التراث بين التجديد والتقديس | أ.د علي جمعة | 29 - 01 - 2022 - التراث

التراث بين التجديد والتقديس | أ.د علي جمعة | 29 - 01 - 2022

49 دقيقة
  • التجديد ينطلق من استيعاب التراث والبناء عليه، فالتراث يضم مسيرتنا الفكرية وحركتنا العملية ويقبل الإضافة دائماً.
  • الصراع بين التراثيين والحداثيين ينشأ حين يُفقد المشترك بينهم، ولو وُحّدت معاني المصطلحات لانتهى ثلاثة أرباع الخلاف.
  • التراث يشتمل على مناهج ومسائل، فالمناهج تُعد أصولاً ينبغي التعمق في فهمها، أما المسائل فهي زمنية تخدم وقتها وتنتهي.
  • من المناهج الإسلامية الفريدة منهج التوثيق الذي لم تُؤتَه أمة من قبل أو من بعد.
  • أول درجات التجديد الاهتمام بالمنهجية لإدراك الواقع المتغير المتراكب المعقد.
  • التجديد يحتاج خمسة أركان: المنهجية، المعرفية، النموذج المعرفي، الموقف من التراث، وإدراك الواقع.
  • وسائل توصيل التجديد تشمل التعليم والثقافة السائدة والإعلام والخطاب الجماهيري.
  • التقديس يعني الشلل التام وسحب الماضي على الحاضر، أما التجديد فهو الانطلاق من التراث وتطويره ليواكب العصر.
محتويات الفيديو(47 أقسام)

افتتاح ندوة التراث بين التجديد والتقديس في جناح الأزهر الشريف

السيدات والسادة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بحضراتكم في جناح الأزهر الشريف بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الثالثة والخمسين. أهلًا بكم في هذه الندوة التي تأتي تحت عنوان: التراث بين التجديد والتقديس.

السيدات والسادة، إن التجديد ينطلق في خطوات مفتوحة من استيعاب التراث والبناء عليه، يُحيي ثم التعمق في كل علم وفن ومنهج لنجدد الدنيا بالدين. فالتراث يضم مسيرتنا الفكرية وحركتنا العملية التي تتضمن فعلنا الحضاري وإبداعاتنا الفكرية والفنية والتطبيقية، وهو إنتاج حي يقبل الإضافة دائمًا.

الرد على من يزعم أن التراث لا يقبل التجديد ويجب اقتلاعه من جذوره

أما ما يزعم البعض من أن التراث لا يقبل التجديد وأنه يجب اقتلاعه من جذوره، إنما يعني قصور أدواتهم ورغبتهم في العمل على الحل السهل بدلًا من البناء الإيجابي الصعب. وهو ما عبّر عنه أمير الشعراء شوقي قائلًا:

لا تحزوا حزو عصابة مفتونة، يجدون كل قديم شيء منكرًا، ولو استطاعوا في المجامع أنكروا من مات من آبائهم أو من بَرا، من كل ماضٍ في القديم وهتين، وإذا تقدم في البناية فسرا، وأتى الحضارة في الصناعة ركلة، والعلم نثرًا والبيان مذكرًا.

لذلك يجب أيها السادة على من يتصدى لمهمة التجديد أن يكون راسخًا في دراسة المنقول والمعقول، فاهمًا لطبيعة التراث ولطبيعة المناهج ولأدوات التجديد الفكرية المستخدمة في البحث والتقصي.

تقديم فضيلة الدكتور علي جمعة وطرح سؤال الصراع بين التراثيين والحداثيين

أتشرف في هذا اللقاء بضيافة العالم الجليل والأستاذ الكبير الذي تربيت كواحد من أبناء جيلي على أحاديثه وفتاويه عبر شاشات التلفاز وأثير الإذاعات، فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء من الأزهر الشريف ورئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب. أهلًا بكم فضيلة الدكتور، مرحبًا بك.

في البداية اسمح لي: هل هناك صراع حقيقي بين التراثيين والحداثيين؟ وإذا كان هناك صراع، فمن يؤجج هذا الصراع؟

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. الصراع يكون عندما لا يكون هناك مشترك؛ فإذا فُقد المشترك بين أي طرفين بدأ الصراع، وإذا وُجد المشترك بدأ التفكر والحوار وبدأ التفاهم والنقاش ويبدأ العمل والانطلاق.

التراث مشترك بيننا وبين العصر والصراع ناتج عن الجهل بالتعريفات

ولذلك فإن ظاهرة الصراع في حد ذاتها مبنية على المخالفة التامة، بحيث أنه لا يوجد مشترك. والحقيقة أن التراث هو مشترك بيننا وبين العصر الذي نعيش فيه؛ فيجب ألا يكون هناك صراع.

والصراع حينئذ من شأن من جهل؛ فما دام قد جهل فهناك صراع على غير الحق. وما دام هذا الإنسان عنده فهم، فإنه سيجد نفسه في المشترك الإنساني، أو في المشترك الواقعي، أو في المشترك الديني، أو في أي مشترك كان يأبى الصراع.

فهذا هو الحاصل: أن مَن تعرَّض للصراع في مسألة المعاصرة والتراث افتقد تعريف الأشياء. وتعريف الأشياء أمر مهم، والاتفاق عليها أهم.

