ما هي محاسبة النفس وأركانها الثلاثة وكيف تُطبَّق في حياتنا اليومية؟
محاسبة النفس هي أن تقيس بين نعم الله عليك وجناياتك، وأن تميّز ما للحق عليك مما لك، وأن تعلم أن كل طاعة رضيتها من نفسك فهي عليك لأنها تحتاج إلى شكر. وتُسلك طريق المحاسبة بعد العزيمة على عقد التوبة، وهي الباب الثالث من منازل السائرين الذي يهيّئ الإنسان للدخول إلى باب الإنابة ذليلًا خاضعًا لله.
- •
هل تعلم أن الطاعة التي تفخر بها قد تكون عليك لا لك إذا رضيتها من نفسك دون شكر؟
- •
محاسبة النفس هي الباب الثالث في منازل السائرين، ولا تُسلك إلا بعد اليقظة والتوبة وعقد العزيمة على الالتزام.
- •
للمحاسبة ثلاثة أركان: الموازنة بين نعم الله والجنايات، وتمييز ما للحق عليك مما لك، وأن كل طاعة رضيتها من نفسك فهي عليك.
- •
أحاديث النبي ﷺ تؤكد أن لا أحد يدخل الجنة بعمله بل بفضل الله ورحمته، وأن الجناية المكتوبة عليك حجة عليك لا معذرة لك.
- •
قصص الصالحين في محاسبة النفس تكشف أن من لا يرى ذنبه ويدّعي أنه سليم مائة بالمائة هو في الحقيقة مخذول مغلق البصيرة.
- •
الانكسار والذل الذي تصنعه المحاسبة في النفس هو الذي يهيّئ الإنسان للدخول إلى باب الإنابة ذليلًا خاضعًا لله.
- 0:00
اليقظة أول مراتب السلوك في منازل السائرين، وتتحقق بمعرفة حقيقة الدنيا الفانية وأن تكليف الغافل النائم محال.
- 1:16
اليقظة الحقيقية هي إدراك معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، وهي كنز تحت العرش ينفي الحول والقوة عن كل مخلوق.
- 2:22
الله هو الحقيقة الوحيدة والواجب الوحيد، وفهم هذا شرط لازم للمضي في طريق السلوك وباب الخير كله.
- 3:00
التوبة هي الانخلاع الكامل من دائرة الغفلة والذنوب إلى دائرة الله، وهي مقام مستمر في كل درجات السلوك.
- 3:54
حديث النبي ﷺ عن استغفاره مائة مرة يوميًا دليل على أن التوبة مقام مستمر وعبادة لا يخلو منها أحد.
- 5:08
الفرق بين الذنب والمذنب أساس في محاسبة النفس، فيُكره الذنب لا صاحبه، ورُبَّ طائع ليس له من طاعته شيء.
- 6:10
أحاديث النبي ﷺ تؤكد أن العمل بلا إخلاص لا ينفع، والعالم الذي لم يعمل بعلمه يُعذَّب قبل عُبّاد الوثن.
- 7:10
باب المحاسبة هو الثالث في منازل السائرين، ودليله الآية الكريمة ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وحديث النبي ﷺ.
- 8:32
حقيقة المحاسبة عند أهل الله أن تُجهّز حجتك لله غدًا، فتفكر قبل كل عمل: ماذا سأقول لربي؟
- 9:46
تجهيز الحجة لله يتضمن ذكر الله والإيمان باليوم الآخر والحساب، ثم محاسبة النفس قبل الإقدام على أي عمل.
- 10:16
الفقه ضروري للمحاسبة لأنه يبيّن الحلال والحرام، وأولو الأمر هم العلماء الموقّعون عن الله في استنباط الأحكام.
- 11:21
شرف العلم فوق كل شرف في الكفاءة الزوجية، والمحاسبة تحتاج إلى حكمة إما بالتعلم وإما بسؤال العلماء.
- 12:36
العالم كُفء في الزواج مهما كان حسبه أو ماله لأن شرف العلم فوق كل شرف، وعلمه يضمن العدل والإحسان.
- 13:40
طريق المحاسبة لا يُسلك إلا بعد العزيمة على عقد التوبة ومعاهدة الله عليها، استنادًا لأوامر القرآن الكريم.
- 14:39
الركن الأول من المحاسبة هو الموازنة بين نعم الله والجنايات، فمن فتح الله بصيرته رأى المنّة، ومن أُغلقت بصيرته جحد.
- 16:06
قصص الصالحين في محاسبة النفس تكشف أن النعمة تشمل كل شيء حتى المصائب، وأن الصالح يرى في فقدان البصر نعمة.
- 17:14
قصص مؤثرة عن محاسبة النفس تُظهر أن التنفس والبصر نعم عظيمة نغفل عنها، ومن أُخذت عيناه ضُمنت له الجنة.
- 18:17
أول ما يفتح البصيرة في المحاسبة هو نور الفقه والحكمة، فمعرفة الحلال والحرام تجعل الإنسان مدركًا لجناياته.
- 19:36
قصة من يدّعي أنه لم يفعل سيئة وهو لا يصلي إلا الجمعة نموذج لمن أُغلقت بصيرته ولا يرى ذنبه في المحاسبة.
- 20:33
أحاديث النبي ﷺ تؤكد خطورة ترك الصلاة، ومن يدّعي أنه سليم مائة بالمائة هو مخذول مغلق البصيرة.
- 21:14
علاج إغلاق البصيرة في محاسبة النفس هو اللجوء إلى الله بالبكاء والتضرع حتى يُفتح للعبد باب الرؤية والإدراك.
- 21:57
سوء الظن بالنفس ثاني مفاتيح فتح البصيرة، والدليل على حب الله هو التوفيق للعبادة لا كثرة متاع الدنيا.
- 23:21
قصة من يكنز الزكاة في البنك تكشف غياب الحكمة وسوء الظن بالنفس، والسلف كانوا إذا أعطوا أغنوا الفقير كليًّا.
- 24:36
قصص الصالحين في محاسبة النفس تُظهر أن السلف كانوا يُغنون الفقير كليًّا، والتقتير في الزكاة دليل على الأنا الكبيرة.
- 25:34
بعض أهل الله كانوا يتجنبون كلمة أنا في مرحلة تربوية لقهر النفس، وهي مرحلة مؤقتة لا دائمة في السلوك.
- 26:43
تمييز النعمة من الفتنة يكون بأثرها في القلب: فما أدّى إلى حب الله نعمة، وما أوجب التعلق بالدنيا فتنة ونقمة.
- 27:57
الركن الثاني من المحاسبة هو تمييز ما للحق عليك مما لك، كدفتر الأستاذ بين المديونية والدائنية عند الله.
- 29:03
الإنسان مفلس في ميزان المحاسبة لأن طاعاته لا تُقابل نعم الله عليه، وعليه الفروض والواجبات وليس له شيء.
- 30:17
الجناية حجة على الإنسان والطاعة منّة من الله، فمن صلى وزكى فبتوفيق الله لا بعمله، والواجب الشكر.
- 31:11
حديث «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله» يؤكد أن دخول الجنة بفضل الله لا بالعمل، وهو جوهر محاسبة النفس.
- 31:53
الجناية المكتوبة على الإنسان حجة عليه لا معذرة، وهي مصنوعة لإثبات افتقاره إلى الله وحاجته للمغفرة.
- 32:44
الحكم الإلهي على الإنسان حجة عليه لا معذرة، ولا يمكن تحويله إلى عذر عند الله في ميزان المحاسبة.
- 33:04
الركن الثالث من المحاسبة: الطاعة المرضية من النفس عليك لأنها تستوجب شكرًا، وتعيير المذنب كبر يُردّ عليك.
- 34:05
الانكسار الذي تصنعه محاسبة النفس يهيّئ الإنسان لباب الإنابة، ومن ضيّع ميزان المحاسبة تاه ولم يعرف الحقيقة.
- 34:51
الذل لله عزة حقيقية لأن الساجد يُخرج الدنيا من قلبه فيتوكل على الله ويعزّ على خلقه بسعادة لا يعرفها غيره.
- 36:02
قصة فرعون مع موسى تُجسّد معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه، إذ لم يستطع فرعون قتله رغم إرادته ذلك.
