اكتمل ✓
حب الله ورسوله الحقيقي ومقاييسه وطرق تحقيقه بالذكر والعبادة - سيدنا محمد, والله أعلم

كيف تحقق حب الله ورسوله الحقيقي وما مقاييسه وكيف تُزيل الغفلة عن قلبك؟

حب الله ورسوله هو ميل قلبي يُقاس بثلاثة مقاييس: أن الحب عطاء، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب، وموافقة الحبيب في المشهد والمغيب. ويتحقق هذا الحب بإزالة الغفلة عبر ذكر الله والمداومة على العبادة وورد القرآن الكريم وقراءة السيرة النبوية. الغفلة تحجب الحب ولا تنفيه، والتوبة تُعيد الحب إلى أصله.

22 دقيقة قراءة
  • هل يمكن أن تحب الله حقاً وأنت تعصيه؟ الجواب أن الغفلة تحجب الحب ولا تنفيه، وقصة نعيمان شاهد على ذلك.

  • الحب في اللغة هو الميل القلبي، ويُقاس بثلاثة مقاييس: العطاء، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب، وموافقة الحبيب في المشهد والمغيب.

  • الحب الحقيقي لله يظهر عند التعارض بين طاعة الله وإرضاء النفس أو الآخرين، فيختار المحب طاعة الله فوراً وتلقائياً.

  • طرق تحقيق حب الله ورسوله تشمل: إزالة الغفلة بالذكر، والمداومة على العبادة، وورد القرآن الكريم، وقراءة السيرة النبوية.

  • الحب عند الصوفية مبني على التخلية والتحلية، وغايته عبادة الله حباً لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار، من جانب التشريف لا التكليف.

  • التمادي في المعصية يُقسي القلب ويحول بين المرء وقلبه، بينما التوبة الصادقة تُزيل الغفلة وتُعيد الحب إلى أصله.

مقدمة الحلقة حول حب الله ورسوله وكيفية تحقيق هذه الغاية

[المذيع]: أسعد الله مساؤكم بكل خير، مشاهدينا الكرام، أرحب بحضراتكم في حلقة جديدة من والله أعلم. موضوع هذه الحلقة إن شاء الله سيكون حول حب الله ورسوله وكيفية تحقيق هذه الغاية وهذه الأمنية التي كلنا نتمناها؛ أن نحب الله سبحانه وتعالى وأن نحب رسوله دون غيرهم.

ونكون ممن يحبون الله فأحبهم الله. هذه غاية كبيرة وهدف سامٍ، إن شاء الله سنسعى من خلال هذه الحلقة أن نتلمس من خلال رؤى وآراء فضيلة الدكتور كيف يمكن لنا أن نحقق هذا الهدف وأن نستطيع في النهاية أن نحقق هذا المآل.

نرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبا.

معنى الحب في اللغة وتعلق القلب بالمحبوب

[المذيع]: مولانا بدايةً، ما معنى حب الله ورسوله؟ ما معنى هذا الحب؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الحب في اللغة هو الميل القلبي؛ فقد يميل القلب إلى ربنا، أو إلى سيدنا [رسول الله ﷺ]، فالقلب يميل لشيء فيحبه؛ اي قلبه متعلق به.

ومن المتعلق به هذا؟ قد يكون الله، أو الرسول ﷺ، أو الزوجة، أو الأولاد، أو الشهوات، أو الفتن، أو الجاه، أو السلطان، أو المال. فتقول: هذا رجل يحب المال أو الذات أو نفسه، أو أهله، أو الله، أو رسوله ﷺ وهكذا.

فالحب في حد ذاته هو الميل القلبي.

مقياس الحب الحقيقي وتعريفه بالعطاء والطاعة

الميل القلبي يحتاج أيضًا إلى علامة، مقياس، مسطرة نقيس بها: ما معنى أن تحب؟ أن يميل قلبي، ماذا تعني بيميل قلبي، وإلى أي درجة؟ وكم تبلغ درجة هذا الميل؟

فوضعوا للحب تعريفًا بمقياس خاص، فقالوا: إن الحب عطاء؛ فإذا كنت تحب فعليك أن تعطي.

تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ

لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

إيثار المحبوب على جميع المصحوب عند ابن القيم

إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ؛ يقول ابن القيم عنها هي إيثار المحبوب على جميع المصحوب. فأنا أحب شخصًا في مجموعتنا، كم عدد أفرادها؟ ستة أو سبعة أو ثمانية أصدقاء، فأحب أحدهم، فأوثره على الجميع.

إذا كان لدي شيء زائد أعطيه له، واسأله: هل ينقصك شيء؟ هو أولًا. لو كان له رأي أقف معه. لو كان له مصلحة، أسعى لها. إيثار المحبوب على جميع المصحوب.

فلو ربنا قال لي: لا تتبع هذا الشيء، لا تسرق، لا تزنِ، لا تقتل، لا تكذب، إلى آخره، ورأيت المصلحة في هذه الأشياء، فابتعدت عنها حبًا في الله أي ميلًا الى طاعة الله تعالى؛ فهكذا أنا أحب الله.

الحب الحقيقي يظهر عند تعارض طاعة الله مع رغبات النفس

عندما أحب الله تعالى، لا تستطيع الدنيا ولا الشهوات ولا الرغبات ولا المصالح أن تجذبني إليها فتجعلني أبتعد عن الله وأعصيه؛ لأنني لو كنت حقًا حبه لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع.

إذن مع ربنا سبحانه وتعالى ومع رسوله ﷺ، إيثار المحبوب على جميع المصحوب.

[المذيع]: الحب هنا بالطاعة؟ يعني أنني أحب ربنا فيجب علي أن أطيعه.

[الشيخ]: وفي المقابل، عندما يقول لي صديقي: تعال نشرب خمرًا، فأصبح بين خيارين: إما أن أرضي صديقي أو أرضي ربنا.

