الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس العاشر | أ.د علي جمعة - الأربعين في أصول الدين, تصوف

الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس العاشر | أ.د علي جمعة

45 دقيقة
  • الراحمون يرحمهم الرحمن، فمن رحم من في الأرض رحمه من في السماء، وهذا على سبيل الشرط بسكون الميم، أما بضمها فهو دعاء.
  • ورد حديث المحبة عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "والله إني لأحبك"، وأوصاه بدعاء: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
  • حسن الخلق هو أثقل ما يوضع في الميزان، وقد بُعث النبي ليتمم مكارم الأخلاق.
  • الخَلْق للصورة الظاهرة والخُلُق للصورة الباطنة، والإنسان مركب من جسد وروح.
  • الأخلاق الحسنة تعتمد على أربع قوى: العلم والغضب والشهوة والعدل بينها.
  • العفة اعتدال الشهوة، والشجاعة اعتدال الغضب، وخير الأمور أوسطها.
  • طريق إصلاح الأخلاق هي المجاهدة والرياضة بتكليف النفس خلاف مقتضاها.
  • يجب الحذر من الغرور بالنفس ومما يظنه الإنسان من حسن الخلق وهو عاطل عنه.
  • الآخرة خير من الدنيا، فمن أعرض عن الآخرة لأجل الدنيا فقد غبن نفسه.
محتويات الفيديو(48 أقسام)

افتتاح المجلس بالسلام وطلب سماع الحديث المسلسل بالأولية والمحبة

[الشيخ]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[الطالب]: وعليكم السلام ورحمة الله، مبارك المولد النبوي.

[الشيخ]: مبارك علينا جميعًا، وكل عام أنتم بخير.

[الطالب]: سيدي، لدينا رجاء، أحبة يطلبون أن يسمعوا منكم المسلسل بالأولية بالرحمة، والمسلسل بالمحبة قبل أن نختم المجالس.

رواية الحديث المسلسل بالأولية في الرحمة بسنده إلى النبي ﷺ

[الشيخ]: حدثنا مشايخنا وكان أول حديث يحدثنيه، عن مشايخهم وكان أول حديث يحدثوه، وتنتهي الأولية عند سفيان بن عيينة رضي الله تعالى عنه، ينمو به إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

«الراحِمونَ يَرحَمُهُمُ الرَّحمَنُ تعالى» - وفي رواية: «تبارك وتعالى، ارحَموا مَن في الأرضِ يَرحَمْكُم مَن في السماء» بسكون الميم، وفي رواية: «يَرحَمُكُم مَن في السماء» بضم الميم.

واجعلوا هذا أول حديث أُحدِّثُكُم به وأُسنِدُه إلى سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم.

بيان الفرق بين رواية السكون والضم في حديث الرحمة وأثره في المعنى

[الشيخ]: وأما السكون في «يَرحَمْكُم» فهو على الدعاء، كأنه يدعو لنا بالرحمة على أي حال. وأما السكون [في الرواية الأخرى] فيكون على الشرط؛ يعني إذا رحمتم من في الأرض رحمكم الله، وإن لم ترحموا من في الأرض لا يرحمكم الله.

وهذا يقول عنه العلماء إن أسلوب الشرط أو الشرطية في اللغة هي السببية عند الأصوليين؛ يُستفاد من وجودها الوجود ومن عدمها العدم. أما رواية «يرحمكم الله» فهو يدعو لنا على كل حال، فبالضم دعاءٌ وبالسكون شرطٌ.

رواية الحديث المسلسل بالمحبة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه

[الشيخ]: وأما الحديث المسلسل بالمحبة فعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيده وقال:

«يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»

وقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله، وأنا أحبُّك. وقال:

«أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»

وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه.

إجازة الشيخ لتلاميذه بالحديث المسلسل بالمحبة وبجميع مروياته

[الشيخ]: وأنا أقول لكم وأنتم تحضرون هذه المجالس الطيبة: إني أحبكم، وهذا حديث مسلسل بالمحبة، فكل شيخ يقول لمن بعده من تلاميذه: إنني أحبك.

وأجزتكم به على هذا الشرط، وأجزتكم أيضًا بكل ما لي حق الرواية فيه من الإجازات المختلفة التي تلقيناها عن مشايخنا في مصر بالأزهر الشريف وخارجه، وأيضًا في الهند وفي البلاد العربية والإسلامية وأينما طفنا في المشارق والمغارب.

