اكتمل ✓
حكم زيارة القبور والأضرحة بين المباح والمندوب وموقف السلف - فتاوي

ما حكم زيارة القبور وزيارة الأضرحة والتبرك بها في الإسلام؟

زيارة القبور والأضرحة من الأمور المباحة التي تصل إلى المندوب، استناداً إلى حديث النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها». وقد اهتم أهل السنة بهذه الزيارة رداً على من يحرّمها من الوهابية، مع التفريق بين الحكم الفقهي للزيارة وبين الحال القلبي والحب الذي يدفع المؤمن إليها.

4 دقائق قراءة
  • هل زيارة أضرحة الصالحين يومياً واجبة أم مجرد حب؟ الجواب يكشف فرقاً دقيقاً يجهله كثيرون.

  • حكم زيارة القبور مباح يصل إلى المندوب، والوهابية تحرّمه خلافاً لما ثبت في السنة النبوية.

  • النبي ﷺ أذن بزيارة القبور بعد أن كان نهى عنها، وهذا دليل أهل السنة على مشروعيتها.

  • الإمام مالك أفتى باستقبال قبر النبي ﷺ عند الدعاء، ووصفه بأنه قبلة المسلمين وآبائهم.

  • الشريعة تضبط الفجوة بين الحب والعقل، فلا غلو في التعظيم ولا تفريط في الإنكار.

  • الاحتفال بالمولد النبوي مثل زيارة القبور: ليس واجباً، لكنه من الحب المشروع الذي لا يُحرَم منه الناس.

حكم زيارة أضرحة الصالحين بين الإباحة والندب وخلاف الوهابية

يسأل [السائل] عن هل عندما يكون بجوار ضريح أحد الصالحين يزوره في كل مرة وكل يوم صباحًا ومساءً وما إلى ذلك؟

السلف الصالح لم يكن يفعل هذا [بهذه الكيفية]. زيارة قبور الصالحين من الأمور المباحة التي تصل إلى المندوب. خلافنا مع الوهابية والنابتة والسلفية هو أنهم يحرّمون هذا [أي زيارة القبور والأضرحة].

قصة زيارة القبر النبوي وموقف علي زين العابدين والحسن المثنى

وعندما دخل أحدهم إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه وسلّم عليه، ثم جاء إلى علي زين العابدين ابن الإمام الحسين، فقال له: أين كنت؟ قال: كنت أزور سيد الخلق. قال [علي زين العابدين]: زيارتك له كسلام الأندلسي، يعني الذي في آخر الدنيا.

الأندلس كانت لم تُفتح بعد، أي شخص في بلاد الغرب البعيدة سلّم عليه، فسلامه عليه صلى الله عليه وآله وسلم كما لو جئته هكذا [إلى قبره الشريف]. كان السلف والحسن المثنى له نفس الكلام، من أهل البيت الكرام.

انكشاف قدم عمر بن الخطاب في القبر النبوي زمن عمر بن عبد العزيز

وظلّ القبر النبوي على حاله إلى وقت عمر بن عبد العزيز. فلما جاء عمر، انكشفت قدم [من القبر]، ففزع أهل المدينة أن تكون قدم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أُخبروا أنها قدم عمر [بن الخطاب رضي الله عنه].

جزء من القدم ظهر من الأرض، فسُتِرت وبُنِي عليها. هذا الكلام في ولاية عمر بن عبد العزيز قبل أن يتولى الخلافة، حيث كان واليًا للمدينة، حتى قال له الصحابي الذي كان موجودًا: هذه قدم جدك عمر؛ لأن عمر بن عبد العزيز جدّه لأمه عمر بن الخطاب.

انهدام الحائط بجوار القبر النبوي وتكليف حزام بتنظيفه

قال [الراوي]: فلما انهدم الحائط، كانت بجوار القبر فخّارة كُسرت من انهدام الحائط، أي كان القبر وكان بجانبه قطعة فخار وما شابه ذلك.

