاحة والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والملق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك. وأما إذا كان ولا يوجد في اللغة ظرف، فهو الظرف سواء كان ما يوضع فيه
الخطاب فهو ظرف، أو سواء ما كان من اللطافة والخفة فهو ظرف أيضاً، وليس في اللغة سواها، الظرف بالفتح، وأما إذا مال إلى التفريط، وأن يصدر منه الخمود والتخنث، وأما قوة العقل فيصدر منها اعتدالها وحسن التدبير وجودة الدين وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس وأما إفراطها فيحصل منه الجريرة والدهاء والمكر والخداع ويحصل من
تفريطها وضعفها البله والحمق والغمارة والبلادة والانخداع. فهذه هي روابط الأخلاق وإنما معنى حسن الخلق في الجميع توسط بين الإفراط والتفريط فخير الأمور أوسطها وكل طرفي قصد الأمور ذميم ولذلك قال الله عز وجل: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط" وقال تعالى: "والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً". وقال الله تعالى: "أشداء على الكفار رحماء بينهم". ومهما من غير تنوين، "رحماء بينهم"، "رحماء بينهم"، لا لا يوجد تنوين، "رحماء بينهم"، "رحماء
بينهم"، نعم ومهما مال واحد من هذه الجملة إلى الإفراط والتفريط فبعد لم يكمل حسن الخلق. فصل في إصلاح الأخلاق الذميمة بالمجاهدة. طريق إصلاح هذه الأخلاق كلها المجاهدة والرياضة. ومعنى المجاهدة أن تكلف الصفة المفرطة الغالبة خلاف مقتضاها فتعمل بنقيض موجبها، فإن غلب البخل. فلا تزال تتكلف البذل بالجهد وتداوم عليه مرة بعد أخرى
حتى يسهل عليك البذل في محله، فإن غلب التبذير فلا تزال تتكلف الإمساك حتى يصير عادة فيسهل عليه الإمساك فى محله. وكذلك فى خلق الكبر وسائر الأخلاق وقد ذكرناه فى كتاب رياضة النفس على التفصيل. وينبغى أن تعلم أن من يبذل تكلفًا فليس بسخي، وأن من يتواضع تكلفًا وهو ثقيل على نفسه فهو عاطل عن خلق التواضع، بل الخلق عبارة عن هيئة للنفس ويصدر عنها الفعل بسهولة من غير روية وتكلف، لكن التكلف هو طريق تحصيل الخلق، فإنه لا
يزال يتكلف أولاً حتى يصير ذلك طبعاً وعادة. فيُفهم من هذا أن البخيل قد يَبذُل، وأن السخي قد يُمسك، فلا تنظر إلى الفعل بل إلى الهيئة الراسخة التي تصدر منها الأفعال بيسرٍ وسرعةٍ من غير تكلفٍ، واعلم أن تفاوت الناس في حسن الباطن كتفاوتهم في الحسن الظاهر، ولن يسلم الحسن المطلق إلا على الندور، وإنما سلم ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثنى الله سبحانه عليه فقال: "وإنك لعلى خلق عظيم"، وليست
النجاة موقوفة على الكمال البالغ، لكن على أن يكون الميل إلى الحسن أكثر، فإن القبيح المطلق في الظاهر ممقوت، والحسن المطلق معشوق، وما بينهما درجات، فالقريب من الحسن المطلق أسعد في الدنيا من القريب إلى القبيح المطلق، فكذلك تتفاوت. سعادة الآخرة بحسب تفاوت حسن الصورة الباطنة. فصل في التحذير من الغرور: واعلم أنك قد تظن بنفسك حسن الخلق وأنت عاطل عنه، فإياك أن تغتر. وينبغي أن تحكم فيه غيرك، فتسأل عنه صديقاً بصيرا لا يداهنك. وبالجملة، إذا نسبك غيرك إلى سوء الخلق أوشك أن تكون كذلك
لأن أكثر الأخلاق يتعلق بالغير، فينبغي أن تظهر لهم من مواقع الغرور فيه. مثلاً أن تغضب فتظن أنك تغضب لله تعالى، وتُظهر العبادة وتظن أنك تُظهرها للإقتداء، وأن تكف عن الأكل أو عن طلب الدنيا أو تكظم الغيظ. وإنما يهون ذلك عليك أن تعرف به فيكون الرياء هو الباعث على الجميع، ولذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور من الإحياء، فإن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاؤه. حسناً، يعني ينبغي أن تظهر لهؤلاء، وبداية الكلام ومن مواقع الغرور فيه