سند كتاب الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي من طريق الشيخ الغماري

[الشيخ]: وأما سند كتاب الأربعين في أصول الدين لحجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقد أخذناه من طريق شيخنا وقدوتنا وإمامنا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري من طنجة بالمغرب.

وهو أخذه عن الشيخ المعمر محمد دويدار التلاوي الكفراوي ببيته بتلا من قرى مصر في الوجه البحري، وهو قد أخذها بالإجازة العامة عن شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر.

تسلسل سند كتاب الأربعين من الباجوري إلى الإمام الغزالي رحمه الله

[الشيخ]: وهو [الباجوري] أخذها عن الشيخ الأمير الكبير، وهو أخذها عن الشيخ الحفني، عن الشيخ البديري، عن الملى محمد شريف، عن الفقيه علي بن محمد الحكمي، عن الشيخ محمد المكي، عن الإمام إمام الأئمة وبدر التتمة الجلال السيوطي، عن صالح بن السراج عمر البلقيني، السراج البلقيني، عن أبي إسحاق التنوخي، عن التقي سليمان بن حمزة، عن عمر بن كرم الدينوري، عن الحافظ أبي الفرج البغدادي، عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين يا رب.

سند كتاب الأربعين من طريق مسند الدنيا أبي الفيض الفداني المكي

[الشيخ]: وأيضًا من طريق مسند الدنيا العلامة أبي الفيض بن محمد ياسين الفداني المكي ببيته في مكة، الشافعي القدوة، الذي تلقى عن أكثر من سبعمائة شيخ بكثير ممن وردوا إلى الحرم المكي الشريف، رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين.

وهو أخذها عن الشيخ محمد عبد الباقي بن ملا علي الأيوبي اللكنوي الهندي ثم بعد ذلك المدني، وهو أخذها عن السيد محمد أمين بن أحمد رضوان المدني بسنده إلى محمد ثابت بن إسماعيل البهرماري، وهو أخذها عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

سند كتاب الأربعين من طريق مسند الدنيا عبد الرحمن الكتاني وإجازة الرواية

[الشيخ]: وأيضًا من طريق مسند الدنيا عبد الرحمن بن محمد عبد الحي الكتاني، عن والده مسند العصر وفريد عصره وأوانه محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني رحمه الله تعالى، بسنده عن الإمام القزويني عمر بن علي بن عمر القزويني وهو أبو حفص سراج الدين، بسنده عن أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف اليوسفي، عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وكما اتصلت أسانيدنا بهذا الإمام وكتبه، نجيزكم برواية الأربعين في أصول الدين سماعًا في تلك المجالس المكرمة، ولكم أن تجيزوها لمن بعدكم مع حرصكم على تقوى الله في السر والعلن، وأن لا تنسونا من دعائكم في خلواتكم وجلواتكم، اللهم آمين آمين.

بدء قراءة خاتمة كتاب الأربعين في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور

[الطالب]: قبلنا يا سيدي.

[الشيخ]: هل تريدون قراءة البرزنجي؟

[الطالب]: سيدي، صراحة كنا نود، لكن الأخ المنشد لم يلتحق بنا. حسنًا، وهو كذلك نبدأ خاتمة في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور فيها.

[الطالب]: خاتمة في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور فيها: واعلم أن الأخلاق الذميمة كثيرة، ولكن ترجع أصولها إلى ما ذكرناه، ولا يكفيك تزكية النفس عن بعضها حتى تتزكى عن جميعها. ولو تركت واحدًا منها غالبًا عليك، فذلك يدعوك إلى البقية؛ لأن بعضها يرتبط بالبعض، ويتقاضى بعض الأخلاق الذميمة بعضًا.

السلامة المطلقة من الأخلاق الذميمة لا تنال إلا بالصحة الشاملة

[الطالب]: ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، والسلامة المطلقة لا تُنال بدفع بعض الأمراض، بل إنما تُنال بالصحة المطلقة، كما أن الحُسن لا يحصل بحُسن بعض الأعضاء ما لم يحسن جميع الأطراف.

والنجاة في حُسن الخُلق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«أثقل ما يوضع في الميزان الخُلق الحَسَن»

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

وقيل له: ما الدين؟ قال:

«الخلق الحسن»

وقال:

«حسن الخلق خلق الله»

وقال صلى الله عليه وسلم:

«أفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»

حقيقة الخَلْق والخُلُق والفرق بين الصورة الظاهرة والباطنة

[الطالب]: وقد كثرت الأقاويل في تحقيقه وبيان حدّه، والأكثرون تعرضوا لبعض ثمراته ولم يحيطوا بجميع تفصيله. والذي يطلعك على حقيقته أن تعلم أن الخَلْق والخُلُق عبارتان؛ فيُراد بالخَلْق الصورة الظاهرة، وبالخُلُق الصورة الباطنة.