يُقال في الإنجليزية: أوتوماتيكيا، تلقائيًا، فتلقائيًا هكذا، ماذا أفعل؟ طاعة ربنا وأقول للشخص: كيف تفعل هذا والخمر حرام، وهذا لا يجوز؟

رفض مجاملة المعصية واختيار طاعة الله عند التعارض

ارفض نصيحة هذا الأخ [الذي يُحرضني على مخالفة اوامر الله تعالى] أو السير على هواه أو مجاملته؛ لأن الأمر فيه طاعة لله سبحانه وتعالى.

[المذيع]: اذن عندما يكون هناك تخيير بين أن أعصي الله وتكون ساعة حظ، وبين أن أختار طاعة الله سبحانه وتعالى.

[الشيخ]: فوراً تكون طاعة الله هي المختارة.

[المذيع]: اذن هنا يكون الحب.

[الشيخ]: هنا يظهر الحب الحقيقي عندما تُؤثر المحبوب على جميع المصحوب. أنا أُصاحب هذا الرجل، وبيننا عشرة ومصالح ونسب وجوار، لكن عندما أراد ان يُعطلني عن طاعة الله أو أمرني بما يُخالف أمر الله سبحانه وتعالى وما يُحبه، فأفعل ما يحبه الله ، ميلًا وإيثارًا للمحبوب على جميع المصحوب.

موافقة الحبيب في المشهد والمغيب كمقياس للحب عند ابن القيم

ألّف ابن القيم كثيراً في الحب؛ ولذلك تجد عنده عبارات كثيرة جمعها من تجربة الأمة. يقول: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب.

ويحبون أن يزنوها هكذا: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب. ما معنى هذه الموافقة؟

كانت السيدة عائشة تقول لسيدنا النبي ﷺ: أرى الله يسارع في هواك؛ أي عندما يرى قلبك راغبًا في شيء فيُحققه لك، سبحان الله. وهذا يدل على أن الله يحبك.

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

هذا يدل على أن الله يحب.

تطبيق موافقة الحبيب في الحضور والغياب على حب الوالدين والأبناء

موافقة الحبيب في المشهد والمغيب؛ المشهد يعني عندما أكون أمامك، أنا أحبك وأوافقك. وماذا عن المغيب؟ عندما تكون غائبًا عني، أيضًا أوافقك في مصلحتك، وعلى الفور أدافع عنك؛ ولذلك يقولون: هذه المرأة تحب أولادها كثيرًا، تدافع عنهم حتى وهم غائبون.

الأب يحب أولاده؛ لأنه يدافع عنهم وعن مصالحهم وما إلى ذلك، حتى وهم في المحضر، في المشهد، في الوجود وفي المغيب.

المقياس الثالث للحب وكيفية قياس درجة الموافقة والإيثار

إذن، هذا هو التعريف الثالث [مقياس الحب]؛ لماذا؟ ليس لتعريف ذات الحب نفسه - ذات الحب الذي هو الميل القلبي - وإنما هذا هو المقياس أو المسطرة أو المتر الذي ستقيس به الحب.

أنت الآن توافق الحبيب في المشهد والمغيب، كم مرة من كم؟ من كل عشر مرات توافق كم؟ ثماني مرات؛ إذن حبك ثمانية من عشرة. عشر مرات؛ إذن حبُّكَ عشرةٌ من عشرةٍ على المقياس.

[المذيع]: إذن أصبح مقياس الحب: أذهبتَ يمينًا أم شمالًا على هذا المقياس؟

[الشيخ]: إيثار المحبوب على جميع المصحوب، كم آثرت المحبوب على جميع المصحوب؟ سبع مرات من عشر مرات، يعني سبعة من عشرة. عشر مرات؛ إذن أنت حاصل على العلامة النهائية وهي عشرة من عشرة. وقس على هذا.

خلاصة تعريفات الحب الثلاثة: العطاء والموافقة وتقديم المحبوب

فنحن وجدنا الآن بهذا الكلام مقياسًا للميل القلبي الذي هو معبر عن شيء هلامي ليس فيه مقياس، لكننا صنعنا له مقياسًا بالعطاء والحب عطاء.

نحفظ الآن:

  • أن الحب عطاء

  • والحب هو إيثار المحبوب على جميع المصحوب.

  • وأن الحب هو موافقة الحبيب في المشهد والمغيب

[المذيع]: أشكر فضيلتك، فقد أرحتني بشكل شخصي عندما أسمع، فكرة أن الإنسان لابد أن يحب الله ورسوله ﷺ وأن يكونا أحب إليه مما سواهما.

كيف يثبت الإنسان حبه لله عندما يتعارض مع حب الأولاد والمصالح

[المذيع]: أنا أحب أولادي، وأحب أبي وأمي، وأحب زوجتي، وأحب الدكتور علي جمعة، فهل هذا يتعارض مع حب الله ورسوله؟ وكيف أُثبت أني أحب الله؟

[الشيخ]: أولادك يريدون طلبات تحتاج إلى أموال كثيرة تفوق طاقتك، فإنك مُطالَب بأن تجد لهم هذه الأموال، فتضطر أنت إلى الاستجابة لهذه الرغبة ارضاءً لأبنائك.

فتأخذ الرشوة أو تمد يدك على الحرام وتفعل وتفعل؛ فنفسك غلبتك من شدة حبك لأولادك ومن غفلتك عن رب العالمين، فأنت تحب أولادك أكثر من حبك لربك.

التوبة من تفضيل الأولاد على طاعة الله ومعالجة المصيبتين

الذي يحب أولاده أكثر من حبه لله ماذا نفعل فيه؟ يتوب إلى الله تعالى؛ فهذه معصية، يتوب من السرقة والرشوة التي أخذها.

بالطبع عليه ان يتوب، لكننا نريد ألا يعود إليها مرة أخرى. فيتوب من تفضيل الأولاد، يعني إذا لدينا هنا مصيبتان:

  • المصيبة الأولى: الرشوة، ومدّ اليد على الحرام، واتباع الشهوات وفعل الحرام.

  • والمصيبة الثانية: أنني أُفضل كل شيء على أمر ربنا. لابد أن أقلع عنها؛ حتى لا تتكرر؛ لأنه من الممكن تحت ضغط معين من شهوة أو رغبة أو مصلحة أن أمد يدي أو - والعياذ بالله - أرتكب ما حرّم الله سبحانه وتعالى مثل الزنا أو شرب الخمر، وتكون مصيبة سوداء، وهذا ليس دليل الحب.

