طريقنا إلى الله | ح21 | السلطان الحنفي ج1 | أ.د. علي جمعة - تصوف, شخصيات إسلامية, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | ح21 | السلطان الحنفي ج1 | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • التصوف علم أصيل مستمد من الكتاب والسنة، ويستند إلى حديث جبريل الذي عرّف الإحسان بأنه "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
  • الجنيد، سيد الطائفة الصوفية، أكد أن طريقهم "مقيد بالكتاب والسنة"، فالتصوف جزء أصيل من الدين رغم محاربة المتطرفين له.
  • ينكر بعض المتطرفين التصوف جهلاً بأدلته وحقيقته، ويتبعون أهواءهم متجاهلين الكتاب والسنة.
  • بدأ التصوف مع الصحابة مثل علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق، ثم تطور وترسخت قواعده ومصطلحاته عبر القرون.
  • يُعد السلطان الحنفي (الشمس الحنفية) من أبرز أئمة التصوف في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، وصل به التصوف إلى قمة تطوره.
  • لإحياء الحضارة الإسلامية، ينبغي البحث عن أوج تطور العلوم كالتصوف والخط العربي وفن الأرابيسك، ثم الانطلاق منها للتطوير.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة برنامج طريقنا إلى الله وسؤال عن موقف المتطرفين من الصوفية

[المذيع]: إذاعة جمهورية مصر العربية من القاهرة تقدم طريقنا إلى الله، طريقنا إلى الله مع فضيلة الدكتور علي جمعة، الإعداد والتقديم أحمد بشتو، إخراج هيام فاروق.

مستمعينا الكرام، أهلًا بحضراتكم، يتجدد اللقاء مع شيخنا فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء. فضيلة الدكتور، كما تحدثنا في الحلقة السابقة عن شيخنا الشيخ أحمد البدوي، لماذا وهذا الرجل الذي قدم فكرًا وجهادًا ودعوة، نرى بعض المتطرفين الإسلاميين يقاومون التصوف فكرًا وأشخاصًا، حتى أن بعضهم أخرج الصوفية عن الملة؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. سبق أن ذكرنا كلام الأئمة الذين أخذوا التصوف من الكتاب والسنة، أخذوه من حديث جبريل حيث علّمنا ديننا، فسأل النبيَّ: ما الإحسان؟

قال [النبي ﷺ]: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

وكلام الجنيد [سيد الطائفة]: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، ويُسمى عند الصوفية بسيد الطائفة.

التصوف من صميم الدين وغاية العبادة بين أعدائه وأدعيائه

فالتصوف سواء احتار بين أعدائه أو أدعيائه هو من الدين، وسيظل من الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى ورسوله أمر به وجعله هو غاية العبادة.

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]

فالخشوع هو المقصود من الصلاة.

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

إذن فنحن هنا أمام حقيقة ينكرها بعضهم، كما أنكر الخوارج كثيرًا من أحكام الدين ابتغاء هواهم وجهلًا بالأدلة القائمة في هذا الشأن.

سبب عنف المتطرفين تجاه التصوف وتشبيههم بالخوارج والمنافقين

والسؤال: لماذا يفعل هؤلاء [المتطرفون] بهذه القسوة وبهذا العنف؟ لأنهم ليسوا أسوياء، كما أنشأ المنافقون الأوائل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد ضرار، كما خرج الخوارج ليقتلوا باب مدينة العلم عليًّا [بن أبي طالب]، ويحاربونه ويفسدون في الأرض.

وظل المسلمون يقاتلونهم خمسة وأربعين سنة حتى قضوا عليهم في سنة اثنتين وثمانين هجرية. لماذا يفعل هؤلاء هكذا؟ يفعل هؤلاء ذلك لأن لديهم طريقًا يُسمى بطريق الجهالة، ولديهم طريق آخر يُسمى بطريق الهوى، هم يتبعون أهواءهم.