وذلك لأن الإنسان مركب من جسد يُدرك بالبصر، ومن روح ونفس تُدرك بالبصيرة لا بالبصر. ولكل واحد منهما هيئة إما قبيحة وإما حسنة، والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرًا.

إضافة الله تعالى الروح إلى نفسه وبيان شرف النفس على البدن

[الطالب]: ولذلك أضافه [أي الروح] الله عزّ وجلّ إلى نفسه وأضاف البدن إلى الطين، فقال:

﴿إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [ص: 71-72]

ووصف الروح بأمر ربانيّ فقال:

﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ [الإسراء: 85]

وأعني بالروح والنفس هنا معنى واحدًا، وهو الجوهر العارف المدرك من الإنسان بإلهام الله تعالى، وكما قال:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 7-10]

بيان الشيخ للفرق بين الروح والنفس من حيث الاعتبار والوظيفة

[الشيخ]: حتى لو كان ذلك أنهما واحد، وإنما يختلفان بالاعتبار؛ باعتبار أن الروح هي التي يحيا بها الجسد، وأن النفس هي التي معها الحساب وبها الإدراك ولها المراتب.

والنفس هي التي تخرج من جسد الإنسان فتظهر ظاهرة النوم عند الإنسان فينام، وإذا رجعت مرة أخرى أفاق واستيقظ. أما الروح إذا خرجت فلا تخرج إلا مع النفس، وإذا خرجت فإنه يكون قد مات. ولذلك سُمي النوم بالميتة الصغرى والموت بالنومة الكبرى.

رأي الإمام الغزالي في وحدة الروح والنفس واختلافهما بالاعتبار

[الشيخ]: ولذلك فهما يختلفان من هذا [الوجه]. فإذا رأى الإمام الغزالي في هذا الموضع أنهما كأنهما شيء واحد؛ لأنهما يحل بعضهما في بعض، ويبقى إذن الخلاف بالاعتبار.

يعني إذا اعتبرنا حياة الإنسان أسميناها روحًا، وإذا اعتبرنا إدراك الإنسان أسميناها نفسًا، والخلاف بسيط.

أركان الصورة الباطنة الأربعة وشرط اعتدالها لحسن الخلق

[الطالب]: كما أن للحسن الظاهر أركانًا كالعين والأنف والفم والخد، ولا يوصف الحسن الظاهر بالحسن ما لم يحسن جميعها، فكذلك الصورة الباطنة لها أركان لا بد من حسن جميعها حتى يحسن الخلق، وهي أربعة معانٍ:

  1. قوة العلم
  2. قوة الغضب
  3. قوة الشهوة
  4. قوة العدل بين هذه القوى الثلاث

فإذا استوت هذه الأركان الأربعة واعتدلت وتناسقت، حصل حسن الخلق.

اعتدال قوة العلم وثمرتها الحكمة التي هي رأس الفضائل

[الطالب]: وأما قوة العلم فاعتدالها وحسنها أن تصير بحيث يُدرَس بها الفرق بين الصدق والكذب في القول، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأعمال.

وحتى إذا صلحت هذه القوة كذلك، حصلت منها ثمرة الحكمة، وهي رأس الفضائل، بل قال الله عز وجل:

﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]

اعتدال قوة الغضب والشهوة ودور قوة العدل في ضبطهما

[الطالب]: وأما قوة الغضب فاعتدالها أن يقصر انقباضها وانبساطها على موجب إشارة الحكمة والشرع، وكذلك قوة الشهوة.

وأما قوة العدل فهي في ضبط قوة الغضب وقوة الشهوة تحت إشارة الدين والعقل. فالعقل منزلته منزلة النصح، وقوة العدل هي القدرة، ومنزلتها منزلة المنفذ الممضي لإشارة العقل.

والغضب والشهوة هما اللذان تنفذ بهما الإشارة، وهما كالكلب والفرس للصياد. فإن حَسُن بعض هذه دون بعض، كان كما لو حَسُن بعض أعضاء الوجه، فلا يُطلق اسم الحسن عليه إلا إذا حَسُن الجميع واعتدل. فإذا حَسُنت واعتدلت انشعب منه جميع الأخلاق المحمودة.