- 36:45
محبة الله التي أُلقيت على موسى جعلت فرعون لطيفًا معه رغم عداوته، تجسيدًا لمعنى أن الله يحول بين المرء وقلبه.
- 37:31
خلاصة باب المحاسبة: من فتح الله عليه هذا الباب فلا يضيع الميزان، والله يحول بين المرء وقلبه ولسانه.
لماذا تُعدّ اليقظة أول مراتب السلوك إلى الله وما علاقتها بمحاسبة النفس؟
اليقظة هي أول مراتب السلوك لأن النائم لا تكليف عليه، وتكليف المحال محال وعبث. وتتأتى اليقظة بمعرفة حقيقة الدنيا وأنها فانية إلى زوال، وأنها مخلوقة لله رب العالمين. وهي الشرط الأول الذي يُمهّد لباب المحاسبة وما بعده من منازل السائرين.
ما حقيقة اليقظة وما معنى أن لا حول ولا قوة إلا بالله؟
حقيقة اليقظة هي أن تعرف معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، وهي كنز من كنوز مخبوئة تحت عرش الرحمن. هذا النفي التام يشمل كل أحد في الكون من بشر وملك ونبي ووليّ، فلا حول ولا قوة لأحد إلا لله وحده. والله هو الباقي الذي كان قبل أن يكون الكون وكل شيء سواه فانٍ.
لماذا يُشترط فهم أن الله هو الحقيقة الوحيدة للمضي في طريق السلوك؟
الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الوحيدة والواجب الوحيد، وما سوى ذلك إنما هو بأمره. هذه هي اليقظة التي إذا فهمها السالك أمكن الكلام معه، وإن لم يفهمها تُرك لأنه لا فائدة من الكلام معه. وهي الحقيقة الأولى المبدئية التي هي باب الخير كله.
ما حقيقة التوبة وكيف يكون الانخلاع من دائرة الغفلة إلى دائرة الرحمن؟
بعد اليقظة يُبادر الإنسان بالتوبة وهي الانخلاع بالكلية من دائرة الغفلة والذنوب والكبر والتقصير إلى دائرة الله سبحانه وتعالى. والانخلاع هو حقيقة التوبة، وهي ليست شيئًا ينتهي بل تُفعل في كل درجات الإنسان ومقاماته مع الله. وهي الخطوة التي تسبق محاسبة النفس وتمهّد لها.
ما الدليل من أحاديث النبي ﷺ على أن التوبة مقام مستمر لا ينتهي؟
النبي ﷺ وهو الأسوة الحسنة والإنسان الكامل كان يقول: «إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة»، مما يدل على أن التوبة في حد ذاتها عبادة لا يخلو منها أحد. فالتوبة مقام وبداية لكنها ليست بداية تنتهي بل تستمر، ويتوب الإنسان كل يوم ويستغفر ربه بعدد أنفاسه.
ما الفرق بين الذنب والمذنب وكيف تؤثر محاسبة النفس في نظرتنا للآخرين؟
هناك فرق بين الذنب والمذنب، وبين الكفر والكافر، وبين الطاعة والطائع. فيُكره الذنب ولا يُكره صاحبه، ولا يُتعالى على من ابتلاه الله بالذنب. ورُبَّ طائع ليس له من طاعته شيء يأتي يوم القيامة فيكون أول من يدخل النار إذا لم تكن طاعته خالصة لله.
ما معنى حديث «إنما الأعمال بالنيات» وكيف يرتبط بمحاسبة النفس؟
العالم الذي لم يعمل بعلمه يُعذَّب قبل عُبّاد الوثن، والشهيد الذي قاتل ليُقال عنه شجاع يُؤخذ إلى النار. وحديث «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» يدل على أن العمل بلا إخلاص لا ينفع. وحديث «إنما الأعمال بالنيات» يؤكد أن محاسبة النفس تبدأ بمراجعة النية قبل كل عمل.
ما باب المحاسبة في منازل السائرين وما الدليل القرآني على وجوبها؟
باب المحاسبة هو الباب الثالث من العشر الأول في كتاب منازل السائرين، ودليله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. ومعناها أن يسأل الإنسان نفسه ماذا قدّم لله، كما قال النبي ﷺ لمن طلب منه الجنة: «وماذا قدّمت لها؟».
ما حقيقة المحاسبة عند أهل الله وما المفتاح الذي يمشي عليه السالك؟
حقيقة المحاسبة عند أهل الله هي أن تُجهّز حجتك لله غدًا، فكلما أقدمت على عمل تفكر: ماذا سأقول لربنا غدًا؟ ثم تعمل ما تريد. هذا هو المفتاح الذي يمشي عليه السالك بدلًا من الانشغال بقوائم طويلة من الأوامر. والنظر في ما قدّمت لغد هو حقيقة المحاسبة.
ما الأمور الثلاثة التي يتضمنها تجهيز الحجة لله في محاسبة النفس؟
تجهيز الحجة لله يتضمن ثلاثة أمور: أولها ذكر الله، وثانيها الإيمان بأن هناك يومًا آخر، وثالثها الإيمان بأن في هذا اليوم حسابًا للثواب والعقاب. ثم يُحاسب الإنسان نفسه قبل العمل: هل هذا يُرضي الله أم لا؟
لماذا يحتاج المحاسِب لنفسه إلى الفقه ومعرفة الحلال والحرام؟
المحاسبة تحتاج إلى الفقه لأنه الحكمة التي تبيّن للناس معالم الحلال والحرام، فمن لا يعرف الحلال والحرام لا يدرك ما يفعله. والله أمر بسؤال أهل الذكر، وأمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة.
ما علاقة شرف العلم بالكفاءة في الزواج وكيف يرتبط ذلك بالحكمة في المحاسبة؟
المحاسبة تحتاج إلى حكمة، وشرف العلم فوق كل شرف. وفي الكفاءة في الزواج يُشترط أن يكون الرجل أعلى من المرأة أو مساويًا لها في الحسب والنسب والدين، فإن تزوجت بغير كُفء كان لوليّها أن يُطلّقها. والعلم يرفع صاحبه فوق كل اعتبار آخر في الكفاءة.
كيف يكون العالم كُفئًا في الزواج حتى لو كان فقيرًا أو غير ذي حسب؟
إذا كان الرجل عالمًا فشرف العلم فوق كل شرف، ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف. والعالم المفترض أن يكون فاهمًا، فإن كره زوجته لم يظلمها وإن أحبها أحسن إليها. وهذا هو المراد في الكفاءة: أن يكون الرجل قادرًا على العدل والإحسان بحكمة العلم.
ما الشرط الذي يجب توافره قبل سلوك طريق المحاسبة في منازل السائرين؟
يُسلك طريق المحاسبة بعد العزيمة على عقد التوبة، فلا بد من معاهدة الله عليها وتوقيع عقد بين العبد وربه. والله أمر بالوفاء بالعقود في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وإن عهد الله كان مسؤولًا. والحكمة إما بالتعلم وإما بسؤال العالم.
ما الركن الأول من أركان المحاسبة وكيف يقيس الإنسان بين نعم الله وجناياته؟
الركن الأول من أركان المحاسبة هو أن يقيس الإنسان بين نعمة الله عليه وجنايته، فيجلس ويفكر: كم قدر النعم التي أنعم الله بها عليه وما هي؟ فإن وفّقه الله رأى منّته عليه، وإن أغلق بصيرته لم يجد لله عليه حقًّا وهذا هو مطموس البصيرة.
كيف يرى الصالحون نعم الله حتى في المصائب وما قصة الصالح الذي فقد بصره؟
من وفّقه الله رأى نعمه من أساسه إلى رأسه، فكل شيء في الإنسان نعمة حتى العقل والأبناء والعينان. وفي قصص الصالحين في محاسبة النفس أن أحد الصالحين حين قيل له: حرمك الله من البصر، قال: حرمني من أن أرى مثلك، أي أن فقدان البصر نعمة في حقه. فالمصيبة في حقيقتها قد تكون نعمة.
