حديث الجمعة | الصدق عند رسول الله وصحابته - سيدنا محمد, شخصيات إسلامية, مجلس الجمعة

حديث الجمعة | الصدق عند رسول الله وصحابته

23 دقيقة
  • ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته محجة بيضاء ونظاماً أخلاقياً رائقاً يشغل أكثر من تسعين بالمائة من الشريعة الإسلامية.
  • بُعث النبي صلى الله عليه وسلم متمماً لمكارم الأخلاق، ومن أهمها الصدق الذي شدد عليه حتى قال عندما سئل: "أيكذب المؤمن؟" قال: "لا".
  • حمل الصحابة هذه الأخلاق وحولوها إلى برامج عمل ومناهج حياة وملكات راسخة، وكان عمر يقول: "في المعاريض مندوحة عن الكذب".
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار أيسر الأمرين، وكان يعلم أمته الرفق قائلاً: "إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه".
  • من أخلاقه المسامحة في المعاملات: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا تقاضى".
  • اهتم النبي صلى الله عليه وسلم باللغة العربية وكان أفصح العرب، والعلم الحقيقي هو الموصل إلى الله وليس مجرد معلومات.
  • ينبغي ملء العبادات بالخشوع والإحسان حتى تصير ملكة في حياة المسلم.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

المحجة البيضاء التي تركها النبي ﷺ وما فيها من الأحاديث والأخلاق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المحجة البيضاء التي تركها لنا، والتي وصفها بأن ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

ماذا ترك لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ مما ترك لنا نحو ستين ألف حديث ينقلها عنه الثقات والرواة، وهذه الستون ألفًا أغلبها في الأخلاق. فترك لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظامًا أخلاقيًا رائقًا فائقًا شغل أكثر من تسعين بالمائة من الشريعة الإسلامية.

وصف النبي ﷺ لنفسه بالرحمة المهداة وبعثته لإتمام مكارم الأخلاق

وقال صلى الله عليه وسلم بعدما وصفه ربه:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

قال:

«إنما أنا رحمة مُهداة»

وقال صلى الله عليه وسلم:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب جلائل الأمور ويكره سفسافها، يعني الأشياء ذات القيمة يحبها ويكره سفسافها [أي: حقيرها وتافهها].

فماذا ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ترك لنا أنه قد أمرنا بالصدق، والصدق متفق على جلالته، والكذب متفق على خساسته بين العقلاء.

ابتعاد المسلمين عن خلق الصدق رغم وضوح المحجة البيضاء

إلا أنه [النبي ﷺ] أمرنا وزاد في الأمر ووضّح وزاد في الإيضاح، فتركنا على المحجة البيضاء. وعلى الرغم من ذلك نجد الناس يكذبون!

وبعد كل هذه السنين التي كان ينبغي أن يتحول هذا الخلق [خلق الصدق] عند المسلمين إلى ملكة لا يستطيع الفكاك منها، ولا يستطيع أن يتفوّه بالكذب، إلا أن العكس قد حدث. ولذلك نرى الأمر وكأنه من المسلّمات [أي: يرى الناس الكذب أمرًا عاديًا]، إلا أنه من كبائر الأمور.

إنكار النبي ﷺ للكذب على المؤمن وقصة من جاء يريد الإسلام

رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم. أيزني المؤمن؟ قال: نعم. أيكذب المؤمن؟ قال: لا. كره الكذب [كراهة شديدة حتى نفاه عن المؤمن].

وأتاه مرة واحدٌ للإسلام، وكانوا جادّين في دخولهم للإسلام، وعرف أن المسلمين تُحرّم الزنا والعياذ بالله تعالى، وتجعله من خسائس الأمور، وتنظر إليه بنظرة الريبة والانحطاط. وأمرنا الله وقال:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً﴾ [الإسراء: 32]

أو إنه فاحشة، فالفاحشة هذه شيء يأباه الإنسان في فطرته.

تفسير النبي ﷺ لعدم قربان الزنا وتحريم الخلوة بالأجنبية

وقوله [تعالى]:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ﴾ [الإسراء: 32]

فسّرها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحجة البيضاء أن النظرة سهم من سهام إبليس، فحرّم علينا الخلوة بالأجنبية من الرجال أو النساء، يعني الرجل لا يختلي بأجنبية والمرأة لا تخلو بأجنبي عنها.