الشجاعة ثمرة اعتدال قوة الغضب وما ينشعب من إفراطها وتفريطها

[الطالب]: وأما قوة الغضب فيعبر عن اعتدالها بـالشجاعة، والله تعالى يحب الشجاعة. وإن مالت إلى طرف الزيادة سُميت تهورًا، وإن مالت إلى النقصان تُسمى جبنًا.

وينشعب من اعتدالها خلق الكرم والنجدة والشهامة والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتؤدة.

وأما إفراطها فيحصل منه خلق التهور والصلف والبذخ والاستشاطة والكبر والعجب. وأما تفريطها فيحصل منه الجبن والمهانة والذلة والخساسة وعدم الغيرة وضعف الحمية على الأهل وصغر النفس.

العفة ثمرة اعتدال قوة الشهوة وما يصدر من إفراطها وتفريطها

[الطالب]: وأما الشهوة فيُعبّر عن اعتدالها بـالعفة، وعن إفراطها بـالشره، وعن تفريطها وضعفها بـالخمود.

فيصدر من العفة: السخاء والحياء والصبر والسماحة والقناعة والورع والمساعد والظرف وقلة الطمع.

ويصدر عن إفراطها: الحرص والشره والوقاحة والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والملق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك.

تصحيح الشيخ لضبط كلمة الظَّرف في اللغة العربية

[الشيخ]: ولا يوجد في اللغة «الظُّرفُ» [بالضم]، بل هو «الظَّرفُ» [بالفتح]، سواء كان ما يوضع فيه الخطاب فهو ظرف، أو سواء ما كان من اللطافة والخفة فهو ظرف أيضًا، وليس في اللغة سواها، الظرف بالفتح.

وأما إذا مال إلى التفريط:

[الطالب]: وأن يصدر منه الخمود والتخنث.

اعتدال قوة العقل وما يصدر من إفراطها وتفريطها وحقيقة حسن الخلق

[الطالب]: وأما قوة العقل فيصدر منها اعتدالها: حسن التدبير وجودة الدين وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس.

وأما إفراطها فيحصل منه الجريرة والدهاء والمكر والخداع. ويحصل من تفريطها وضعفها: البله والحمق والغمارة والبلادة والانخداع.

فهذه هي روابط الأخلاق، وإنما معنى حسن الخلق في الجميع توسط بين الإفراط والتفريط؛ فخير الأمور أوسطها، وكل طرفي قصد الأمور ذميم. ولذلك قال الله عز وجل:

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29]

الآيات القرآنية الدالة على التوسط في الأخلاق والإنفاق

[الطالب]: وقال تعالى:

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]

وقال الله تعالى:

﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]

من غير تنوين، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، لا يوجد تنوين، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.

[الطالب]: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. ومهما مال واحد من هذه الجملة [أي من القوى الأربع] إلى الإفراط والتفريط فبعدُ لم يكمل حسن الخلق.

فصل في إصلاح الأخلاق الذميمة بالمجاهدة والرياضة

[الطالب]: فصل في إصلاح الأخلاق الذميمة بالمجاهدة: طريق إصلاح هذه الأخلاق كلها المجاهدة والرياضة.

ومعنى المجاهدة أن تكلف الصفة المفرطة الغالبة خلاف مقتضاها، فتعمل بنقيض موجبها. فإن غلب البخل فلا تزال تتكلف البذل بالجهد وتداوم عليه مرة بعد أخرى حتى يسهل عليك البذل في محله.

فإن غلب التبذير فلا تزال تتكلف الإمساك حتى يصير عادة فيسهل عليك الإمساك في محله، وكذلك في خلق الكبر وسائر الأخلاق. وقد ذكرناه في كتاب رياضة النفس على التفصيل.

الفرق بين التكلف والخلق الراسخ وأن التكلف طريق تحصيل الخلق

[الطالب]: وينبغي أن تعلم أن من يبذل تكلفًا فليس بسخي، وأن من يتواضع تكلفًا وهو ثقيل على نفسه فهو عاطل عن خلق التواضع. بل الخلق عبارة عن هيئة للنفس ويصدر عنها الفعل بسهولة من غير روية وتكلف.

لكن التكلف هو طريق تحصيل الخلق؛ فإنه لا يزال يتكلف أولًا حتى يصير ذلك طبعًا وعادة. فيُفهم من هذا أن البخيل قد يَبذُل، وأن السخي قد يُمسك، فلا تنظر إلى الفعل بل إلى الهيئة الراسخة التي تصدر منها الأفعال بيسرٍ وسرعةٍ من غير تكلفٍ.

