حديث الجمعة | الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي و فكرة وضع علم العروض
- •الخليل بن أحمد وضع قوانين منهجية علمية مبتكرة لم تمنح لأحد قبله، حيث اكتشف أن الشعر يسير على إيقاع محدد يعتمد على الساكن والمتحرك.
- •اكتشف الخليل بن أحمد التفعيلات والبحور الشعرية بدقة مذهلة، حتى بلغت خمسة عشر بحراً، ثم أضاف الأخفش بحر المتدارك.
- •علماء العربية بذلوا جهوداً كبيرة في حفظ اللغة وتصنيفها منذ عصر الصحابة والتابعين.
- •الإمام الشافعي كتب رسالته الشهيرة بناءً على طلب عبد الرحمن بن مهدي، وأعادها ثمانين مرة للإتقان.
- •أثبت الخطيب البغدادي في كتابه "الفقيه والمتفقه" أن ما جاء به الشافعي كان متصلاً بأقوال الصحابة.
- •الإمام الشافعي جمع شتات العلوم وقدم أصول الفقه كمفتاح للفهم لأهل السنة والجماعة.
- •هناك فرق بين الشك المنهجي والتشكيك، فالشك يولد أسئلة علمية، أما التشكيك فيهدف لإثارة الريبة في النفوس.
- •تختلف أساليب الشعر وأدواته عبر العصور المختلفة من الجاهلي إلى الإسلامي إلى الأموي والعباسي والأندلسي والحديث.
افتتاح المجلس بالصلاة والسلام على النبي المصطفى وتنزل الرحمات
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ وآلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ.
معَ الحبيبِ المجتبى والنبيِّ المصطفى صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلمَ، نعيشُ هذهِ اللحظاتِ عسى أن ينزلَ اللهُ علينا سكينتَهُ ورحمتَهُ؛ فعندَ ذكرِهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ تتنزلُ الرحماتُ، فهوَ بابُ اللهِ وحبيبُ اللهِ ومختارُ اللهِ والمصطفى المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم.
الخليل بن أحمد وابتكاره منهجاً علمياً لقوانين اللغة العربية
تحدثنا عن بعض مجهودات علماء العربية من بعد الصحابة والتابعين، وكان منهم الخليل بن أحمد الذي أراد أن يضع قوانين يُرجع إليها بطريقة منهجية علمية مبتكرة، لم يمنحها الله سبحانه وتعالى لأحدٍ من قبله في العالمين.
حفِظ وقرأ واطّلع على شعر العرب وما نُقل عنهم، وبتلك الملكة التي خلقها الله سبحانه وتعالى في نفسه.
تعريف الملكة العلمية وكيفية إدراك النفس للمعلومات بها
والملكة هي كيفية راسخة في النفس بها تدرك النفس المعلومات. ملكة يعني ماذا؟ كيفية راسخة في النفس، و"كيفية" هذه واحدة من الأعراض التسعة [في علم المنطق].
كيفية راسخة، انظر إلى كلمة "راسخة"، أي أن النفس تشبعت بتلك الكيفية. بها تدرك النفس، أية عملية؟ عملية تشبع وعملية أداة؛ تصبح هذه الملكة أداة للوصول إلى الإدراك الصحيح.
اكتشاف الخليل بن أحمد لإيقاع الشعر العربي بالساكن والمتحرك
الشيخ الخليل بن أحمد أحس من داخله هكذا أن هذا الشعر يسير على إيقاع معين، يسير على إيقاع معين. ظل يتأمل: يا رب، ما هذا الإيقاع؟ أراد أن يكتشفه حتى توصل إليه.
وفتح الله عليه أن هذا الإيقاع [يقوم على] الساكن والمتحرك، الساكن وماذا؟ والمتحرك. فقط وانتهت القصة؟ لا، لم تنتهِ بل بدأت!
كيفية تطبيق الخليل لنظام الساكن والمتحرك في بناء الأوزان
الله! قال [الخليل]: أنا أدرك أن الآن هناك عمل بالساكن والمتحرك، ساكن ومتحرك، كيف تقوم بذلك؟ قال: "تَنْ"، تاء مفتوحة ونون ساكنة، فتصبح هذه المتحرك والساكن.