حتى أن بعضهم سأل: يا رسول الله، الحمو [أخو الزوج] يأتي لزيارتي فيجد زوجتي وحدها؟ قال:

«الحمو الموت»

ليس هناك ترحيب! هو من عند نفسه [يقول]: أخي موجود. لا، ليس موجودًا، السلام ختام. هو ليس هي [أي: ليس الزوج هو الذي يقرر بل الزوجة لا تستقبله].

وجوب التسليم لحكم النبي ﷺ في مسألة الخلوة بالأجنبي

لكي يقول لأخيه: زوجتك لم تستقبلني، هي لم تُضيّفني، هي لم تُدخلني، أهانتني يا أخي! لا، الحمو الموت.

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

تركنا [النبي ﷺ] على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.

حمل الصحابة لخلق الصدق واستخدام التورية بدلاً من الكذب

وهنا حمل الصحابة الكرام هذا الصدق ورأوا أنه ليس من الكذب التورية. فكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول في هذه [المسألة]: التورية فيها مندوحة عن الكذب، يعني بدلًا من أن تكذب قُل عبارة تحتمل وجهين فتكون لم تكذب. وذلك من شدة بُعدهم عن الكذب.

ولقد أخذوها من هديه صلى الله عليه وآله وسلم في المواقف الصعبة، فعندما ذهب [النبي ﷺ] يتحسس أخبار قريش وسأل أعرابيًا عنهم وعن أحوالهم وعرف عُدّتهم، فقال الأعرابي: من أين أنت؟ لا يعرفه. فقال: أنا من ماء، صلى الله عليه وسلم.

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]

أنا من ماء، وانطلق.

تحويل الصحابة الأوامر النبوية إلى مناهج حياة وملكات راسخة

فقال الأعرابي: والله لا أدري أمن ماء مصر أم من ماء العراق؟ يعني فُهِم الماء هنا على أنها نهر، أنا من عند النهر، يا ربّ هو نهر العراق الفرات أم نهر مصر النيل؟ تورية.

فقال [عمر رضي الله عنه]: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. هذا سيدنا عمر.

فهموا وحوّلوا هذه الأوامر إلى برامج عمل، وحوّلوا تلك البرامج إلى مناهج حياة، وحوّلوا تلك المناهج إلى ملكات حدثت في الأنفس.

ابتعاد الناس عن الجانب الأخلاقي للدين وأهمية ملء إناء العبادة بالخشوع

وعندما نقول: لقد ابتعد الناس عن دين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نقصد هذا الجانب الأخلاقي. فمن قارن المصلين الآن بما كانوا عليه منذ مائة سنة لوجدهم الآن أكثر، وهو شيء طيب، لكنه الإناء الفارغ، والشريعة أمرتك بملئه.

فكونك ليس لديك إناء مصيبة! فلا بد من الإناء، ولا بد من الصلاة والزكاة، ولا بد من ظاهر الدين ومن شريعة الإسلام، لكن لا بد أن تملأها بالخشوع تلك الصلاة.

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]

ولا بد أن تجعلها تنهاك عن الفحشاء والمنكر.

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

تحويل الأخلاق إلى ملكة راسخة والسير بيسر دون نزاع مع النفس

ولا بد أن تكون هذه الأمور ملكة في حياتك لا تعاني منها ولا تعكّر عليك صفو حياتك، وتأخذ الحياة بشيء من السهولة وتسير بشيء من النعومة، وليس دائمًا النزاع مع نفسك التي هي أمّارة بالسوء في أصلها.

﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]

هدي النبي ﷺ في اختيار الأيسر وتحذير عمر من اليد المرتعشة

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وهناك من المشارب العنيفة والعقول النتنة من إذا خُيّر بين أمرين اختار أشدهما!

ووصلنا حتى على مستوى الموظف الحكومي، ووصلنا حتى على مستوى الداعية إلى الله، إلى اليد المرتعشة. واليد المرتعشة [أي: التظاهر بالتنسّك والتشدد] حذّر منها سيدنا عمر، وكان يضرب من يُظهر التنسّك بدعوى اليد المرتعشة ويقول له: أمتَّ علينا ديننا أماتك الله!

وكان سيدنا عمر جهوري الصوت، إذا ضرب أوجع وإذا تكلم أسمع، وكان حِبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

النهي عن اختيار الأشد والأمر بالرفق في كل شيء

فترك لنا [النبي ﷺ] أن نسير في حياتنا بدون يدٍ مرتعشة، لكن هناك من الناس من إذا خُيّر بين أمرين اختار دائمًا أشدهما وأقساهما وأعنفهما.

