ما هي مراتب التوبة ولطائف أسرارها وكيف تختلف توبة العوام عن توبة الخواص وخواص الخواص؟
التوبة ثلاث مراتب: توبة العوام من استكثار الطاعة، وتوبة الأوساط من استقلال المعصية، وتوبة الخواص من تضييع الأوقات. ولكل مرتبة لطائف أسرار تكشف مراد الله من الابتلاء بالذنب. ولا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق سبحانه وتعالى، حتى لا يتعلق القلب إلا بالله.
- •
هل يمكن أن تكون التوبة من الطاعة نفسها واجبة على المؤمن؟ نعم، فاستكثار الطاعة ورؤية النفس بها يوقع في ثلاث ورطات خطيرة.
- •
لطائف أسرار التوبة ثلاثة: معرفة مراد الله من الابتلاء، ونظر البصير الصادق في سيئاته وحسناته، ومشاهدة الحكمة الربانية في كل أحوال العبد.
- •
المعصية الماضية قبيحة في ذاتها، لكن التائب ينظر إلى ما وراءها من حكمة الابتلاء والدعوة إلى التوبة التي يفرح بها الله.
- •
مراتب السالكين ثلاث تُشبَّه بالدائرة: العوام عند نقطة البداية، والخواص في الأعالي، وخواص الخواص عادوا إلى نقطة النهاية التي هي عين البداية.
- •
استكثار الطاعة يؤدي إلى جحود نعمة الستر والإمهال، ورؤية الحق على الله، والاستغناء عنه الذي هو عين الجبروت المذموم.
- •
لا يتم مقام التوبة إلا بالتوبة مما دون الحق، ثم التوبة من رؤية التوبة ذاتها، وصولًا إلى التسليم والرضا المحض بالله.
- 0:00
افتتاح الدرس بالبسملة والصلاة والسلام على النبي ﷺ في الأولين والآخرين والعالمين.
- 0:30
اللطيفة الثانية من أسرار التوبة: معرفة مراد الله من الابتلاء بالذنب، فالندم على الذنب قد يكون خيرًا من طاعة تورث كبرًا.
- 2:19
البصير الصادق ينظر في سيئاته فلا تبقى له حسنة، وفي حسناته فلا تبقى له سيئة، لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس.
- 3:41
التائب يرضى بقضاء الله ويبدأ صفحة جديدة، مع التأكيد على أن المعصية قبيحة في ذاتها ويجب الابتعاد عنها مستقبلًا.
- 4:54
المعصية قبيحة مصيبة يجب الانخلاع منها، والكلام عن لطائف الأسرار يخص المعصية الماضية لا المستقبلة.
- 5:44
التائب ينظر من لطائف الأسرار إلى أن الابتلاء بالمعصية دعوة للتوبة التي يفرح بها الله، فيُقبل عليها بعد المصيبة.
- 6:51
البصير الصادق بصير لإدراكه الدقيق وصادق لالتزامه بشرع الله وعدم استحلاله المعصية أو المساواة بينها وبين الطاعة.
- 8:10
اللطيفة الثانية استعظام السيئة، والثالثة مشاهدة الحكم الربانية التي تجعل العبد يرى الكل من عند الله ويرضى عنه.
- 9:23
الواجب عند المعصية التوبة وعند الحسنة الشكر، والتفكر في الحكمة الربانية يحوّل النظر إلى المعصية من القبح إلى الدعوة للتوبة.
- 10:22
تأكيد قاطع على أن السيئة سيئة والحسنة حسنة، ولا يقول بتساويهما إلا أهل الضلال، والله غفار يقبل التوبة.
- 10:50
الدرجات الثلاث للتوبة تُشبَّه بثلاثة رجال أمام البحر: واقف على الشاطئ، وذاهب راجع، وذاهب لم يعد.
- 11:52
قول أبي يزيد البسطامي يُفسَّر بأن الأنبياء لكمالهم ذهبوا ورجعوا، وهو كان تائهًا في البحر، والعوام لم يخوضوه أصلًا.
- 12:59
مراتب السالكين تُشبَّه بالدائرة حيث نقطة النهاية هي عين نقطة البداية، والسير فيها صعود ثم نزول حتى الوصول.
- 13:50
الأشخاص الثلاثة على الدائرة يمثلون البداية والوسط والكمال، والخطر في مقارنة حال الأنبياء بحال المتوسطين مما يُوقع في الكبر.