تفاوت الناس في حسن الباطن وثناء الله على خلق النبي ﷺ

[الطالب]: واعلم أن تفاوت الناس في حسن الباطن كتفاوتهم في الحسن الظاهر، ولن يسلم الحسن المطلق إلا على الندور. وإنما سلم ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثنى الله سبحانه عليه فقال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

وليست النجاة موقوفة على الكمال البالغ، لكن على أن يكون الميل إلى الحسن أكثر. فإن القبيح المطلق في الظاهر ممقوت، والحسن المطلق معشوق، وما بينهما درجات. فالقريب من الحسن المطلق أسعد في الدنيا من القريب إلى القبيح المطلق، فكذلك تتفاوت سعادة الآخرة بحسب تفاوت حسن الصورة الباطنة.

فصل في التحذير من الغرور بحسن الخلق ومواقع الاغترار بالنفس

[الطالب]: فصل في التحذير من الغرور: واعلم أنك قد تظن بنفسك حسن الخلق وأنت عاطل عنه، فإياك أن تغتر. وينبغي أن تحكم فيه غيرك، فتسأل عنه صديقًا بصيرًا لا يداهنك.

وبالجملة، إذا نسبك غيرك إلى سوء الخلق أوشك أن تكون كذلك؛ لأن أكثر الأخلاق يتعلق بالغير. فينبغي أن تظهر لهم من مواقع الغرور فيه، مثلًا أن تغضب فتظن أنك تغضب لله تعالى، وتُظهر العبادة وتظن أنك تُظهرها للاقتداء، وأن تكف عن الأكل أو عن طلب الدنيا أو تكظم الغيظ، وإنما يهون ذلك عليك أن تُعرف به فيكون الرياء هو الباعث على الجميع.

تعليق الشيخ على مواقع الغرور في الأخلاق وخطر الرياء

[الطالب]: ولذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور من الإحياء، فإن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاؤه.

[الشيخ]: فينبغي أن تظهر لهم، أي ينبغي أن تظهر لهؤلاء [الناس]، وبداية الكلام: ومن مواقع الغرور فيه مثلًا أن تغضب فتظن أنك تغضب لله، وتُظهر عبادة وتظن أنك تُظهر الاقتداء، أو تكفّ عن الأكل أو عن طلب الدنيا أو تكظم الغيظ، وإنما يهون عليك ذلك أن تُعرف به فيكون الرياء هو الباعث على الجميع.

ولذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور إلى آخر ما قال رضي الله تعالى عنه.

فصل في بيان الأخلاق المذمومة والبدء بالأهم فالأهم في إصلاحها

[الطالب]: فصل في بيان الأخلاق المذمومة: وينبغي أن تتفقد هذه الأخلاق في قلبك وتبدأ بالأهم فالأهم، فتُقبِل على أغلب هذه الصفات فتكسرها على التدريج.

وأظن أن الأغلب عليك حب الدنيا، وسائر المعاصي والأخلاق المذمومة تتبعها. ولا يمكنك الخلاص من حب الدنيا إلا بأن تطلب خلوة خالية وتتفكر في سبب إقبالك على الدنيا وإعراضك عن الآخرة، فلا تجد له سببًا إلا محض الجهل والغفلة.

التفكر في قصر الدنيا مقارنة بالأبد وضرب المثل بالدرر والطائر

[الطالب]: فإن أقصى عمرك في الدنيا مائة سنة، فهب أن مملكة وجه الأرض تُسلّم لك من المشرق إلى المغرب في مائة سنة، أليس يفوتك بها المملكة في مدة لا آخر لها وهي مملكة الآخرة؟

فإن كان لا يدخل في خيالك طول الأبد، فقدّر الدنيا كلها مملوءة بالدرر، وقدّر طائرًا يأخذ في كل ألف ألف سنة حبة واحدة، فستفنى تلك الدرر ولم ينقص من الأبد شيء؛ لأن الباقي أيضًا لا نهاية له كما كان قبل ذلك.

مقارنة تعب الدنيا بنعيم الآخرة واستحقار العمر بالإضافة إلى الأبد

[الطالب]: وأنت ترى نفسك ترضى بتعب الأسفار إما في تجارة أو في طلب رئاسة، وهذا التعب الناجز لأجل شيء موهوم ربما يدركك الموت قبله، وربما لا يصفو إليك إلا إن ظفرت به.

وإنما ترضى بذلك لأنك تستحقر التعب سنة مثلًا بالإضافة إلى بقية العمر، وجملة عمرك بالإضافة إلى الأبد أقل من سنة بالإضافة إلى عمرك، لا إضافة بينهما. فتفكر فيه لينكشف لك جهلك على القرب.