كيف تكون نعمة التنفس والبصر من أعظم نعم الله التي نغفل عنها؟
من أخذ الله حبيبتيه عينيه أبدله بهما الجنة، فهو مضمون له الجنة ذاهب من الدار مباشرة إليها. وفي قصص مؤثرة عن محاسبة النفس أن أحد الطغاة كان في قفص الاتهام يشمّ وردة لأن كل نَفَس يأخذه يتقطع داخله كالسكاكين، مما يدل على أن نعمة التنفس السليم نعمة عظيمة نغفل عنها.
ما الأشياء الثلاثة التي تساعد على فتح البصيرة ورؤية النعمة والجناية في المحاسبة؟
ثلاثة أشياء تساعد على فتح البصيرة ورؤية النعمة والجناية: أولها نور الحكمة الذي هو الفقه إما بالتعلم وإما بالسؤال. فمن كان عارفًا بالحلال والحرام أصبح مدركًا لما يفعله، ومن لم يكن عارفًا لم يُدرك ما هو عليه. والأمران الآخران يأتيان في السياق التالي.
ما قصة من يدّعي أنه لم يفعل شيئًا سيئًا وهو لا يصلي إلا الجمعة؟
في قصص مؤثرة عن محاسبة النفس أن رجلًا قال إنه لم يفعل شيئًا سيئًا أبدًا، فلما سُئل عن الصلاة قال إنه يصلي الجمعة. وهو لا يرى أنه حتى الصلاة لم يُصلّها كاملة، بل يعترض ويرى نفسه مستقيمًا. وهذا نموذج لمن أُغلقت بصيرته فلا يرى ذنبه.
ما خطورة ترك الصلاة وما حال من يدّعي أنه سليم مائة بالمائة؟
النبي ﷺ يقول: «بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، وهذا يدل على أن ترك الصلاة ذنب عظيم قريب من الكفر. ومن يدّعي أنه سليم مائة بالمائة ولا يجد لنفسه ذنبًا هو في الحقيقة مخذول، وهذه مصيبة لأنه لا يرى ما هو فيه من تقصير.
ما علاج من لا يرى ذنبه ويظن نفسه بلا تقصير في محاسبة النفس؟
علاج من لا يرى ذنبه أن يلجأ إلى الله بالبكاء والتضرع، يجلس أمام الباب ويقول: أنت أغلقت عليّ، سامحني اغفر لي افتح لي، ولا يقوم حتى يُفتح له. فما دام يرى نفسه قد وصل إلى الغاية فهو في الحضيض، ولا فائدة إلا بهذا التضرع والانكسار.
ما الدليل الحقيقي على أن الله يحب العبد وكيف يرتبط ذلك بسوء الظن بالنفس؟
الأمر الثاني مما يفتح البصيرة هو سوء الظن بالنفس. ومتاع الدنيا من أموال وجاه وسلطان لا يساوي عند الله جناح بعوضة وليس دليلًا على الحب. الدليل الحقيقي على حب الله هو التوفيق والزيادة في العبادة والاستمرار فيها، لا كثرة المتاع الدنيوي.
ما قصة من يكنز الزكاة في البنك بحجة أنه لا يجد فقيرًا وما الخطأ في فهمه؟
في قصص مؤثرة عن محاسبة النفس أن رجلًا فتح حسابًا في البنك يضع فيه الزكاة منذ خمس سنوات بحجة أنه لا يجد فقيرًا. والخطأ أنه يريد إعطاء كل فقير عشرة جنيهات فقط، بينما السلف كانوا إذا أعطوا أغنوا الفقير كليًّا لينتقل من الفقر إلى الغنى. والنعم المتكاثرة تستوجب الشكر لا التكديس.
ما منهج السلف في إعطاء الزكاة وكيف يكشف التقتير فيها عن الأنا الكبيرة؟
كان السلف إذا أعطوا أغنوا الفقير لكي ينتقل من الفقر إلى الغنى ويُكتفى به ويُؤخذ منه الزكاة في السنة القادمة. أما من يريد إعطاء عشرة في عشرة فلا توجد فيه حكمة ولا سوء ظن بالنفس، بل فيه الأنا الكبيرة جدًّا. وهذا نموذج لمن يتقي ظاهرًا لكنه يفتقر إلى الحكمة الحقيقية.
كيف كان بعض أهل الله يتخلصون من الأنا في مراحل التربية الروحية؟
كان بعض أهل الله في مرحلة من مراحل التربية يُخلون كلامهم من كلمة أنا، ولا يقولون كتابي أو طعامي أو بيتي بل يقولون الكتاب والطعام والبيت. وذلك لأن الملك والمالك هو الله وحده. لكن هذه مرحلة من مراحل التربية فقط وليست دائمة، ثم يعودون إلى الكلام العادي.
كيف يميّز الإنسان بين النعمة والفتنة في ما يمنحه الله من مال وجاه وسلطان؟
النعمة هي ما أدّى بك إلى حب الله ورسوله وحب المساكين والمسلمين وبذل ما في يدك توكلًا وثقة بالله. أما الفتنة فهي ما جعل قلبك يتعلق بالمال والجاه والتفت إلى غير الله. فالمعيار ليس كمية العطاء بل أثره في القلب وتوجهه نحو الله أو بعده عنه.
ما الركن الثاني من أركان المحاسبة وكيف يميّز الإنسان ما للحق عليه مما له؟
الركن الثاني من المحاسبة هو أن تميّز ما للحق عليك مما لك أو منك، كما يُميَّز في دفتر الأستاذ بين المديونية والدائنية. فالمحاسبة تعني معرفة ما لك وما عليك عند الله، وهذا هو جوهر القضية الثانية في أركان المحاسبة.
لماذا يكون الإنسان مفلسًا في ميزان المحاسبة مع الله رغم طاعاته؟
في ميزان المحاسبة يكون على الإنسان الطاعة والفروض والواجبات والسنن والنوافل، وليس له شيء عند الله لأن هذه الأعمال في مقابل بعض المنن التي عليه. فهو مفلس ليس له شيء، وعليه أن يعرف نفسه ويقف عند حده ولا يمشي رافعًا رأسه وهو مدين بآلاف الآلاف.
لماذا تكون الجناية حجة على الإنسان والطاعة منّة من الله لا بعمله؟
الجناية على الإنسان حجة والطاعة عليه منّة، لأن الله هو الذي جعله يصلي ويزكي ويذكر. فإذا قال العبد: صليت، يُقال له: أأنت صليت أم أنا الذي جعلتك تصلي؟ فيظهر مدينًا في الجناية وخارجًا مدينًا في الطاعة، والواجب عليه الشكر لا الفخر.
ما معنى حديث «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله» وكيف يرتبط بمحاسبة النفس؟
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، إنما بفضل الله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». وهذا يؤكد أن محاسبة النفس تُفضي إلى الإقرار بالعجز والافتقار إلى الله، وأن الحكم على الإنسان حجة عليه وليس معذرة له.
لماذا لا تكون الجناية المكتوبة على الإنسان معذرة له بل حجة عليه؟
الجناية التي كُتبت على الإنسان حجة عليه وليست معذرة له، فهي ليست مصنوعة ليقول: لا ذنب لي فقد أُجريت المعصية عليّ. بل هي مصنوعة لكي يطأطئ رأسه ويقول: سامحني اغفر لي. وهي في النهاية لإثبات افتقاره إلى الله وحاجته إلى مغفرته.
هل يمكن للإنسان أن يحوّل الحكم الإلهي عليه إلى معذرة عند الله؟
لا يستطيع الإنسان أن يحوّل الحكم الإلهي عليه إلى معذرة يعتذر بها عند الله. فالحكم عليه حجة وليست له معذرة، وهذا مبدأ ثابت في محاسبة النفس لا يقبل الجدل أو التحايل.
ما الركن الثالث من أركان المحاسبة وكيف تكون الطاعة التي رضيتها من نفسك عليك؟
الركن الثالث من أركان المحاسبة هو أن كل طاعة رضيتها من نفسك فهي عليك لأنها تحتاج إلى شكر، والشكر يحتاج إلى شكر أبدًا. وكل معصية عيّرت بها أخاك فهي إليك مردودة لأن تعييرك برّأت نفسك وتبرئتك كبر. فربما يغفر الله للمذنب ويؤاخذك أنت بها.