- 15:00
الكبر داء لا دواء له، والنبي ﷺ أخبر أن من في قلبه مثقال حبة خردل من كبر لا يدخل الجنة، وحبة الخردل أخف البذور.
- 15:42
التفاخر بالعبادة واستحسان العمل ورؤية الحول والقوة في النفس من أخطر الأمراض القلبية التي تُفسد العبادة.
- 16:19
توبة العوام من استكثار الطاعة تبدأ باليقظة بمعرفة حقيقة الدنيا وزوالها، ثم التوبة من رؤية الطاعة على أنها كثيرة.
- 16:57
يجب صد النفس عن استكثار الطاعة لأن الجنة لا يدخلها أحد بعمله، كما أخبر النبي ﷺ عن نفسه أنه لا يدخلها إلا برحمة الله.
- 17:42
نعم الله لا تُحصى وهي أكثر من أعمال العبد، فمن نوقش الحساب عُذِّب، ودخول الجنة إنما هو بمحض فضل الله.
- 18:26
التوبة من استكثار الطاعة عملية صعبة قد تستمر سنوات لأنها تتطلب إخراج هذا الشعور من القلب حقيقةً لا مجرد قول.
- 19:02
الفرح بالطاعة من الغرور ورؤية النفس مذموم، ويختلف عن الانبساط الرباني الممدوح الذي يأتي من الله لا من رؤية الحول والقوة.
- 19:36
أولى ورطات استكثار الطاعة جحود نعمة الستر والإمهال، كمن يظن أن استجابة دعائه دليل على مكانته عند الله دون خوف.
- 20:29
عدم الشعور بمنة الستر والإمهال يجعل العبد سائرًا متخبطًا في طريق الله غير مبصر ولا صادق، معرضًا للسقوط.
- 21:00
البصير الصادق العارف بالله لا يأمن مكره ويُعظِّم منته ولا يرى له حقًا على الله، لأن الله متفضل من كل جانب.
- 21:51
الاستغناء عن الله عين الجبروت المذموم، وسجود القلب لله إذا حدث لا يقوم أبدًا، وكل الكائنات ساجدة لله.
- 22:33
سجود القلب عند ابن العربي هو هُوِيٌّ روحاني، والقلب المقصود لطيفة لا الجسم الصنوبري، واللطائف الخمس هي القلب والروح والسر والخفي والأخفى.
- 23:17
القلب لطيفة لتجليات الله ومحل للترقي، والاستغناء عن الله جبروت مذموم يُعرِّض صاحبه لأخذ الله كما في الحديث الشريف.
- 24:11
منازعة الله في الجبروت خطر عظيم يُشبَّه بالوقوف أمام قطار، والدعوة هي الاستيقاظ والرجوع إلى الله فورًا.
- 24:36
ملخص الورطات الثلاث لاستكثار الطاعة، وبيان أن توبة الأوساط تكون من استقلال المعصية ورؤيتها هينة.
- 25:36
استقلال المعصية مصيبة تحتاج إلى توبة، والتوبة الصحيحة تبدأ باستعظام المعصية ثم نسيانها لاستكمال الطريق.
- 26:27
الالتفات لرحمة الله قد يُفضي إلى استقلال المعصية، والمطلوب الموازنة بين الرجاء والخوف حتى لا يتجرأ العبد على المعصية.
- 27:14
استقلال المعصية يُفضي إلى الاستهانة بها والجرأة على شرع الله، وتوبة المتوسطين من هذا الاستقلال والتزيُّن بالحمية.
- 27:53
يجب التوبة من الفخر بالامتناع عن المعاصي ونسبته للنفس، والصواب نسبة ذلك لله والخوف من المعصية مستقبلًا.
- 28:58
الامتناع عن الذنب محمود لكن الفخر به ونسبته للنفس مذموم، والصواب نسبة ذلك لله في دقة بالغة من مسائل السلوك.
- 29:35
توبة الخواص من تضييع الأوقات، ولا سقوط للتكاليف في الشريعة كما يدل حال النبي ﷺ الذي قام حتى تورمت قدماه.
- 30:29
النبي ﷺ كلما ترقى ازداد عبادة، وكان قلبه دائم التعلق بالله حتى في نومه، وكان يسهو في الصلاة لانشغال قلبه بالله.