الغفلة تحجب الحب وقصة نعيمان الذي كان يشرب الخمر

إذن كيف يأتي هذا [معصية الله سبحانه وتعالى]؟ يأتي بالغفلة. افترض أزيلت الغفلة وتنبهت، يرجع الحب الأصيل كما كان.

أنا لا أُكفّر بالذنب، ولم أقل إن هذا كفر وأن هذا يحتاج أن يُعاقب أكثر، أبدًا؛ لأن المسألة سهلة جدًا: إذا عاد الحب فسيعود، والله سيحبك.

وهذا موجود في حديث نعيمان الذي كان يشرب الخمر، ثم يأتي باكيًا في الصباح. ما الذي يجعله يبكي؟ حبه لله ورسوله.

فيقول له النبي ﷺ: «لا تفعل ذلك مرة أخرى»

فيقول له: حاضر، وهو بالفعل لن يفعل ذلك أبدًا، إلى أن يدخل في غفلة أخرى.

موقف سيدنا عمر من نعيمان وشهادة النبي بأنه يحب الله ورسوله

«كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون»

فلما فعل [نعيمان] ذلك [شرب الخمر] مرة واثنتين وثلاثًا وأربعًا وخمسًا، فسيدنا عمر [بن الخطاب] ضاق صدره منه، وقال: يا رسول الله، اتركني أقتل هذا المنافق الذي في كل حين يأتي بذنب.

فقال [النبي ﷺ]: «لا تَفْعَلْ يَا عُمَرُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ» [البيهقي في سننه: 18681]

فالحب موجود لكن عكرت عليه وحجبته الغفلة.

علاج الغفلة التي تحجب الحب بالتوبة والعزم على عدم العودة

إذا كان أصل الحب وهو الميل القلبي قد تعكر عليه وتغلفه وتحجبه الغفلة، فحينئذٍ ما العلاج؟ نُزيل الغفلة؛ نتوب من الذنب، ونزيل الغفلة، ونُصمم على ألا نعود إلى هذه الغفلة التي كانت سببًا في المعصية.

ليس فقط ألا نعود إلى المعصية، بل ألا نعود إلى هذه الغفلة مرة أخرى.

فهكذا يكون حال ومفهوم الحب لله ورسوله.

[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا. بعد الفاصل سنسأل فضيلة الدكتور: كيف يستطيع الإنسان أن يسير في هذا الطريق ويُدرّب نفسه على محبة الله ورسوله ﷺ وأن يكونا أحب إليه مما سواهما؟ بعد الفاصل إن شاء الله، ابقوا معنا.

كيف يدرب الإنسان نفسه على محبة الله ورسوله ومقاومة الغفلة بالذكر

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. فضيلة الدكتور، كيف أستطيع أن أُدرّب نفسي، وكيف يستطيع أي واحد من المشاهدين أن يُدرّب نفسه على محبة الله ورسوله ﷺ، وعندما يُوضَع في هذا الاختبار، اختبار الحب لله ورسوله ﷺ، ينجح فيه؟

[الشيخ]: أول شيء هو مقاومة الغفلة، والغفلة تُزال بأمور. أول هذه الأمور هو ذكر الله سبحانه وتعالى.

ولذلك اهتم ربنا في القرآن كثيرًا بذكر الله، وترى هؤلاء المتشددين أصحاب الجماعات الإرهابية لا يذكرون الله إلا قليلًا، سبحان الله! ويُبدِّعون من يلتزم الأوراد ويلتزم الأذكار، قائلين: هذه بدعة لم تكن على عهد رسول الله ﷺ.

تعليم النبي لأصحابه مجالس الذكر وفضل ذكر الله في بيوته

بالرغم من أن رسول الله ﷺ علَّم أصحابه مجالس الذكر وحِلَقَ الذكر. وفي إحدى المرات دخل فوجد في المسجد حلقة ذكر وحلقة علم، فقال: هؤلاء على خير، وهؤلاء على خير، ثم انضم إلى حلقة العلم.

فلابد هو [المتشدد] يُضعفه ونحو ذلك.

قال رسول الله ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يذكرون الله إلا ذكرهم الله في الملأ الأعلى»

«قال رسول الله ﷺ: يقولُ اللهُ عز وجل: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَني، فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَإٍ ذَكَرتُه في مَلَإٍ خَيرٍ منهم» [صحيح البخاري: 7405]

آيات قرآنية في فضل ذكر الله وتسمية القرآن ذكراً

فالقرآن إذن:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

وهذا امر غريب، حتى أنه سمى القرآن ذكرًا فقال:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]

الذكر نفسه.

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

والمقصود بما نُزِّل إليهم هو القرآن، فيكون الذكر الأول، ما هو؟ السنة التي بيَّنت القرآن. فأطلق الذكر على القرآن، وأُطلق الذكر على العلم المفسِّر، وأطلق الذكر على الذكر المحض.

أنواع الأذكار والعشرة الطيبة وأسماء الله الحسنى في القرآن والسنة

وأكثرَ جدًا من تفنُّن الذكر، فعلَّمنا: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلت على الله، أستغفر الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ. وسموها العشرة الطيبة.

ربنا سبحانه وتعالى علمنا الذكر وتركه لنا. يقول:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

والأسماء الموجودة في القرآن أكثر من مائة وخمسين اسمًا، وفي السنة أكثر من مائة وستين اسمًا، اي يوجد في الاثنين أكثر من مائتين وعشرين اسمًا، كلها أسماء صالحة لأن نذكر الله سبحانه وتعالى بها، وندعوه سبحانه وتعالى بها، فنقول: يا لطيف يا لطيف يا لطيف.

﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 15]

انظر الى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ.

