طريقنا إلى الله | ح3 | آبو الحجاج الأقصري ج1 | أ.د. علي جمعة
- •التصوف تغلغل في عموم المسلمين خلال القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، حيث كان العالم يُعرف بمذهبه العقدي والفقهي وطريقته الصوفية.
- •انتشر التصوف في كل البيوت لأنه ثمرة الدين ودرجة الإحسان، وقد حرص الفقهاء على الاهتمام به بعد عناد طويل بين الظاهر والباطن.
- •ألّف الإمام الغزالي كتابه "إحياء علوم الدين" لأنه رأى أن العلم بدون تصوف يتحول إلى مجرد تاريخ، فالصلة بالله تكون بالعبادة والإخلاص والذكر.
- •اشترط العلماء العلم أولاً قبل سلوك طريق التصوف، وما يُنسب للتصوف من انحرافات هي من فعل العوام وليست من حقيقة التصوف.
- •أبو الحجاج الأقصري يوسف بن عبد الرحيم، من أعلام التصوف، ينتهي نسبه إلى الحسين، ولد في بغداد في النصف الثاني من القرن السادس الهجري.
- •كان والده صاحب منصب كبير في الدولة العباسية، ثم انتقل إلى مصر واشتغل بالديوان في عهد عثمان بن صلاح الدين الأيوبي قبل أن يتفرغ للدعوة والعبادة.
مقدمة برنامج طريقنا إلى الله وتساؤل عن اتهام التصوف بالخروج عن الدين
[المذيع]: إذاعة جمهورية مصر العربية من القاهرة تقدم طريقنا إلى الله، طريقنا إلى الله مع فضيلة الدكتور علي جمعة، الإعداد والتقديم: أحمد بشتو، إخراج: هيام فاروق.
ومعكم مرة أخرى، مستمعينا الكرام، وهذا الفيض من فيوضات الخير مع أهل الصوفية، وضيفنا فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء. فضيلة الدكتور، لماذا أُخِذ على التصوف خروجٌ ربما عن صحيح تعاليم الدين، أو هكذا اتُّهموا في بعض الأوقات؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. التصوف في الحقيقة تغلغل في عموم المسلمين في القرن التاسع عشر والثامن عشر والسابع عشر، يندر أن نجد عالمًا من علماء الشريعة في الأرض كلها إلا أن يقول عن نفسه: الأشعري مذهبًا، المالكي أو الشافعي أو الحنفي طريقةً أو مذهبًا، الشاذلي أو النقشبندي طريقةً ومسلكًا.
انتشار التصوف بوصفه ثمرة الدين ودرجة الإحسان ودور الإمام الغزالي
الحقيقة أن التصوف انتشر انتشارًا ودخل في كل البيوت، لماذا؟ لأنه هو ثمرة الدين، لأنه هو درجة الإحسان. ولذلك حرص الفقهاء بعد عنادٍ طويل بين الظاهر والباطن، وعلى يد الإمام الغزالي، أن يصبح العلماء -حتى يكونوا أقرب إلى الله سبحانه وتعالى- يصبح العلماء من أهل التصوف، فأصبحوا من أهل التصوف والتفتوا إليه.
ولذلك عندما ألَّف الغزالي كتابه أسماه [إحياء علوم الدين]؛ لأنه يرى أن العلم بدون التصوف يتحول إلى تاريخ: مالك قال، الشافعي قال، قال الصحابي الفلاني، قال سيدنا النبي قال. وهذا يعني أن الصلة والعلاقة بينه وبين الله لا تكون إلا بالعبادة والإخلاص والذكر والطاعة إلى آخره، فأصبح التصوف منتشرًا.
موقف النبي ﷺ من طلب ذات أنواط وتعليمه للعوام بالرفق
تعرف حال غير المتعلم أنه يسأل بعفوية ويتصرف بعفوية، والنبي صلى الله عليه وسلم واجه مثل هؤلاء، وواجه الذي قال له: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. وجدوا شجرة عليها شعارات وعليها أقمشة وعليها أشياء يتبركون بها، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم شجرة مثل هذه؛ لأنها جميلة هكذا ولافتة للنظر.
فكان موقف النبي منهم موقف المعلِّم، فقال:
«أتسألونني كما سأل بنو إسرائيل موسى: اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة، لا إله إلا الله»
هذه الأنواط التي يعبدونها أو التي يقدسونها ويحترمونها، أو التي يجعلونها تنحرف عن مؤدى رسالتها، ممنوعة عندنا. فكان يعني يعلِّم.