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]

وجوب اتباع الكتاب والسنة في الطريق إلى الله واللجوء إليهما

إذن فنحن نتبع الكتاب والسنة، وسنظل نتبع الكتاب والسنة. أمر الكتاب بهذا الطريق إلى الله:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البينة: 5]

وأمرت السنة بهذا الطريق إلى الله:

قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

فدائمًا وأبدًا نلجأ إلى الله ورسوله حتى نعلم. إذا أردنا أن نعلم أحكام الله سبحانه وتعالى التي أرسلها إلينا عن طريق رسوله، كثير من الناس يُدخل نفسه وحوله وقوته وذهنه وطريقته ومنهجه في الحصول على هذه الأحكام، ونحن نلجأ إلى الله ثم إلى رسوله من أجل هذا.

السلطان الحنفي مثال لقمة التصوف في القرنين الثامن والتاسع الهجريين

[المذيع]: في هذه الحلقة، فضيلة الدكتور، نتحدث عن السلطان الحنفي وهو موجود في القاهرة وأحد أئمة الصوفية الكبار.

[الشيخ]: السلطان الحنفي في الحقيقة كان مثالًا رائعًا لقمة التصوف في القرن الثامن الهجري والتاسع الهجري. التصوف كعلم بدأ مع الصحابة الكرام، بدأ مع علي بن أبي طالب وتلميذه الحسن البصري، بدأ مع سلمان الفارسي وأبي بكر الصديق.

لكنه أخذ في الزيادة والنضج والترتيب، استقرت ألفاظه ومصطلحاته وقواعده، وابتدأ الأمر يأخذ مناقشات أعمق واستدلالات أعمق في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. كل جيل وكل قرن يأتي يفوق الذي قبله في طريقة العرض وطريقة الأصول.

السلطان الحنفي قمة تطور التصوف ومنهج الانطلاق من القمة في إحياء الحضارة

السلطان الحنفي نستطيع أن نقول أنه قد وصل إلى القمة، وصلنا إلى قمة تطور التصوف. دائمًا ونحن نحاول أن نعيد الحضارة الإسلامية وننطلق منها، نذهب إلى القمة ثم ننطلق منها.

يعني مثلًا نريد أن نحيي الخط العربي، فنبحث ليس في ابن مقلة وابن البواب فقط المنشئين للخط العربي، بل نرى متى وصل الخط العربي إلى قمته، ثم نأخذ هذه النقطة فندرسها ونجعلها الأساس للانطلاق.

فن الأرابيسك مثلًا، أين وصل فن الأرابيسك؟ فنجد أنه وصل مثلًا في العهد المملوكي، فنأخذ هذا العهد المملوكي للانطلاق. وقس على هذا في مادة عروض الشعر مثلًا، العروض، مادة في النحو، في اللغة إلى آخره.

الشمس الحنفي لقبه الحقيقي وتقاليد تسمية العلماء في التاريخ الإسلامي

وحتى في كل العلوم، في كل العلوم، أن أرى النقطة العليا ثم أنطلق منها إلى الأمام وأعيد حكايتها وتطويرها والانطلاق منها. الشمس الحنفي هذه النقطة بالنسبة للتصوف.

الشمس الحنفي أو السلطان الحنفي هو اسمه الشائع كلقب السلطان، إنما اللقب الحقيقي له؛ لأنه كان اسمه محمد بن الحسن، وكل محمد شمسٌ، فهو الشمس الحنفية. وهو اسمه بالكامل ليدل عليه: السلطان الشمس الحنفية.

فكل محمد في التاريخ الإسلامي نطلق عليه شمس الدين، وكل أحمد نطلق عليه شهاب الدين، وكل علي نطلق عليه نور الدين. هذا أمر موروث في أدبيات المسلمين.

ختام الحلقة والوعد باستكمال الحديث عن السلطان الحنفي

[المذيع]: عند هذه النقطة الشيقة نختتم هذه الحلقة، ونعاودها ونستكملها في الحلقة المقبلة إن شاء الله. شكرًا فضيلة الشيخ، شكرًا لكم.

كنتم مع برنامج طريقنا إلى الله، مع تحيات أحمد بشتو وهيام فاروق.