أهمية توحيد المصطلحات في حل الخلاف كما قال ابن حزم الأندلسي

ويقول ابن حزم الأندلسي: لو أن أهل الأرض وحَّدوا معاني المصطلحات لانتهى ثلاثة أرباع خلافهم. فثلاثة أرباع الخلاف ناشئ من اختلاف الناس فيما بينهم في تعريف الكلمات والمصطلحات والألفاظ الجارية في النقاش.

نعم، المصطلح له لفظ وله معنى، واللفظ له بعلاقته مع المعنى وضعٌ وباستعماله وبحمله. فيقول [الدكتور علي جمعة]: هذا الذي تعلمناه من التراث المنقول والذي لا يمكن أن يتم الأمر إلا به. الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما.

وهذه قاعدة غاية في الأهمية؛ لأنها ضابطة للفهم في قضايا التحاور بين الناس وفي قضايا تبادل المعرفة بين الخلق.

شرح قاعدة الاستعمال والحمل والوضع في فهم اللغة والتفاهم بين الناس

الاستعمال من صفة المتكلم، وأنا أستعمل الكلمات أعني بها شيئًا قائمًا في ذهني. هذا الشيء الذي هو قائم في ذهني تحمله أنت على معناه الصحيح أو على معناه غير الصحيح. فإذا حملته على معناه الصحيح تم التفاهم، وإذا حملته على المعنى غير الصحيح لم يتم التفاهم.

حول ما تعنيه هذه اللفظة: وضعها بإزاء معناها أو معانيها أمر سابق عن العصر. من الذي سمى ما فوقنا سماءً؟ ومن الذي سمى ما تحتنا أرضًا؟ إنها اللغة. وفي واضع اللغة خلاف: هل هو الله أم البشر؟ الأصول وضعها الله ثم علّم البشر قواعد الاشتقاق، كلام كثير من العلماء.

الفرق بين الاستعمال والحمل وأثره في ضبط الجدال وتوحيد المصطلحات

إذن فالاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما. عندما أقول لك: رأيت أسدًا وأعني أسدًا حيوانًا مفترسًا، وأنت تحمله على الرجل الشجاع، يبقى إذن هناك فارق بين الاستعمال وبين الحمل.

هذه اللغة هي التي تضبط جدال البشر؛ فيجب علينا أثناء هذا الجدال ويجب على الجميع أن نوحد مصطلحاتنا. فما الذي نعنيه بالتراث؟ هذا تعريف للتراث يجب علينا أن ننطلق منه.

تعريف التراث بين قانون الآثار وعلاقته بالزمن والهوية الحضارية

عندما يصدر قانون مثل قانون الآثار، يُعَدُّ كل ما كان في عصر الخديوي إسماعيل وقبله فهو أثر يحتاج إلى التعامل معه على أنه أثر، وما بعده ليس بأثر.

حسنًا، هل ما قبل [ذلك هو] التراث؟ التراث يبدأ من الخديوي إسماعيل بناءً على هذا؛ لأنه في عالم الأشياء بدأت من الخديوي إسماعيل، وبعد ذلك قالوا مائة سنة. إذن، فهل التراث هو الذي بدأ من مائة سنة؟ فيكون كلامك عن أحمد شوقي الآن من التراث.

إذن، نحن نعيش التراث، والتراث ليس بعيدًا عنا؛ لأنه جزء لا يتجزأ من كينونتنا.

أصل كلمة التراث عند أبي هريرة وسلسلة تراثنا للدكتور طه حسين

ولكن هذا أمر قديم. قال أبو هريرة رضي الله عنه: أدركوا تراث محمد فإنه في المسجد، فذهبوا مسرعين إلى المسجد فوجدوهم يقرؤون القرآن. فسمى القرآن من غير اصطلاح، تسمية لغوية، سماه تراثًا؛ لأنه موروث عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

كلمة "تراثنا" بدأها الدكتور طه حسين رحمه الله تعالى عندما كان مسؤولًا عن إصدار سلسلة فيما سُمي بعد ذلك بالهيئة المصرية العامة للكتاب. وطُبع فيها مجموعة كبيرة من الكتب التي تتحدث في المعقول والمنقول؛ طُبع في "تراثنا" تفسير القرطبي، وطُبع في "تراثنا" كتاب التوحيد لعبد الجبار المعتزلي، وطُبع في "تراثنا" كتب كثيرة جدًا.

التراث نتاج فكري للأمة لا يجوز هدمه بل يجب التعامل معه بعقلانية

وبدأت الكلمة تنتشر وتُطلق على كل نتاج فكري مر عليه السنون. كيف أهدم نتاجًا فكريًا لأمتي؟ كيف أخرج منه خروجًا مزريًا؟

فيجب علينا أن نكون عقلاء وأن نتعامل بمشترك يمنع هذا الصراع ويجعل هناك مناقشة جادة وجدلًا نافعًا حول قضية التراث.

التراث يشتمل على مناهج ومسائل والمناهج هي الأصول التي يجب التعمق فيها

هناك مقولة مشهورة لفضيلتكم [الدكتور علي جمعة]، وصُحح فيها بأنه لا بد أن نتعلم مناهج التراث دون أن نقف عند مسائل هكذا. التراث يشتمل على مناهج ويشتمل على مسائل.

