طريقنا إلى الله | ح13 | ياقوت العرش ج1 | أ.د. علي جمعة
- •سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن الصوفية فأثنى عليهم، معتبراً أنهم أفضل الناس، وقال: "دعوهم يفرحون مع الله ساعة".
- •كبار مشايخ الصوفية لم يتركوا آثاراً مكتوبة كثيرة لأنهم كانوا يرون أن تربية المريدين أهم من تدوين الكتب، وكانوا يشيرون إلى تلاميذهم قائلين: "هؤلاء كتبي".
- •اهتمام الصوفية انصب على أمرين: تربية المريدين وخدمة الناس، فكانوا يطعمون الطعام ويقدمون الخدمة الاجتماعية.
- •انتشر التصوف بين العلماء في القرن الثامن الهجري، وكان للصوفية دور كبير في نشر الإسلام سلمياً في أفريقيا وجنوب آسيا وشرقها.
- •كان جهاد الصوفية مرتبطاً بحديث "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" وهو جهاد النفس.
- •ياقوت العرشي من كبار علماء التصوف، ولد في الحبشة سنة ٦٢٧هـ، وكان من كبار تلاميذ المرسي أبي العباس، وتزوج ابنته، ودُفن معه في الإسكندرية.
مقدمة البرنامج وقول الإمام أحمد بن حنبل في الصوفية
[المذيع]: إذاعة جمهورية مصر العربية من القاهرة، تقدم طريقنا إلى الله مع فضيلة الدكتور علي جمعة، الإعداد والتقديم أحمد بشتو، إخراج هيام فاروق.
مرحبًا بكم في هذه الحلقة الجديدة. قيل لأحمد بن حنبل إن الصوفية يجلسون في المساجد على سبيل التوكل، فقال: العلم أجلسهم. فقيل له: إنه ليس مرادهم من الدنيا إلا كسرة خبز وخرقة، فقال: لا أعلم على وجه الأرض أقوامًا أفضل منهم. فقيل له: إنهم يستمعون ويتواجدون، فقال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة.
مستمعينا الكرام، أهلًا بحضراتكم في هذه الحلقة الجديدة في البرنامج الذي نشرف بوجودنا مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء.
لماذا لم يترك كبار مشايخ الصوفية آثارًا مكتوبة كثيرة
[المذيع]: فضيلة الدكتور، كبار مشايخ الصوفية ورموزها لم يتركوا آثارًا كثيرة مكتوبة كما فعل ابن عطاء الله السكندري، لماذا؟ يعني لماذا نُقِلَت فقط أقوالهم تواردًا وتواترًا من شخص إلى شخص؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كانوا يرون أن تربية التلاميذ في مقام الكتب، وأنهم لا يتركون كتابًا مكتوبًا على الورق، وإنما يتركون إنسانًا يسعى على قدميه، يسجد لرب العالمين ويعلّم الناس أمور دينها.
وكان عندما يُسأل أحدهم: أين كتبك؟ يشير إلى تلاميذه ومريديه ومن رباهم على التقوى ويقول: هؤلاء كتبي. فكان هذا الأمر كأنه منهج عملي سلوكي واقعي يهتم بعمارة الدنيا وبتعليم الناس أكثر مما يهتم بتسجيل العلم.
اكتفاء الصوفية بالمؤلفات السابقة واهتمامهم بالتربية وخدمة الناس
السبب الآخر هو أنهم كان لديهم اكتفاء؛ أي أنهم اكتفوا بما قد أُلِّف مثل إحياء علوم الدين وقوت القلوب والرسالة القشيرية وغيرها. كان لديهم هذا التوجه، وهذا التوجه عندما يأتي للإنسان يكون لديه همة في التربية أكثر من همتهم في التعليم؛ أي في تسجيل التعليم.
لكنهم كانوا علماء وكانوا فقهاء وكانوا سالكين إلى الله سبحانه وتعالى، ويرون أن المجهود الأكبر يكون في أمرين: في تربية أولادهم - والتربية أمر صعب جدًا - وتغيير الإنسان، تلك الغابة المتشابكة من المشاعر ومن الرغبات ومن الشهوات ومن الإرادات، أمر صعب جدًا.
لكن كانوا يهتمون بهذا، ويهتمون أيضًا بخدمة الناس، فكانوا يطعمون الطعام على حبه، وكانوا يبذلون الخدمة الاجتماعية أو العمل الأهلي الذي نتحدث عنه. كان جزءًا لا يتجزأ من حياتهم، فأخذ كل وقتهم.
دخول العلماء في التصوف ودور الصوفية في نشر الإسلام سلمًا
فكل واحد منهم كان يقدم نفسه كمثال للمجتمع بالإضافة إلى عمله مع تلاميذه بالطبع، ولذلك أحبهم العلماء. ولذلك بعد القرن، في القرن الثامن الهجري، بدأ العلماء يدخلون أفواجًا في التصوف.
ولهذا أيضًا ربما كان علماء التصوف ومشايخه في المقدمة التي أتاحت للآخرين في البلاد التي فُتحت وفتحها الإسلام أن يفهموا الإسلام ويدخلوا فيه أفواجًا. كثير من أهل الصوفية دخلوا الإسلام من غير قتال وحرب وما إلى ذلك.
وكل أفريقيا دخلها الإسلام بهذه الطريقة عن طريق التصوف، وكل شرق آسيا وجنوب آسيا كلها دخلها الإسلام من غير قتال ونزاع وما إلى ذلك. فأغلب المسلمين دخلوا الإسلام ولم يروا قط القتال ولم يروا سيفًا أصلًا، إنما كان جهادهم محكومًا بما أخرجه البيهقي في الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رجع مرة فقال:
«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» وهو جهاد النفس.
قصة ياقوت العرشي الحبشي وتتلمذه على يد المرسي أبي العباس
[المذيع]: فضيلة الدكتور، ياقوت العرشي لا يُسمع عنه كثيرًا، لكنه يحتل مكانة كبيرة بين علماء التصوف هنا في مصر، ما قصته؟
[الشيخ]: قصته أنه رجل حبشي، وُلِد ياقوت رضي الله تعالى عنه في بلاد الحبشة سنة ستمائة وسبعة وعشرين للهجرة. هذا يعني أنه متقدم في السن.
وكان بعد ذلك عندما وصل إلى المرسي أبي العباس، كان من كبار تلاميذه حتى أنه تزوج ابنة المرسي أبي العباس، كما أن المرسي أبا العباس تزوج ابنة أبي الحسن الشاذلي.
وإن ياقوت العرشي كان أسمر اللون جدًا، لكن كان وجهه منيرًا، وكان يحب الناس أن تنظر إلى وجهه. فلما أتى ياقوت العرشي إلى أبي العباس لازمه وخدمه وصار من كبار أتباعه حتى أنه دُفن معه أيضًا.
العلماء المدفونون بجوار المرسي أبي العباس في الإسكندرية وختام الحلقة
يعني عندما تذهب لزيارة سيدي المرسي أبي العباس في الإسكندرية، ستجد مجموعة من العلماء في نفس المنطقة، منهم الإمام البوصيري صاحب البردة [في المديح النبوي]، ومنهم الإمام ياقوت العرشي، وكثير من العلماء.
منهم الإمام ابن الحاجب الأصولي اللغوي الفقيه المالكي المتبحر المتفنن، رضي الله تعالى عن الجميع. وهي سلسلة لا تنقطع، وسنكمل في الحلقة القادمة حكاية ياقوت العرشي إن شاء الله.
كنتم مع طريقنا إلى الله، مع تحيات أحمد بشتو وهيام فاروق.