- 31:25
النبي ﷺ كان يُؤمِّن مؤونة أهله سنة ثم يُنفق الباقي على الفقراء حتى ينفد كله، دلالة على تعلق قلبه بالله لا بالدنيا.
- 32:26
توبة الخواص من تضييع الأوقات لأن الوقت كالسيف، وتضييعه يُفضي إلى النقيصة وإطفاء المراقبة وتكدير الصحبة.
- 32:59
يتم مقام التوبة بالتوبة مما دون الحق وتعلق القلب بالله وحده، وهو يسير على من يسَّره الله كما دلت الآية الكريمة.
- 33:49
أعمق درجات التوبة التوبة من رؤية التوبة ذاتها ثم من الجبر، وصولًا إلى التوكل الحق بالتسليم والرضا المحض لله.
- 34:48
الفتح الرباني يتفاوت بين الناس وهو فضل الله، والكل محكوم لهم بالنجاح، وأعلى العبادة من عبد ربه حبًّا فيه لا طمعًا.
بم يُستفتح درس شرح منازل السائرين؟
يُستفتح الدرس بالبسملة والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه. وتُكرَّر الصلاة على النبي ﷺ في الأولين والآخرين والعالمين تسليمًا كثيرًا.
ما اللطيفة الثانية من لطائف أسرار التوبة وما علاقتها بمراد الله من الابتلاء بالذنب؟
اللطيفة الثانية أن يعرف المؤمن مراد الله من ابتلائه بالذنب، فرب ذنب يورث ندمًا يكون خيرًا من طاعة تورث كبرًا. فيكون العبد مخبتًا لله خاضعًا راضيًا بقضائه مشتاقًا للتوبة والانخلاع من الذنب. ويعرف مراد الله أيضًا في ستره عليه وحنانه ومنّه، وفي إقامة الحجة عليه إن أراد عقابه.
ما معنى نظر البصير الصادق في سيئاته وحسناته؟
البصير الصادق إذا نظر في سيئاته لم تبقَ له حسنة بحال، وإذا نظر في حسناته لم تبقَ له سيئة بحال. وذلك لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل. وقد نُبِّه إلى أن كلمة "البصير الصادق" هي الصواب لا "النصير الصادق" كما وقع في بعض النسخ.
كيف يبدأ التائب صفحة جديدة مع الله وما الفرق بين النظر إلى المعصية الماضية والمستقبلة؟
التائب يرضى بقضاء الله فيه ليبدأ صفحة جديدة مع الله. والمعصية في ذاتها لا يمكن أن تكون خيرًا، وهي منهي عنها ويجب المباعدة عنها بُعد ما بين المشرق والمغرب فيما يستقبل. أما المعصية الماضية فيُنظر إليها من زاوية لطائف الأسرار لا من زاوية قذارتها فحسب.
لماذا يجب الانخلاع من المعصية وما الفرق بين التعامل مع المعصية الماضية والمستقبلة؟
المعصية قبيحة من كل جهة وهي مصيبة وبلوى ينبغي الانخلاع منها وتركها. والحديث عن لطائف الأسرار يتعلق بالمعصية التي وقعت في الماضي لا بالمعصية التي ستقع في المستقبل. فالمعصية المستقبلة يجب اجتنابها، أما الماضية فيُنظر فيها إلى حكمة الابتلاء والدعوة إلى التوبة.
كيف ينظر التائب إلى المعصية الماضية من خلال لطائف الأسرار وما علاقة ذلك بفرح الله بالتوبة؟
التائب ينظر إلى المعصية الماضية لا عند قذارتها وقبحها فحسب، بل يرى من لطائف الأسرار أن الله كتبها عليه ليتوب. فيرضى عن ربه حتى في تلك اللحظة ويُقبل على التوبة التي يفرح بها الله. وهكذا تتحول المصيبة إلى باب للحسنة وهي التوبة.
لماذا سُمِّي البصير الصادق بهذا الاسم وما علاقته بالتوبة؟
سُمِّي بصيرًا لأنه يفكر ويرجع كل شيء إلى الله ويدرك أمورًا دقيقة تُشكل على كثير من الناس. وسُمِّي صادقًا لأنه لم يستحل المعصية ولم يستمرئها ولم يدَّعِ أنه مجبور عليها أو أنها تستوي مع الطاعة. فهو ملتزم بمراد الله وشرعه صادق مع ربه ومع نفسه.