والنبي صلى الله عليه وسلم ينهانا عن ذلك ويقول:

«يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزِع من شيء إلا شانه»

نكمل بعد هذا الفاصل.

قصة رد عائشة على اليهود وتعليم النبي ﷺ لها الرفق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال [النبي ﷺ] لعائشة وهي ترد العدوان وتصدّ الطغيان، حيث مرّ بها يهودٌ فقالوا: السامُ عليكَ يا محمد، والسامُ هو الهلاك. وسمعت عائشة وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقول لهم: وعليكم. ليس "وعليكم السلام"، بل "وعليكم" فقط؛ إذا كنتَ شتمتني سيُرَدّ عليك وينتهي الأمر.

فردّت عائشة: بل عليكم وعلى آبائكم وذريتكم، السامُ هذا الذي تقولونه! فقال:

«يا عائشة، إن الله يعطي على الرفق أكثر مما يعطي على العنف»

شرح لفظة العَنف والعُنف في اللغة وتأكيد فضل الرفق

والعَنف لغةٌ في العُنف، الحديث ورد هكذا. على أي شيء؟ العَنف، الذي هو ماذا؟ هذا عَنف، هذا عُنف، يعني الذي نقول عليه العُنف، والاثنان [لغتان صحيحتان] في اللغة.

«يا عائشة، إن الله ليعطي على الرفق أكثر مما يعطي على العنف، وإن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزِع من شيء إلا شانه»

أما سمعتِ ما أقول لهم؟ يعني [أنه ﷺ] يعلّمنا علمًا كثيرًا.

أجر الصحابة كالمعلمين وحكمة الله في إجراء المواقف التعليمية عليهم

وجعل الصحابة الكرام تفعل ما فعلت ليس انتقاصًا من قدرهم، بل تعليمًا للأمة، فلهم أجر المعلم. يعني عائشة بهذا الشكل لها أجر المعلم.

لا تقل إن عائشة أخطأت والنبي صحّح لها، بل إن الله أجرى ذلك الحال عليها حتى يُحسب لها يوم القيامة أجر المعلمين.

وهكذا فعل [النبي ﷺ] مع عمر ومع أبي بكر ومع كل من فعل شيئًا فعلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل الأمة إلى يوم الدين، ومن أجل تلك المحجة البيضاء التي تركها لنا صلى الله عليه وآله وسلم.

أمر النبي ﷺ بالخلق الكريم والسماحة في البيع والشراء والتقاضي

رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا فيما أمرنا بالخلق الكريم، وهو حسن المطالبة وحسن الأداء، وقال:

«رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا تقاضى»

كن سمحًا هكذا. قال تعالى:

﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]

قصة البقال السمح وأثر المسامحة في إشاعة المحبة بين الناس

عندما حدث هذا [الخلق الكريم] خُلِقَ الناس [على السماحة]. كنا نذهب ونحن صغار هكذا لنشتري شيئًا حلوًا من البقال، وكان هذا البقال يبيع بعض الكراريس وبعض الأقلام وشيئًا كان يُسمى قديمًا الحصّالة، كنا نضع فيها وندّخر فيها هكذا قرشًا أو تعريفة حتى تتكون علينا، ثم نفتحها ونشتري بعض الأشياء والحلويات والأدوات وما إلى ذلك.

فيحسب ويقول: والله هذا كله بعشرة قروش ونصف. فنقول: عشرة قروش، ويترك التعريفة. وكانت تُسمى تعريفة قديمًا، كثير منكم لا يدرك هذه الأيام، حيث كان هناك شيء اسمه تعريفة بخمسة مليمات، فيترك التعريفة.

سماحة البقال في التعامل وأثر المسامحة في نشر الرحمة والبهجة

هذا الذي يفعلها [أي: المسامحة] دينًا لأجل أن يُكتب [له الأجر]، هو لا يفعلها مع شخص واحد فقط، بل يجمع هذه بقرش ونصف، وهذه بقرش، وهذه بكذا، إلى آخره عشرة قروش ونصف، ويترك لك هذا النصف. نقول: عشر قروش، لم نجادله ولم نساومه ولم نفعل شيئًا، ولا نتقن هذا، نحن أطفال صغار.

المسامحة تُشيع في الناس حبًّا، وتُشيع في الناس رحمةً، وتُشيع في الناس بهجةً.

