الإمام النووي | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •الإمام يحيى بن شرف النووي ولد سنة 631 هـ في قرية نوى التي تبعد 60 كيلومتراً عن دمشق، وتوفي سنة 676 هـ عن عمر 45 سنة.
- •كني بأبي زكريا ولم يتزوج، بل كرس حياته للعلم والتصنيف، وكان يصوم كل يوم ويعيش على أقراص تصنعها له أمه.
- •تميز بزهده وورعه، إذ كان أسمر اللون كثيف اللحية متوسط القامة، نحيف الجسم، قليل الضحك، جاداً في أموره، يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم.
- •نام لمدة سنتين وهو جالس ليدرس اثني عشر علماً، مما أثر على صحته.
- •ألّف كتباً قيمة منها "رياض الصالحين" الذي طبع أكثر من 300 مرة، و"المجموع" الذي ضم ثمانية عشر مذهباً.
- •حفظ كتاب التنبيه والمهذب لأبي إسحاق الشيرازي وشرحهما.
- •زار مصر خفية ليقرأ الفاتحة على قبر الإمام الشافعي.
- •أثنى عليه جميع العلماء، ووصفه تلميذه ابن العطار بأنه وحيد دهره وفريد عصره.
- •دفن في قرية نوى، ونبتت شجرة من وسط قبره، وهي من علامات كبار الأولياء.
مقدمة الحلقة والتعريف بالإمام النووي ومولده ووفاته
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس طيبين مع تاريخ التشريع، نعيش من خلال ترجمة الأئمة الأعلام الذين أثروا الذكرى وأثروا الفقه وأثروا الشريعة الإسلامية.
نعيش اليوم مع رجل مبارك عجيب غريب، هو الإمام يحيى بن شرف بن مري النووي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وُلد الإمام النووي في سنة ستمائة وواحد وثلاثين من الهجرة، وتوفي سنة ستمائة وستة وسبعين، يعني كان عمره وهو قد مات خمسة وأربعين سنة.
قرية نوى مسقط رأس الإمام النووي وأبيات الشاعر فيها
كان [الإمام النووي] من قرية تبعد ستين كيلومترًا من دمشق وهي قرية نوى. وفي هذه القرية يقول الشاعر الظريف:
وُقيتِ شرًا يا نوى، أو لقيتِ خيرًا يا نوى، ووُقيتِ من ألم النوى، فلقد نشأ بكِ عالمٌ لله أخلص ما نوى، وعلى علاه وفضله فضل الحبوب على النوى.
يعني استعمل كلمة «نوى» في معانٍ متعددة في هذا المقام.
كنية من اسمه يحيى بأبي زكريا وحياة النووي الزهدية
كل من كان اسمه يحيى يُكنى بأبي زكريا؛ لأن سيدنا زكريا أبو سيدنا يحيى. دائمًا يحيى يكون أبو زكريا، وداود يكون أبو سليمان، وسليمان يكون أبو داود، هكذا كانوا يقولونها.
والإمام النووي كان كأنه وحيد ولم يتزوج، تزوّج العلم. عاش هذه الفترة من أقراصٍ تصنعُها له أمُّه، ويأتي إليها، وينزل كي يزور أمَّه وأبوه فيجلب الجراية أو الزاد ويعيش عليهم، وكانت عبارةً عن قرص.
وكان الإمام النووي يصوم كل يومٍ على الله؛ لأنه غير متزوج، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد مَن لم يتزوج فقال:
«فعليه بالصوم فإنه له وِجاء»
قبر الإمام النووي في نوى وما ظهر عليه من بركات وأنوار
دُفِنَ الإمام النووي لما مات دُفِنَ في نوى أيضًا، وزرته مرارًا في نوى. وعجيبٌ غريبٌ قبره، عليه أنوار وعليه بركات ورحمات عجيبة.