ما اللطيفة الثانية والثالثة من لطائف أسرار التوبة وما أثرهما على العبد؟
اللطيفة الثانية أن البصير الصادق إذا نظر إلى سيئاته يستعظمها حتى يتهم نفسه ولا يرى لها حسنة، وإذا نظر إلى حسناته لم تبقَ له سيئة. واللطيفة الثالثة أن مشاهدة الحكم الربانية لا تدع العبد يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، إذ يعلم أن الكل من عند الله وأن الطاعة بالتوفيق والمعصية بالابتلاء، فيجب عليه الرضا عن ربه في كل حال.
ما الواجب على العبد عند الابتلاء بالمعصية وعند فعل الحسنة وكيف تتحول السيئة إلى أمر حسن؟
أمر الله العبد عند الابتلاء بالمعصية أن يتوب، وعند فعل الحسنة أن يشكر، والشكر نفسه توفيق يحتاج إلى شكر متكرر. وبالتفكر في الحكمة الربانية يرى العبد أن الله كتب المعصية عليه ليقيم الحجة ويدعوه للتوبة، فتتحول بعد التأمل إلى أمر حسن وهي في ذاتها سيئة.
هل يمكن أن تكون السيئة كالحسنة في الحكم الشرعي؟
لا يقول بالتسوية بين السيئة والحسنة إلا أهل الفسق والضلال. السيئة سيئة يعاقب عليها الله، والحسنة حسنة يثيب عليها الله. غير أن الله غفار يقبل التوبة ويعفو عن السيئات.
ما الدرجات الثلاث للتوبة وما المثل الذي ضُرب لها؟
الناس في التوبة ثلاث درجات: عوام وخواص وخواص الخواص. ضُرب لهم مثل برجل وقف على شاطئ البحر ولم يخضه، ورجل خاض البحر ووصل الضفة الأخرى ورجع، ورجل ذهب في البحر ولم يرجع. فمن وقف على الشاطئ هو العامي، ومن ذهب ورجع هو الخاص، ومن ذهب ولم يرجع هو المجذوب.
ما معنى قول أبي يزيد البسطامي خضنا بحرًا وقف على شاطئه الأنبياء؟
قال أبو يزيد البسطامي وكان مجذوبًا: خضنا بحرًا وقف على شاطئه الأنبياء. والمعنى الحقيقي أن الأنبياء لكمال حالهم مع الله ذهبوا ورجعوا، أي وصلوا إلى الغاية وعادوا. أما أبو يزيد فكان تائهًا في البحار لم يصل إلى الكمال الذي وصل إليه الأنبياء. والعوام هم الذين لم يذهبوا ولم يعودوا أصلًا.
كيف يُشبَّه سير السالكين بالدائرة وما علاقة نقطة البداية بنقطة النهاية؟
شُبِّه سير السالكين بالدائرة التي لا تُعرف بدايتها من نهايتها. فمن بدأ من نقطة أسفل الدائرة وسار علا تدريجيًا حتى وصل إلى نقطة النهاية. وإذا استمر في السير نزل حتى وصل إلى نقطة النهاية التي هي عين نقطة البداية، فالبداية والنهاية في الدائرة نقطة واحدة.
ما حال الأشخاص الثلاثة على الدائرة وكيف يدخل الكبر من مقارنة المراتب؟
الأشخاص الثلاثة على الدائرة: شخص عند نقطة البداية لم يسِر بعد، وشخص في الأعالي في منتصف الطريق، وشخص عند نقطة النهاية على الكمال كحال الأنبياء. وكثير من الناس يقارنون بين حال الأنبياء الكامل وحال من هو في الوسط الناقص، فيظنون أنفسهم كالأنبياء وهم لم يسيروا شيئًا، فيدخل الكبر في قلوبهم.
ما خطورة الكبر في القلب وما الحديث الوارد في ذلك؟
دخول الكبر في القلب داء لا دواء له. وقال رسول الله ﷺ: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر. وحبة الخردل هي أخف البذور إذ يلزم ستة آلاف منها لتكوين جرام واحد، فمن كان في قلبه هذا القدر الضئيل من الكبر دخل النار.
ما خطر التفاخر بالعبادة واستحسان العمل ورؤية الحول والقوة في النفس؟
كثير من الناس يتفاخر بعبادته ويظن أنه سبق غيره بها، فينظر إلى عمله ويستحسنه ويرى نفسه ذات حول وقوة. وهذا خطأ لأن العبد لا حول له ولا قوة، وكل ما يفعله إنما هو بتوفيق الله لا بقدرته هو.
