طريقنا إلى الله | ح11 | ابن عطاء الله السكندري ج1 | أ.د. علي جمعة - تصوف, شخصيات إسلامية, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | ح11 | ابن عطاء الله السكندري ج1 | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • الصوفية تمثل العلاقة الفردية بين العبد وربه، فالمشايخ يقولون: "عدد الطرائق على أنفاس الخلائق".
  • الطريقة هي المسار الشخصي بين العبد وربه، ويملك كل مسلم طريقته الخاصة.
  • الطرق الصوفية المعروفة كالشاذلية والرفاعية والنقشبندية هي برامج علمية مستمدة من الكتاب والسنة.
  • جوهر الطريق إلى الله يقوم على الذكر والفكر وتخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح.
  • عند تجلي أنوار الله على القلب، يسجد القلب عند الصوفية سجدة لا يرفعها أبداً.
  • ابن عطاء الله السكندري (تاج الدين) من أبرز رموز التصوف، بدأ بالعلم الشرعي ثم سلك الطريق على يد أبي العباس المرسي.
  • اشتهر ابن عطاء الله بالتدريس في الأزهر وسماع الحديث، وكان له مواقف مع ابن تيمية تميزت بالاحترام المتبادل.
  • جمع ابن عطاء الله بين العلم والتقوى، وكان ينتقد ابن تيمية لوجه الله دون غرض شخصي.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة برنامج طريقنا إلى الله مع الدكتور علي جمعة في رمضان

[المذيع]: إذاعة جمهورية مصر العربية من القاهرة تقدم طريقنا إلى الله، طريقنا إلى الله مع فضيلة الدكتور علي جمعة، الإعداد والتقديم أحمد بشتو، إخراج هيام فاروق.

مستمعينا الكرام، كل عام وأنتم بخير، ها نحن نعيش نفحات شهر النفحات، ونستظل بأيام مباركات. في حلقات هذا البرنامج نحن ضيوف على فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، نطوف معه حول معنى الصوفية في الإسلام، ونتذكر ونقصّ سير رموزها في مصر.

هل الصوفية طريق واحد أم أن عدد الطرائق على أنفاس الخلائق

[المذيع]: فضيلة الدكتور، هل يمكن القول إن الصوفية طريق واحد أو مذهب واحد؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. المشايخ يقولون: عدد الطرائق على أنفاس الخلائق، يعني لو كان مثلًا في الأرض هناك مليارا مسلم، فهناك مليارا علاقة بين المسلم وربه.

وهذه العلاقة هي التي تُسمى بالطريقة، فعندنا مليارا طريقة. لو أصبحنا ثلاثة مليارات سيكون عندنا ثلاثة مليارات طريقة؛ عدد الطرائق على أنفاس الخلائق.

معنى الطريقة في الإسلام وعلاقة العبد المباشرة بربه

إذن هذا يجعلنا نسأل: ما هي الطريقة؟ الطريقة هي هذا المسار بين العبد وربه. ولذلك، ولأن الإسلام جاء فحرر العقل من الشرك، وجعل العلاقة مباشرة مع الله سبحانه وتعالى، فكانت هذه العبارة أن كل إنسان من المسلمين إذا أراد أن يسلك إلى الله يسلك ويعبد من غير انتظار لأحد؛ إن الطرائق على عدد أنفاس الخلائق.

الطرق الصوفية المشهورة برامج علمية مأخوذة من الكتاب والسنة

ويأتي الأمر: فما هذه الطرق التي شاعت ودُعي إليها وأخذت أسماء كالشاذلية والرفاعية والخلوتية والنقشبندية إلى آخره؟ عندنا أكثر من ألف طريق بهذه الأسماء، هي برنامج علمي مأخوذ من الكتاب والسنة لقضايا معينة، هي تُعدّ منارات في الطريق إلى الله.

وقلنا قبل ذلك: الذكر والفكر؛ بماذا نذكر، متى نذكر، كم نذكر، كيفية الذكر، كيف يكون؟ كل هذه التفاصيل موجودة في اختيارات الإمام الشاذلي التي تختلف عن اختيارات الإمام النقشبندي، وتختلف عن اختيارات الإمام أحمد الرفاعي، وتختلف عن اختيارات غيرهم.