المناهج كثيرة وتُعدُّ أصولًا ينبغي أن نتعمق في فهمها، وقواعد ينبغي أن ندرك عمقها. هذه المناهج - والمناهج جمع منهج - قد تكون قليلة في عصرنا الذي نعيش فيه، فنضيف لها مناهج من جنسها، ونرى كيف ينشأ المنهج والشروط التي ينبغي أن تتوفر فيه حتى يكون مستقيمًا نافعًا ممتعًا جامعًا مانعًا، لا بعكس تلك الصفات من أن يكون مدمرًا لا معمرًا.

التجديد يشتمل على المنهجية وهي كيفية إنشاء المنهج عند المسلمين

ومن هنا تصبح مسألة التجديد - وهي الكلمة الثانية عندك [في عنوان الندوة] بين التجديد والتقديس - تشتمل اشتمالًا حقيقيًا على ما يسمى بالمنهجية.

كلمة المنهجية في لغة العرب وهي كيفية إنشاء المنهج، وهو الفن الذي منّ الله به على المسلمين. فمنّ الله على المسلمين بمنهج توثيقي وثّقوا به نصهم المقدس القرآن، ونصهم المقدس الشارح [وهو] السنة.

هذا المنهج فريد وحيد؛ لم يكن من قبل لأمة ولم يكن من بعد أن وثّق أهل فكر كما وثّق المسلمون عناصر مرادهم. وثّقوا القرآن وجعلوا هناك ما يسمى بالسند، وجعلوا السند درجات وأنواع: متواتر وآحاد وعزيز ومشهور.

تفرد الأمة الإسلامية بمنهج التوثيق الذي يخدمه أكثر من عشرين علماً

عمل كبير، ليس هناك أمة على وجه الأرض من قبل ومن بعد أُوتيت منهج التوثيق. منهج التوثيق الذي يخدمه أكثر من عشرين علمًا: من علوم الرجال، ومن علوم المصطلح، ومن علوم الدراية، ومن علوم الرواية، ومن علوم التضعيف، ومن علوم التوثيق.

لا، ليس هناك أحد في الأرض هكذا، ليس هناك أحد في الأرض يعني. الذين يطعنون في هؤلاء التراثيين ويطعنون في مناهجهم هم أنفسهم لم يستحدثوا من المناهج ما يجعلهم قادرين. لم يحدث، لم نرَ.

نحن رأينا كتب الرجال مطبوعة موجودة هنا في معرض الكتاب بالعشرات، لا بالمئات، بل بما هو فوق المئات بكثير.

لا توجد أمة على وجه الأرض فعلت مع تراثها ما فعله المسلمون في التوثيق

يعني أستاذنا، هذه الكلمة ينبغي أن تصطف، هيا غنِّها، غنِّ، اعمل لها أغنية؛ لأنه ليس هناك على وجه الأرض أمة فعلت هذا مع تراثها ولا مع كتبها ولا مع توثيقها ولا أي شيء.

نحن فعلنا هذا في مجال اللغة، نحن فعلنا هذا في مجال القرآن. ابن الجزري في كتابه طيبة النشر في القراءات العشر أكثر من ألف سند للقرآن أهو واحد؟ وفي كتاب واحد أورد ألف سند في القرآن الكريم؟

مَن فعل هذا؟ أين نجد مثل هذا في علوم الهند أو في علوم الغرب أو اليونان أو في علوم المصريين القدماء أو من بعدهم؟ ذلك أو في أي مكان، مذهب ديني أو أخلاقي في الأرض وثّق كل ما يتعلق به؟ ليس هناك شيء.

منهج الفهم عند المسلمين من خلال دراسة اللغة والبلاغة والنحو والمعاجم

منهج التوثيق، منهج الفهم: منهج الفهم عندما يدرسون اللغة بهذا العمق - دلالة للألفاظ والتراكيب والبلاغة بأنواعها والنحو والصرف وغيرها - ويضعون هذه المعاجم، وكل ذلك لخدمة المحور الذي يتكلمون عنه.

هذا منهج، منهج الفهم هذا شاركنا فيه بعضهم [من الأمم الأخرى]، لكن منهج التوثيق لم يشاركنا فيه بعضهم.

تفرد المسلمين بمنهج التفكير والقياس والإلحاق في أصول الفقه

منهج التفكير: قضية الظن والقطع، قضية الإلحاق - يسمونها عندنا في الأصول القياس - لا، ليس هناك، ليس هناك على وجه الأرض من قام بقضية الإلحاق. ليس هناك على وجه الأرض من قام بالمناسب والعلة وقوادح العلة وشروط العِلّة.

أنه لم يحدث هذا من قبل ولم يحدث في التاريخ أن فعل أحد هذا. يأخذون النتائج ويقلدونها، نعم حدث ذلك في مساحة طويلة عريضة عندما رأوا تفكير المسلمين هكذا: كيف يوثّقون، وكيف منهج الحجية، ومنهج الحقيقة.

أنا منبهر، فكيف نهدم كل هذا؟ بينما ترك لنا السلف مناهج.