ما توبة العوام وكيف تبدأ اليقظة بمعرفة حقيقة الدنيا؟
توبة العوام هي التوبة من استكثار الطاعة. وتبدأ اليقظة بمعرفة حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال وأن الموت حق، فيُدرك العبد الأمر قبل الفوت. ثم يُقال له: تُب من استكثارك لطاعتك، أي لا تنظر إلى طاعتك على أنها كثيرة عظيمة.
لماذا يجب صد النفس عن استكثار الطاعة وما الدليل على أن الجنة لا تُدخل بالعمل؟
يجب صد النفس عن استكثار الطاعة واستقلالها في جنب الله. والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قال حين سُئل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته. فإذا كان هذا شأن سيد الكائنات فكيف بغيره، ودخول الجنة إنما هو بمحض فضل الله لا بالعمل.
كيف تُثبت مقارنة نعم الله بالأعمال أن دخول الجنة بمحض الفضل لا بالعمل؟
نعم الله على العبد لا تُحصى كما قال تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. فلو قارن العبد ما منحه الله من نعم بما قدَّمه من أعمال لوجد النعم أكثر بكثير. ومن نوقش الحساب عُذِّب، فلا يبقى للعبد إلا أن يدخل الجنة بمحض فضل الله لا باستكثار طاعته.
لماذا تُعدّ التوبة من استكثار الطاعة عملية صعبة وقد تستمر سنوات؟
توبة العوام من استكثار الطاعة عملية صعبة جدًا وقد تستمر سنوات. لأن الناس يظنون أنها مجرد كلمة يقولونها، لكن الحقيقة أن المطلوب إخراج هذا الشعور من القلب فعلًا لا قولًا. والقضية ليست مجرد إقرار لفظي بل تحول حقيقي في طريقة نظر القلب إلى أعماله.
ما الفرق بين الفرح بالطاعة من الانبساط الرباني والفرح من الغرور؟
هناك أناس غارقون في استكثار طاعتهم والفخر بها ويقولون إنهم لم يفعلوا حرامًا في حياتهم. هذا الفرح ليس من قبيل الانبساط الرباني الممدوح، بل هو فرح من الغرور برؤية الحول والقوة في النفس. والانبساط الرباني هو الفرح الذي يأتي من الله لا من رؤية النفس.
ما أولى الورطات التي يوقع فيها استكثار الطاعة وكيف تتجلى في سلوك العبد؟
أولى الورطات هي جحود نعمة الستر والإمهال. ومثالها من يقول إن الله يستجيب له دائمًا وأنه عند الله شيء كبير، فيظن أن استجابة الدعاء دليل على مكانته عند الله. وهذا شخص غير خائف من الله، وورطته كبيرة لأنه لا يشعر بمنة الله عليه في الستر والإمهال.
ما أثر عدم الشعور بمنة الستر والإمهال على سير العبد في طريق الله؟
من لا يشعر بمنة الستر في مصائبه ولا بمنة الإمهال يكون سائرًا متخبطًا في طريق الله. وهذا التخبط يجعله غير مبصر لشيء وغير صادق مع نفسه، ومن الممكن أن يقع في حفرة لا يقوم منها.
ما صفات البصير الصادق العارف بالله وكيف يتجنب جحود النعمة ورؤية الحق على الله؟
البصير الصادق هو العارف بالله الذي لا يأمن مكره ويُعظِّم منته ولا يجحد نعمته. ويتجنب رؤية الحق على الله كمن يقول لماذا لا تستجيب لي يا الله، لأن الله متفضل من كل جانب وليس عليه حق لأحد. فالعارف بالله يجمع بين الخوف وتعظيم المنة.
ما معنى الاستغناء عن الله وما علاقته بالجبروت وسجود القلب؟
الاستغناء عن الله يعني أن القلب لا يسجد لله ولا يشعر بالفقر إليه. وأهل الله يقولون إن القلب إذا سجد لربه لا يقوم أبدًا. والاستغناء عن الله هو عين الجبروت المذموم لأن الجبروت لله وحده، ومن نازع الله فيه أخذه الله.