وكان هذا الرجل قد وضع حلويات في ثلاث علب، وبعد أن دفعنا عشرة قروش وأخذنا حاجتنا وكل شيء، قام بفتح علبة وأعطانا شيئًا حلوًا.

عادة السلف في إكرام الضيف وتذوق الطعام عند الزيارة

وكان السلف لا ينصرفون إلا بعد تذوّق الطعام. فعندما كان السلف يأتي ويدخل فيجب أن يأخذ شيئًا، أي شيئًا يغيّر ريقه، مثل: تفضّل فنجان شاي الذي أعددناه.

هذه الأشياء التي صنعناها هي رحمة إنسانية تخلق نوعًا من الراحة.

مراعاة مشاعر الناس وعدم مناداتهم بما يكرهون من الأسماء

كان الناس يطلقون على هذا الرجل [البقال] اسمًا يكرهه، اسمٌ هو يكره هذا الاسم. فكنا لا نذكر هذا الاسم أبدًا أمامه حتى لا يتأثر أو يغضب، رحمةً [به].

هذا شائع، الطفل قد تربّى هكذا على ألّا يؤذي هذا الرجل السمح الطيب الذي يشيع البهجة بين الناس، والذي طبيعته هكذا. بالرغم أن الاسم يعني لم يكن سيئًا، لكن إذا قلنا: إلى أين أنت ذاهب؟ نقول: ذاهب إلى فلان، نسمّيه باسمه الشهير. وإذا جئنا أمامه لا نذكر هذا [الاسم الذي يكرهه] مراعاةً لخاطره وتطييبًا لنفسه، وعملًا بالإنسانية والتسامح والحلاوة التي علّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذوبان الأخلاق مع كثرة السكان وتغير اللغة بين الشباب

مع كثرة السكان واتساع البلاد وكثرة العباد ذابت تلك الأخلاق حتى تغيّرت اللغة بين الشباب. ومع تغيّر اللغة ذهبت القيم.

ولذلك نقول إنه مما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المحجة البيضاء الاهتمام باللغة. وأحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الإحسان، وكان أفصح العرب، وكان يهتم بها.

دعاء النبي ﷺ لابن عباس وقصة امتحان نافع بن الأزرق له

ولفت [النبي ﷺ] ابن عباس إليها [أي: إلى اللغة]، فصار ابن عباس حبر الأمة، ودعا له النبي فقال:

«اللهم علّمه التأويل وفقّهه في الدين»

وابن عباس لما تصدّر [للعلم عند الكعبة] جاء رجل منسوب إلى الخوارج اسمه نافع بن الأزرق، فقال: مَن هذا الذي يتصدّر الناس عند الكعبة؟ قالوا: هذا عبد الله بن عباس. قال: أراه صغيرًا، هيّا بنا نمتحنه.

فذهبوا إليه وسأله نافع أسئلةً سُمّيت بأسئلة نافع بن الأزرق.

الفرق بين المعلومات والعلم الموصل إلى الله تعالى

هذا يعني أن نافع بن الأزرق كانت لديه معلومات، لكنه خارجي [من الخوارج]. إذن عمران بن حطّان الذي روى له البخاري وكان خارجيًا، أو نافع بن الأزرق الذي روى عنه أهل اللغة وكان خارجيًا، لم ينفعهم، لم تنفعهم معلوماتهم.

فهل يُسمّى ما قام في أذهان هؤلاء من معلومات بالعلم؟ العلم الذي علّمنا الله أنه علم، ذلك العلم الموصل إلى الله وليس ذلك العلم الذي يحجب عن الله. فكل معلومات تُضِلّ بك الطريق وتُشوّش عليك الأمر فهي تقف عند حدّ المعلومات.

يعرف شعر العرب: معلومات، ويعرف معاني الكلمات: معلومات، وقد يدرك بعض القواعد: معلومات.

متى تتحول المعلومات إلى علم حقيقي يوصل إلى خشية الله

لكن متى تتحول هذه المعلومات إلى نسق يوصل إلى الله سبحانه وتعالى؟

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

والعلماء جمع عليم وليس جمع عالم؛ جمع عالم: عالمون، لكن العلماء جمع لكلمة عليم. وعليم على وزن فعيل فهو من صيغ المبالغة.

متى يكون ذلك؟ ليس بمعرفة المفردات والمعلومات، بل بمعرفة النسق الذي نراه في حلقة قادمة إن شاء الله.

فاللهم اشرح صدورنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.