وقال [عمر بن عبد العزيز]: يا علي، يا علي زين العابدين، قم فنظّف القبر الشريف، أي نظّفه من التراب. وحتى هذا الوقت، منذ مائة سنة، كان هذا هو الحال الموجود في المسجد النبوي الشريف.

[قال:] قم فقم عند القبر الشريف، فنظر إليه الحسن المثنى ابن الحسن وقال: قم يا حسن حسنًا، وأنت يا علي ما زلت ستقوم هكذا، والحسن سيقوم. قال: فأعطاها لرجل واحد اسمه حزام، قال: قم عند القبر الشريف.

اهتمام المسلمين بالأضرحة ردًا على بدع الخوارج واستدلالهم بحديث زيارة القبور

فلما ظهرت البدع وظهر الخوارج، اهتمّ المسلمون بالأضرحة والقبور بحجة أنهم يتمتعون بالمباح، بل هو مندوب؛ لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال:

قال رسول الله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»

وهذا يبيّن أن أهل السنة لا يعبدون القبور ولا يشركون بالقبر، وهم يعرفون هذه الحقائق أنها مسائل فقهية تنتقل من المباح والمندوب إلى شدة الندب وهكذا.

الفرق بين الحكم الفقهي لزيارة القبور وبين الحال القلبي والحب

ولذلك كان السلف الأول يعاملون هذه القضايا هكذا؛ فغير مفروض عليك أن تذهب كل يوم أو كل صلاة أو كل كذا. وهذا بخلاف الحب؛ فقد أصبح المحبّ لا يرى قبر سيدنا الحسين إلا عندما ينجذب إليه.

حسنًا، ماذا أفعل له؟ يأتي إليّ في كل مرة وكل يوم وكل شيء وهو يحب الله. هل أنت منتبه؟ نعم، هناك فرق بين الحكم الفقهي وبين الحال القلبي.

حال قلبهم هكذا، كل من كان بجوار الإمام الشافعي يحبّه، حبّه يغطي المنطقة كلها.

حب أهل البيت وانجذاب القلوب إلى أضرحة السيدة فاطمة النبوية

كل من كان بجوار السيدة فاطمة في الضريح الأحمر، فاطمة النبوية بنت سيدنا الحسين، يحبّها، أم اليتامى، أم المساكين، يحبّها فينجذب إليها، يذهب ليسلّم عليها وما إلى ذلك.

وإذا دخلت ضريحها ومسجدها وجدت عليه جلالًا حتى الآن، وهو عليه جلالًا. إنما هذا واجب؟ لا، ليس واجبًا، وإنما هو الحب.

أمُرُّ على الديار ديار ليلى، أقبّل هذا الجدار وذاك الجدار، وما حبّ الديار شغفن قلبي، ولكن حبّ من سكن الديار. ماذا سنفعل إذن في القلوب؟ القلوب هكذا، لم تُحرَم الناس بعد من الحب.

انتشار الكراهية وقسوة القلوب مقابل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

وعندما تنتشر الكراهية، وعندما تقسو القلوب، وعندما تُبيح رفع السلاح على الناس المسلمين وغير المسلمين، وطريق الدماء، هذا هو الذي نحن في ذلك الوقت نقول لهم [أي للمتشددين].

مثل المولد النبوي الشريف: شخص لم يحتفل بالمولد النبوي، حسنًا، لا يحدث شيء، لم يأثم. لكن من الحب احتفل! يا سلام!

تخفيف العذاب عن أبي لهب لفرحه بمولد النبي ومشروعية الاحتفال

إذا كان أبو لهب خُفّف عنه العذاب في النار لحبّه للنبي [صلى الله عليه وسلم]، كان أبو لهب يحب النبي وأعتق ثويبة كما ورد في صحيح البخاري، فخفّف الله عنه العذاب كل يوم اثنين.

أفلا ترغب أن المؤمن عندما يحب النبي ويحتفل به ويحتفي به، يكون ذلك مطلوبًا في الدين؟ بل هو مطلوب، لكنه ليس واجبًا وتخييرًا. الأحكام [ليست كلها] بدعة.

