طريقنا إلى الله | ح2 | ذو النون المصري ج2 | أ.د. علي جمعة - تصوف, شخصيات إسلامية, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | ح2 | ذو النون المصري ج2 | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • ذو النون المصري، واسمه ثوبان، أحد أعلام التصوف في مصر، ولد في عام 150 هـ، وكان فصيح اللغة والفكر.
  • كان أول من تكلم من أهل مصر في المقامات الصوفية كمقام الرضا والتسليم والتوكل والتوبة واليقظة.
  • امتاز بفصاحته وقدرته على صياغة حِكَمه بطريقة قابلة للحفظ، مراعياً السجع والوزن.
  • يرى أن المعرفة تُنال بثلاث: النظر في الأمور كيف دبّرها، وفي المقادير كيف قدّرها، وفي الخلائق كيف خلقها.
  • اعتبر أن الأنس بالله يتحقق من خلال صفاء القلب مع الله.
  • دعا إلى الوحدة وقلة الاختلاط بالناس كوسيلة لتحقيق الإخلاص.
  • شبّه الدكتور علي جمعة الخلوة التي دعا إليها ذو النون بالاعتكاف والخلوة النبوية في غار حراء.
  • الخلوة تمنح الإنسان فرصة للتأمل والتعبد والصفاء والإخلاص، فيحصل على شحنة إيمانية تمكنه من العودة إلى الحياة بروحية مختلفة.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة برنامج طريقنا إلى الله وثناء الإمام أحمد بن حنبل على الصوفية

[المذيع]: إذاعة جمهورية مصر العربية من القاهرة تقدم طريقنا إلى الله، طريقنا إلى الله مع فضيلة الدكتور علي جمعة.

الإعداد والتقديم أحمد بشتو، إخراج هيام فاروق. مستمعينا الكرام، أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة.

قيل لأحمد بن حنبل إن صوفية يجلسون في المساجد على سبيل التوكل، قال: العلم أجلسهم. فقيل له: إنه ليس مرادهم من الدنيا إلا كسرة خبز وخرقة، فقال: لا أعلم على وجه الأرض أقوامًا أفضل منهم. فقيل له: إنهم يستمعون ويتواجدون، فقال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة.

سؤال عن تأثير ذي النون المصري على الفكر الصوفي وبداية الإجابة عن نشأته

[المذيع]: مستمعينا الكرام، أهلًا بحضراتكم في هذه الحلقة الجديدة مع ضيفنا فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء، والحديث مستمر عن ذي النون المصري كأحد أعلام التصوف في مصر وفي التاريخ الصوفي الإسلامي. فضيلة الدكتور، كيف كان هذا الرجل بتأثيره الكبير على الفكر الصوفي في بداياته في مصر؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

ذكرنا في حلقة سابقة أن ذا النون المصري كان اسمه ثوبان، وثوبان كان أحد خدام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان المصريون يحبون أن يستعملوا هذه الأعلام والألفاظ للدلالة على أبنائهم أو لتسميتهم. فذو النون كان اسمه ثوبان، وُلِدَ في المائة والخمسين كما ذكرنا.

فصاحة ذي النون المصري وتمكنه من اللغة وأثرها في التعبير عن مشاعره

وكان [ذو النون المصري] فصيحًا في اللغة والفكر، ووجّهني لعمله مرة واحدة؛ ولذلك أول ما كانوا يتعلمون كانوا يتعلمون اللغة. وهذا مكّنهم من أداءٍ ممتازٍ لما يشعرون به ولما يختلج في صدورهم.

كان [ذو النون] مهتمًا جدًا بالشعر وبالحكمة، وكان أول من تكلم من أهل مصر في المقامات: مقام الرضا، ومقام التسليم، ومقام التوكل، ومقام التوبة، ومقام اليقظة، والمقامات التي تحدث فيها الصوفية.

ذو النون المصري أول من أسس مقامات التصوف وتأمله في طرق تحصيل المعرفة

كان [ذو النون المصري] أول من التفت إليها [المقامات]، بعد ذلك الصوفية ووصلوا إلى ألف مقام واحد، لكن من بدأ هذه المقامات؟ هو ذو النون المصري. فقد كان من أوائل من تحدثوا في مقامات أهل التصوف وأصحاب السلوك والطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

كان يُنَظِّر وكان يحلل وكان يتأمل، ويصدر من هذا التأمل ما أصبح بعد ذلك من قواعد الصوفية.