ورأيت أن شجرة قد نبتت من قبره، من وسط قبره، وكنت أتعجب لهذا القلب الذي اصطفاه الله سبحانه وتعالى وأخرج شجرة من قلب الإمام النووي أو من ضريح الإمام النووي.
حتى قرأت في الكتب أن هذه من علامات كبار كبار الأولياء؛ أن الله سبحانه وتعالى يجعل قبورهم غضة طرية، كما أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع شيء من الأغصان أو من الورد أو نحو ذلك عند القبور فإن ذلك يخفف على صاحبها. فما بالك أن الله قد أُذِنَ لشجرةٍ بكاملها أن تكون على قبرِ الإمامِ النوويِّ رضيَ اللهُ تعالى عنه.
ثناء الخلق على الإمام النووي وإخلاصه ونومه جالساً سنتين
كلُّ خلقِ اللهِ تمدحُ في النوويِّ، لم نرَ أحدًا مخالفًا أو موافقًا لهذا الإمامِ إلا وهو يمدحُ في الإمامِ النوويِّ.
كان الإمامُ النوويُّ رجلًا مباركًا له نيةٌ خالصةٌ، كان يجلسُ وينامُ. لقد فعلَ شيئًا غريبًا جدًا: نام سنتين وهو جالس، أي يجلس ليدرس، هكذا كان يدرس اثني عشر علمًا في البداية. فعندما يأتي وقت النوم يغمض عينيه وهو جالس هكذا، لا ينام على جنبه حتى يستيقظ ويذاكر، يستيقظ ويذاكر.
يبدو أن حالته الصحية فعلًا هي التي لم تجعله يعيش أكثر من خمسة وأربعين سنة؛ لأنه بذل مجهودًا ضخمًا جدًا في تحرير المذهب الشافعي حتى أصبح حجة فيه وأصبح كلامه هو المرجع.
كتاب رياض الصالحين وانتشاره الواسع بين الناس
وألّف [الإمام النووي] من كتبه اللطيفة رياض الصالحين، ورياض الصالحين طُبع أكثر من ثلاثمائة مرة وهو موجود بين الناس.
وكان أحد الناشرين يقول لي عندما أسأله: هل تعرف كم مرة طُبع رياض الصالحين؟ قال: هذا مثل الخبز يطلبه كل أحد، لا نعرف كم مرة طُبع رياض الصالحين.
ورياض الصالحين يُطبع بالآلاف ويُقرأ في المساجد، وإذا أراد أحدهم أن يرشد أخاه إلى كتاب محرر منقح، يدعو إلى كيفية الدين وكيفية الأخلاق وكيفية الفقه، يدعوه إلى رياض الصالحين.
وصف الإمام الذهبي لهيئة الإمام النووي وصفاته الجسدية والخُلقية
يصف الإمام الذهبي سيدنا الإمام النووي بأنه كان أسمر اللون وكان كثّ اللحية، وكان متوسط القامة لا طويل ولا قصير، ولكنه كان مهيبًا.
وكان قليل الضحك، وكان عديم اللعب، بل إنه جاد، يقول الحق وإن كان مرًا، لا يخاف في الله لومة لائم.
وصفه أيضًا الإمام الذهبي بأن لحيته كانت سوداء فيها شعرات بيض، وعليه سكينة، وله هيئة هكذا [هيئة الوقار والهيبة].
قصة الرجل الذي بحث عن النووي في المسجد فلم يعرفه لتواضع هيئته
في مرة من المرات جاء أحدهم يسأل عن الإمام النووي فدخل المسجد، فلما انتهت الصلاة سأل واحدًا من الناس: أين الإمام النووي؟ قال: هذا، وأشار إلى الرجل الذي بجواره.
فالرجل ظن أنه الذي بعده، ما هو من غير المعقول أن يكون الذي بجانبي هو الإمام النووي! لماذا؟ كان نحيفًا ضعيفًا وكانت له عمامة، وهذه العمامة ليست فخمة هكذا.
