طريقنا إلى الله | ح1 | ذو النون المصري ج1 | أ.د. علي جمعة
- •الحلقة تناقش مفهوم التصوف الإسلامي مع الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية.
- •تبدأ ببيان أساس التصوف من حديث جبريل الذي يروي سؤاله للنبي عن الإسلام والإيمان والإحسان.
- •الإحسان هو "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك" وهو أساس علم التصوف.
- •قسم المسلمون علومهم إلى: علم التوحيد لحماية الإيمان، وعلم الفقه لحماية الإسلام، وعلم التصوف لحماية الإحسان، والدراسات المستقبلية.
- •الطريق إلى الإحسان يكون بالذكر والفكر، استناداً لقوله تعالى: "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض".
- •طريق الصوفية مقيد بالكتاب والسنة كما يقول الجنيد.
- •قدمت الحلقة نموذجاً للتصوف المصري من خلال ذي النون المصري (ثوبان بن إبراهيم) الذي ولد بإخميم سنة 155هـ.
- •كان ذو النون محدثاً روى الموطأ عن الإمام مالك، وأخذ طريق التصوف عن شقران المغربي.
مقدمة برنامج طريقنا إلى الله مع الدكتور علي جمعة
[المذيع]: من القاهرة تقدم طريقنا إلى الله، طريقنا إلى الله مع فضيلة الدكتور علي جمعة، الإعداد والتقديم أحمد بشتو، إخراج هيام فاروق.
نحن ضيوف على فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف. نطوف معه حول معنى التصوف في الصوفية في الإسلام، ونتذكر ونقصّ سير رموزها في مصر.
فضيلة الدكتور، كل عام وأنتم بخير، وجميع المسلمين والمصريين بخير وعافية. كل عام وأنتم بخير فضيلة الدكتور، لعل من الأوفق أن نبدأ هذه الحلقات بالتعريف: ما معنى الصوفية؟ لأنه التبس التعريف والتبست الآراء في هذا الشأن، ربما بعد أن دخل أهل التطرف على تعريف الصوفية.
[الشيخ]: جاء حديث جعله الإمام مسلم في صدر صحيحه، هذا الحديث في غاية الأهمية، وعدّه كثير من العلماء أساسًا من أسس الدين الإسلامي، وهو حديث يُسمى بحديث جبريل.
حديث جبريل عليه السلام وأسئلته عن الإسلام والإيمان والإحسان
في حديث جبريل يرويه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال:
«بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ خرج رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منّا وليس عليه أثر السفر»
فجاء فوضع ركبتيه إلى ركبتي سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم، ووضع يديه على خديه على هيئة المتأدب مع أستاذه ومعلمه، وكانت هذه الهيئة معروفة ومشهورة.
فسأله: يا محمد، ما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إلى آخر الحديث. ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، إلى آخره. قال: وما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك.
وفي كل مرة يقول جبريل: صدقت، فعجبنا كيف يسأله ويصدّقه. ثم سأله عن متى الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، يعني أنا وأنت لا نعرفها.
تقسيم العلوم الإسلامية بناءً على حديث جبريل إلى أربعة أقسام
أخذ المسلمون هذا الحديث وقسّموا مكتبتهم وقسّموا علومهم عليها؛ فقام علم التوحيد لحماية الإيمان، وقام علم الفقه لحماية الإسلام، وقام علم التصوف لحماية الإحسان، وقامت الدراسات المستقبلية التي سمّاها المسلمون بالفتن والملاحم لدراسة ما سوف يكون وكيف يكون وكيف نتعامل معه.
وأصبحت المكتبة الإسلامية مربّعة، أي أن هناك أقسامًا أربعة فيها. الذي يهمنا الآن هو الإحسان.
الطريق إلى الإحسان من خلال الذكر والفكر في الكتاب والسنة
هذا الإحسان كيف نصل إليه؟ كيف نصل إلى أن نعبد الله كأننا نراه؟ بدأ العلماء في دراسة هذا من خلال الكتاب والسنة، كانوا يلجأون دائمًا إلى الكتاب والسنة حتى يجيبوا على كل الأسئلة المطروحة التي تدور ليس في أذهانهم فقط، بل وفي أذهان البشر كلهم؛ لأن الإسلام دعوة عامة دعت الجميع، دعت الخلق أجمعين إلى هذا الدين، وهي الكلمة الأخيرة من ربنا سبحانه وتعالى لبني البشر.