كان يقول: تُنال المعرفة بثلاث. هذه التقسيمة التي يقول لك كذا بثلاثة أو بأربعة أو بكذا، معناها أنه يفكر، ومعناها أنه تعمق في كيفية تحصيل المعرفة.

طريقة ذي النون في صياغة المعرفة بأسلوب سجعي قابل للحفظ والنقل

بالنظر في الأمور وكيف دبّرها [الله سبحانه وتعالى]، النقطة الأولى، وفي المقادير كيف قدّرها. وابتدأنا أن نصوغ هذه الثلاثة بطريقة قابلة للحفظ، قابلة لأن تكون كأنها موزونة، كأن فيها سجعًا حتى تكون أسهل في الحفظ.

يعني إذا كان هو أيضًا يراعي أن هذا سوف يُنقل لمن بعده، لكنه يريد أن يكون ذلك بصورة لافتة للنظر. كان [ذو النون المصري] مالكًا لناصية اللغة:

  • النظر في الأمور كيف دبّرها.
  • وفي المقادير كيف قدّرها.
  • وفي الخلائق كيف خلقها.

فهذا يدلنا على كيفية تفكير ذي النون الذي هو أحد رواة الموطأ كما ذكرنا. إذن العلم، ولكن أيضًا الفكر، ولكن أيضًا الرغبة في تعليم من بعده هذه المقامات.

مفهوم الأنس بالله عند ذي النون المصري وصفاء القلب كطريق إليه

كان من لطيف كلامه [ذي النون المصري] يقول: إن الأنس بالله من صفاء القلب مع الله. ويكون عندما يجعل الإنسان الأنس بالله هدفًا له، ثم يتساءل: كيف نصل إلى هذا الهدف؟

هذا هو التصور الذي سُمّي به البرنامج العبادي للصوفية بالطريق؛ كان هناك طريق نهايته الله، وهو يسير في هذا الطريق. الأنس بالله هو هدفي، كيف أصل إليه؟ ما الطريق إليه؟ صفاء القلب مع الله.

يقول من لطيف كلامه: لم أرَ شيئًا أبعث بطلبي الإخلاص من الوحدة. إنه يدعو إلى قلة الأنام.

الوحدة والاعتكاف كوسيلة للتأمل والشحنة الإيمانية على سنة النبي ﷺ

بعد ذلك عبروا عنها بهذه الوحدة التي يأمرنا الله سبحانه وتعالى بها في قضية الاعتكاف. لقد أعطانا الله فرصة لهذه الوحدة أن يعيش الإنسان وحده مستأنسًا بالله سبحانه وتعالى.

هذا الذي نراه في حياة رسول الله ﷺ عندما كان يتزود ليذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد، وينزل فيأخذ مثلها؛ يأخذ من الزاد مثل ما كان، لو مكث مثلًا مع الزاد خمسة أو ستة أيام، يقوم فينزل ليأخذ خمسة أو ستة أيام أخرى.

الاعتكاف والخلوة التي علمنا إياها رسول الله ﷺ فيها قضية قلة الأنام؛ فيعطي الإنسان نفسه فرصة للتأمل والتعبد والصفاء والإخلاص والمناجاة والدعاء والذكر.

الشحنة الإيمانية من الخلوة والعودة إلى الحياة بروح متجددة كما في رمضان

ويبدأ الإنسان في حالة روحية يشحن بها، ويدخل مرة أخرى إلى العالم، يرجع مرة أخرى إلى مقتضيات الحياة، لكنه يرجع إنسانًا مختلفًا، كأنه حصل على الشحنة الإيمانية ثم عاد إلى حياته مرة أخرى.

نعم، وهذا هو الذي ميّز رمضان؛ أن الناس تأخذ شحنة إيمانية قد تكفيهم لعام.

[المذيع]: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، نستكمل في الحلقة القادمة إن شاء الله مع رمز آخر من رموز الصوفية.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

كنتم مع طريقنا إلى الله، مع تحيات أحمد بشتو وهيام فاروق.