قال رسول الله ﷺ: «لا يزالُ لسانُك رطبًا بذِكرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ» [الترمذي: 2329]

أهمية الذكر في الشريعة وانحراف المتشددين عنه واهتمامهم بالظاهر دون القلب

المهم أن الشريعة كلها في القرآن والسنة أمرتنا بهذا الذكر. وتجد المتشددون يظنون أنهم عندما يجاهدون في أوهامهم وتُرَّهاتهم، ويسمون الأشياء بغير اسمها، ويبتعدون تمامًا عن الذكر الذي به الطمأنينة، والذي به هدوء النفس واستقرار الحال ووضوح الرؤية وفتح من الله سبحانه وتعالى على الإنسان.

ودائمًا هم يتكلمون عن الأدوات والأساليب والظاهر، ويتركون القلب، والقلب هو بيت الرب سبحانه وتعالى.

حديث لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ومعنى هوى النفس

[المذيع]: مولانا، لو وقفنا عند الحديث الوارد في سياق الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال:

قال رسول الله ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ فَقَالَ عُمَرُ: فَلَأَنْتَ الْآنَ وَاللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْآنَ يَا عُمَرُ» [صحيح البخاري: 6632]

أن يكون حب الرسول ﷺ أحبَّ إليه من نفسه، هنا بمعنى هوى النفس، أليس كذلك يا مولانا؟

[الشيخ]: بلى، يعني كما شرحنا الآن أنه عندما تأمرني نفسي بشيء من الشهوات أو المصالح أو غير ذلك في مقابلة مع أمر رسول الله ﷺ. أما إذا كانت تأمرني بشيء ليس فيه مقابلة مع رسول الله ﷺ فيكون مباحًا.

قصة الشيخ الذي يتمتع بالمباحات ويحمد الله على نعمه

شاهدنا علماءنا ومشايخنا، فكان أحد مشايخنا الكبار يحب أن يشرب الشاي باللبن في الصباح، ويحب أن يشرب كوبين كبيرين هكذا. وبعد أن يشرب يقول: نعمة من نعم الله تستوجب الحمد.

إنه لم يشرب شيئًا محرمًا، ولم يفعل شيئًا محرمًا، بل تمتع بنعمة وهو يشربها، يتمتع ويستلذ بما أفاض الله عليه من نِعَم.

فهذا مفهوم رجل فهم الشريعة، وفهم القرآن، وفهم أنه:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]

وفهم أن هذه النعم التي مَنَّ الله بها علينا إنما هي مُسخَّرة لنا، فلا بد أن نتمتع بها.

نجاسة الخمر وموقف المسلمين من المحرمات والقاذورات

وفي الوقت نفسه، عمره [أي الشيخ الذي تمتع بشرب الشاي باللبن] ما رأى زجاجة ويسكي أو غيرها؛ لأنها حرام ورجس من عمل الشيطان.

ما هذا القرف؟ إنه [الخمر] نجس؛ شيء نجس، يعني - أعزك الله - كمن يشرب البول مثلًا، وهو نجس.

فهذه النجاسة وهذه الأحوال النفسية التي تعامل بها المسلمون مع المحرمات والقاذورات وما إلى ذلك. قال: فمن اجتنب تلك القاذورات، انظر كيف أنها قاذورات.

حتى عندما يقول: لا يجوز أن تُظهر المرأة مفاتنها، فالمفاتن تعني فتنة، والفتنة شيء سيء.

﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191]

فهم كلمة المفاتن من اللغة العربية وأهمية إزالة الغفلة والمداومة على العبادة

انظر إلى التمكن من اللغة العربية؛ ماذا يُفهمك؟ يُفهمك أن كلمة فتنة شيء سيء وليس إيجابيًا بأن تكون مفاتن المرأة هي أماكن جمالها وكمالها وما شابه ذلك، لا. ولو كانت هناك لغة صحيحة لعرفوا أن كلمة المفاتن مشتقة من الفتن، والفتن معناها أنها أشد من القتل.

وهكذا. إذن، لكي ننطلق في حب الله والرسول ﷺ وتظهر آثار هذا الحب:

  • الشيء الاول: يجب إزالة الغفلة.

  • والشيء الثاني: المداومة على العبادة.

قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» [صحيح البخاري: 6464]

فهذا شيء مهم جدًا، وهي الديمومة على العبادة. فتجعلنا منطلقين في طريق الحب الله ورسوله ﷺ.

ورد القرآن الكريم يجعل الإنسان يحب القرآن ويحسن تلاوته ويلين له اللغة

  • والشيء الثالث: ورد القرآن

يجعلك تحب القرآن؛ لأن القرآن شيء مبهر، ولكن ليس لمن اتخذه نسياً منسيًا، بل من له علاقة دائمة بالقرآن يتأمل ويتدبر ويقرأ، فيزداد عنده أشياء غريبة جدًا.

  • أولًا: أنه يُحسِن تلاوته، فكلما قرأ المرء القرآن كثيرًا تجده لا يتلعثم فيه، بل ينطلق فيه بطلاقة.

  • ثانيًا: تلين له اللغة، فيدخل إلى اللغة من أوسع أبوابها. وقد رأينا نماذج كثيرة جدًا على ذلك.

أثر الاستماع المستمر لإذاعة القرآن الكريم في تعلم القرآن وتحقيق الصفاء النفسي

عندما أُُنشئت إذاعة القرآن الكريم، كانت في بداياتها تُذيع ختمات متعددة في الأسبوع، ربما ثلاث أو أربع ختمات. القرآن على المرتل يستغرق ثلاثة وعشرين ساعة، والشريط نصف [سعة الشريط الواحد هي نصف ساعة]، فيصبح ستة وأربعين. هذه الستة والأربعون كانت تُذاع على اثنين وتسعين ربعا [بواقع ربعين لكل شريط]، أي كم ساعة؟ في البداية كان ثلاثة وعشرون ساعة.

كان المجوّد يأخذ ستة وخمسين ساعة تُوزع على اليوم.

كان هناك أناس رأيناهم يستمعون باستمرار إلى إذاعة القرآن الكريم ليلًا ونهارًا، هو لا يعرف أن يقرأ أو يعرف، ولكنه يعمل في أموره. بعد سنة أو سنتين أو ثلاث وجدناه يُكمل مع الشيخ؛ خلاص تعلّم الإيقاع وتشبع به.