إمكانية إضافة مناهج جديدة والاستفادة من الغير بشرط وحدة المنطلق

هل يمكن أن نضيف منهجًا آخر؟ نعم، يمكن أن نضيف منهجًا آخر. هل يمكن أن نستفيد من غيرنا؟ نعم، بشرط أن يكون المنطلق واحدًا.

غيرنا منّ الله عليه بمنهج إدراك الواقع المتغير. ليس لدينا إدراك للواقع [المتغير]؛ لأنه كان الواقع رتيبًا لا يتغير، فلم نكن في حاجة إلى أن نضع منهجًا لإدراك الواقع المتغير. لكن الواقع نعم عندنا، أما المتغير فهي صعبة قليلًا.

وحدث أن مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية نشأت في منتصف القرن التاسع عشر ابتغاء إدراك الواقع.

الفرق بين المنهج والمنهجية وعلاقتهما بالتجديد كالشجرة والثمرة

المنهج والمنهجية هذه سموها في الإنجليزية "ميثودولوجي" (Methodology)، وهناك فرق بين "ميثود" و"ميثودولوجي". ميثودولوجي تعني هذا الذي يجعلك قادرًا على وضع المنهج، فيكون إذن المنهج نتاجًا، والمنهجية الثمرة.

كان فرق بين الثمرة والشجرة؛ فالشجرة نحن ندرس الآن الشجرة التي تأتي منها ثمرة. نعم، هذا المنهج هذا مثل، لكن المنهجية التي هي الشجرة، فأنا أريد منهجية لإدراك الواقع المتراكب المتغير.

فيصبح إذا أضفتها ويصبح هذا تجديدًا. فتكون أول درجات التجديد: الاهتمام بالمنهجية لإدراك الواقع المتغير.

الواقع المعاصر شديد التعقيد والتغير يحتاج منهجاً لدراسة المتحرك لا الساكن

الواقع أصبح بالاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة شديدة التعقيد، شديدة التداخل والتغير والتدهور والتطور. فنريد منهجًا لدراسة ذلك المتحرك وليس ذلك الساكن كما كان.

يعني هناك، يعني لا بد أن نفرق بين الثابت والمتغير في التعامل مع قضية الدراسة. ليست كلمة ثابت ومتغير المتبادرة إلى الذهن حتى لا نشوش على هذا المعنى. هذا متحرك وساكن.

الثابت والمتغير [بالمعنى الشرعي]: أن الثابت هو القرآن، وأن الثابت هو الصلاة، وهو العبادات، وهو المقطوع به.

التفريق بين الساكن والمتحرك في الواقع وضرورة توحيد المصطلحات

حسنًا، فلكي نلتزم بمصطلحاتنا حتى يتم التفاهم، دعنا نُبعد ما له معنى الآن وهو الثابت والمتغير [بالمعنى الشرعي]، ولنجعلها الساكن والمتحرك. الفرق بين السماء والأرض.

ها هو أصبح الثابت يُطلق على ذلك القدر من الدين الذي ليس بأيدينا ولا يمكن أن يكون لنا أن نغيّره: الصلاة والصيام وحرمة الخمر ووجوب الحج. هكذا هو واضح.

هذه هي أول الإشكالية من مفهوم النسبية: ما هذا الثابت؟ أما الساكن فهو الواقع قبل ألف وثمانمائة وخمسين.

مثال الرق كنموذج للواقع الساكن الذي تغير بتغير الزمان

كيف كان [الواقع] ساكنًا؟ في رقّ العالم كله، في رقّ... محمد صافي رشد، سرعة التوجه إلى مكتب العمليات التي حدثت أربعة، هيا يا محمد، محمد صافي رشد. أنا أعرف ما هو خارج الآن، لكن بساعده.

يعني ألف وثمانمائة وخمسين، أنا أريد أن أكفّر عن ذنبي، أعتق رقبة، أجد رقبة، أنزل السوق أجد رقبة. ألف وثمانمائة واثنين وخمسين العالم اتفق أن الرق انتهى، وأبراهام لينكولن كان هناك في أمريكا وقال: ما هذا الكلام الفارغ الذي نفعله؟ وذهب وألغى الرق، ونحن معه وألغينا الرق.

الآن لا أجد أحدًا أعتقه. نعم، لقد تغير العالم.

الفرق بين الساكن والمتحرك وأثر تغير الواقع على الأحكام الشرعية

إذن كان هذا ساكنًا. ماذا يعني ذلك؟ يعني لو أن سيدنا عمر ظهر وقال: أريد يا أبناء [الأمة] أحرر رقبة، قوم كان فيهم رقبة، لو ظهر الآن لن يجد رقبة. ها هو الساكن، وها هو المتحرك.

المتحرك يعني المتغير كل يوم، هو في شأن. يعني لم يكن هناك في ذلك الوقت إنترنت ولا فيسبوك ولا أي شيء، لم تكن هناك اتصالات أو مواصلات أو تقنيات حديثة أو كهرباء ومواصلات. ماذا هذه؟ لم يكن هناك.

كان عمر سيدنا رضي الله عنه عندما يريد أن ينتقل إلى الإسكندرية في زمنه مثل ألف سنة قبل دخول القطار. بعضهم قبل دخول القطار، لا، هذا أصبح يصل إليها في ساعتين أو ثلاثة على الأكثر.