ما معنى سجود القلب عند محيي الدين بن العربي وما اللطائف الخمس للإنسان؟
محيي الدين بن العربي كتب في سجود القلب وقال إنه يكون من هُوِيٍّ كأن تكون واقفًا ثم تهوي. والقلب المقصود هنا ليس القلب الجسماني الصنوبري بل هو لطيفة من لطائف الإنسان. واللطائف الخمس للإنسان هي: القلب والروح والسر والخفي والأخفى.
ما وظيفة القلب كلطيفة ربانية وما خطر الاستغناء عن الله؟
القلب لطيفة من لطائف مظهر تجليات الإله على الإنسان ومحل للترقي مع الله. والاستغناء عن الله هو عين الجبروت الذي ليس للعبد، لأن الجبروت لله وحده. وقال رسول الله ﷺ: الكبرياء ردائي والعزة إزاري فمن نازعني ردائي أخذته ولا أبالي.
ما خطورة منازعة الله في الجبروت وما الدعوة الموجهة لمن وقع في ذلك؟
منازعة الله في الجبروت خطر عظيم يُشبَّه بمن يضع روحه أمام قطار. والدعوة لمن وقع في ذلك هي الفهم والانتباه والاستيقاظ والرجوع إلى الله قبل فوات الأوان. وهذا التحذير كأنه صرخة تمنع العبد من النار.
ما الورطات الثلاث لاستكثار الطاعة وما توبة الأوساط؟
استكثار الطاعة يدعو إلى ثلاث ورطات: جحود نعمة الستر والإمهال، ورؤية الحق على الله، والاستغناء الذي هو عين الجبروت. أما توبة الأوساط وهم الخاصة الذين ذهبوا ولم يرجعوا فهي من استقلال المعصية، أي رؤيتها صغيرة هينة بحجة أن الله هو الذي كتبها.
لماذا يُعدّ استقلال المعصية خطرًا يحتاج إلى توبة وما الواجب في بداية التوبة؟
استقلال المعصية خطر لأنه يجعل العبد يراها بسيطة خفيفة بحجة أن الله كتبها عليه. والتوبة الصحيحة تبدأ باستعظام المعصية ثم نسيانها بعد ذلك لاستكمال الطريق. فلا ينبغي أن يُذكَّر الناس بنسيان المعصية دون أن يُذكَّروا أولًا بوجوب استعظامها.
كيف يوقع الالتفات لرحمة الله في استقلال المعصية وما الموازنة المطلوبة؟
الخاصة ملتفتون لرحمة الله والرجاء في وجهه والإيمان بقدره، فيستقلون المعصية ويقولون ما ربنا الذي كتب عليَّ. والموازنة المطلوبة هي الاجتهاد وعدم إرخاء القلب إلى هذا الحد، فالطمع في كرم الله وعفوه لا يعني التجرؤ على المعصية باستقلالها.
كيف يؤدي استقلال المعصية إلى الجرأة على شرع الله وما توبة المتوسطين؟
استقلال المعصية يجعل العبد يشتهيها ويستهين بها، وهذا عدوان على شرع الله وعين الجرأة والمبارزة له. وتوبة المتوسطين تكون من استقلال المعصية ومن التزيُّن بالحمية والاسترسال للقطيعة.
لماذا يجب التوبة من التزيُّن بالامتناع عن المعاصي والفخر بذلك؟
التزيُّن بالامتناع عن المعاصي والفخر به مذموم لأن العبد يرى نفسه صاحب حول وقوة. والصواب أن يقول العبد هذا من عند الله هو الذي جعلني لا أعصي، فيخاف أن يعصي غدًا ولا ينسب الفضل لنفسه. فالامتناع عن المعصية جيد لكن الفخر به والاستحسان هو المذموم.
ما الفرق بين الامتناع عن الذنب والفخر به وأيهما محمود؟
الامتناع عن الذنب في ذاته جيد ومحمود. لكن الفخر بهذا الامتناع واستحسانه ونسبته للنفس هو المذموم. والصواب أن يقول العبد هذا من عند الله لا من عندي، وهذه دقة بالغة في المسائل الروحية تكشف عمق البحث في منازل السائرين.
ما توبة الخواص وهل تسقط التكاليف عن أعلى المراتب؟
توبة الخواص تكون من تضييع الأوقات. ولا يوجد في الشريعة ما يُسمى سقوط التكاليف، فالنبي ﷺ قام حتى تورمت قدماه وقال حين سُئل: أفلا أكون عبدًا شكورًا. ولو سقطت التكاليف لسقطت أولًا عن المثال الأعلى صلى الله عليه وسلم.