الاستماع للقرآن يورث الصفاء والاستقرار وحب السيرة النبوية يزيد حب الرسول

أن هذا [ورد من القرآن] كان يسبب لهم صفاءً، واستقرارًا، وأن هذا الصنف دائمًا يحب الله ورسوله ﷺ؛ لأنه يشعر أن هذا كلام الله، وما هو بكلام بشر، فينجذب إليه ويصبح محباً.

كذلك، حب الرسول ﷺ يتأتى بقراءة السيرة النبوية الشريفة. كلما قرأت السيرة ازددت حبًا في هذا الإنسان الرباني، النبي الرسول الذي أيده الله سبحانه وتعالى تأييداً عظيماً إلى يومنا هذا.

هل تتعارض المعصية مع محبة الله ورسوله بشكل مطلق وقصة نعيمان

[المذيع]: مولانا، فيما يتعلق بالناس الذين يقولون: والله أنا أحب ربنا وأحب الرسول ﷺ، ولكن في سلوكياتهم أشياء خاطئة. فهذا الشخص بداخله محبة لله، مع أنه يرتكب أمورًا محرمة. فهل هنا تتعارض هذه المعصية بشكل مطلق مع محبة الله ورسوله ﷺ؟

[الشيخ]: لا، ليس بشكل مطلق. وقد ضربنا مثلًا لهذه المسألة بقصة نعيمان، الذي كان يحب الله ورسوله ﷺ ولكنه بالغفلة ينسى، ثم يرجع مرة اخرى أول ما يفيق من غفلتة.

ولذلك، الكلام واضح:

قال رسول الله ﷺ: «كلُّ ابنِ آدمَ خَطاءٌ وخيرُ الخطائينَ التَّوابونَ» [الترمذي: 2499]

خطّاء: أي كثير الخطأ. «وخير الخطائين التوابون»: أي الذين يرجعون.

التمادي في المعصية يقسي القلب ويحول بين المرء وقلبه

فإذاً، التمادي يُقسي القلب، فالتمادي في المعصية ينكت في القلب نكتة سوداء، فلا يستطيع الإنسان بعد ذلك [ان يتوب].

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

أي آتي وأحاول أن أُحِب فلا أستطيع، أحاول أن أرجع لطبيعتي فلا أستطيع. إن نفسي وعقلي يقولان لي [أن ارجع ألى الله] ولكنني لا أستطيع أن أفعل هذا.

لقد رأينا هذا حتى في الملاحدة - رأينا منهم من يقول: أنا في جهنم، أنا أشعر أنَّ أنا أتعذب كل يوم. ولأي سبب؟ لتؤمن، قال: لا أعرف. قلت له: لا أفهم ماذا تعني بلا أعرف. قال لي: لست قادرًا، لا أعرف.

حالة الملحد الذي يعجز عن الإيمان رغم رغبته وتفسير الحيلولة بين المرء وقلبه

كلما يقول لي عقلي أن أؤمن، لا أقدر،كأنني أدور بلا فائدة، مثل الترس المكسور.

فتعجبت كثيرًا من هذا المعنى؛ لأنه يتضمن تفسير قوله تعالى:

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

إحذروا؛ إن الوصول الى هذا الحد سيصبح بلا رجوع بعد ذلك، وهذا يعني أن الله قدَّر عليه هذه الحالة السيئة.

فكل ابن آدم خطّاء، ومع خطئه خير الخطائين التوابون. فالحب موجود، ولكنه يُحجب بالغفلة.

[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا.

أسئلة المشاهدين حول تحقيق المحبة الحقيقية لله ورسوله

[المذيع]: نستمر مع حضراتكم، وسؤالنا على صفحة والله أعلم على الفيسبوك: برأيكم كيف نحقق المحبة الحقيقية لله ورسوله ﷺ؟ بعد الفاصل.

أهلا بحضراتكم مرة أخرى. مولانا، هل الإنسان مأجور على حبه لدين الله؟ أي: الذي يرتبط بالقرآن، وبالصلاة، وبالصيام، وبأهل الخير، وبمساعدة الفقراء.

هل مشاعر الحب نفسها منفصلة عن العمل؟ لأنه من الممكن أن يحب الشخص أن يُساعد، ولكن ليس لديه المقدرة. فهل هذا الشخص يُؤجر على مشاعره وعلى حبه فقط، دون أن يقوم بالفعل؟

ثلاثة ملفات في مسألة الأجر على النية والحب مع العجز عن العمل

[الشيخ]: أنت سألت سؤالين أو ثلاثة، وليس سؤالًا واحدًا.

  1. السؤال الأول: أنا أحب فعل الخير، ولكنني لا أستطيع عليه. ولهذا صور متعددة؛ من ضمنها أنني أصلي، لكنني غير قادر على الصلاة.

فالنبي عليه الصلاة والسلام يذكر لنا أن المريض الذي لا يستطيع أن يفعل الخير لمرضه، يُكتب له ما كان يفعله حين صحته، حتى لو انقطع عن هذا العمل. فيستمر أجر هذا العمل؛ لأنه لديه عذر.

حالة المرأة الحائض وكتابة الأجر لها رغم عدم العمل بأمر الشرع

وهذا يظهر في حالة المرأة الحائض التي لا تُصلي بأمر الشرع، فهي في رضا الله؛ ولو صلّت لكانت قد خالفت، ولو صامت لكانت قد خالفت.

ولذلك، فهي في رضا الله، بالرغم من أنها لا تعمل، ولكن يُكتب لها العمل الذي كانت تعمله وهي خارج الحيض أو النفاس، أو ما شابه ذلك.

فإذن، هذه حالة أنا ليس بوسعي، فماذا أفعل؟ الذي ليس بوسعه يكُتب له الأجر.

قصة الثلاثة الذين طلبوا الحمل للجهاد وكتابة الأجر لمن حبسهم العذر

الثلاثة الذين جاؤا الى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، احملنا، في سورة التوبة:

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]

يتضح إذن أن هؤلاء مكتوب لهم أجر، إذ كان [النبي ﷺ] يقول في الطريق:

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ»[احمد: 12409]

ففي العجز عن فعل الخير سواء كان بالمرض أو بالعارض الشرعي أو بالعجز وقلة الموارد، يُكتب للإنسان الأجر والثواب، ولا يمنعه ذلك.