وها نحن الآن في علم الكلام عندنا أن الأصل في الكون السكون، فجاءت إرادة الله فحركته. أما الفلاسفة فيقولون: ما هذا؟! الأصل في الكون الحركة، والسكون عارض، والحركة كامنة. هذا ليس كلامنا، بل هو كلامهم، وقد ناقشناهم وأثبتنا لهم فساد هذا القول وما يترتب عليه.
بناء التفعيلات الشعرية من تكرار الساكن والمتحرك بأنماط مختلفة
لكن مثال الساكن والمتحرك ما هو؟ "تَنْ". قلت: حسنًا، أضف لها أيضًا واحدة، أصبحت "تَنْ تَنْ". حسنًا، واحدة أخرى: "تَنْ تَنْ تَنْ". حسنًا، اجعلها ثلاثة وجعل اثنين، فأصبحت "تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ". حسنًا، ثلاثة اثنان واحد: "تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ تَنْتَنْ تَنْ تَنْ".
الله! هل هي موسيقى أم ماذا؟ فذهبوا يسمونه الشعر الغنائي. عندما تذهب لكتب الأدب يقول لك ماذا: ومن الشعر الغنائي. يعني ماذا غنائي؟ يعني فيه موسيقى موجودة. ماذا بداخله؟ إنه بالساكن والمتحرك.
تطوير الإيقاع بإدخال المتحركات المتتالية وتوليد أنماط جديدة
قال [الخليل]: طيب، ألا يأتي يعني متحركان وراء بعضهما؟ قال: يأتي، يصبح "تاتاتان". ها هو: "تَتَتْ"، "تَتَا"، ها هو: "تَتَتَنْ"، "تَنْ"، "تَتَتَتَتَتَنْ تَنْ تَنْ". أصبحت شيئًا آخر!
الرجل [الخليل بن أحمد] عاش يذهب ليصلي وفي ذهنه هذه الخواطر كلها، والله أحبَّ الحكاية وعشقها وتولّه بها.
قصة ابن الخليل بن أحمد الذي ظنه مجنوناً وهو يقطّع الشعر
ففي مرة من المرات كان هو [الخليل بن أحمد] في غرفته هكذا، وبعد ذلك جالس مثلًا [يردد]: "قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ، بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ". فجلس يقول: "قفا نبكِ من ذكرى حبيب"، فسمعه ابنه.
ذهب [الابن] لأمه وقال لها: الحقي، جُنَّ أبي، جُنَّ أبي! لماذا يفعل هكذا الولد؟ هو لا يعرف؛ دخل فوجده جالسًا كأنه يهذي، إنه لا يكمل الكلمة بل يقطعها. وماذا يريد [الخليل] أن يوصل؟ هي التفعيلات [الشعرية].
اكتشاف الخليل للبحور الشعرية واكتشاف الأخفش للبحر السادس عشر
بعد ذلك، عندما اكتشف [الخليل بن أحمد] التفعيلات واكتشف البحور وأشياء مثل ذلك في علم العروض، اكتشف مجموعة من حوالي خمسة عشر بحرًا.
أما البحر السادس عشر فاكتشفه بعد ذلك رجلٌ اسمه الأخفش، [وهو بحر] المتدارك، وسُمي كذلك لأنه تدارك ما فات. هذا الرجل الذي اسمه الأخفش هو الكبير.
رد الخليل بن أحمد على ابنه بأبيات شعرية بليغة في العلم والجهل
خليل بن أحمد خرج فسمع الولد يخبر أمه، يقول لها: جُنَّ الرجل! فأمسكه من رقبته وقال له:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني، أو كنت تعلم ما تقول عزلتك، ولكنك جهلت مقالتي فعذلتني، وعلمتُ أنك جاهل فعذرتك.
هل تدرك كيف [بلاغة هذا الرد]؟ وعلمتُ أنك جاهل فعذرتك؛ مادام أنت لا تفهم أي شيء [فأنت معذور].