أهمية اللغة في التفاهم الصحيح وتجنب الصراع حول مصطلحات التراث

لقد تغيرت الدنيا هكذا. إنني أذهب إلى الإسكندرية وأعود وأهل بيتي لا يعرفون إذا كان هناك شيء قد تغير في هذا الوقت. هذا متحرك.

فيكون هناك فرق بين الساكن والمتحرك، ونحن نتحدث في هذه النقطة وليس في السابق والمتغير [بالمعنى الشرعي]. أي مصطلحات يجب أن تصدر، لا بد أن ندرك معاني ما نقول.

ولذلك فنحن نهتم اهتمامًا بليغًا باللغة؛ لأن اللغة هي التي سوف توصلنا إلى التفاهم الصحيح بدلًا من الصراع، إلى التفاهم الصحيح والبناء الصحيح بدلًا من إهدار الأوقات والتدمير بدلًا عن التعمير.

فهم دلالة المشترك هو الأرضية التي تجمع الحداثيين والتراثيين للتفاهم

أي من الممكن أن نقول أن فهم دلالة المشترك هي الأرضية المشتركة التي تجمع الحداثيين مع التراثيين على مائدة واحدة ليتفاهموا. هذه هي النقطة الأولى.

ولا بد أيضًا على الذين سميتهم [بالتراثيين] لا يعرف ماهية التراثيين هؤلاء، وكذلك يجب أن يفهم الحداثيون أيضًا. إذا استعمل الحداثيون لغة لا يفهمها التراثيون، والتراثيون يفهمون لغة لا يفهمها الحداثيون، فسيكون الحوار بلا معنى.

لا بد أن نوحد الفهم حتى نفهم. هذه أبجدية النقاش المنهجية.

أهمية المعرفية في التجديد وإدراك المبادئ العليا كما عند العضد الإيجي

وماذا أيضًا في التجديد؟ المعرفية مهمة للغاية؛ لأنها تجعل الإنسان مدركًا بعمق للمبادئ العليا.

ولذلك نجد واحدًا مثل العضد الإيجي يتحدث عن هذه المعرفية في تعريفه للعلم، وفي تعريفه للحكمة العالية، وفي تعريفه للوجود. هذا كله يسمونه "إبستمولوجي" أي معرفية.

وهي جزء لا يتجزأ من عملية التجديد، وإن إدراكك للمعرفية جزء لا يتجزأ من عملية التجديد.

النموذج المعرفي الإسلامي وأثر الإيمان باليوم الآخر في سلوك المسلم

وأن تعرف النموذج المعرفي الذي يميزك عن الناس، يعني من أنت. فهناك ما يسمى بالبراديم (Paradigm)، براديم يعني نموذج معرفي.

نحن مؤمنون أن هذا الكون مخلوق، وهناك أناس آخرون يقولون: لا، ليس كذلك. أنا لم أفكر في هذه المسألة. إذن يجب أن أكون عارفًا ماذا أناقش وماذا أفعل ولماذا أفعل. هذا ما يجب نقوم به نحن في التجديد: المنهجية، المعرفية، والنموذج المعرفي.

مكون من حوالي ثلاثين نقطة. نحن أناس مؤمنون بيوم آخر، وهذا اليوم الآخر يتحكم فينا؛ أي أنني دائمًا عندما أقوم بعمل ما أسأل نفسي: هل هذا حرام أم حلال؟

خصوصية النموذج المعرفي الإسلامي في التمييز بين الحلال والحرام

يوجد أناس ليسوا كذلك، يوجد بعض البشر ليس لديهم دعوة بهذه الحكاية: حلال وما هو حرام. ماذا أريد أن أفعله وما لا أريد أن تفعلوه. لكنني لست هكذا.

وعلى فكرة لن أستطيع أن أكون إلا هكذا، أنا تربيت هكذا. لماذا تريد أن تخرجني من جلدي؟ فأنا تاركك في حالك، اتركني في حالي.

فإذن النموذج المعرفي مهم للغاية ومكون من مكونات العقل. لا بد أن ندرسه بعمق ونحصل على الثلاثين نقطة ونعلمها لأولادنا، وستجدها كلها في العقيدة: خلقنا الله وسنعود إليه.

أركان الإيمان والتفريق بين المطلق والنسبي في مواجهة فلسفة نيتشه

هذه النقطة الثانية: لم يتركنا الله هكذا بدون تكليف، هناك تكليف وهناك وحي؛ أي أن الله يوحي ويرسل الرسل، وها هي أركان الإيمان قادمة.

والأمور التي في العالم هذا بعضه مطلق وبعضه نسبي؛ فيجب علينا أن نعرف معنى النسبي ومعنى المطلق. لأن نيتشه جاء وأنكر المطلق وأراد أن تكون كل شيء نسبيًا، والكون كما تراه.

فأقول له: لا، الكون ليس كما ترى، هناك حقيقة. قالها: لا توجد حقيقة، كله حقيقة وكله جيد، التي هي الغنوصية الأولى التي كانت في اليونان. فيجب علينا أن نفهم هذا فهمًا عميقًا حتى نستطيع أن نجدد.