الملف الثاني: الأجر على نية فعل الخير عند وجود حائل عارض

إذن:

  1. الملف الأول: العجز عن فعل الخير مع الرغبة فيه.

  2. الملف الثاني: فهو أنني قادر ودائمًا أهمُّ بفعل الخير، ثم تأتي العوارض. أريد أن أتصدق على شخص لأسدد عنه تكاليف العلاج في المستشفى، أو أعطيه مالًا لعملية سيجريها، ثم مات المريض قبل التنفيذ.

ما حكم هذه النية؟ أنا لم أدفع المال فعلًا، لكنني كنت أنوي ذلك، فهل لهذه النية ثواب؟

نعم، لها ثواب؛ فقد ورد أنه:

قال رسول الله ﷺ: يقول الله عز وجل: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة» [البخاري: 6126]

إذن، الملف الأول: أنني عاجز. أما الملف الثاني: أنني قادر، ولكن حيل بيني وبين فعل الخير لأي سبب عارض.

بركة النية الصالحة في بر الوالدين والملف الثالث في مراتب القصد

كالمثال الذي ضربناه: أن الشخص المعني [من أردت مساعدته] قد مات، أنني بار بأبي وأمي، ومن مظاهر هذا البر أني كنتُ أُدبِّر في ذهني أن أُحضِر لهم هديةً أو نحو ذلك، فماتوا مثلًا.

فهذا التدبير، وهذه الهمة، وهذه النية تجعل لي ثوابًا أيضًا، حتى لو ذهب المحل الذي فيه الفعل.

  1. الملف الثالث: هو ما يُسموه مراتب القصد. ومراتب القصد يدخل فيها جزء آخر، وهو أنني أهم بفعل السيئة ولا أفعلها، أذكر فأكفُّ، فأخذ ثوابًا.

هذه هي الأجزاء الثلاثة التي فهمتها من السؤال.

حقيقة الحب عند الصوفية والتخلية والتحلية وتخلية القلب من السوى

[المذيع]: أشكر فضيلتك. وفيما يتعلق بحقيقة الحب عند الصوفية، كيف هو الحب عند الصوفية؟ وهل يختلف عن المفاهيم التي ذكرتها في السابق؟

[الشيخ]: الصوفي يهتم في طريقه إلى الله بـالتخلية والتحلية؛ تخلية القلب من كل قبيح، وتحلية القلب بكل صحيح.

ولذلك عنده مرتبة، وهي أنه يريد أن يخلي قلبه من السِّوى. ما هو السِّوى؟ هو ما سوى الله، أي لا يعرف شيئًا سوى الله، ولا يريد شيئًا سوى الله. أبدًا؟ أبدًا، لا يريد أي شيء سوى الله.

ومن هنا يقول: يا رب، لم أعبدك طمعًا في جنتك، ولا خوفًا من عذابك، بل عبدتك حبًا فيك.

أركان العبادة الثلاثة: الحب والخوف والرجاء والحب هو الأساس

الحب ركن من أركان العبادة: الحب، والخوف، والرجاء؛ ثلاثة أركان للعبادة يجب أن نلتفت إليها التفاتًا واضحًا.

الحب، والرجاء في فضل الله ونرجو وجه الله، والخوف هو الترغيب والترهيب.

[المذيع]: إنما الحب قبل الترغيب والترهيب، هو هذا الأساس في العلاقة يا مولانا.

[الشيخ]: هو الأساس، والأول في العلاقة. فالحب عند الصوفية مبني على الخلو، ويقولون: مبني على التخلية ثم التجلية.

معنى التجلي عند الصوفية وأن القلب بيت الرب وعبادة بلا غرض

ما هو التجلّي؟ هو الجلاء الذي يحدث عندما يتخلى الإنسان عن القبيح ويتحلى بالصحيح، فيتجلى رب العالمين على قلبه. والقلب هو بيت الرب.

فالمسألة ليس فيها غرض، بمعنى أنني لا أعبدك لكي ترزقني، أو لتُبقيني فترة في الدنيا، أو لتُدخلني الجنة، أو لتُبعدني عن النار. صحيح أن حقائق الأمور هي أنه:

﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]

هذا صحيح، وأن الجنة هي مأوى المتقين الأتقياء وكذا إلى آخره، لكن ليس هذا هو الدافع. أنا أحبك أنت، حتى ولو لم تكن هناك جنة ولم تكن هناك نار.

العبادة الحقيقية من جانب التشريف لا التكليف وحب الله بلا شرط

فلو قال لنا الله عز وجل: أنا سأخلقكم في الدنيا، والذي يَعبُد يَعبُد، والذي لا يَعبُد فلا يَعبُد، كنتُ سأعبُدُكَ

[المذيع]: حتى لو لم يكن هناك عقاب؟

[الشيخ]: لو لم يكن هناك عقاب، ولا ثواب، ولا شيء. أنا كنتُ سأعبُدُكَ[يعبد الله]؛ لأن عبادتك هي ما أستطيع تقديمه لك، ولأن عبادتك هي الحق، ولأن عبادتك هي الصواب، هذا هو الحب.

** أي: لا يوجد دافع. احدهم يقول: لماذا تعبد الله؟ فيجيب الاخر: حتى لا يغضب علي.

وإذا افترضنا أنه قال لك: إنه ليس غاضبًا عليك، فيرد عليه: حسنًا، بركة يا جامع أن جاءت منك ولم تأت مني [خلاصٌ جاءَ بقرارِ غيرِك]. الحمد لله، لا داعي للصلاة ولا للصيام، أصبحت حرًا طالما ربنا غير غاضب مني على عكس الآخر.

الصوفي الحقيقي يعبد الله حباً من جانب التشريف لا التكليف

الآخر الصوفي ماذا يقول؟ لا، أنا سأعبده حتى لو لم يكن هناك عقاب، ولا ثواب، ولا حساب.