كيف يُهيّئ الانكسار الذي تصنعه المحاسبة الإنسانَ للدخول إلى باب الإنابة؟
الانكسار والذل الذي تفعله محاسبة النفس في نفس الإنسان هو الذي يهيّئه للدخول إلى باب الإنابة. فلا يضيع ميزان المحاسبة، ومن ضيّع صفحته تاه ولم يعرف الحقيقة أبدًا. وباب الإنابة ينبغي أن يُدخل وصاحبه ذليل خاضع لله.
كيف يكون الذل لله عزة حقيقية وكيف يرد المسلم على من يستنكر السجود؟
الذل لله عزة لأن من سجد لله وأخرج الدنيا من قلبه صارت في يده لا همّه، فهو متوكل على الله لا يخاف سوى الله ولا يعبد إلا إياه. وعليه رضا وتسليم وسعادة لو عرفها غيرنا لقاتلوا عليها. أما من لا يسجد فهو ذليل لأنه لم يعرف كيف يكون ذليلًا لله فيعزّ على خلقه.
كيف تجلّى معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه في قصة فرعون مع سيدنا موسى؟
فرعون كان عقله يأمره بقتل موسى لأن هلاكه على يديه، لكن قلبه لم يطاوعه. فلما رآه خاطبه بلطف قائلًا: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ وهو خطاب لا يصدر ممن يريد القتل. وهذا دليل على أن الله يحول بين المرء وقلبه فيصرفه كيف يشاء.
كيف جعلت محبة الله التي أُلقيت على موسى فرعونَ لطيفًا معه رغم عداوته؟
الله قال لموسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾، فأنزل عليه خيمة المحبة فكان فرعون كلما نظر إليه ازداد محبة له. فكان فرعون لطيفًا تمامًا في خطابه مع موسى، وهو ليس فرعون الذي يقتل بالنظرة. وهذا يُثبت أن الله يحول بين المرء وقلبه ويصرّفه كيف يشاء.
ما الخلاصة العملية لباب المحاسبة وما الوصية لمن فتح الله عليه هذا الباب؟
الله يحول بين المرء وقلبه ولسانه، فمن فتح الله عليه باب المحاسبة فلا يضيع الميزان من يديه. والوصية أن يحافظ على ميزان المحاسبة ويعرف ما له وما عليه، فإن ضيّع صفحته تاه ولم يعرف الحقيقة. والدعاء أن يجعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
محاسبة النفس ذات ثلاثة أركان تبدأ بالموازنة بين النعمة والجناية وتنتهي بالانكسار الذي يفتح باب الإنابة.
محاسبة النفس في كتاب منازل السائرين هي الباب الثالث من العشر الأول، ولها ثلاثة أركان: أولها أن تقيس بين نعم الله عليك وجناياتك، وثانيها أن تميّز ما للحق عليك مما لك، وثالثها أن كل طاعة رضيتها من نفسك فهي عليك لأنها تستوجب شكرًا لا يتناهى. ولا تُسلك هذه المحاسبة إلا بعد العزيمة على عقد التوبة.
أحاديث النبي ﷺ تؤكد أن لا أحد يدخل الجنة بعمله بل بفضل الله ورحمته، وأن الجناية المكتوبة على الإنسان حجة عليه لا معذرة له، بل هي مصنوعة لإثبات افتقاره إلى الله. وقصص الصالحين في محاسبة النفس تكشف أن من يدّعي أنه سليم مائة بالمائة هو في الحقيقة مخذول مغلق البصيرة، وعلاجه أن يلجأ إلى الله بالبكاء والتضرع حتى يُفتح له.
أبرز ما تستفيد منه
- محاسبة النفس لها ثلاثة أركان: النعمة والجناية، وما للحق عليك، والطاعة المرضية.
- الجناية المكتوبة عليك حجة عليك لا معذرة، وهي لإثبات افتقارك إلى الله.
- لا أحد يدخل الجنة بعمله بل بفضل الله ورحمته حتى النبي ﷺ.
- الانكسار الذي تصنعه المحاسبة يهيّئ الإنسان للدخول إلى باب الإنابة.
مقدمة الدرس وبيان أن اليقظة هي أول مراتب السلوك إلى الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: بعدما بيّن أن أول الأمر ولا بد من اليقظة؛ لأن النائم لا تكليف عليه، فإذا خاطبت النائم بشيء فقد خاطبت المحال، وخطاب المحال محال. فلا بد من اليقظة؛ لأن تكليف المحال محال وعبث، كيف تخاطب نائمًا تقول له: افعل وافعل وافعل وافعل وافعل، وهو نائم؟
فلا بد أولًا من اليقظة، واليقظة تتأتى بمعرفة حقيقة الدنيا وأنها فانية إلى زوال، وأن حقيقتها أنها مخلوقة لله رب العالمين، وحقيقتها أنها من خلق الله في خيرها وشرها.
حقيقة اليقظة في معرفة أن لا حول ولا قوة إلا بالله
فالله سبحانه وتعالى فعّال لما يريد،
﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]
والله هو صاحب الحول والقوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فاليقظة هي أن تعرف معنى هذه الكلمة التي هي كنز من كنوز مخبوئة تحت عرش الرحمن: لا حول ولا قوة أبدًا، ونفيًا تامًّا من كل أحد في الكون، سواء كان بشرًا أو ملكًا، سواء كان نبيًّا أو وليًّا، سواء كان مؤمنًا أو فاجرًا، إلا الله.
فإنه كان قبل أن يكون الكون، وهو الآن على ما عليه كان، وكل شيء يهلك وفانٍ إلا وجهه سبحانه وتعالى، هو الذي يبقى فهو الباقي.
الله هو الحقيقة الوحيدة وشرط فهم اليقظة للمضي في الطريق
فالله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الوحيدة وهو الواجب الوحيد، وما سوى ذلك إنما هو بأمره. هذه هي اليقظة.
إذا فهمت ذلك كلّمناك، وإذا لم تفهم أيقظناك، وإذا لم تستيقظ تركناك؛ لأنه لا فائدة من الكلام معك إذا لم تعلم هذه الحقيقة الأولى المبدئية التي هي باب الخير كله.
التوبة والانخلاع من دائرة الغفلة إلى دائرة الرحمن بعد اليقظة
ثم بعد ذلك، وإذا عرفت الحقيقة من اليقظة وكيف تصل إليها وتقاوم نفسك من أجلها، فاستيقظت، فأول ما تفعله هو أن تبادر بالتوبة إلى الله بالانخلاع من دائرة ما أنت فيه من غفلة ومن ذنوب ومن كِبر ومن تقصير، إلى دائرة الله سبحانه وتعالى الذي يفعل ما يشاء وما يريد.
تنخلع بالكلية، والانخلاع هو حقيقة التوبة. وبيّن [المصنف] بالتفصيل كيف يكون ذلك، وكيف أن التوبة ليست شيئًا ينتهي، بل هو شيء تفعله في كل درجاتك ومقاماتك مع الله.
التوبة مقام مستمر لا ينتهي والنبي ﷺ كان يستغفر مائة مرة في اليوم
فالعوام يتوبون، والخواص يتوبون، وخواص الخواص يتوبون. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الأسوة الحسنة وغاية المراد من رب العباد، وهو المصطفى الكريم وهو المجتبى صلى الله عليه وسلم، والمثل الأعلى والإنسان الكامل، كان يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة»
إذن فالتوبة في حد ذاتها عبادة لا يخلو منها أحد. والتوبة مقام، والتوبة بداية، لكنها ليست بداية ككل البدايات تنتهي، بل إنها بداية لتستمر. وعلى ذلك يتوب الإنسان كل يوم ويستغفر ربه كل يوم، فإنه لا بد عليه بعدد أنفاسه من إحداث التوبة.
النهي عن استكثار الطاعة والتكبر بها وعن تحقير المذنب
لا تستكثر طاعتك ولا تتكبر بها، ولا تتعالَ على أخيك إذا ابتلاه الله سبحانه وتعالى بالذنب. ولا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولا تحقر أخاك الذي أذنب، ولا ترضَ بالذنب.
واكره هذا الذنب ولا تكره صاحبه، فهناك فرق بين الذنب والمذنب، وبين الكفر والكافر، وبين الطاعة والطائع فرق. فرُبَّ طائع ليس له من طاعته شيء، يأتي يوم القيامة القارئ [للقرآن] فيكون أول من يدخل النار.