كيف نصل إلى أن نعبد الله كأننا نراه؟ فوجد آية في القرآن:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
لما حدث هذا تأملوا، إذن الذكر والفكر. الآية فيها «الذين يذكرون» فأخذوا منها الذكر، و«يتفكرون» فأخذوا منها الفكر، وقالوا: الطريق إلى الله بالذكر والفكر.
الأدلة القرآنية والنبوية على أهمية الذكر في الوصول إلى الله
حسنًا، نذكر ماذا وكيف نذكر ومتى نذكر؟ جلسوا يقرؤون القرآن ويقرؤون السنة المباركة، وطريقنا هذا كما يقول سيد الطائفة الجنيد: مقيّد بالكتاب والسنة. فوجدوا:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
ووجدوا:
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]
ووجدوا:
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]
ووجدوا:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
ووجدوا:
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
ووجدوا أن الله قد سمّى القرآن ذكرًا:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
في الحقيقة وجدوا كنزًا كبيرًا، ووجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»
فعرفوا الطريق، وعرفوا أن هذا هو الذي سيوصل الإنسان إلى أن يعبد الله كأنه يراه.
ذو النون المصري ومكانته في التصوف الإسلامي ونشأته وطلبه للعلم
[المذيع]: الصوفية في مصر لها باع طويل ولها تاريخ طويل ولها رموز كثيرة جدًا. ذو النون المصري الذي قال: من نظر في عيوب الناس عمي عن عيوب نفسه، ومن اعتنى بالفردوس والنار شُغل عن القيل والقال، ومن هرب من الناس سلم شره. ذو النون المصري، فضيلته دكتور، من هو في معيار التصوف الإسلامي؟
[الشيخ]: ذو النون المصري كان يُكنى بأبي الفيض، ثوبان بن إبراهيم، وقيل فيض بن أحمد، وقيل فيض بن إبراهيم. عالم زاهد عابد ورع، أحد رجال الطريق، وأحد رجال التقرب والمحبة إلى الله سبحانه وتعالى.
تكلّم بلسان أهل المعرفة في وقته، وسُمّي بالمرشد المربي. وُلد عندنا هنا في مصر في إخميم بالوجه القبلي من صعيد مصر، تقريبًا في نحو مائة وخمسة وخمسين من الهجرة، أي في منتصف القرن الثاني الهجري.
رحلة ذي النون المصري في طلب العلم وشيوخه في التصوف والحديث
رحل [ذو النون المصري] في طلب العلم؛ لأن طلب العلم عند الصوفية مأمور به، ويسمّونه بالعلم المحمود. أما العلم الذي لا يترتب عليه عمل فيسمّونه بالعلم المذموم.
رحل في طلب العلم فروى عن الإمام مالك، وعن الليث، وابن لهيعة، والفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة وغيرهم. أسند الحديث، يعني جعل له سندًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معدود في جملة من روى الموطأ عن الإمام مالك. روى الموطأ عن الإمام مالك نحو أربعين، منهم ذو النون المصري رضي الله تعالى عنه.
بدأ في دراسة التصوف على شقران المغربي العابد، وأخذ عن سيدي ذي النون المصري الطريقَ وطريقةَ التربية والسلوك إلى الله سهلُ بن عبد الله التستري. وهما شقران وسهل أستاذه وشيخه، من كبار الأولياء الذين أجمعت عليهم الأمة في صلاحهم رضي الله تعالى عنه.
خاتمة الحلقة والتوقف عند سيرة ذي النون المصري واستكمالها لاحقًا
[المذيع]: فضيلة الدكتور، استسمحك عند هذه النقطة ونتوقف ونكمل في الحلقة القادمة إن شاء الله.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، وقد جعلتنا في روضة هؤلاء الأكابر، فمعهم نسير إلى الله، وغدًا نستكمل اللقاء.
[المذيع]: كنتم مع طريقنا إلى الله، مع تحيات أحمد بشتو وهيام فاروق.