الرد على من يتوقع العفو مع خراب الأعمال وتشبيهه بتوقع كنز في خراب

[الطالب]: ولعلك تقول: إنما أفعل ذلك على توقع العفو، وإن الله تعالى كريم رحيم. فأقول: ولِمَ لا تترك الحراثة والتجارة وطلب المال على توقع العثور على كنز في خراب؟ فإن الله كريم لا ينقص من ملكه شيء، ولو عرَّفك في منامك كنزًا من الكنوز حتى تأخذه.

فإن قلت: ذلك نادر، وإن كان داخلًا في قدرة الله تعالى. واعلم أن توقع العفو مع خراب الأعمال والأخلاق كتوقع كنز في خراب، بل أبعد منه وأندر.

وقد نبهك الله تعالى عليه فقال:

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]

[الشيخ]:

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]

[الطالب]:

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]

الآيات الدالة على عدم التسوية بين المؤمنين والمفسدين والترغيب عن طلب المال

[الطالب]: وقال تعالى:

﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]

ورغّبك عن طلب المال فقال:

[الشيخ]: ورغّبك عن طلب المال.

[الطالب]: ورغّبك عن طلب المال، فقال:

﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]

فما بالك تكذب بكرمه في الدنيا ولا تتكل عليه، ثم تخدع نفسك بالكرم في الآخرة وأنت تعلم أن رب الدنيا والآخرة واحد.

فصل في بيان أمر الآخرة وأصناف الناس الأربعة فيها

[الطالب]: فصلٌ في بيان أمر الآخرة وذكر أصناف الناس فيها: ولعلك تقول: عواقب أمور الدنيا قد انكشفت لي بالعيان واطمأن قلبي إليها، وأما أمر الآخرة فلم أشاهده ولست أجد التصديق الحقيقي في قلبي، فلذلك فترت رغبتي في ترك الدنيا نقدًا بما هو موجود نسيئة ولست أثق به.

فأقول: لو كنت من أرباب البصائر لانكشف لك أمر الآخرة صريحًا كما انكشف أمر الدنيا. فإن لم تكن من أهله فتفكر في أقاويل أرباب البصائر، فإن الناس في أمر الآخرة أربعة أصناف.

الصنف الأول والثالث من أصناف الناس في أمر الآخرة واتفاق النظار على السعادة المؤبدة

[الطالب]: صنف أثبتوا الجنة والنار كما ورد به القرآن، وقد سمعت أنواع نعيمها وأنكال جحيمها، وسبيل التخيل كما في الكتاب حتى يكون كل واحد في جنة أو نار يراها وحده، وزعموا أن تأثير ذلك فيه كتأثير الحقيقة؛ لأن تألم النائم كتألم اليقظان، وإنما يخلص عنه بالتنبه، وذلك في الآخرة دائم لا انقطاع له.

وصنف ثالث أثبتوا آلامًا عقلية ولذات عقلية، وزعموا أن ذلك أعظم من الحسية، ومثلوا ذلك باستشعار لذة الملك واستشعار زوالها؛ فإن زوال الملك يورث آلامًا كثيرة بدنية على ما يظفر به عدوه ويأخذ مملكته ويستسخره، مع أن ظفر العدو لا يؤلم البدن.

اتفاق الأنبياء والأولياء والحكماء على إثبات السعادة المؤبدة بترك الدنيا

[الطالب]: وهؤلاء هم أصناف النظّار، أعني الأصناف الثلاثة، وفيهم الأنبياء والأولياء والحكماء، وكلهم اتفقوا على إثبات سعادة مؤبدة وشقاوة مؤبدة.

فإن السعادة لا تُنال إلا بترك الدنيا والإقبال على الله عز وجل. ولو مرضت ولم تكن من أهل البصيرة في طب، ورأيت أفاضل الأطباء قد اتفقوا على شيء، لم تتوقف في اتباعهم.

الصنف الرابع من الناس وهم الأطباء والمنجمون الذين لم يدركوا حقيقة الروح

[الطالب]: والصنف الرابع ليسوا من النُّظَّار في الأمور الإلهية، بل هم من الأطباء والمنجمين، اقتصر نظرهم على الطبائع الأربع ومزاجها، ورأوا قوام الروح موقوفًا عليها، ولم يتفطنوا لحقيقة الروح الإلهية الحقيقي الذي هو العارف بالله تعالى.