مثلاً أن تغضب فتظن أنك تغضب لله وتُظهر عبادة وتظن أنك تُظهر الاقتداء أو تكفّ عن الأكل أو عن طلب الدنيا أو تكظم الغيظ. وإنما يهون عليك ذلك أن تعرف به فيكون الرياء هو الباعث على الجميع، ولذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور إلى آخر ما قال رضي الله تعالى عنه. فصل في بيان الأخلاق المذمومة وينبغي أن تتفقد هذه الأخلاق في قلبك وتبدأ بالأهم فالأهم فتُقبِل على أغلب هذه الصفات فتكسرها على التدريج وأظن أن الأغلب عليك حب الدنيا وسائر
المعاصي والأخلاق المذمومة تتبعها. ولا يمكنك الخلاص من حب الدنيا إلا بأن تطلب خلوة خالية وتتفكر في سبب إقبالك على الدنيا وإعراضك عن الآخرة فلا تجد له سبباً إلا محض الجهل والغفلة، فإن أقصى عمرك في الدنيا مائة سنة، فهب أن مملكة وجه الأرض تُسلّم لك من المشرق إلى المغرب في مائة سنة. أليس يفوتك بها المملكة في مدة لا آخر لها وهي مملكة الآخرة؟ فإن كان لا يدخل في خيالك طول الأبد، فقدّر الدنيا
كلها مملوءة بالدرر، وقدّر طائراً يأخذ في كل ألف ألف سنة حبة واحدة، فستفنى تلك الدرر ولم ينقص من الأبد شيء لأن الباقي أيضاً لا نهاية له كما كان قبل ذلك، وأنت ترى نفسك ترضى بتعب الأسفار إما في تجارة أو في طلب رئاسة، وهذا التعب الناجز لأجل شيء موهوم ربما يدركك الموت قبله، وربما لا يصفو إليك إلا إن ظفرت به، وإنما ترضى بذلك لأنك تستحقر التعب سنة مثلاً. بالإضافة إلى بقية العمر وجملة عمرك بالإضافة إلى الأبد أقل من سنة بالإضافة
إلى عمرك، لا إضافة بينهما. فتفكر فيه لينكشف لك جهلك على القرب. ولعلك تقول: إنما أفعل ذلك على توقع العفو، وإن الله تعالى كريم رحيم. فأقول: ولِمَ لا تترك الحراثة والتجارة وطلب المال على توقع العثور على كنز في خراب، فإن الله كريم لا ينقص من ملكه شيء، ولو عرَّفك في منامك كنزا من الكنوز حتى تأخذه. فإن قلت: ذلك نادر، وإن كان داخلاً في قدرة الله تعالى. واعلم أن توقع العفو مع خراب الأعمال والأخلاق كتوقع كنز في خراب، بل أبعد منه وأندر.
وقد نبهك الله تعالى عليه فقال: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى"، "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى"، "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى"، وقال تعالى: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار"، ورغّبك في طلب المال فقال: وما من دابة، ورغّبك عن طلب المال. ورغّبك عن طلب المال، فقال: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها". فما بالك تكذب بكرمه في الدنيا ولا تتكل عليه، ثم تخدع نفسك بالكرم في الآخرة وأنت تعلم أن رب الدنيا والآخرة واحد. فصلٌ في بيان أمر
الآخرة وذكر أصناف الناس فيها، ولعلك تقول: عواقب أمور الدنيا قد انكشفت لي بالعيان واطمأن قلبي إليها، وأما أمر الآخرة فلم أشاهده ولست أجد التصديق الحقيقي في قلبي، فلذلك فترت رغبتي في ترك الدنيا نقداً بما هو موجود نسيئة ولست أثق به. فأقول: لو كنت من أرباب البصائر لانكشف لك أمر الآخرة صريحاً كما انكشف لك أمر الدنيا. فإن لم تكن من أهلي فتفكر في أقاويل ارباب البصائر فإن الناس في امر الاخرة أربعة اصناف: صنف اثبت الجنة والنار وقد سمعت انواع نعيمها و انكال جحيمها وسبيل التخيل حتى يكون كل واحد في جنة او نار وزعموا ان تأثير ذلك فيه كنأثير الحقيقة لأن تألم فإن النائم كتألم اليقظان، وإنما
يخلص منه بالتنبه، وذلك في الآخرة دائم لا انقطاع له. وصنف ثالث أثبتوا آلاماً عقلية ولذات عقلية، وزعموا أن ذلك أعظم من الحسية، ومثلوا ذلك باستشعار لذة الملك واستشعار زوالها، فإن زوال الملك يورث ألاماً كثيراً بدنية على ما يظفر به عدوه ويأخذ مملكته ويستسخره، مع أن ظفر