فتوى الإمام مالك في استقبال القبر النبوي عند الدعاء

فالقضية هنا أننا دائمًا يجب أن نفهم أن الشريعة هي المقياس، وأن السلف الصالح ما كانوا على هذه الهيئة لا إفراطًا ولا تفريطًا.

وكان عندما سُئل الإمام مالك بعد ذلك، فها نحن نتحدث الآن في أواخر القرن الأول مع عمر بن عبد العزيز، ومالك [توفي سنة] مائة وأربعة وسبعين. فلما سُئل: أنستقبل في الدعاء القبلة أم نستقبل قبر النبي؟ قال: هو قبلتك وقبلة آبائك عليه الصلاة والسلام.

فعندما يأتي أحدهم ويقول لي: لا، هذا بدعة، أعطِ له ظهرك واسأل الله، [أقول له:] أنت لست سلفيًا بهذا، بل أنت هكذا لست سلفيًا، أنت هكذا تالف والله.

فهم السلف الصحيح للفرق بين الواجب والمباح والمندوب في تعظيم النبي

السلف كانوا فاهمين وسائرين بشكل صحيح وجيد، ومدركين الفرق بين الواجب والمباح والمندوب، وما يصحّ وما لا يصحّ، وما هو كذا.

هؤلاء الناس لو أنهم تركوا أنفسهم للمبالغة في تعظيم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لما استطاعوا أن يعيشوا بعده. ولذلك كانوا يقولون عندما واريناه التراب: أنكرنا قلوبنا، نحن الذين كنا [معه]، كيف إذن؟ قبلناها كيف؟

موقف عمر بن الخطاب وأبي بكر عند وفاة النبي والفجوة بين الحب والعقل

ولكن العقل يتحيّر، فعندما مات الرسول [صلى الله عليه وسلم]، قال [عمر بن الخطاب]: من قال أن محمدًا مات لأقطعنّه بالسيف! هذا سيدنا عمر.

فخرج أبو بكر [رضي الله عنه] ولم يسأل، بل نبّه إلى قوله تعالى:

﴿أَفَإِين مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]

قال عمر: فكأنني ما سمعتها إلا اليوم، وخرّ مغشيًا عليه من شدة الصدمة. إنها الفجوة التي بين الحب وبين العقل، فهناك فجوة بين الحب والعقل تضبطها الشريعة.

ضبط الشريعة للفجوة بين الحب والعقل والتحذير من الغلو والتفريط

هذا ما نقوله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وترى غلوًّا إلى أقصى ما يكون جهة اليمين أو جهة اليسار، والأمر ليس كذلك. والله أعلم بما هنالك.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الحكم الفقهي لزيارة قبور الصالحين في الإسلام؟

مباحة وتصل إلى المندوب

ما نص الحديث النبوي الذي يُستدل به على مشروعية زيارة القبور؟

«كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»

ما فتوى الإمام مالك فيمن يدعو عند قبر النبي ﷺ: أيستقبل القبلة أم القبر؟

يستقبل القبر لأنه قبلته وقبلة آبائه

ما الذي قاله علي زين العابدين لمن زار قبر النبي ﷺ جسدياً؟

زيارتك له كسلام الأندلسي

لماذا خُفّف العذاب عن أبي لهب في النار وفق ما ورد في صحيح البخاري؟

لأنه أعتق جاريته ثويبة فرحاً بمولد النبي ﷺ

ما الآية القرآنية التي تلاها أبو بكر الصديق لتهدئة عمر بن الخطاب عند وفاة النبي ﷺ؟

﴿أَفَإِين مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾

ما الذي حدث عند انهدام الحائط المجاور للقبر النبوي في زمن عمر بن عبد العزيز؟

انكشفت قدم عمر بن الخطاب من القبر فسُترت وبُني عليها

ما الفرق الذي يُميّزه الفقه الإسلامي بين الحكم الفقهي لزيارة القبور والحال القلبي؟