إعجاب العلماء بدقة البحور الشعرية وقولهم إن العروض وُلد كاملاً
عمل الخليل بن أحمد - البحور الشعرية التي ابتكرها - والناس التي أتت بعده كانت مذهولة: كيف وصل إلى هذه الدقة؟
حتى قيل: كل علم يولد فينضج، يولد فينضج شيئًا فشيئًا، إلا العروض وُلد كاملًا. واخد بالك [من عظمة هذا الإنجاز]!
الرد على مقولة أن العلم ينضج ويحترق وبيان أن العلم لا ينتهي
هناك بعض الناس يقول لك: هناك من العلوم ما نضج واحترق، كما أنك عندما تترك الشيء على النار يحترق. هناك من العلوم ما نضج واحترق.
نحن لسنا مع هذا الكلام بل ضده، ونقول إن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، ومع المحبرة إلى المقبرة.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
لا شيء اسمه العلم احترق! لا، العلم ينضج فقط لكنه لا يحترق، بل في كل يوم كلما نفتح شيئًا نجد أربعين شيئًا أمامنا ولن ننتهي. فحكاية "العلم احترق" هذه، أتدري؟ نحن ضدها. نحن لا ننكر وجودها، لكننا نؤكد أن العلم لا يحترق أبدًا، العلم يزداد ويُبهر وهكذا.
تأليف الخليل لعلم العروض كاملاً وتفصيل من جاء بعده لما أجمله
المهم، سيدنا الخليل [بن أحمد] ألّف هذا العلم وألفه كاملًا، حتى أن من جاء بعده بدأ في إنضاج أو في تفصيل ما أجمله.
فقالوا: إن لدينا ست دوائر في العروض هذه، والست دوائر هذه هي التي تجد فيها الستة عشر بحرًا. حسنًا، الست دوائر هذه هي التي بمؤشرها نستخرج البحور؛ فالدائرة هذه أنتجت كذا بحر وهذه الدائرة هكذا.
إمكانية توليد بحور جديدة والفرق بين خدمة الكتاب وخدمة الأدب
حسنًا، ألا يمكننا أن نولّد بحورًا لم تحدث من قبل؟ قالوا: نعم، ممكن، ولكن ماذا ستفعل بها إذن؟ نحن نقدم هذه خدمةً للكتاب [الكريم].
انظر الفرق إذن: لكنك ستُحضرها لشيء من الترف والأدب، ولا مانع من ذلك. وذهبوا يُحضرون أشياء، وأصبح الشعراء يتبارون في وضع أوزان جديدة لم تنطق بها العرب، لكن هذا ليس لخدمة الكتاب والسنة، إنما لخدمة الأدبيات؛ شخص يريد أن يبدع.
شوقي وابتكاره أوزاناً غير عربية وتعليق أحد العلماء الساخر عليه
فذهب شوقي [أحمد شوقي] وصنع من ذلك كثيرًا، قال: "مال واحتجب وودّع الغضب، ليت هاجري يشرح السبب". قوله هكذا، ما هذا الوزن! إنه ليس وزنًا عربيًا، وليس موجودًا عند العرب.
ولذلك كان شخص ربما كان إمامًا - الله يرحم الجميع - قال له [ساخرًا]: "إنشال وانخبط وادعى العبط، ليت هاجري..." [أي أنه حاكى وزنه بكلام ساخر].
جهود الخليل وتلامذته وسيبويه والكسائي والشافعي في حفظ العربية
نواصل، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
إذا بذل الخليل بن أحمد وتلامذته وعلى رأسهم سيبويه وغيره، من الكسائي ومنهم الأصمعي، ومنهم بعد ذلك الشافعي، بذلوا مجهودًا كبيرًا في حفظ العربية وفي تصنيفها وفي الغوص في أدبياتها.
وكل هذا موجود من لدن الصحابة، ولكن يأتي الإمام فيصوغ ما قد استقرت عليه الجماعة العلمية ونُقلت إليه بوضوح.
عظمة الإمام الشافعي وملازمة أحمد بن حنبل له وتقديره لعلمه
مثال ذلك الإمام الشافعي، الإمام الشافعي هذا كان رجلًا عظيمًا، كلامه يُخفي وراءه قواعد، وهي مسألة واضحة بالنسبة إليه جدًا.