كيف كان ترقي النبي ﷺ في العبادة وما معنى قوله تنام عيناي ولا ينام قلبي؟
النبي ﷺ كلما ترقى مع ربه ازداد عبادة حتى تعلق قلبه به في سهوه وإدراكه ونومه ويقظته. وقال ﷺ: إنما تنام عيناي ولا ينام قلبي، أي أن قلبه كان دائم التعلق بالله. وكان يسهو في الصلاة لانشغال قلبه بالله عن حركاتها.
كيف كان النبي ﷺ يوازن بين الإنفاق على أهله والتصدق وما دلالة ذلك على تعلقه بالله؟
كان النبي ﷺ يدَّخر لأهله مؤونة سنة من القمح والزيت وغيرها، ثم يُعطي الفقراء حتى ينفد المخزون كله قبل نهاية العام. وكان أهله يظلون طوال العام على باب الكريم لأن قلبه كان متعلقًا بالله لا بالدنيا. ولم يوقف صلاة ولا صيامًا ولا قيام ليل ولا زكاة.
لماذا تكون توبة الخواص من تضييع الأوقات وما أضرار تضييع الوقت؟
توبة الخواص من تضييع الأوقات لأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وتضييع الوقت يدعو إلى ثلاثة أضرار: إدراك النقيصة، وإطفاء نور المراقبة، وتكدير عين الصحبة. فالخاصة يُحاسَبون على كل لحظة لا تُصرف في الترقي مع الله.
بم يتم مقام التوبة وما الآية الدالة على صعوبة ذلك؟
لا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق، أي أن لا يتعلق القلب إلا بالله طلبًا ورجاءً وعفوًا. وهذا يسير على من يسَّره الله وعسير على من لم ييسِّره. وقال تعالى: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم.
ما المراحل الأعمق للتوبة بعد التوبة من الخلق وكيف تنتهي إلى التسليم المحض؟
بعد التوبة من الخلق والتوجه إلى الحق بالكلية، يتوب العبد من رؤية توبته ذاتها لأنه قد يرى أنه هو الذي صنعها. ثم يتوب من نسبة التوبة لله وحده لئلا يقع في الجبر. فيصل إلى التوكل الحق بالتسليم والرضا المحض، وهذا معنى التوبة وهي أول الدرجات بعد اليقظة.
هل يتساوى الناس في الفتح الرباني وما أعلى مراتب العبادة؟
لا يتساوى الناس في الفتح الرباني فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فواحد يُفتح عليه في ثلاثة أيام وآخر في ثلاثين سنة. والرضا والتسليم مطلوبان من الجميع والكل من المسلمين محكوم لهم بالنجاح يوم القيامة. وأعلى مراتب العبادة من عبد ربه حبًّا فيه لا طمعًا في دنيا أو آخرة.
مراتب التوبة ثلاث تبدأ بتوبة العوام من استكثار الطاعة وتنتهي بالتسليم المحض لله.
مراتب التوبة في منازل السائرين ثلاث: توبة العوام من استكثار الطاعة التي تُوقع في جحود نعمة الستر والإمهال ورؤية الحق على الله والاستغناء عنه، وتوبة الأوساط من استقلال المعصية التي تُفضي إلى الاستهانة بها والجرأة على شرع الله، وتوبة الخواص من تضييع الأوقات التي تُطفئ نور المراقبة وتُكدِّر عين الصحبة.
لطائف أسرار التوبة تكشف أن البصير الصادق ينظر في سيئاته فلا تبقى له حسنة بحال، وفي حسناته فلا تبقى له سيئة، لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس. ولا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق، ثم التوبة من رؤية التوبة ذاتها، وصولًا إلى التوكل الحق بالتسليم والرضا المحض.
أبرز ما تستفيد منه
- توبة العوام من استكثار الطاعة لا من المعاصي فحسب.
- البصير الصادق لا يستحل المعصية ويرد كل شيء إلى الله.
- استقلال المعصية خطر يُفضي إلى الجرأة على شرع الله.
- لا يتم مقام التوبة إلا بالتوبة مما دون الحق والتسليم المحض.
- لا سقوط للتكاليف حتى عن أعلى المراتب كما دل حال النبي ﷺ.