الحكم الفقهي لا يوجب الزيارة اليومية، لكن الحب قد يجذب القلب إليها

من كُلّف في النهاية بالقيام عند القبر النبوي الشريف وتنظيفه؟

رجل اسمه حزام

ما موقف أهل السنة من زيارة الأضرحة في مواجهة بدع الخوارج؟

اهتموا بالأضرحة والقبور مؤكدين أنها مباحة ومندوبة لا شرك

ما الذي قاله عمر بن الخطاب عند سماعه خبر وفاة النبي ﷺ؟

من قال إن محمداً مات لأقطعنّه بالسيف

ما الحكم الشرعي للاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟

ليس واجباً لكنه من الحب المشروع ومن تركه لم يأثم

ما الحكم الفقهي لزيارة أضرحة الصالحين؟

زيارة أضرحة الصالحين مباحة وتصل إلى المندوب، وليست واجبة ولا محرّمة.

ما موقف الوهابية والسلفية من زيارة القبور والأضرحة؟

الوهابية والسلفية يحرّمون زيارة القبور والأضرحة، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة.

ما معنى قول علي زين العابدين: «زيارتك للنبي كسلام الأندلسي»؟

يعني أن السلام على النبي ﷺ يصله من أي مكان في الدنيا، فالزيارة الجسدية لا تزيد في وصول السلام.

من هو الحسن المثنى وما علاقته بهذا الموضوع؟

الحسن المثنى هو ابن الحسن بن علي، من أهل البيت الكرام، وكان له نفس موقف علي زين العابدين في مسألة زيارة القبر النبوي.

ما الحادثة التي وقعت في القبر النبوي زمن ولاية عمر بن عبد العزيز؟

انكشفت قدم من القبر النبوي ففزع الناس، ثم تبيّن أنها قدم عمر بن الخطاب، فسُترت وبُني عليها.

ما صلة عمر بن عبد العزيز بعمر بن الخطاب؟

عمر بن عبد العزيز هو حفيد عمر بن الخطاب من جهة أمه.

ما الدليل النبوي على مشروعية زيارة القبور؟

حديث النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»، وهو نسخ للنهي الأول وإذن صريح بالزيارة.

هل زيارة القبور يومياً مفروضة شرعاً؟

لا، الزيارة اليومية غير مفروضة فقهياً، وإنما هي مباحة ومندوبة، وقد يدفع إليها الحب لا الحكم الشرعي.

ما فتوى الإمام مالك في استقبال قبر النبي ﷺ عند الدعاء؟

قال الإمام مالك: قبر النبي ﷺ هو قبلتك وقبلة آبائك، أي يُستقبل عند الدعاء.

ما الفرق بين الحكم الفقهي والحال القلبي في زيارة الأضرحة؟

الحكم الفقهي لا يوجب الزيارة المتكررة، أما الحال القلبي فهو الحب الذي يجذب المؤمن إلى ضريح من يحبه من الصالحين.

ما البيت الشعري الذي يُعبّر عن الانجذاب إلى أضرحة المحبوبين؟

«أمرّ على الديار ديار ليلى، وما حب الديار شغفن قلبي، ولكن حب من سكن الديار».

كيف استدل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي بقصة أبي لهب؟

أبو لهب خُفّف عنه العذاب لأنه أعتق ثويبة فرحاً بمولد النبي ﷺ، فالمؤمن المحتفل بالمولد أولى بالثواب.

ما ردّ فعل عمر بن الخطاب بعد أن تلا عليه أبو بكر الآية عند وفاة النبي ﷺ؟

قال عمر: كأنني ما سمعتها إلا اليوم، وخرّ مغشياً عليه من شدة الصدمة.

ما الدور الذي تؤديه الشريعة في ضبط العلاقة بين الحب والعقل؟

الشريعة تضبط الفجوة بين الحب والعقل، فتمنع الغلو المفرط والتفريط المخل، وتُبقي الأمور في حدودها الصحيحة.

ما الذي قاله الصحابة عند دفن النبي ﷺ تعبيراً عن عظم الصدمة؟

قالوا: «أنكرنا قلوبنا»، أي أحسّوا بتغيّر عظيم في قلوبهم لفقده ﷺ، لكنهم ضبطوا أنفسهم بالشريعة.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!