فلما دخل [الشافعي إلى بغداد]، لازمه أحمد [بن حنبل]. الشافعي يركب دابة وأحمد يمشي بجانبه، فلامه أحد إخوانه في هذا: أتتركون إسحاق بن راهويه وتتبعون هذا الفتى؟ فقال [أحمد]: إسحاق إن فاتنا أدركناه، والشافعي إن فاتنا لا ندركه.
كانوا يشعرون أن معه شيئًا ليس معهم، وأنه يفسر إشكالات هم ليسوا منتبهين لها.
كتابة الإمام الشافعي للرسالة بطلب من عبد الرحمن بن مهدي وإتقانه لها
فلما وصل [الشافعي] إلى مصر، أرسل إليه عبد الرحمن بن مهدي رضي الله تعالى عنه، وكان من كبار العلماء، وقال له: اكتب لنا ما في ذهنك، في ذهنك شيء فاكتبه.
فكتب له الرسالة [رسالة أصول الفقه]. أخذها رجل يُدعى النَقَال وأوصلها إلى عبد الرحمن بن مهدي. هذه الرسالة جلس فيها الشافعي وكتبها ثمانين مرة، وفي كل مرة يقول: لا، ولكن هذا الجزء ليس متقنًا تمامًا.
ولذلك تشتغل [هذه القاعدة] حتى يومنا هذا: أن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه. ليست بترك العناية، هي فكر عميق وإخلاص في الكتابة.
ضرورة وجود موعد نهائي للعمل وأهمية القرآن في التجدد المستمر
عندما قرأها [الشافعي] ثمانين مرة، استكثر وقال: حسنًا وماذا بعد؟ فلا بد أن يكون هناك خط للموت (الموعد النهائي). لا بد أن ينتهي الموعد النهائي هكذا.
هل أنت منتبه؟ أنا أقول لك الآن بالإنجليزية لأجل، نعم، عندكم تتحدثون الإنجليزية. هذا الموعد النهائي يعني أنه يجب أن تنتهي. والله، أنت في الامتحان تعرف كل شيء، لكن لا بدّ أن يكون هكذا.
فقال [الشافعي]: أبي كتاب الله وحده، ألا يُتَوَرَّكُ عليه [أي لا يُمَلّ من مراجعته]. عندما تجلس لتقرأ في القرآن، في كل مرة يزداد وضوحًا، في كل مرة يزداد جمالًا، في كل مرة يزداد قوة، ولكن في كل مرة سأقرأ فيها سأكتشف فيها شيئًا جديدًا.
إرسال الرسالة إلى عبد الرحمن بن مهدي وإعجاب العلماء بعلم الشافعي
فأرسل النَقَال بها [بالرسالة] إلى عبد الرحمن بن مهدي. تعجّبوا كثيرًا وقالوا: ما هذا العلم كله؟ إنه شيء غريب جدًا.
ثم جئنا في القرن الخامس الهجري، والشافعي توفي سنة مائتين وأربعة هجرية، يعني في أوائل القرن الثالث. وبعد مائتين وخمسين سنة جاء الخطيب البغدادي.
كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي وإرجاع كلام الشافعي إلى الصحابة
قال الخطيب البغدادي: يا أخي، من أين أتى هذا الرجل [الشافعي] بهذا الكلام الجميل؟ فتتبع كلامه في الرسالة، وألف كتابًا في مجلدين اسمه "الفقيه والمتفقه"، أرجع ما فيه إلى الصحابة الكرام؛ فيكون هذا [الشافعي] متبعًا لا مبتدعًا.
قال: أتعرفون هذه الكلمة التي قالها؟ هذه ابن عباس قائلها. أتعرفون هذه الكلمة؟ إنها تلك التي قالها ابن مسعود. أتعرفون هذه العبارة؟ إنها منقولة عن عمر [بن الخطاب]. أتعرفون هذه؟ ها هي هذه التي جاءت بالأسانيد.
