سورة المائدة | ح 1050 |90| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1050 |90| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

13 دقيقة
  • تأمر الآية الكريمة ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ باجتناب الخمر.
  • الخمر نجسة عند جمهور الفقهاء بشرط أن تكون مسكرة، وإذا استحالت خلاً صارت طاهرة.
  • أجاز الحنفية استعمال الخمر في الطب والتطييب وليس للشرب.
  • الكحول الموجود في الخمر هو الكحول الإيثيلي الذي يسبب السكر، وأصل اسمه "الغول" لأنه يغتال العقل.
  • الكحول الإيثيلي يستخدم في تطهير الجروح والعطور، وهو حلال عند الحنفية في الاستعمالات الطبية.
  • الكحول الميثيلي يصنع منه الوقود وهو سام وليس مسكراً.
  • بعض المحققين يرون أن الخمر طاهرة، خلافاً للجمهور الذين يعتبرونها نجسة.
  • عند نزول آية تحريم الخمر أراق الصحابة كل ما عندهم منها حتى زلقت طرقات المدينة.
  • سمى العرب الخمر بنحو تسعين اسماً لشدة تعلقهم بها.
  • الخمر والميسر مقترنان في الآية لأن كليهما يسبب الإدمان الذي يفقد الإنسان السيطرة على نفسه.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس بآية تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]

آية في كتاب الله في سورة المائدة، يأمرنا فيها ربنا سبحانه وتعالى بأن نعتني العناية الكاملة في اجتناب هذه الأربعة [الخمر والميسر والأنصاب والأزلام].

حكم نجاسة الخمر عند الجمهور وجواز استعمالها عند الحنفية في غير الشرب

والخمر كما قدمنا عند جمهور الفقهاء نجسة، وشرطنا لذلك أن تكون مسكرة؛ فإذا خرجت عن حد الإسكار تحولت واستحالت خلًّا، وحينئذ تكون طاهرة.

وإذا لم تُستعمل في الشرب فإنها يجوز عند الحنفية استعمالها خاصة في أغراض الطب أو في أغراض التطييب.

أصل كلمة الكحول من الغول في لغة العرب وعلاقتها بالإسكار

الخمر تحتوي على كحول، وكلمة alcohol بالإنجليزية حُوِّلت في العربية إلى كحول، لكن أصلها هو الغول.

﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: 47]

في صفة خمر أهل الجنة [أنها لا غول فيها]، غول تحولت إلى كول فإلى قهول. والغول في لغة العرب هو الاغتيال؛ لأنها تغتال العقل وتكون حجابًا يمنع العقل من الإدراك ومن التفكير المستقيم، فتحدث ظاهرة السكر.

أنواع الكحول الكيميائية وتحديد الكحول الإيثيلي المسبب للإسكار

والكحول بعدما حللوا المواد وجدوا فيها أنها رابطة عضوية ما بين عنصري الكربون والأكسجين، ووجدوا أن الكحول أنواع وليس نوعًا واحدًا، فقد يصل عددها إلى ستة عشر نوعًا، وهي تركيبات مختلفة ما بين الأكسجين وما بين الكربون.

وعلى ذلك يأتي السؤال: ما هذا الكحول الذي هو موجود في الخمرة المشروبة والذي يسبب ظاهرة الإسكار؟ وهنا يقولون إنه الكحول الإيثيلي؛ لأن هناك كحولًا إيثيليًّا وهناك كحولًا ميثيليًّا وهناك أنواع أخرى يتم شرحها في درس الكيمياء.

استعمالات الكحول الإيثيلي في الطب والعطور وموقف الحنفية منها

أما نحن فالإيثيلي هذا هو الذي يسبب السكر. الإيثيلي هذا مصنوع منه الإسبرتو الأبيض الذي نُطهِّر به الجروح، ومصنوع منه بعض أنواع العطور؛ لأنه طيّار فوّاح، فيعمل على تطاير العطر ويجعله فوّاحًا.

فالحنفية اشترطوا أن الاستعمال في الشرب هو الذي يُعتبر حرامًا، أما الكحول (الإسبرتو الأبيض) في ذاته فلا مانع من استخدامه لتطهير الجروح، ولا مانع من وضعه قبل إعطاء الحقنة. فالاستعمالات الطبية للكحول حلال؛ لأنه فقد شرطًا من شروط الحرمة وهو الاستعمال [للشرب].

الفرق بين الكحول الميثيلي والإيثيلي وجواز تقليد الحنفية في الاستعمال

أما الكحول الميثيلي، فهذا يُصنع منه المواد المشتعلة والوقود ويُستخدم لطلاء الأثاث. الجمالكة [أي الكحول الميثيلي] هذا ليس نجسًا في الأصل، فهو ليس إيثيليًّا من الأساس ولا يتعلق بالأمر إطلاقًا، بل هو ميثيلي سام؛ من يشربه يتسمم ولا يسكر.

أما الإيثانول هو الذي يُستخدم أحيانًا في الطب وأحيانًا يُستخدم في العطور، والحنفية تجيز ذلك. إذن من احتاج إلى شيء من ذلك، قلّد الحنفية دون تردد.

فإن الفقه الإسلامي واسع، ومن أراد أن يتنزّه أو أن يقتصر على المركّزات فليفعل، هو حر. الأمور عندنا واضحة، نسير بحرية ما دام يوجد خلاف، فيجوز أن نستفيد من الخلاف.