بل لم يدركوا إلا الروح الجسماني الذي هو بخار أنضجته حرارة القلب ينتشر في العروق والضوارب إلى جميع البدن، فيقوم به الحسّ والحركة، وهي الروح التي توجد للبهائم أيضًا.

الروح الخاص الإنساني المنسوب إلى الله وموقف من ظن أن الموت عدم

[الطالب]: فأما الروح الخاص الإنساني المنسوب إلى الله سبحانه حيث قال:

﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [ص: 72]

فلم يتفطنوا له، فظنوا أن الموت عدم وأنه يرجع إلى فساد المزاج. وأنت في حق هؤلاء بين أمرين: إما أن تجوّز غلطهم، أو تعلم قطعًا صحة قولهم.

وإن جوَّزت خطأهم لزمك الإعراض عن الدنيا بمجرد الاحتمال؛ فإنك لو كنت صادق الجوع وظفرت بطعام وهممت بأكله، فأخبرك صبي أن فيه سمًّا أو حية ولغت فيه، قاسيت الجوع وتركت الأكل؛ لأنك تقول: إن كان كاذبًا ليس يفوتني إلا لذة الأكل، وإن كان صادقًا ففيه الهلاك.

الاحتمال يوجب الحذر من النار وشعر المتنبه لخطر إنكار البعث

[الطالب]: وبمثل هذا الاحتمال لا يمكن الهجوم عليه. فليت شعري مَن يحتمل الخلود في النار؟ فكيف يستجرئ العاقل الهجوم عليه، وكيف لا يكون كاليقين التام في الحذر منه.

حتى تنبّه الشاعر مع ركاكة عقله فقال:

زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تُحشر الأموات، قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر وإن صح قولي فالخسار عليكما

الرد على من يدعي يقين عدم البعث وبيان فساد مزاجه وركاكة عقله

[الطالب]: فإن قلت: إني أعلم ضرورة صدق هؤلاء وأن الموت عدم وأنه لا عقاب ولا ثواب، وأن الأنبياء والأولياء كلهم مغرورون أو ملبَّس عليهم، وإنما الذي انكشفت له حقيقة الحق هو هذا الطبيب الجاهل. وزعمت أنك تعلم ذلك كما تعلم أن الاثنين أكثر من الواحد حتى لا يخالجك فيه ريب، فيدل هذا على فساد المزاج وركاكة العقل والبعد عن قبول العلاج.

ولكن هذا يقال لك: إن كنت تطلب الراحة في الدنيا فقد يتقاضاك عقلك أيضًا مجاهدة الشهوات وكسرها؛ فإن الراحة في الحرية والخلاص في كسر الشهوات لا في اتباعها.

الشهوات آلام ناجزة والمستريح في الدنيا هو تاركها والزاهد فيها

[الطالب]: فإنها [أي الشهوات] إذا تسلطت على النفس فهي آلام ناجزة تحمل النفس على احتمال كل ذل ومشقة. وما المستريح في الدنيا إلا تاركها والزاهد فيها، وأما طالبها فلا يزال منها في عناء.

فالمعطِلُ أيضًا أنه إنْ عَقَلَ قليلًا تَرَكَ الدنيا لكثرة عنائها وسرعة فنائها وخِسَّةِ شركائها. وإنْ لم تكنْ في أمر الآخرة على تخمينٍ، ولا من مشاهدة آفات الدنيا على يقينٍ، فما أنت إلا من الحمقى المغرورين.

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88]

ولمثلك يُقال:

﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3]

دعاء الشيخ بالنفع من علوم الإمام الغزالي وبيان أقسام كتاب الأربعين

[الشيخ]: نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قرأنا وبما تعلمنا من الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في هذا التقسيم الرائع الذي جعل أربعين أصلًا من أصول الدين على أربعة أقسام، وانتهينا هكذا من القسم الثالث، ويتبقى القسم الرابع. نرجو أن تُتاح لكم فرصة قراءة وإتمام الكتاب.

القسم الأول كان في جمل من العلوم وهي عشرة، والحمد لله أتممناه، وبه كأننا نتم الإناء الذي ستوضع فيه الآثار والأنوار والأسرار والثواب والدرجات، ولذلك بدأ به في جمل العلوم وأصولها.

بيان أقسام كتاب الأربعين الأربعة من العلوم إلى الأخلاق المحمودة

[الشيخ]: ثم أيضًا في القسم الثاني تكلم في الأعمال الظاهرة التي تمثل الإناء المباشر الذي صُنع في البناء على جمل العلوم وأصولها من العقيدة، فتكلم عن الأعمال الظاهرة من الصلاة والزكاة والصيام والحج.