فذهب إلى الذي بعده فقال: لا، هو هذا. فتعجب الرجل جدًا أن هذا هو الإمام النووي، جسمه ضعيف ونحيف وملابسه رثة. هذا هو الإمام النووي الذي ملك الدنيا في يده ولم تدخل الدنيا في قلبه، فكان صاحب كلمة مسموعة علمًا ووضعًا.
حفظ الإمام النووي للمطولات وثناء العلماء عليه ووصف تلميذه ابن العطار له
الإمام النووي حفظ المطولات وقرأ المجلدات، حفظ كتاب التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي، وحفظ أيضًا المهذب، وشرح هذه الكتب فيما بعد.
العلماء أثنوا على الإمام النووي، لم نرَ عالمًا إلا أثنى عليه، لم يتكلم في حقه أحد [بسوء].
قال تلميذه ابن العطار الذي كان خادمًا للنووي بعدما عرف قدره: شيخي وقدوتي الإمام ذو التصانيف المفيدة والمؤلفات الحميدة، وحيد دهره وفريد عصره، الصوّام القوّام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرفيعة.
كان حافظًا لمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه ومذاهب الصحابة والتابعين. له كتاب اسمه المجموع يحتوي على ثمانية عشر مذهبًا، وكأنه ينقل من شيء غريب، بحفظ غريب ودقة عجيبة.
اشتغال الإمام النووي بالتصنيف والتدريس ورحلته لزيارة قبر الشافعي في مصر
ولازم [الإمام النووي] الاشتغال بالتصنيف محتسبًا لله سبحانه وتعالى، وقد صار مثالًا كبيرًا للعابد العالم.
أيضًا رحل الإمام النووي لطلب العلم واجتهد في هذا مع كثرة تدريسه وسماعاته وتأليفه وكثرة شيوخه.
مرة جاء الإمام النووي إلى هنا، إلى مصر، في الخفاء من أجل أن يزور قبر الإمام الشافعي؛ فقد كان مغرمًا [بالإمام] الشافعي. وبعد ذلك جاء ومن بعد هكذا رأى قبة الشافعي وقرأ الفاتحة ودعا وما إلى آخره وعاد إلى الشام.
قصة تقي الدين السبكي ورحلته للقاء النووي قبل وفاته
وبعد ذلك كان تقي الدين السبكي كان هنا [في مصر] من سبك الأحد أو سبك العويضات التي في المنوفية. قال: يا الله، لقد سمعت الإمام النووي هنا! فقالوا له: نعم، لقد كان هنا وزار الشافعي، حتى لم يقترب من هذا القبر، ومن بعيد هكذا قرأ الفاتحة ثم رحل.
قال [السبكي]: أهذا كلام؟ إمام الدنيا يأتي مصر ولا نحتفل به ولا نجلس معه ولا غير ذلك!
وأنهى عمله هنا السبكي، تقي الدين السبكي، علي بن عبد الكافي، ثم انتقل إلى الشام حتى يرى الإمام النووي. لما وصل إلى الشام وجد الإمام النووي انتقل إلى رحمة الله.
أي أن الإمام النووي كان قد سافر من الشام إلى هنا [مصر] ليزور الشافعي في أواخر حياته، وقبل أن يلحق به الإمام ابن السبكي كان الإمام النووي قد انتقل إلى رحمة الله.
وصية النووي الأخيرة لتلميذه ابن العطار وشعوره بدنو أجله
كان لديه [الإمام النووي] كتب، يقول ابن العطار أن الإمام النووي كان عنده كتب استلفها من أناس فكان ردّها إلى الناس، كان عنده أمانات ردّها إلى الناس.
وقال له [لابن العطار]: أنا سأذهب الآن إلى أمي وأبي في نوى. فقال له: متى اللقاء يا إمام؟ قال: بعد مائتي عام، بعد مائتي سنة!
فكأنه كان يشعر بدنو أجله الشريف، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
إلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