العالم الذي لم يعمل بعلمه يُعذَّب قبل عُبّاد الوثن يوم القيامة
وعالمٌ بعلمه لم يعمل معذَّبٌ قبل عُبّاد الوثن. إذن، فهذا الرجل الذي كان عالمًا قارئًا يُقال له يوم القيامة: إنما قرأت ليُقال عنك قارئ، وقد قيل، فيُؤخذ [إلى النار].
والشهيد يُقال عنه: قاتلت حتى يُقال عنك شجاع، وقد قيل، فيُؤخذ إلى النار. إذ رُبَّ طائع ليس له نصيب من طاعته.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»
لأنه لم يكن خالصًا لوجه الله تعالى.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
باب المحاسبة وأهمية النظر فيما قدّمت النفس لله تعالى
بعدما انتهى [المصنف] من هذه اليقظة ومن تلك التوبة، وأمر العباد أن يتوجهوا وأن يفروا إلى الله وأن ينخلعوا بالكلية من دائرة المعصية إلى دائرة الرحمن، فإنه تكلم عن الباب الثالث من العشر الأول فقال: باب المحاسبة.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]
إذا نظرت لغدٍ فإنك سوف تحاسب نفسك: ما الذي قدّمته لله؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما جاءه أحدهم وقال: يا رسول الله، سَلْ لي الجنة، يعني اسأل ربك لي الجنة، قال: وماذا قدّمت لها؟ إذن هناك محاسبة.
حقيقة المحاسبة عند أهل الله وملاك الأمر في تجهيز الحجة لله
﴿ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]
النظر هو حقيقة المحاسبة: نفسٌ ما قدّمت لغد، كيف تعود إلى ربك؟
يقول أهل الله من السادة الصوفية: ملاك الأمر كله أن تُجهّز حُجّتك لله غدًا. الناس يسألون أهل الله ويقولون: أنا لا أريد كلامًا كثيرًا، صلِّ وصُمْ واذكُرْ واتلُ، أمرني بمائتي شيء، أنا أريد مفاتيح أمشي عليها.
ما هذه المفاتيح؟ قال له: هذه المفاتيح تتمثل في أنك كلما تأتي لتُقدِم على عملٍ تفكر: ماذا سأقول لربنا غدًا؟ ثم اعمل ما تريد أن تعمله، انظر ماذا ستقول له.
معنى تجهيز الحجة لله يتضمن الإيمان باليوم الآخر والحساب
ماذا يعني ماذا سأقول لربي غدًا؟ يعني أنك تذكره، هذا الأمر الأول. وتؤمن بأن هناك يومًا آخر، هذا الأمر الثاني. ومؤمن أن في هذا اليوم الآخر حسابًا للثواب والعقاب، الأمر الثالث.
ثم إنك سوف تحاسب نفسك قبل العمل: إذا ما كان هذا يُرضي الله أو لا يُرضيه.
أهمية الفقه في المحاسبة ومعرفة الحلال والحرام وطاعة أولي الأمر
ومن هنا تأتي الحاجة إلى الفقه، فالفقه مهم لأنه الحكمة، لأنه الذي يبيّن للناس معالم الحلال والحرام.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]
يعني الذين تولّوا استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية من الكتاب والسنة. فالطاعة هنا تكون لله، وتكون لرسول الله، وتكون لمن نسب أحكام الله، موقّعين عن الله.
لمّا ابن القيم عمل كتابه سمّاه [إعلام الموقّعين عن رب العالمين]، فأولوا الأمر هم العلماء، وهذه هي الحكمة.
المحاسبة تحتاج إلى حكمة وشرف العلم فوق كل شرف في الكفاءة
فالمحاسبة تحتاج إلى حكمة، والحكمة إما أن تكون بالعلم. وشرف العلم فوق كل شرف.
في الكفاءة [في الزواج] تُشترط في الرجل أن يتزوج المرأة بحيث يكون أعلى منها أو مساويًا لها في الكفاءة، في الحسب والنسب والدنيا والدين؛ لأنه هو الذي وُلّيناه أمر البيت،
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]
فناسب ذلك أن يكون الرجل أعلى أو مساويًا، ولا يجوز أن يكون أقل. فلو ذهبت [المرأة] وتزوجت رجلًا أقل منها كفاءة، فلوليّها أن يُطلّقها. الولي الخاص بها له أن يُطلّقها.
لماذا؟ لأنها ذهبت فتزوجت بغير كُفء.
أمثلة على الكفاءة في الزواج واستثناء العالم لأن شرف العلم فوق كل شرف
كيف يكون الكُفء؟ مثلًا هؤلاء أناس أغنياء وذهبت [ابنتهم] لتتزوج رجلًا فقيرًا لا يستطيع أن تعيش معه كما عاشت مع أبيها، أو هذه ذات حسب ومن أهل البيت فذهبت وتزوجت بغير ذي حسب، أو إلى آخره.
إلا إذا كان عالمًا، إذا كان عالمًا فشرف العلم فوق كل شرف، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف. فشرف العلم فوق كل شرف.
قضية أنّ العالِم المفترض أن يكون فاهمًا، فيكون إن كرهها لم يظلمها، وإن أحبها أحسن إليها حُسنًا. هذا ما أريده في الكفاءة، هذا ما أريده في الكفاءة.
الحكمة إما بالتعلم وإما بالسؤال وطريق المحاسبة بعد عقد التوبة
إذا كان العلم مهمًّا والعلم حكمة، إما بالتعلم وإما بالسؤال. إذا لم تكن عالمًا فاسأل العالم.
قال [المصنف]: وإنما يسلك طريق المحاسبة بعد العزيمة على عقد التوبة التي قدّمناها. لا بد أن نعاهد ربنا عليها ونوقّع عقدًا بيننا وبين الله.
والله أمرنا فقال:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]
أمرٌ في القرآن، فلا بد من عهد الله.
﴿إِنَّ عَهْدَ اللَّهِ كَانَ مَسْئُولًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 34]
﴿وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: 152]
وإنما يُسلك طريق المحاسبة بعد العزيمة على عقد التوبة.
أركان المحاسبة الثلاثة والركن الأول القياس بين النعمة والجناية
والمحاسبة لها ثلاثة أركان كما عوّدنا، لها ثلاثة أركان. المرحلة التي نحن فيها هذه:
أحدها: أن نقيس بين نعمته وجنايتك. يعني تجلس وتفكر وتحاسب وتقول: النعم التي أنعم الله عليّ بها كم قدرها وما هي؟
سؤال: ما رأيك لو كنت موفّقًا لشرح الله صدرك وأظهر لك مِنّته عليك؟ ولو كنت غير موفّق أغلق بصيرتك، ثم لا تجد لله عليك حقًّا، وتقول في نفسك: ما أنا متعب طوال النهار، ماذا سيفعل بنا أكثر مما فعله بنا؟ هذا مطموس البصيرة.
رؤية نعم الله من الأساس إلى الرأس وكل شيء في الإنسان نعمة
لكن لو وفّقك الله لرأيت نعمه كما يقولون في العامية: من أساسك إلى رأسك. الأساس الذي هو ما [القدمان]؟ الأساس [يعني الرجلين]؛ لأن الأساس يكون تحت. رأسك وشعر رأسك كلها نعمة، عقلك نعمة، وابنك نعمة.
عينك التي ترى بها نعمة، فإن أخذها الله منك فهي نعمة وما بعدها نعمة. فهو [أحد الصالحين] قال له [شخص]: حرمك الله من البصر! فقال: حرمني من أن أرى مثلك، يعني هذه نعمة.
حرمني منها، من أي شيء؟ يعني حرمك الله من البصر؟ قال له: أبدًا، هذه نعمة، حرمني الله من أن أرى مثله. آه، هذه مصيبة [هي في حقيقتها] نعمة.
فقدان البصر نعمة مضمونة بالجنة والتنفس نعمة عظيمة لا نشعر بها
النعمة فيها: من أخذ الله حبيبتيه [عينيه] أبدله بهما الجنة. يبقى ماذا إذن؟ هذا مضمون له الجنة، هذا ذاهب على الفور هكذا. من أي شيء؟ من الدار إلى الجنة. يبقى ماذا نريد؟
تنفّسك نعمة! رأيت أحد الطغاة وهو ممسكٌ بوردة يشمّها في قفصه [قفص الاتهام] وهم يحاكمونه. فسألت: ما باله؟ أليس مهتمًّا أو ما الأمر؟ قالوا: له يبعد عنك، كل نَفَس يأخذه يتقطع داخله كالسكاكين، يخرج النَفَس فيتقطع داخله كالسكاكين، فهو غير قادر ويُسلّي نفسه بالوردة كي يخفف الألم قليلًا.