ثم بعد ذلك تحدث عن المرتبة الثالثة في تزكية القلب، وهو يسير بذلك مع حديث جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان.

بعد ذلك فصّل لأهمية درجة الإحسان في القسم الرابع في الأخلاق المحمودة، كيف الوصول إليها، وما البرامج التي توصلنا إلى درجة الأخلاق المحمودة.

دعاء الشيخ الختامي بالفتوح والرحمة والحشر تحت لواء النبي ﷺ

[الشيخ]: فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا فتوح العارفين به، وأن يجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة، وأن ينفعنا بما قدم آباؤنا وأجدادنا وأسلافنا من الصالحين كالإمام الغزالي.

هذا العلم الذي يبقى إن شاء الله إلى أن نلقى الله سبحانه وتعالى وهو عنا راضٍ، وأن ينقلنا من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، وأن يحشرنا جميعًا تحت لواء نبيه يوم القيامة، وأن نشرب من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم يدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

فإننا في حاجة إلى رحمته وليس في حاجة إلى مؤاخذتنا. فاللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.

الدعاء بأن يكون القرآن ربيع القلوب والتوصية بنسخة دار المنهاج

[الشيخ]: واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين.

وكتاب الأربعين في أصول الدين النسخة المعتمدة التي بُذِلَ في تحقيقها وتنقيحها وضبطها مجهود كبير هي نسخة دار المنهاج، والتي كانت المرجع في هذه القراءة.

ونلتقي إن شاء الله على خير، وكل عام أنتم بخير بمناسبة تشرف العالم بأنوار النبي: وُلِدَ الهدى فالكائنات ضياء، وفم الزمان تبسم وثناء. فالزمان يتبسم والمؤمنون يفرحون بهذه المناسبة.

سؤال حول سب النبي ﷺ وتوجيه الشيخ بأن الله تكفل بنصرته

[الشيخ]: عسى الله سبحانه وتعالى أن ينظر إلينا بنظر الرحمة وأن يجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[الطالب]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. سيدي، الدكتور يطرح علينا سؤالًا في هذه الأيام بسبب سب النبي صلى الله عليه وسلم ونشرِ الكثير من الإساءات إليه، فالكثيرون يلوموننا على تجاهل هذا الموقف، ونحن نريد منكم توجيهًا لمحبيكم ولطلبة العلم حول مسألة سب النبي صلى الله عليه وسلم.

[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم ليس في حاجة إلينا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له ربه:

﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]

ويقول:

﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]

فعل الله في المستهزئين بالنبي ﷺ والتوجيه بالإكثار من الصلاة عليه

[الشيخ]: نحن نشاهد فعل الله في خلقه، وهؤلاء كلما ابتلاهم الله سبحانه وتعالى ببلاء حتى يستكينوا وحتى يتضرعوا، ويزدادون غلوًّا في ادعاء المظلومية والظلم، وخاصةً ضد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]

ونحن نتجاوز هذا ونكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وننشر أمداحه الكريمة. كما قالوا: دع الكلاب تنبح والقافلة تسير [أي: امضِ قُدُمًا، ولا تلتفت لمن يريد أن يعرقل مسيرتك].

وكان الإمام الشافعي يقول: لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا، لأصبح الصخر مثقالًا بدينار.

النبي ﷺ يزداد رفعة بالظلم وتكفل الله بالمستهزئين والختام

[الشيخ]: فنحن نترك هؤلاء ثم ننظر فعل الله فيهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الظلم يزداد عند الله رفعةً فوق رفعة، والدرجات لا نهاية لها. كما أننا نقرأ الفاتحة ونقول زيادةً في شرف النبي؛ لأن زيادة العدد لا نهاية لها، كلما وصلنا إلى شيءٍ فهناك إضافة لهذا الشيء.

ولذلك فنحن نتوكل على الله ونظل على منهجنا ونتأمل فعل الله في خلقه، ثم بعد ذلك نكثر من أداء حق النبي أو بعض حق النبي في أعناقنا؛ لأننا لا نستطيع أن نؤديه كله مهما فعلنا.

وعلى كل حال:

﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]

فهذا في الدنيا والآخرة. ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح أعمالنا، ونلتفت إلى عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس، ودعوا هؤلاء الأسافل؛ لأن ربنا تكفل بهم في تلك الآية العظيمة:

﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]

[الطالب]: جزاكم الله خيرًا يا سيدي.

[الشيخ]: بارك الله فيكم، مع السلامة.