تصحيح النبي ﷺ لتلبية حديث العهد بالإسلام ومنهج التعليم لا الاتهام
سمع رجلٌ حديث عهد بإسلام [يقول في التلبية]: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك، ملكته وما ملك. قال له [النبي ﷺ]: قف هنا، لا يصلح أن تقول ذلك، ولكن قل: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ولا تزد، ولا تزد.
فإذن نحن أمام معلِّم، فعندما نرى الخطأ لا نتهمهم بالشرك ولا نتهمهم بالتخلف ولا نتعالى عليهم، لكن نعيدهم إلى الصواب، إنما نعيدهم إلى الصواب وإنما نقول لهم الحقيقة.
اشتراط علماء التصوف العلم أولًا والتفريق بين فعل العوام وفعل المتصوفة
ومن هنا اشترط علماء التصوف العلم أولًا، اقرأ [إحياء علوم الدين]، يقول لك: يجب أن تتعلم أولًا قبل أن تسلك أو تعتزل أو تختلي أو غير ذلك إلى آخره؛ حتى يكفيك هذا العلم بالالتزام بالشرع الشريف وطاعته.
إذن هؤلاء الذين تمسكوا بأفعال يفعلها العوام ويقولون: هذا فعل متصوف، لا يا أخي، ليس فعلًا متصوفًا. فعل المتصوفة موجود في الكتب، وفعل المتصوفة موجود عند علماء التصوف وليس في عموم الناس.
التفريق بين تصرفات الأفراد وحقيقة الإسلام الذي أمر بالرحمة والأخلاق
كما يأخذون علينا كمسلمين بعض التصرفات التي قد يكون فيها الإرهاب وقد يكون فيها الانحراف، ويقولون: الإسلام هو الذي أمر بهذا. الإسلام لم يأمر بهذا؛ الإسلام أمر بالرحمة ولم يأمر بالإرجاف والإرهاب وما إلى ذلك. الإسلام أمر بكل خُلقٍ سَنِيّ، وكما قال تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
التعريف بأبي الحجاج الأقصري ونسبه إلى سيدنا الحسين ومولده ببغداد
[المذيع]: وهكذا فعل أبو الحجاج الأقصري فضيلة الدكتور، فهو أحد من أرسوا دعائم الصوفية فكرًا وعملًا، وهو أيضًا من سنتحدث عنه في الدقائق القادمة.
[الشيخ]: أبو الحجاج كان اسمه يوسف، ويوسف دائمًا نكنيه بأبي الحجاج حتى الآن، فنقول: يوسف أبو الحجاج. ويمكن تأتي هذه [الكنية] من شهرة الحجاج بن يوسف الثقفي، فانتشرت أنه كلمة يوسف على الفور يقولون له: يا أبو الحجاج، إلى يومنا هذا.
فيوسف بن عبد الرحيم، الإمام الكبير الذي سكن مدينة الأقصر والتي فيها مسجده وضريحه إلى الآن، هو ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسين، فهو من أهل البيت.
مولد أبي الحجاج الأقصري ببغداد وانتقاله إلى مصر وعمله في عهد الأيوبيين
والمشهور من سيرته رضي الله عنه أنه وُلد في بغداد في أوائل النصف الثاني من القرن السادس الهجري، القرن السادس الهجري يعني من خمسمائة إلى ستمائة، فيكون هو قد وُلد في خمسمائة وستين أو شيء مثل ذلك، خمسمائة وستين أو خمسمائة وخمسة وستين أو شيء من هذا القبيل.
والده رحمه الله تعالى كان صاحب منصب كبير في الدولة العباسية ببغداد. ثم حضر الشيخ أبو الحجاج يوسف إلى مصر مع أسرته وأولاده، واشتغل مشرفًا بالديوان في عهد أبي الفاتح عماد الدين عثمان ابن الناصر صلاح الدين الأيوبي ابنه مباشرةً.
تجرد أبي الحجاج للدعوة والعبادة وسفره إلى الإسكندرية والصعيد وختام الحلقة
ثم تجرَّد بعد ذلك للدعوة والعبادة والتربية، وسافر إلى الإسكندرية فالتقى بأعلامها، ثم سافر إلى الصعيد وانتشر أمره فيها، وبقي مناقب أبي الحجاج الأقصري سنواصلها إن شاء الله في الحلقة القادمة إن شاء الله.
[المذيع]: شكرًا، كنتم مع طريقنا إلى الله، مع تحيات أحمد بشتو وهيام فاروق.