ما هذا يعني؟ نحن في نعمة وإلا ما هذا الاستمرار؟ نحن نتنفس باستمرار.
ثلاثة أشياء تساعد على فتح البصيرة ورؤية النعمة والجناية
فإذ بنا إن فتح الله عليك لأراك مِنّته عليك، وإن أغلق بصيرتك لنسيت نعمته. وهذا يشقّ على من ليس لديه ثلاثة أشياء تساعدك على فتح البصيرة ورؤية النعمة ورؤية الجناية التي فعلتها.
في المقابل، الله هو الله يمنّ عليك بالمنن والمنح والنعم، وأنت تقابله بالمعصية والفرار والطغيان والنسيان والقسوة.
[الأمر الأول:] نور الحكمة الذي هو الفقه، إما بالعلم وإما بالسؤال. فعندما أكون عارفًا بالحلال والحرام أصبح مدركًا لما أفعله، ولكن إذا لم أكن عارفًا بالحلال والحرام فلا أدرك ما أنا عليه.
قصة من لا يرى ذنبه ويظن أنه لم يفعل شيئًا سيئًا وهو لا يصلي إلا الجمعة
كيف حالك؟ أقول: ماذا فعلت يعني؟ أنا لا أفعل شيئًا سيئًا. سمعنا من الناس كثيرًا هكذا. قال: أنا لم أفعل شيئًا سيئًا أبدًا. فأقول له: أبدًا؟ قال لي: أبدًا.
أتصلي؟ أنا أول ما قلت له هكذا: أتصلي؟ قال لي: نعم، ماذا إذن؟ أصلي الجمعة، أصلي الجمعة! لا يرى أنه حتى الصلاة لم يُصلّها [كاملة]، هو يصلي [الجمعة فقط] وبعد ذلك يقول لي ماذا؟ فماذا يعني؟ أيضًا يعني يعترض عليّ!
يعني ماذا؟ ماذا تظن؟ قلت: إذن يصلي جماعة في المسجد في الصف الأول، لم يترك خلف الإمام أربعين سنة! اتضح أنه يصلي الجمعة فقط ولم يفعل أبدًا شيئًا سيئًا في حياته!
خطورة ترك الصلاة وحال من لا يرى ذنبه ويدّعي أنه سليم مائة بالمائة
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»
يعني ذنب عظيم حقيقةً، ليس كفرًا بمعنى الخروج عن الملة، لكن ذنبه قريب من الكفر. وبالرغم من ذلك، أخونا لا يراه [ذنبًا].
واحد آخر يقول لي: أنا لا أعرف لماذا فعل الله بي هكذا بالرغم من أنني سليم مائة في المائة! سليم مائة في المائة! أيها الطاغية، سليم مائة في المائة هكذا هو، سليم مائة في المائة!
قال: لا، فما الأمر إذن؟ أبحث هكذا ولا أجد شيئًا. تعرف أنه مخذول، هذه مصيبة.
علاج من لا يرى ذنبه أن يلجأ إلى الله بالبكاء والتضرع حتى يُفتح له
والإنسان عندما لا يجد شيئًا [من ذنوبه] فليذهب إلى ربه ويبكِ. اجلس وابكِ الآن، قل له: لا، أنت هكذا مُغلقٌ عليّ، ما دمتُ لا أرى وأرى نفسي جميلةً جدًّا هكذا، وليس هناك شيء إلا فعلته هكذا.
أنتَ أغلقتَ عليّ، لِمَ أغلقتَ عليّ؟ ماذا فعلتُ؟ سامحني، اغفر لي، افتح لي. لن أقوم من هنا، وابكِ، تنهّد، واجلس أمام الباب حتى يُفتح، حتى يُفتح لك.
لا فائدة إلا هكذا، ما دمت ترى نفسك أنك قد وصلت إلى الغاية، فاعلم أنك في الحضيض.
سوء الظن بالنفس وخطورة الأنا وقصة من يدّعي أن الله يحبه بمتاع الدنيا
[الأمر الثاني:] نور الحكمة الذي هو الفقه، وسوء الظن بالنفس. يا سلام يا سلام! رأينا أناسًا، واحد مرة قال لي: أنت تكلمني هكذا؟ إنني أنا يحبني الله!
قلت له: هذا شيء جميل أن تثق بالله. كيف يحبك الله؟ قالوا: فمن يحب إذن؟ نعم والله، إنه جعلني وجعلني وجعلني. وأخذ يسرد متاع الدنيا: أموالًا وجاهًا وسلطانًا وحسبًا ونسبًا ومتعًا وشهوات.
وكل هذا عند الله لا يساوي جناح بعوضة، وليس دليلًا على الحب. الدليل على الحب التوفيق، الزيادة في العبادة، الاستمرار فيها. هذا هو الدليل على الحب. أما غير ذلك فليس بتوفيق.
النعم المتكاثرة تستوجب الشكر وقصة من يكنز الزكاة في البنك ولا يجد فقيرًا
هذه نعم متكاثرة تستوجب منك الشكر بالليل والنهار، وهي عليك لا لك، تبعتها لستَ قادرًا عليها.
قال لي [أحدهم]: أنا منذ خمس سنوات فتحتُ حسابًا في البنك وأُخرِج الزكاة وأضعها فيه؛ لأنني لا أجد فقيرًا! قلت له: ياه! الدولة اغتنت إذن، الله! إننا في عصر عمر بن عبد العزيز الذي بحث فلم يجد فقيرًا في المسلمين!
قال: أي والله. قلت له: حسنًا، إن شاء الله سأكتب لك عشر عائلات وأكتب لك المبالغ التي يحتاجونها من ديون وعلاج وزواج، وأناس يريدون شراء سيارة أجرة ليعملوا عليها لأنهم لا يجدون لقمة العيش تأكلها، وأناس يريدون تفتح كشكًا يبيعون فيه الحلويات أو أي شيء.
قصة من يريد إعطاء الزكاة عشرة جنيهات فقط ومنهج السلف في إغناء الفقير
قال لي: حسنًا، وهو كذلك. وبعد ذلك قال لي: لا، أنا أريد أن أعطي الشخص عشرة جنيهات مقابل عشرة جنيهات، ولذلك لم أجد من يستحق العشرة جنيهات! وأنت تقول يعطيه خمسة آلاف وستة آلاف ليفتح بها محلًّا!
كان السلف إذا أعطى أغنى؛ لكي ينتقل [الفقير] من الفقر إلى الغنى ونكتفي ونأخذ منه الزكاة السنة القادمة. وصاحبنا يكدّس الأموال في البنك!
انتبه، هو رجل تقيّ لا يُخرج الزكاة بل يضعها في البنك فتزداد فيه، وغير راضٍ، وبالملايين ويريد آلاف الناس ليعطيهم ماذا؟ عشرة في عشرة! لا توجد حكمة ولا سوء ظن بالنفس، فيها الأنا كبيرة جدًّا.
تربية النفس على التخلص من الأنا عند بعض أهل الله ومرحلة من مراحل التربية
كان بعض أهل الله وهم يربّون أتباعهم وأنفسهم يُخلون كلامهم من أنا، لا يرضى أن يقول "أنا" في مرحلة كهذه، يدرّب نفسه. ومن ياء الملكية لا يقول: هات كتابي، أو خذ طعامي، أو تعال بيتي. لا يقول ذلك، بل يقول له: تعال إلى البيت، وخذ الكتاب، وهات الطعام.
لا يرضى أن يقول ماذا؟ لأنه لا يملك من الدنيا، إنما الملك والمالك هو الله، وأنا ذهبت [فانية]. أنا فقط، ولكن هذا ليس على الدوام يا إخواننا.