الشافعي استوعب علم الصحابة وجمع شتات العلوم هدية لأهل السنة
فبيَّن [الخطيب البغدادي] لنا شيئًا عجيبًا غريبًا: أننا أمام شخصية استوعبت وهضمت ما كان موجودًا أيام الصحابة، والذي تناقله العلماء الأتقياء الأنقياء في دروسهم وعلّموا الأجيال من جيلٍ بعد جيل، حتى انتهى الأمر بالإمام الشافعي.
فجمع ما تفرق وجمع شتات العلوم وأعطاها هدية لأهل السنة والجماعة ولأهل الحديث ولأهل الجماعة؛ لأن حينئذٍ خرجت الخوارج وخرجت الشيعة وخرجت المعتزلة وخرجت مختلف الفرق، لكنه أعطاهم المفتاح الذي به الفهم: أصول الفقه.
ماذا تعني أصول الفقه؟ إنها أسس الفهم هكذا.
علم الخليل والشافعي موروث عن الصحابة وليس بدعاً من القول
كما رأينا في الإمام الشافعي، وقل مثله في الإمام الخليل بن أحمد. الخليل بن أحمد، نعم صحيح وفقه الله، لكنه ما أتى به هو موروث من هؤلاء [الصحابة والتابعين]، ولم يكن بدعًا من القول، ولم يكن شيئًا قد خرج يعني ليستر شيئًا آخر.
كما يحلو لمن ذهل وانبهر من هذا من المستشرقين أن يدّعوا [خلاف ذلك]. هؤلاء الناس توارثوا العلم وسجلوه ودونوه ونظموه وتعمقوا فيه تعمق الشفافية.
الرد على دعوى انتحال الشعر الجاهلي وبيان اختلاف العصور الأدبية
وذلك بعد الخليل بن أحمد الذي عمل العروض وما إلى آخره، ما أحد يجرؤ أن يقول: ما هذا! والله أصل الشعر الجاهلي منتحل؟ كيف يكون منتحلًا؟ لا والله!
فهناك شعر الجاهليين وشعر المخضرمين وشعر الإسلاميين في العصر الأموي وفي العصر العباسي وفي العصر العباسي الثاني وفي العصر الأندلسي، والنمط مختلف. وفي العصر الحديث مختلف؛ النمط مختلف والروح مختلفة والكلام مختلف.
ولكن ربما - نعم ربما - هذه يا أولاد أولاد [أي أفكار صبيانية].
الفرق بين الشك المنهجي والتشكيك وقاعدة مطلق الاحتمال العقلي
فنقول لهم: هناك فرق بين الشك الذي هو منهج والتشكيك. نعم، هناك فرق بين الشك والتشكيك. أنتم لا تتبعون منهج الشك عند ديكارت ولا عند الإمام الغزالي أبدًا، أنتم بهذا تمارسون التشكيك.
وقد وضع علماء الكلام قاعدة تقول: مطلق الاحتمال العقلي لا يقدح في قطعية الدليل. مطلق الاحتمال العقلي [يعني]: يوجد شخص جالس هكذا متعبًا من التفكير العميق، وذهب وجلس قائلًا: أليس من الممكن أن يكون هذا الشعر الجاهلي كله قد وضعه أحدهم في العصر الأموي؟
نعم، ولكن الأمور مختلفة؛ فاللغة مختلفة، والأساليب مختلفة، والأدوات مختلفة، وعالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأحداث وعالم الأفكار مختلفة. إذن ما تقوله يعد كلامًا غير علمي، إنه تشكيك وليس شكًا.
الشك يولد أسئلة علمية أما التشكيك فيريد إحداث الريبة في النفوس
الشك أهلًا وسهلًا؛ فالشك يولد أسئلة منهجية علمية، لكن التشكيك يريد أن يحدث الريبة في صدور الناس.
هل تدرك كيف يكون الفرق بين الشك والتشكيك؟ هناك فرق كبير بين "قفا نبكي" [لامرئ القيس] ولا بين "تداركتما عبسًا وذبيانًا بعدما تفانوا ودقّ بينهم عِطرُ منشمِ" الذي ينتمي لزهير بن أبي سلمى، وبين "أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا من الحسن حتى كاد أن يتكلما، وقد فتق النيروز في غسق الدجى أوائل ورد كنا بالأمس نوَّما".
ما هذا؟ [هذا شعر] البحتري! إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