لماذا؟ لأنه يستحق منا هذه العبادة، ولأنني أفعلها حبًا، وأفعلها من جانب التشريف لا التكليف. هذا هو الصوفي.

هل الحب يوصل إلى الدرجات العليا وحديث من أحبني كان معي في درجتي

[المذيع]: هل الحب يوصل في النهاية إلى الدرجات العليا؟ بمعنى: لو وقفنا عند الحديث النبوي الشريف:

قال رسول الله ﷺ: «من أحبَّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمَّهما كان معي في درجتي يومَ القيامةِ» [الترمذي: 3733]

هنا، هل محبتي لرسول الله ﷺ ستكون شفيعًا لي في أن أرتقي إلى هذه الدرجة والمرتبة الرفيعة التي قد لا أستحقها بعملي؟

[الشيخ]:

﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

فالله سبحانه وتعالى حبيب، وهو وضع لنا هذا الطريق.

سلسلة الحب: بحب الله نحب رسوله وبحب الرسول نحب آل بيته

فبحب الله نحب رسول الله ﷺ كما ورد في الحديث الذي ذكرتموه، وهو قوله ﷺ: «من أحبَّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمَّهما كان معي في درجتي يومَ القيامةِ»، وبحب رسول الله ﷺ، نحب آل بيته.

ولا بدّ علينا أن نُحِبَّ آل البيت الكرام حبًا في رسول الله ﷺ، ونحن نُحِبُّ رسول الله ﷺ حبًا في الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي يستلزم منا خالص العبادة.

إجابات المشاهدين على سؤال كيف نحقق المحبة الحقيقية لله ورسوله

[المذيع]: سأنتقل إلى أسئلة حضراتكم وأعرضها على فضيلة الدكتور. سؤالنا على الصفحة كان يقول: كيف برأيك نحقق المحبة الحقيقية لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام؟

بعض إجاباتكم:

  • هالة الديب قالت: إن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فندعو الله عز وجل أن يهدي قلوبنا إلى حبه وحب حبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه.

  • تقول الأستاذة إيمان: بطاعة الله، والتحلي بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن لا نقدم حب الناس على محبة الله، والله أعلم.

  • ميار تقول: بذكر الله وطاعته واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  • أحمد عشوش يقول: بالإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر.

سؤال عن الوسوسة وكيفية التخلص منها وعلاجها بحسب مراحلها

[المذيع]: مولانا، إذا سمحت لي أن أذهب لبعض الأسئلة على الرسائل النصية.

هناك رسالة تتحدث عن الوسوسة: كيف يتخلص الانسان من هذا الأمر، يا مولانا؟ وهل هناك أدعية قد تعين على الشفاء من الوسوسة؟

[الشيخ]: هذا الوسواس له بداية ووسط ومدى طويل. فإذا كان في البداية، يمكن أن يُعالج بالهمة والسيطرة على النفس، ومعرفة أن الوسواس ليس شيئًا شرعيًا ولا مطلوبًا. والشريعة لم تأمرنا بزيادة التحوط والتأكد، خاصة في النظافة أو في النجاسات أو في العبادات أو في الأداءات المختلفة.

ولذلك نستطيع أن نتدارك هذا الأمر إذا كان الوسواس قد دخل عليه منذ أسبوع أو أسبوعين، فنلحقه بالموعظة ونستطيع أن نبين له ذلك.

الوسواس المزمن يحتاج إلى طبيب نفسي ولا يكفي فيه الوعظ وحده

لكن عندما يأتي شخص ويقول: إنني موسوس منذ عشرين سنة، وأتعبني وأهلكني، وربما خرب البيت في بعض الأحيان، فهذا لا بد أن يذهب إلى الطبيب النفسي.

لا بد أن يذهب إلى الطبيب النفسي؛ لأن هذه مسألة عضوية، وتترتب عليها مهالك كثيرة، ولذلك لا بد أن يستعين بالمعونة الطبية.

حكم الأب الذي وزع ماله على بناته دون إخوته وهل فيه حرمة

[المذيع]: رسالة اخرى تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فضيلة الدكتور. أبي فاجأني أنا وأخواتي البنات بأن لديه وديعة كبيرة من المال في البنك، وأنه كتب هذه الوديعة لي ولأخواتي البنات على أن نأخذها بعد وفاته وليس قبل وفاته، وبالتالي هو بهذا الأمر حرم عمي. أنا زوجة ولدي أطفال ولا أريد أن أُدخل مالًا حرامًا على أولادي، ما رأي فضيلتكم؟

[الشيخ]: كيف كتبها باسمهم؟ كلام غير واضح!

فمثلًا دعنا نضرب مثالاً: أن لديه أربعة ملايين، ولديه أربع بنات، فذهب وأعطى لكل بنت مليونًا، ففوجئت كل واحدة بأن حسابها أصبح فيه مليون. ثم قال لهن: يا فتيات، لو سمحتن لا تتصرفن في هذا المليون حتى أموت؛ ربما نحتاج إلى شيء، أو إلى علاج، أو أمرض، إلى آخره.

حكم التبرع للبنات في الحياة بنية صالحة أو بنية حرمان الأخ

هذا التصرف منه [تبرع الأب بماله لبناته في حياته]، إذا كان بنية خدمة الفتيات وسترهن وما إلى ذلك، فلا شيء فيه؛ لأنه يكون قد تبرع بملكه في حياته لبناته.

ولكن لو نوى في قلبه حرمان أخيه، وقال: أنا فعلت ذلك لأضر بأخي لكي لا يشارككم، فتكون هذه النية حرامًا.

حسنًا، أنا فتاة ومعي مليون في حسابي، فماذا أفعل؟

[المذيع]: ووالدي قد فعل هذا من أجل أن يحرم عمي.

[الشيخ]: ربما كان يريد أن يحرم عمي، فماذا أفعل أنا؟ لا شيء، هذا مالك، ليس عليكِ شيء، هذا الإثم عليه.