هذه مرحلة من مراحل التربية، يعني الذي يتمسك بهذه المسألة لا يتمسك بها دائمًا، يا شيخ محمد، أليس كذلك؟ هذه مجرد مرحلة من مراحل التربية فقط، وبعدها نتركها ونعود مرة أخرى إلى الكلام العادي.
الاقتداء بالنبي ﷺ في الكلام العادي وتمييز النعمة من الفتنة
فإن سيدنا رسول الله قال "أنا" وقال "تعال إلى بيتي"، وهو خير من نقتدي به. لكن هذا ما هو إلا لكي تقهر نفسك قليلًا التي هي تعاكسك.
وتمييز النعمة من الفتنة: عندما يمنحك الله أموالًا ويسلّطك على إنفاقها في الحق، اعلم أنها نعمة. وإن جعل قلبك يتعلق بها وتلتفت إلى غيره، اعلم أنها نقمة وفتنة.
انظر إلى النعمة التي منحها الله لك: نعمة السلطان، نعمة الجاه، نعمة الوظيفة، نعمة الزوجة، نعمة الولد، نعمة المال، نعمة أي شيء. أدّى بك إلى حب الله ورسوله، حب المساكين، حب المسلمين، بذل ما في يدك توكّلًا وثقةً بالله وما عنده، فإن الحب عطاء من غير نظر إلى مقابل.
الركن الثاني من المحاسبة تمييز ما للحق عليك مما لك أو منك
أو إنك قد التفتّ بها إلى غيره سبحانه وتعالى. فإذا كانت الأولى فهي نعمة، وإن كانت الثانية فهي نقمة وفتنة.
الأمر الثاني من المحاسبة: الأمر الأول أن نقيس بين النعمة والجناية، والأمر الثاني أن تميّز ما للحق عليك مما لك أو منك.
نريد أن نتحاسب الآن، وعندما تذهب لتحاسب البقّال أو التاجر أو أصحاب الأموال، ماذا تفعل؟ شيء يُسمّى دفتر الأستاذ: منه وله، مديونية ودائنية. نريد الآن أن نتحاسب: ما لك وما عليك. هذه هي القضية الثانية في المحاسبة.
حقيقة المحاسبة أن الإنسان مدين لله بالطاعات والفروض وليس له شيء
المحاسبة معناها أن نبيّن ما لك وما عليك. دع كل واحد يعرف حقه: ماذا لك إن شاء الله عند الله، وما عليك في قِبَل الله.
عليك الطاعة والفروض والواجبات، ومطلوب منك السنن والرواتب والنوافل. فما لك إذن؟ لا شيء! أنت مفلس، ليس لك شيء عند الله؛ لأن هذه الأعمال في مقابل بعض المنن التي عليك.
أنت عليك عليك عليك، وليس لك مسكين. عليك أن تعرف نفسك، وليقف كل واحد عند حده. لماذا تمشي رافعًا رأسك؟ أنت لا تملك شيئًا أصلًا! لماذا تأتي لتصرخ في الدكان وأنت يا مسكين مديون بآلاف آلاف الآلاف وليس لك عندنا شيء؟
الجناية حجة عليك والطاعة منّة من الله وليست بعملك
ها قد انكشفت القضية والحقيقة. فاعلم أن الجناية عليك حجة، والمصائب التي تصنعها حجة عليك، والطاعة عليك مِنّة.
تقول: الله، لقد صليت! فيقول لك: أأنت صليت أم أنا الذي جعلتك تصلي؟ أأنت زكّيت أم أنا وفّقتك للزكاة؟ أأنت ذكرت أم أنا الذي جعلتك تذكر؟
أقول له: حسنًا، ماذا أفعل؟ يقول: اشكر يا ولد! أنت مدين بالشكر، لم تشكر حتى الآن. فظهرت مدينًا في الجناية، وخرجتُ مدينًا في الطاعة. أنا ذاهبٌ وفاعلٌ ماذا؟ أظنّ أن طاعتي سأجد لها درجةً عنده!
لا يدخل أحد الجنة بعمله إنما بفضل الله ورحمته حتى النبي ﷺ
اتضح أنه:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، إنما بفضل الله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته»
صلى الله عليه وسلم، صلّوا على سيدنا رسول الله.
والحكم عليك حُجّةٌ، وما هو لك مَعْذِرَةً. لا تتغابَ وتقول له: حسنًا، أليس الله هو الذي كتب عليّ الطاعة؟ نعم. ألستَ أنتَ الذي كتبتَ عليّ المعصية؟
الجناية المكتوبة عليك حجة عليك وليست معذرة لك بل هي لإثبات افتقارك إلى الله
قال: ماذا يعني؟ هل هو ذكيٌّ جدًّا؟ وكثيرٌ جدًّا، خاصةً من رجال الأعمال، يفعلون هكذا. قال: جالسٌ يفكّر، ظانًّا أنها مؤسسةٌ يتعامل معها، يستورد منها.
يقول: حسنًا، أنت يا ربنا كتبت عليّ الجناية. قال له: يا حبيبي، الجناية التي كُتبت عليك حجة عليك، ليست معذرة لك. هي معمولة لكي تعتزل وتقول: لا ذنب لي فقد أُجريت المعصية عليّ؟ لا! هي معمولة لكي تطأطئ رأسك وتقول له: سامحني.
هي معمولة لذلك، لأجلِ أن تقول: اغفر لي. هذه مصنوعةٌ لتُثبتَ في النهاية افتقارك إليه. هي حجةٌ عليك.
الحكم عليك حجة وليس معذرة ولا يمكن تحويله إلى عذر عند الله
فإنها والحكمُ عليك حجةٌ وليست لك معذرة. والحكمُ عليك حجةٌ وليست لك معذرة. لا تستطيع أن تحوّله إلى معذرةٍ تعتذر بها عند الله.
الركن الثالث من المحاسبة كل طاعة رضيتها من نفسك فهي عليك
والثالث من أركان المحاسبة: أن تعرفَ أن كل طاعةٍ رضيتَها منكَ - رضيتَها من نفسِكَ يعني - ومسرورٌ جدًّا أنكَ قمتَ الليلَ أمس، فهي عليكَ؛ لأنها تحتاجُ إلى شكرٍ، والشكرُ يحتاجُ إلى شكرٍ، والشكرُ يحتاجُ إلى شكرٍ أبدًا.
وكلُّ معصيةٍ عيَّرتَ بها أخاكَ فهي إليكَ مردودةٌ؛ لأنكَ بتعييرِكَ قد برَّأتَ نفسَكَ، وتبرئتُكَ لنفسِكَ كِبرٌ. فربما يغفرُ اللهُ لهُ ويؤاخذُكَ بها.
يكون هو الذي ارتكب المعصية فأورثته ندمًا وتوبة صادقة، وأنت قد تكبّرت عليه فأُخذت بها، فهي مردودة إليك.
لا تضيع ميزان المحاسبة والانكسار يهيئك لباب الإنابة
فلا تضيع ميزان وقتك، أي لا تضيع ميزان المحاسبة. اعرف ما لك وما عليك، ولو ضيّعت صفحتك ستتوه ولن تعرف الحقيقة أبدًا.
وهذا الانكسار والذل الذي تفعله المحاسبة في نفس الإنسان هو الذي يهيّئك للدخول إلى الإنابة. الباب الذي بعده ماذا؟ باب الإنابة.
باب الإنابة ينبغي أن تدخله وأنت ذليل خاضع لمن؟ لله.
الرد على من يستنكر الذل لله والسجود وبيان أن الذل لله عزة
بعض النصارى الغربيين يقولون: ماذا؟ كيف يكون الإنسان ذليلًا ويسجد؟ يقول [المسلم]: أنت ترى ذليلًا؟ ذليل لله يا ابن آدم.
يقول: يعني كيف؟ يعني يكون ذليلًا لأنه لا يسجد، فلو سجد لعرف كيف يكون ذليلًا لله، وبذلك يكون عزيزًا على كل خلقه؛ لأنه أخرج الدنيا من قلبه فكانت في يده وليست همّه.
متوكل على الله، لا يخاف سوى الله، لا يعبد إلا إياه، لا يطلب إلا منه، لا يتوكل إلا عليه. عليه رضا وتسليم وسعادة، لو عرفها غيرنا لقاتلونا عليها كما يقاتلوننا على البترول؛ لأنهم في جحيم وهم يكتبون أنهم لا يقدرون أن يخرجوا من هذا الجحيم.