العدو لا يؤلم البدن. وهؤلاء هم أصناف النظّار، أعني الأصناف الثلاثة، وفيهم الأنبياء والأولياء والحكماء، وكلهم اتفقوا على إثبات سعادة مؤبدة وشقاوة مؤبدة، فإن السعادة لا تُنال إلا بترك الدنيا والإقبال على الله والإقبال على الله عز وجل، ولو مرضت ولم تكن من أهل البصيرة في طب ورأيت أفاضل الأطباء قد اتفقوا على شيء، لم تتوقف في اتباعهم. والصنف الرابع ليسوا من النُّظَّار في الأمور الإلهية، بل هم من الأطباء والمنجمين اقتصر نظرهم على الطبائع الأربع ومزاجها، ورأوا قوام الروح موقوفاً عليها، ولم يتفطنوا لحقيقة الروح الإلهية
الحقيقي الذي هو العارف بالله تعالى، بل لم يدركوا إلا الروح الجسماني الذي هو بخار أنضجته حرارة القلب ينتشر في العروق والضوارب إلى جميع البدن فيقوم به الحسّ والحركة وهي الروح التي توجد للبهائم أيضاً. فأما الروح الخاص، فأما الروح الخاص الإنساني المنسوب إلى الله سبحانه حيث قال: "ونفخت فيه من روحي"، فلم يتفطنوا له. فظنوا أن الموت عدم وأنه يرجع إلى فساد المزاج، وأنت في حق
هؤلاء بين أمرين: إما أن تجوز غلطهم أو تعلم قطعاً صحة قولهم، وإن جوَّزت خطأهم لزمك الإعراض عن الدنيا بمجرد الاحتمال، فإنك لو كنت صادق الجوع وظفرت بطعام وهممت بأكله، فأخبرك صبي أن فيه سماً أو حية ولغت فيه، قاسيت الجوع وتركت الأكل لأنك تقول: إن كان كاذباً ليس يفوتني إلا لذة الأكل، وإن كان صادقاً ففيه الهلاك، وبمثل هذا الاحتمال لا يمكن الهجوم عليه، فليت شعري مَن يحتمل الخلود في النار؟ فكيف يستجرئ العاقل الهجوم عليه، وكيف لا يكون كاليقين التام في الحذر منه، حتى
تنبّه الشاعر مع ركاكة عقله فقال: زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تُحشر الأموات، قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر وإن صح قولي فالخسار عليكما، فإن قلت إني أعلم ضرورة صدق هؤلاء وأن الموت عدم وأنه لا عقاب ولا ثواب وأن الأنبياء والأولياء كلهم مغرورون أو ملبَّس عليهم، وإنما الذي انكشفت له حقيقة الحق هو هذا الطبيب الجاهل، وزعمت أني أعلم ذلك كما أعلم أن الاثنين أكثر من الواحد حتى لا يخالجني فيه ريب، فيدل هذا على فساد المزاج وركاكة العقل والبعد عن قبول العلاج، ولكن هذا يقال لك: إن كنت تطلب الراحة في الدنيا
فقد يتقاضاك عقلك أيضاً، مجاهدة الشهوات وكسرها فإن الراحة في الحرية والخلاص في كسر الشهوات لا في اتباعها، فإنها إذا تسلطت على النفس فهي آلام ناجزة تحمل النفس على احتمال كل ذل ومشقة، وما المستريح في الدنيا إلا تاركها والزاهد فيها، وأما طالبها فلا يزال منها في عناء. فالمعطِلُ أيضاً أنه إنْ عَقَلَ قليلاً تَرَكَ الدنيا لكثرة عنائها وسرعة فنائها وخِسَّةِ شركائها، وإنْ لم تكنْ في أمر الآخرة على تخمينٍ
ولا من مشاهدة آفات الدنيا على يقينٍ، فما أنت إلا من الحمقى المغرورين، ولتعلمنَّ نبأه بعد حين. ولمثلك يُقال: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويُلههم الأمل فسوف يعلمون. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قرأنا وبما تعلمنا من الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في هذا التقسيم الرائع الذي جعل أربعين أصلاً من أصول الدين على أربعة أقسام، وانتهينا هكذا من القسم الثالث، ويتبقى القسم الرابع، نرجو أن تُتاح لكم فرصة قراءة وإتمام الكتاب. القسم الأول كان في جمل من العلوم وهي
عشرة والحمد لله أتممناه وبه كأننا نتم الإناء الذي ستوضع فيه الآثار والأنوار والأسرار والثواب والدرجات، ولذلك بدأ به في جمل العلوم وأصولها، ثم أيضاً في القسم الثاني تكلم في الأعمال الظاهرة التي تمثل الإناء المباشر الذي صُنع في البناء على جمل العلوم وأصولها من العقيدة، فتكلم عن الأعمال الظاهرة من الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم بعد ذلك تحدث عن المرتبة الثالثة في تزكية القلب، وهو يسير بذلك مع حديث جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان.