جميع الطرق الصوفية تغترف من معين رسول الله ومنهج التخلي والتحلي والتجلي

وكلهم يغترفون من رسول الله ﷺ غُرَفًا من البحر أو رشفات من الدِّيَم، واقفين لديه عند حدودهم من نقطة علمه العلم أو من شكله الحكم. فهو الذي تمّ معناه وصورته، ثم اصطفاه حبيب البارئ النسبي.

هذا هو ديدن الصوفي؛ فإذا كان الطريق إلى الله علاقة بين العبد وربه، فمآلها الذكر والفكر، ومآلها أن أُحلّي قلبي لله سبحانه وتعالى من كل قبيح، وأن أُخلي قلبي لله سبحانه وتعالى بكل صحيح.

ومن تخلّى من القبيح وتحلّى بالصحيح يتجلى الله سبحانه وتعالى بأنواره على القلب ما شاء الله، حتى يسجد القلب. يسجد عند الصوفية، فإذا سجد القلب لا يرفع أبدًا، خلاص يبقى هكذا. ماذا يعني ذلك؟ [أي أن القلب يظل في حالة خضوع دائم لله تعالى].

سيرة ابن عطاء الله السكندري تلميذ المرسي أبي العباس ولقبه تاج الدين

عرفت، في الحلقة الماضية تحدثنا عن المرشد أبي العباس [المرسي]، واليوم نتحدث عن أحد تلاميذه ابن عطاء الله السكندري.

سيرته: نحن في القاهرة تمتعنا بأن دُفن فينا هذا الولي الصالح سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري. كان يُلقب بـتاج الدين؛ لأنه اشتغل بالعلم الشرعي أولًا، ثم بعد ذلك سلك الطريق على سيدي المرسي أبي العباس، وسكن القاهرة، والتفّ حوله الناس، وأجلّه العلماء الكبار.

موقف ابن تيمية من شهادة ابن عطاء الله السكندري والعلاقة بينهما

حتى أن ابن تيمية المشهور، يعني كان له مواقف جيدة مع ابن عطاء الله السكندري. عندما استشهد ابن عطاء الله على ابن تيمية [في مسألة ما]: هل قال ذلك؟ قال: نعم، وقال: وأنا سمعته. فكان هذا سببًا في أن القاضي حكم على ابن تيمية بالسجن.

فلما خرج [ابن تيمية من السجن]، قال ابن عطاء: يا فقيه. يقول ابن تيمية: يا فقيه، ما كنت أريد أذيتك، وإنما كنت أشهد لوجه الله. قال [ابن عطاء الله]: أنا أعلم أن ابن تيمية عارف، وأحسّ أن هذا الرجل مخلص، وأنه لم يقل هذه الشهادة ابتغاء إيقاع الأذى بالغير، بل قالها لأنه شاهدها، أي كان شيئًا مجردًا.

كانت هكذا العلاقة بينهم في تفاهم وفي ودّ أيضًا في هذه الأحوال.

نسب ابن عطاء الله السكندري وكرسيه بالأزهر ومواجهته لمقولات ابن تيمية

تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم كان له كرسي بالجامع الأزهر، وسمع الحديث من مجموعة من الرجال. ابن عطاء الله وُلد في الإسكندرية فسُمي بالسكندري نسبة إلى الإسكندرية، فكان تلميذًا لسيدي المرسي أبي العباس.

لكنه بعد ذلك صار من كبار المتصدرين لمقولات تقي الدين ابن تيمية، وكان يقول له: أنت مخطئ في وجهه هكذا، ويجلس ويفنّد كلامه. كان ابن تيمية يُسرّ به كثيرًا؛ لأنه كان يشعر أن هذا لا يصدر عن معاندة أو غيرة أو ما شابه، بل أنه يصدر من ابن عطاء الله تحديدًا عن تقوى وحقانية، أي أنه يشعر بأن ابن عطاء لديه حق فيما يقول، أنه إنما ينتقده لوجه الله سبحانه وتعالى.

وهذه كانت العادة بين العلماء دومًا هكذا.

خاتمة الحلقة والوعد بإكمال الحديث عن ابن عطاء الله السكندري

[المذيع]: في الحلقة المقبلة إن شاء الله فضيلة الدكتور نكمل الحوار والحديث عن ابن عطاء الله السكندري.

إن شاء الله، كنتم مع طريقنا إلى الله، مع تحيات أحمد بشتو وهيام فاروق، شكرًا.