الله يحول بين المرء وقلبه وقصة فرعون مع سيدنا موسى عليه السلام
واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. فها هو فرعون كان ينظر إلى سيدنا موسى وعقله يقول له: اقتله فإن هلاكك على يديه، وقلبه لا يطاوعه.
قال: أحضروه لأقتله أو أرى له حلًّا. عندما رآه قال له: ما هذا؟ قال:
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: 18-19]
أهذا خطاب شخص يريد قتل شخص آخر؟ إنهم مع بعضهم، يكفي أن يشير بعينيه فقط ليقتلوه.
محبة الله التي ألقاها على موسى جعلت فرعون لطيفًا معه رغم عداوته
لكن أول شيء، الله يقول له:
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ [طه: 39]
فأنزل عليه خيمة المحبة، فكان فرعون كلما نظر إليه ازداد محبة له. أمر غريب! ينظر إليه فيحبه.
وبعد ذلك أراد واستمر معه بهذه الطريقة، فكان فرعون لطيفًا تمامًا في خطابه معه، لطيفًا تمامًا. ليس هو فرعون الذي نعرفه، فرعون الذي نعرفه هذا يقتل بالنظرة، وفرعون هذا لا.
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
الله يحول بين المرء وقلبه ولسانه ومن فتح الله عليه باب المحاسبة فلا يضيع الميزان
خلاصًا يا إخواننا، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ويحول بين المرء ولسانه. كذلك إذا كان قلبه الذي بين صدره يحول بينه وبينه ولا يعرف يتصرف من غيره.
من فتح الله عليه باب المحاسبة فلا يضيع الميزان من يديه.
فاللهم يا ربنا يا كريم، اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. تفضل يا شيخ ممدوح.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الباب الثالث من العشر الأول في كتاب منازل السائرين؟
باب المحاسبة
كم ركنًا للمحاسبة كما وردت في شرح منازل السائرين؟
ثلاثة أركان
ما الركن الأول من أركان المحاسبة؟
القياس بين النعمة والجناية
ما الركن الثالث من أركان المحاسبة؟
كل طاعة رضيتها من نفسك فهي عليك
ما الشرط الذي يجب توافره قبل سلوك طريق المحاسبة؟
العزيمة على عقد التوبة
ما الدليل الحقيقي على أن الله يحب العبد؟
التوفيق والزيادة في العبادة
ما معنى حديث «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله»؟
دخول الجنة بفضل الله ورحمته لا بالعمل وحده
لماذا تكون الجناية المكتوبة على الإنسان حجة عليه لا معذرة له؟
لأنها مصنوعة لإثبات افتقاره إلى الله وطلب المغفرة
ما الذي يهيّئ الإنسان للدخول إلى باب الإنابة؟
الانكسار والذل الذي تصنعه المحاسبة
ما علاج من لا يرى ذنبه ويظن نفسه سليمًا مائة بالمائة؟
اللجوء إلى الله بالبكاء والتضرع حتى يُفتح له
ما الذي يُثبت أن الله يحول بين المرء وقلبه في قصة فرعون مع موسى؟
أن فرعون لم يستطع قتل موسى رغم إرادته وخاطبه بلطف
ما منهج السلف في إعطاء الزكاة للفقير؟
إغناؤه كليًّا لينتقل من الفقر إلى الغنى
ما الذي يجعل الذل لله عزة حقيقية؟
أنه يُخرج الدنيا من القلب فيتوكل على الله ويعزّ على خلقه
ما أول الأشياء الثلاثة التي تساعد على فتح البصيرة في المحاسبة؟
نور الحكمة الذي هو الفقه
ما معنى أن الطاعة التي رضيتها من نفسك فهي عليك؟
أنها تستوجب شكرًا لا يتناهى فتزيد من ديونك لله
ما تعريف اليقظة في منازل السائرين؟
اليقظة هي معرفة حقيقة الدنيا وأنها فانية، وأن الله هو الحقيقة الوحيدة والواجب الوحيد، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
لماذا وصفت لا حول ولا قوة إلا بالله بأنها كنز من كنوز العرش؟
لأنها تنفي الحول والقوة نفيًا تامًّا عن كل أحد في الكون من بشر وملك ونبي ووليّ، وتُثبتها لله وحده الباقي الذي لا يفنى.
ما حقيقة التوبة كما وردت في شرح منازل السائرين؟
حقيقة التوبة هي الانخلاع بالكلية من دائرة الغفلة والذنوب والكبر إلى دائرة الله، وهي مقام مستمر لا ينتهي في كل درجات السالك.
كم مرة كان النبي ﷺ يستغفر في اليوم؟
كان النبي ﷺ يستغفر الله في اليوم مائة مرة، مما يدل على أن التوبة والاستغفار عبادة مستمرة لا تنتهي.
ما الفرق بين الذنب والمذنب في ميزان المحاسبة؟
يُكره الذنب ولا يُكره صاحبه، كما يُفرَّق بين الكفر والكافر وبين الطاعة والطائع، فرُبَّ طائع ليس له من طاعته شيء.
ما المقصود بتجهيز الحجة لله في المحاسبة؟
أن تفكر قبل كل عمل: ماذا سأقول لربي غدًا؟ وهو يتضمن ذكر الله والإيمان باليوم الآخر والحساب، ثم محاسبة النفس قبل الإقدام على العمل.
لماذا يحتاج المحاسِب لنفسه إلى الفقه؟
لأن الفقه هو الحكمة التي تبيّن الحلال والحرام، فمن لا يعرفهما لا يُدرك ما يفعله ولا يستطيع محاسبة نفسه على ما يرتكبه.
ما الدليل القرآني على وجوب محاسبة النفس؟
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18].
ما الأمران الثاني والثالث من الأشياء التي تفتح البصيرة في المحاسبة؟
الأمر الثاني هو سوء الظن بالنفس، والأمر الثالث هو تمييز النعمة من الفتنة بالنظر إلى أثر العطاء في القلب.
ما الفرق بين النعمة والفتنة في ما يمنحه الله من مال وجاه؟
النعمة ما أدّى إلى حب الله والتوكل عليه وبذل ما في اليد، والفتنة ما جعل القلب يتعلق بالمال والجاه ويلتفت إلى غير الله.
لماذا يكون الإنسان مفلسًا في ميزان المحاسبة مع الله؟
لأن عليه الطاعات والفروض والواجبات والنوافل في مقابل نعم الله التي لا تُحصى، فليس له شيء عند الله بل هو مدين بآلاف الآلاف.
ما معنى أن الطاعة منّة من الله لا بعمل العبد؟
أن الله هو الذي وفّق العبد للصلاة والزكاة والذكر، فإذا قال: صليت، يُقال له: أأنت صليت أم أنا الذي جعلتك تصلي؟ فالواجب الشكر لا الفخر.
ما الذي تُثبته الجناية المكتوبة على الإنسان؟
تُثبت افتقاره إلى الله وحاجته إلى مغفرته، وهي مصنوعة لكي يطأطئ رأسه ويقول: سامحني اغفر لي، لا ليعتذر بها.
ما أثر تعيير المذنب على المعيِّر في ميزان المحاسبة؟
كل معصية عيّر بها أخاه فهي إليه مردودة لأن تعييره برّأ نفسه وتبرئته كبر، فربما يغفر الله للمذنب ويؤاخذ المعيِّر بها.
ما الباب الذي يلي المحاسبة في منازل السائرين؟
باب الإنابة، وينبغي أن يُدخل وصاحبه ذليل خاضع لله، وهو ما يُهيّئ له الانكسار الذي تصنعه المحاسبة.
كيف يكون الذل لله عزة على خلقه؟
لأن من سجد لله وأخرج الدنيا من قلبه صارت في يده لا همّه، فهو متوكل على الله لا يخاف سوى الله ولا يطلب إلا منه، فيعزّ على كل خلقه.
ما الآية التي تدل على أن الله ألقى محبته على موسى عليه السلام؟
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39].
ما الوصية الختامية لمن فتح الله عليه باب المحاسبة؟
ألا يضيع الميزان من يديه، فيعرف ما له وما عليه، لأن من ضيّع صفحته تاه ولم يعرف الحقيقة أبدًا.