بعد ذلك فصّل لأهمية درجة الإحسان في القسم الرابع في الأخلاق المحمودة، كيف الوصول إليها، وما البرامج التي توصلنا إلى درجة الأخلاق المحمودة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا فتوح العارفين به وأن يجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة وأن ينفعنا بما قدم آباؤنا وأجدادنا وأسلافنا من الصالحين كالإمام الغزالي، هذا العلم الذي يبقى إن شاء الله إلى أن نلقى الله سبحانه وتعالى وهو عنا راضٍ وأن ينقلنا من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه وأن يحشرنا جميعًا تحت لواء نبيه يوم القيامة وأن نشرب من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا ثم يدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب فإننا في حاجة
إلى رحمته وليس في حاجة إلى مؤاخذتنا فاللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين، وكتاب الأربعين في أصول الدين النسخة المعتمدة التي بُذِلَ في تحقيقها وتنقيحها وضبطها مجهود كبير هي نسخة دار المنهاج، والتي كانت المرجع في هذه
القراءة. ونلتقي إن شاء الله على خير، وكل عام أنتم بخير بمناسبة تشرف في العالم بأنوار النبي، وُلِدَ الهدى. فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء فالزمان يتبسم والمؤمنون يفرحون بهذه المناسبة. عسى الله سبحانه وتعالى أن ينظر إلينا بنظر الرحمة وأن يجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. سيدي الدكتور يطرح علينا سؤالاً، يطرح علينا سؤالاً في هذه الأيام بسبب سب النبي صلى الله عليه وسلم وانتشار الكثير من مسيئين له، فالكثيرون يلوموننا على تجاهل هذا الموقف، ونحن نريد
منكم توجيهاً في محبيكم ولطلبة العلم حول مسألة سب النبي صل الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم ليس في حاجة إلينا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له ربه: "إنا كفيناك المستهزئين"، ويقول: "إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم". نحن نشاهد فعل الله في خلقه، وهؤلاء كلما ابتلاهم الله سبحانه وتعالى ببلاء حتى يستكينوا وحتى يتضرعوا، ويزدادون غلواً في ادعاء المظلومية
والظلم، وخاصةً ضد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ونحن نتجاوز هذا ونكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وننشر أمداحه الكريمة. كما قالوا: "دع الكلاب تنبح والقافلة تسير"، وكان الإمام الشافعي يقول: "لو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار فنحن نترك هؤلاء ثم ننظر فعل الله فيهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الظلم يزداد عند الله رفعةً فوق رفعة، والدرجات لا نهاية لها، كما أننا نقرأ الفاتحة ونقول زيادةً في شرف النبي،
لأن زيادة العدد لا نهاية لها كلما وصلنا إلى شيءٍ فهناك إضافة لهذا الشيء، ولذلك فنحن نتوكل على الله ونظل على منهجنا ونتأمل فعل الله في خلقه، ثم بعد ذلك نكثر من أداء حق النبي أو بعض حق النبي في أعناقنا، لأننا لا نستطيع أن نؤديه كله مهما فعلنا. وعلى كل حال "ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن بالمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم"، فهذا في الدنيا والآخرة. ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح
أعمالنا، ونلتفت إلى عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس، ودعوا هؤلاء الأسافل لأن ربنا تكفل بهم. تلك الآية العظيمة "إنا كفيناك المستهزئين". جزاكم الله خيراً يا سيدي، بارك الله فيكم، مع السلامة.