الموقف من التراث تجديد لا تبديد والتفريق بين التجديد والتقديس والتمجيد

النقطة الرابعة: الموقف من التراث الذي معنا هنا، تجديد لا تبديد. ثلاث كلمات يتحدثون بها ولكنها ليست أيضًا بالمعنى الذي لدينا هنا.

يقولون لك: التجديد والتقديس والتمجيد، وجعلوا التمجيد فوق الاثنين. نعم، هذه دراسات أخرى لمنطلقات مختلفة لا ينبغي أن نقع فيها نحن الآن؛ لأنها تحمل معانيَ أخرى. أي أننا نسميها بأسماء أخرى ولا نسميها بالأسماء التي نستخدمها حاليًا؛ لأننا بذلك لن نفهم.

فالتمجيد والتجديد والتقديس والتمجيد هذه ألفاظ موجودة الآن في الاستعمال الأدبي، ولكنها لا تعني شيئًا إطلاقًا على ما نحن الآن في الموقف من التراث.

الموقف الصحيح من التراث هو الاستفادة من المناهج لا التوقف عند المسائل الزمنية

وهو [الموقف الصحيح] موقف الاستفادة من المناهج لا المسائل. المسائل ما الفرق فيها؟ إنها زمنية تخدم زمانها وقد خدمته وانتهت عنده؛ لأن زمنها جزء منها. لكن زمني أنا ماذا سأفعل فيه؟

وهنا يشير ابن القيم ويشير القرافي ويشير صديق حسن خان في كتبهم حول هذه النقطة: أنه لا بد من إدراك الواقع. لكنّ واقعنا تغيّر، ولكي تدركوه أحتاج إلى بعض العلوم الاجتماعية والإنسانية.

ولكن بشرط أن تكون منطلقةً من نموذج المعرفة الذي يؤمن بالله، الذي يؤمن باليوم الآخر، الذي يؤمن بالوحي، الذي يؤمن بالنسبية والإطلاق معًا، الذي يؤمن بقداسة الأشياء.

قداسة المصحف والكعبة واحترام الكبار نابع من الحب وليس من الذل

فالكعبة عندنا مقدسة، والمصحف مقدس. لا أستطيع أنا هكذا، هو ابتعد قليلًا وأمسك المصحف وقل له: خذ المصحف، وتجده يقول لك: نفسي من داخلي لا أعرف كيف أفعلها. إذن هناك تقديس واحترام.

فأنا أحترم أبي وأمي، وأحترم الشيخ وأقبّل يديه. ثم يأتي الآخر ويقول لي: لماذا تسجد له؟ فأقول له: اصمت، أنت لا تفهم شيئًا على الإطلاق. لا تفهم أنه هذا نوع من أنواع الحب والاحترام والود وأداء الوفاء.

وليس أن تفهم أنه نوع من أنواع الذل أو الخضوع أو نحو ذلك وانكسار. لا، هذا ينبع من القلب، من الحب، وليس مما تقوله أنت، فذلك قصة أخرى.

خلاصة أركان التجديد الخمسة من المنهجية والمعرفية وإدراك الواقع

والنقطة الخامسة في التجديد هي هذه المجموعة التي ذكرناها عليها مرات، التي هي إدراك الواقع. فتكون: المنهجية، والمعرفية، والنموذج المعرفي، والموقف من التراث بنهج المثال، وإدراك الواقع.

هذه هي الحكاية. هذا التقسيم هو تقسيم ماذا؟ التجديد. هذه هي المفتوحة. هذا هو [ما] تريد أن تؤصل وتقول لي: كيف أجدد؟ يعني ماذا أفعل؟

فيكون إذا أقول لك مباشرة وأكلمك كما أتحدث إليك الآن: انظر كم عددنا هؤلاء الخمسة، وبعد ذلك تسألني فأقول: حسنًا، وكيف عملت هذه؟

التأصيل والتوصيل في التجديد والانتقال من النظرية إلى التطبيق

نعم، هذا هو التوصيل. ففي الأصل هناك التأصيل وهناك التوصيل، أو الشروط التي يجب توافرها فيمن يتصل بهم ليكون ما هو؟ سنقول في التوصيل هذا الكلام.

فهل نجعلها محاضرة ثانية أم لا؟ لا بد الآن. حسنًا، موافق يا دكتور نظير، هل نفعلها الآن أم في محاضرة أخرى؟ حسنًا، على كل حال، كم مدة المحاضرة؟ ساعة؟ ساعة؟ نعم.

إذن انتهت. حسنًا، فقط لكي لا يشعر [الحضور] بالملل. نعم، مضى ربع ساعة وبقي ثلاثة أرباع. توكلنا على الله، الجماعة ليسوا متضايقين، يعني ليسوا متعبين. الذي انتهى، أنتم أحرار. انتظروا إذن.

التعليم هو الوسيلة الأولى لتوصيل التجديد وأركانه الخمسة

حسنًا، هذا هو التأصيل. وصلنا أمامكم، قلنا إننا نريد خمسة عناوين، وتحت كل عنوان ذكرنا بعض الأشياء هكذا. ماذا يعني للفت النظر، لكن هذا كله عميق.