الإثم على النية السيئة للأب ولا يزول بإرجاع نصيب العم بعد الوفاة

هل عندما أُرجع لعمي نصيبه يزول عنه [أبي الذي تبرع بماله حرماناً لاخيه] الإثم؟ أبدًا، لقد قام بالإثم ومات، واحتُسب عليه الإثم.

ولذلك، سواء أرجعت نصيب عمك أو لم تُرجعيه، فهذا لا شأن له بعقاب أبيك؛ فأبوك سيُعاقب.

سيُعاقب على ماذا؟ سيُعاقب على النية، وليس على التوزيع؛ لأن التوزيع بنية صالحة يختلف عن التوزيع بنية غير صالحة، كان سيكون تصرفًا جميلًا وسليمًا.

فإن الحرمة جاءت في النية، وليس في التقسيم ذاته.

[المذيع]: بارك الله فيكم، مولانا. جزاكم الله خيرا.

خاتمة الحلقة والشكر للمشاهدين

[المذيع]: الشكر موصول لحضراتكم مشاهدينا الكرام، إلى اللقاء.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما التعريف اللغوي للحب وفق ما جاء في الفقه الإسلامي؟

الميل القلبي نحو المحبوب

ما المقياس الأول للحب الذي ذكره العلماء؟

الحب عطاء يستلزم الطاعة

كيف عرّف ابن القيم الحب في كتاباته؟

إيثار المحبوب على جميع المصحوب

ما المقياس الثالث للحب عند ابن القيم؟

موافقة الحبيب في المشهد والمغيب

ما الذي يحجب الحب لله ورسوله دون أن ينفيه كلياً؟

الغفلة

ماذا قال النبي ﷺ لعمر حين أراد معاقبة نعيمان على تكرار شرب الخمر؟

لا تفعل يا عمر فإنه يحب الله ورسوله

ما أول وسيلة لإزالة الغفلة وتحقيق حب الله ورسوله؟

ذكر الله سبحانه وتعالى

ما الحديث النبوي الذي يدل على فضل المداومة على العبادة؟

أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل

ما الذي يتميز به الصوفي في عبادته لله عن غيره؟

يعبد الله حباً من جانب التشريف لا التكليف

ما أركان العبادة الثلاثة التي يجب الالتفات إليها؟

الحب والخوف والرجاء

ما حكم الوسواس المزمن الذي يستمر لسنوات طويلة؟

مسألة عضوية تستوجب الطبيب النفسي

ما حكم تبرع الأب بماله لبناته في حياته بنية حرمان أخيه؟

النية حرام والإثم على الأب وحده

ما معنى الحب في اللغة العربية؟

الحب في اللغة هو الميل القلبي؛ فالقلب يميل إلى شيء فيتعلق به ويحبه، سواء كان الله أو الرسول أو الدنيا وشهواتها.

ما المقاييس الثلاثة للحب التي ذكرها العلماء؟

المقاييس الثلاثة هي: أولاً الحب عطاء يستلزم الطاعة، وثانياً إيثار المحبوب على جميع المصحوب، وثالثاً موافقة الحبيب في المشهد والمغيب.

ما معنى إيثار المحبوب على جميع المصحوب؟

يعني تقديم من تحبه على كل من تصاحبه؛ فإذا أحببت الله وأمرك بترك شيء ابتعدت عنه حباً في الله وميلاً إلى طاعته.

ما معنى موافقة الحبيب في المشهد والمغيب؟

تعني الوفاء للمحبوب والدفاع عنه ورعاية مصالحه سواء كنت أمامه أو غائباً عنه، كما تفعل الأم مع أولادها.

كيف يظهر الحب الحقيقي لله عند التعارض مع الشهوات؟

يظهر بأن يختار المحب طاعة الله تلقائياً دون تردد عند التعارض بين أمر الله وإرضاء النفس أو الآخرين.

ما الفرق بين الغفلة والكفر في علاقتهما بالحب لله؟

الغفلة تحجب الحب ولا تنفيه، فصاحبها قد يقع في المعصية لكن الحب موجود في قلبه ويعود بالتوبة. أما الكفر فهو أمر مختلف.

ما الدرس المستفاد من قصة نعيمان الذي كان يشرب الخمر؟

الدرس أن الحب لله ورسوله يمكن أن يتعايش مع الذنب بسبب الغفلة، وأن التوبة تُعيد الحب إلى أصله، وأن الذنب لا يُسقط الحب من القلب.

ما أثر التمادي في المعصية على القلب؟

التمادي في المعصية يُقسي القلب وينكت فيه نكتة سوداء، حتى يعجز الإنسان عن التوبة والرجوع، وهو معنى الحيلولة بين المرء وقلبه.

ما العشرة الطيبة من الأذكار؟

هي: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلت على الله، أستغفر الله، والصلاة والسلام على رسول الله.

كم عدد أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة مجتمعَين؟

أسماء الله الحسنى في القرآن أكثر من مائة وخمسين اسماً، وفي السنة أكثر من مائة وستين، ومجموعهما أكثر من مائتين وعشرين اسماً.

ما طرق تحقيق حب الله ورسوله التي ذُكرت في الحلقة؟

الطرق أربع: إزالة الغفلة بالذكر، والمداومة على العبادة ولو قلّت، وورد القرآن الكريم، وقراءة السيرة النبوية الشريفة.

ما معنى التخلية والتحلية عند الصوفية؟

التخلية هي تخلية القلب من كل قبيح وكل ما سوى الله، والتحلية هي تحلية القلب بكل صحيح وجميل، وهما معاً طريق الصوفي إلى الله.

ما حكم المريض الذي عجز عن العبادة التي كان يؤديها؟

يُكتب له أجر ما كان يعمله حين صحته حتى لو انقطع عنه، لأن العذر يُبقي الأجر جارياً.

ما حكم من همّ بفعل الخير ثم حيل بينه وبين تنفيذه؟

يُكتب له أجر حسنة كاملة، لقوله ﷺ في الحديث القدسي: من همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة.

ما الحديث الذي يدل على أن محبة الرسول ﷺ تُوصل إلى درجته يوم القيامة؟

قال ﷺ: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة، وهو دليل على أن الحب الحقيقي يرفع درجة صاحبه.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!