خصوصية خطاب تحريم الخمر للمؤمنين دون غيرهم من أهل الكتاب

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [المائدة: 90]

لم يقل [الله تعالى]: يا أيها الناس، كما قدمنا في حلقة سابقة. فالخمر حلال عند اليهود إلى درجة السكر، وهو حلال عند المسيحية؛ قليل منه يصلح المعدة كما في رسائل بولس.

ولكن الخطاب هنا للذين آمنوا من المسلمين: أنكم تجتنبون الخمر تمامًا، لا قليل ولا كثير.

رأي بعض المحققين في طهارة الخمر خلافًا لقول الجمهور بنجاستها

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ﴾ [المائدة: 90]

قليل من المحققين يرى الخمر في ذاتها طاهرة، خلاف الحنفية حيث أباحوا الاستعمال الطبي والعطري وما إلى ذلك، وخلافًا للجمهور الذين يقولون إنها نجسة في عينها. إلا في هذا [القول] عند الحنفية وغيرهم لا، بل هم يرون أن الخمر أصلًا طاهرة.

استدلال القائلين بطهارة الخمر بما فعل الصحابة عند نزول آية التحريم

واستدلوا على ذلك بما حدث في المدينة عند نزول الآية؛ فلما وصف الله الخمر بأنها رجس في الآية:

﴿فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]

بادر الصحابة فألقوا ما عندهم من مخزون الخمر. كانت العرب تحب الخمر، ومن شدة حبها للخمر أسمتها بتسعين اسمًا في لغة العرب. والعرب كانت إذا أحبت شيئًا أو خافته أكثرت من أسمائه.

فلأن الخمر كان محببًا عند العربي فإنهم أسموها بأكثر من تسعين اسمًا، كالخمر، والشمول، والداء، والدواء، والعجوز، والصفراء، والقهوة. القهوة هذا اسم من أسماء الخمر، أسماء كثيرة، تسعين اسمًا.

إراقة الصحابة للخمر في طرقات المدينة ودلالة ذلك على طهارتها عند بعض العلماء

فلما سمعت الصحابة الآية ألقوا ما عندهم من الخمر، وكان كثيرًا؛ كل واحد محتفظ بجرّة أو جرّتين أو ثلاثة حتى لا تنقطع الخمرة من البيوت. انظروا إلى قوة الإيمان الذي جعلهم يُريقون كل هذا الشيء المحبب عندهم الذي يتعلقون به، وبعضهم مدمنون له، كل هذا هكذا في الطرقات.

أين الدليل [على الطهارة]؟ حتى أصبحت طرقات المدينة زلقة، زلقت. إذن أصبح الخمر يصل إلى الرُّكَب هكذا، فكان الصحابة تخوض فيها في طريقهم إلى المسجد للصلاة.

أي أن الخمر أغرقت الملابس وأغرقت القدم وأغرقت كل شيء، ويدخل [أحدهم] إلى الصلاة: الله أكبر. فإذن ليست نجسة [عند هؤلاء المحققين]. أخذوا من هذا الموضع عدم نجاستها.

إذن هناك قول للمحققين تجده عند نيل الأوطار للشوكاني، وكذلك إلى آخره، يُقرِّر أن الخمر بخلاف ما عليه رأي الجمهور ليست بنجسة. وهؤلاء عندهم المسألة منفكّة في الإسبرتو والعطور؛ لأنها طاهرة.

خلاف الصحابة في طهارة الخمر واغتسال خالد بن الوليد بها

وورد أن هذا الخلاف إنما هو خلاف قديم من لدن الصحابة، وأن خالدًا - خالد بن الوليد سيف الله المسلول وحِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بالخمر. لم يكن يشربها، وإنما كان يغتسل بها.

يغتسل بها يعني ماذا؟ مثل الكولونيا هكذا، يغتسل بالخمر. إنهم يسمون الأشياء بأسمائها، لا يسمونها بأن هذه شامبانيا وهذا ويسكي وهذه كولونيا، لا، كل هذا خمر.

عزل عمر لخالد بن الوليد بسبب الخلاف الفقهي في طهارة الخمر

وقيل إن هذا [اغتسال خالد بالخمر] كان سببًا من أسباب إقالته من قيادة الجيش؛ لأن سيدنا عمر أرسل إليه أن امتنع عن هذا، فأبى. قال له [خالد]: أنت ما لك في خلاف فقهي؟ إذ كان سيدنا عمر يرى أنها نجسة وسيدنا خالد يرى أنها طاهرة.

قال له [عمر]: لا، عليك أن تتنحى. إذن [تنحّى عن] الجيش، فنحّاه عن قيادة الجيش.

وإن كان قد أورد مثل هذه الأخبار ابن عبد ربه في العقد الفريد، فهي تحتاج إلى مزيد توثيق، لكن يُؤخذ منها ويُستشمّ أن خلافًا حدث بين الصحابة في فقهها، وأن بعضهم كان يرى أنها طاهرة، والجمهور يرى أنها نجسة.

مناسبة عطف الميسر على الخمر في الآية وعلاقتهما بالإدمان

إنما الخمر عندما تبدأ في التفكير مع الخمر هذه، الخمر هذه من البلايا وكذلك الميسر.

فما مناسبة عطف الخمر على الميسر [في الآية]؟ مناسبة ذلك والله أعلم أن كليهما يسبب الإدمان؛ فالمشتغل بالقمار يكون عنده إدمان، والمشتغل بالخمر يؤدي ذلك إلى الإدمان.

والإدمان معناه أنك لا تسيطر على نفسك، والشرع يريد أن تسيطر على نفسك؛ لأن أمامك برنامجًا طويلًا من التربية ومن مقاومة النفس، وهذا لا يتأتّى مع المدمنين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.