كيف نعمله إذن؟ فليكن رقم واحد: التعليم. هذا هو رقم واحد. فكيف توصله؟ توصله عن طريق التعليم.

التعليم خمسة أركان حتى نستطيع أن نسميه تعليمًا:

  1. الطالب؛ يجب أن أهتم بالطالب وعمره وراحته إلى آخره.
  2. الأستاذ.
  3. الكتاب.
  4. المنهج؛ أي ماذا ستدرّس، وماذا تدرّس للولد في الصف الأول الابتدائي.
  5. الجو العلمي.

تفصيل أركان التعليم من المنهج والجو العلمي ودرجات التعلم

الطالب موجود، والأستاذ موجود، والكتاب موجود، والمنهج يحدد ما ستدرّسه له: في الحساب عربية أم عربية فقط أم حساب فقط أم ألعاب رياضية أم ماذا ستدرس له؟ سيكون منهجًا شاملًا متكاملًا.

كالنموذج الخامس: الجو العلمي، يعني أن هذا علم يا أبنائي، وأنك تتعلم. يشمل المدرسة عبر الإنترنت، والامتحانات وكيفيتها وتطويرها. يشمل أشياء كثيرة.

لكن المهم أن تشعر أن الولد أو البنت بالطبع قد أحس أنه تعلم في علوم مساعدة وفي علوم أساسية، وفي درجات لهذا التعلم: ابتدائي، متوسط، منتهي، وهكذا.

التعليم هو المدخل لتوصيل أركان التجديد الخمسة عبر مراحل التعلم المختلفة

إذن، أول شيء هو التعليم الذي سنتمكن من خلاله، ومن خلال التوسع فيه، أن نوصل هذه الأركان الخمسة الخاصة بالتجديد.

فلو درست هذه الأركان الخمسة في المستوى الابتدائي، ثم المتوسط، ثم المنتهي، فإن هذا سيُخرِج شخصًا فاهمًا.

التربية والتعليم والتدريب ثلاثة أمور مترابطة في عملية التجديد

نعم، أي أن فضيلتك تقصد التربية. المشكلة هي التربية، حيث توجد ثلاثة أمور: التعليم والتربية والتدريب.

ما أقصده هو أن نستخدم هذه المناهج من البداية، ليس فقط هكذا. التربية والتعليم والتدريب مجموعة واحدة. ولذلك انظر، هذه ألفاظ مختلفة، كل واحدة لها معنى وكل واحدة لها ما يتعلق بها.

yعني التربية متعلقة بالقيم، وهذه جزء لا يتجزأ من التعليم ومن عملية التعلم. حسنًا، التربية والتعليم هذه متعلقة بالمعلومات والمعرفة، والتدريب متعلق بالمهارات.

إذن، لدي قيم مختلفة في أسلوب التلقي والتدرج، مختلفة عن قضية المعلومات، ومختلفة عن قضية المهارات. فيجب علي الالتفات إلى أن فيهم ثلاثة أجزاء ليست قطعة واحدة، وكل هذا تحت التعلم تمامًا.

شروط المجدد الحقيقي وأنه لا يصلح أن يكون التجديد مجرد ظاهرة صوتية

لكن إذا كان إنسان أو شخص ما قال: أنا أريد جدًا حكيمًا، يعني نسمع هذه الكلمة ويظهر على القنوات الفضائية ويقال له المجدد أو المفكر الإسلامي أو ما شابه، ويتدخل في قضايا محددة بعينها.

ما الشروط التي يجب أو ينبغي أن تتوافر في هذا الشخص الذي يدّعي [التجديد]؟

أنه شخص لا يصلح، لا يصلح أن يقوم شخص ويقول: أنا مجدد، فتصبح ظاهرة صوتية، أو يريد أن يحذف أو يريد أن يضيف. ليس هذا هو المجدد.

المجدد هو هؤلاء الخمسة [الأركان الخمسة للتجديد]، هؤلاء الخمسة نوصلهم، نجعل الإنسان متلبسًا بهم. كيف؟ بالتعلم، هذا رقم واحد.

وسائل توصيل التجديد من الثقافة السائدة والإعلام والخطاب الجماهيري

رقم اثنين: بالثقافة السائدة. الثقافة السائدة هذه التي هي معرض الكتاب هذا جزء منها: القراءة، السماع، الدراما، برامج الحوار (التوك شو). برامج الحوار تصنع ثقافة سائدة، يجب أن تكون هذه الثقافة السائدة تدور حول هذه المسألة.

النقطة الثالثة: الإعلام، والإعلام له خاصية فريدة في مخاطبة الجماهير.

النقطة الرابعة: الخطاب الجماهيري الذي هو مثل خطبة الجمعة هكذا، مثل درس المسجد للعامة.

فكل هذه الأشياء هي التي تؤدي إلى التوصيل بعد التأصيل.

التأصيل ثم التوصيل يؤدي إلى التجديد الحقيقي وبدونه يكون تبديداً

إذن أنا لدي وسائل، وطبعًا هناك أشياء كثيرة سنذكرها. يعني نحن نعطي مثالًا أنني أصّلت ثم وصّلت. التوصيل والتوصيل يؤدي إلى التجديد.

يعني بين التقديس والتجديد، والتقديس لو لم أفعل ذلك في التجديد فهو تبديد. الثابت والمتغير أصبح وسنلعب وسنقول وسنصنع وسنحذف وسنهدم كلامًا عشوائيًا لا معنى له.

معنى التقديس الحقيقي وأنه طلب الدخول في دائرة القدس والطهارة

عندما نجعل قضية التقديس حيث التاء للطلب، التقديس يعني أطلب الدخول في دائرة القدس، ودائرة القدس التي هي الطهارة.

يعني سموها في الإنجليزية ماذا؟ هل تحب أنت الإنجليزية؟ تابو (Taboo)، تابو يعني المحرم، الدائرة المحرمة التي لا ينبغي أن يدخلها لا أحد.

يمكنه قبول التراث بمسائله ومناهجه وكتبه وأخطائه وزمنه، فكأنني بذلك أسحب الماضي على الحاضر. هذه هي عملية التقديس، أي إياك أن تمس هذا.

التجديد الحقيقي هو الانطلاق من التراث وتطويره لا الشلل والجمود عنده

لا، أنا لن أمسه، بل أنا أحبه وسأنطلق منه وأزيده وأجعله قادرًا على التحرك مع ما وصلنا إليه من تطور. هذا هو التجديد.

أما التقديس فمعناه الشلل التام، معناه أن أجلس هكذا وأقول: خلاص، أنا ليس لي تدخل، فهي جاءت هكذا. وهذا قد يتبناه بعض المقلدين.

لكن عموم المسلمين - والحمد لله رب العالمين - في العالم لم يتبنوا هذا. الذي يريد تقديس التراث ويكون صادقًا مع نفسه فليذهب إلى الجبل، لا توجد فائدة إلا أنه يعتزل؛ لأنه غير قادر على أن يبقى في المجتمعات الإنسانية مع قضية تقديس التراث هذه. والله تعالى أعلى وأعلم.

من لا يمتلك أدوات التجديد ومقوماته فما يفعله عبث وليس تجديداً حقيقياً

طيب، أنا لدي نقطة ختامية. يعني فضيلتك تعتبر أن شخصًا إذا لم يمتلك هذه الأدوات أو هذه المقومات فهذا لا يكون تجديدًا بل يكون عبثًا؟

هذا هو معنى التجديد. معنى التجديد، انتبه، نحن في عصرٍ تميّز بالتفلّت بعدما كان سابقه قد تميّز بشيء من الحرية. نحن الآن نعيش في زمن السماوات المفتوحة.

فلا تستطيع إطلاقًا أن تمنع أحدًا من الكلام، ولا أن تمنع فكرة من الانطلاق، فاسدةً كانت أم صالحة. فلا تنشغل بكيفية منع هذا، لن نستطيع منعه.

البناء الإيجابي وتقديم الشيء الرائق للناس بدلاً من الانشغال بالمنع

ولكننا سنبني، سنجلس نبني البنيان ونعطي ونقدم للناس الشيء الرائق النظيف فينجذب إليه الخلق فقط.

الجمهور هم الحكم في هذا الأمر، وهم دائمًا الحكم. والجمهور أذكياء في عملية الانتقاء. هذا حال البشرية منذ القدم.

والنبي ﷺ قال: «فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذ شذ في النار»

قال هكذا.

التجديد المقصود هو تجديد الجانب الشرعي لتحقيق سعادة الدارين

حسنًا، سيكون معنا فقرة مداخلات لو أحدٌ من السادة يوجد مداخلة. طيب.

يعني أعتقد، فهو الذي نتكلم فيه هنا، ليس مطلق التجديد، بل هو تجديد للجانب الشرعي من حياة الإنسان. الشرع عندما جاء أراد سعادة الدارين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. وهذا موجود حتى في المؤلفات، يُسمى الكتاب نفسه سعادة الدارين.

كيف أسعد؟ بعض الناس يشعر بثقل من العصر المحيط به، من الفتن ومن عدم وجود ما يجيب على الأسئلة، فهو حزين متعب. كيف يكون سعيدًا إذن؟

فالتجديد هنا إنما هو في علاقة الشرع بحياة الناس وليس تجديدًا مطلقًا.

ريادة مصر في التجديد وإحياء علوم الدين لتحقيق سعادة الإنسان

لأن الحمد لله مصر بالذات كانت قائدة ورائدة في التجديد في مجالات كثيرة جدًا، وهي سابقة لدول كثيرة جدًا، سابقة في هذه القيادة والريادة.

فالمقصود الذي نتكلم عنه: كيف نجدد عرض ونحيي الدين؟ إحياء علوم الدين، ونحيي علوم الدين من أجل الوصول إلى هدف الدين من سعادة الإنسان. هذا هو قرارنا.

ختام ندوة التراث بين التجديد والتقديس وشكر فضيلة الدكتور علي جمعة

نعم، يعني بهذا القدر، سيداتي وسادتي، نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الندوة التي انطلقت تحت عنوان التراث بين التجديد والتقديس.

شَرُفنا بضيافة العالم الجليل والأستاذ الكبير فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء من الأزهر الشريف، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب.

شكرًا لكم جميعًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.