افتتاح الدرس بالبسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم صلِّ على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ على سيدنا محمد في الآخِرِين، وصلِّ على سيدنا محمد في العالمين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللطيفة الثانية من أسرار التوبة ومعرفة مراد الله من الابتلاء بالذنب
قال رضي الله تعالى عنه وهو يشرح لطائف أسرار التوبة وأنها ثلاثة أشياء: أولها النظر إلى الجناية والقضية فيعرف مراد الله، وفصَّل كيف ذلك.
قال: واللطيفة الثانية بعد ما يعرف المؤمن الذي يريد التوبة مراد الله من أنه قد ابتُلي بهذا [الذنب]، فرُبَّ ذنبٍ يورث ندمًا يكون خيرًا من طاعةٍ تورث كِبرًا، فيكون مُخبتًا لله خاضعًا له سبحانه وتعالى، راضيًا بقضائه، مشتاقًا للتوبة وللسعي إلى الانخلاع منها والسلوك في طريق الله إليه سبحانه وتعالى.
ويعرف مراد الله عندما يستر عليه، يعرف حنانه ومنَّه سبحانه وتعالى. ويعرف مراد الله من أنه قد أقام الحجة عليه إذا ما أراد عقابه؛ فإن الله سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة.
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
تصحيح خطأ في الكتاب وبيان معنى نظر البصير الصادق في سيئاته وحسناته
قال: اللطيفة الثانية أن يعلم — هنا مكتوب "أن طلب النصير الصادق"، ولكن الصحيح "أن نظر البصير الصادق"، يعني هنا في خطأ في الكتاب — أن يعلم أن نظر البصير الصادق وليس "النصير"؛ "نصير" هنا ليس لها مكان، إنما حُرِّفت عليهم.
البصير الصادق عندما ينظر: إذا نظر البصير الصادق في سيئاته لم تبقَ له حسنة بحال، يعني ولو نظر في حسناته لم تبقَ له سيئة بحال؛ لأنه يسير بين مشاهدة المنَّة وتطلُّب عيب النفس والعمل.
التائب يرضى بقضاء الله ويبدأ صفحة جديدة بعد المعصية
يعني أن التائب إلى الله من لطائف أسراره، وأن العمل إنما هو من عند الله، ويرضى بقضاء الله فيه حتى يبدأ صفحة جديدة مع الله. فإنه قد يرى في المعصية أنها — وما دامت قد قُدِّرت عليه — إنها خير.
وهنا مسألة دقيقة: المعصية في ذاتها لا يمكن أن تكون خيرًا؛ فالمعصية نهى عنها ربنا، والمعصية لا بد عليك أن تباعد بينك وبينها بُعد ما بين المشرق والمغرب. هذا فيما سيكون من الأيام غدًا.
المعصية قبيحة في ذاتها ويجب الانخلاع منها وتركها
اليوم لم أفعل المعصية بعد، المعصية هذه من القاذورات، المعصية هذه مصيبة وبلوى، المعصية هذه ليس فيها حسنة من أي جهة كانت. المعصية ينبغي علينا أن ننخلع منها وأن نتركها، هذا ما كان في شأن المعصية وهي قبيحة.
لكن وقعنا فيها، خلاص. نحن نتحدث عن المعصية التي حدثت بالأمس، ليس المعصية التي ستحدث غدًا. المعصية التي في الماضي، ليست المعصية التي في المستقبل.
النظر إلى لطائف الأسرار في المعصية الماضية والتوبة منها
إذا نظرنا إلى هذه المعصية التي هي للماضي، وعندما كتبها الله عليَّ كتبها من أجل أن أتوب، فإذن لا أقف عند قذارتها وقبحها — وهي قذرة وقبيحة — إنما أنظر شيئًا وراء ذلك. انظر من لطائف الأسرار أن التائب يرضى عن ربه حتى في هذه الدقيقة: ابتلاني لأتوب، فيجب عليَّ التوبة.
والتوبة يفرح بها ربنا سبحانه وتعالى، هذه حسنة سأفعلها الآن بعد تلك المصيبة التي وقعت فيها والتي ابتُليت بها. أشرع فيما يفرح الرب سبحانه وتعالى وهو التوبة؛ فإن الله يفرح بتوبة التائب إليه.
لماذا سُمِّي البصير الصادق بهذا الاسم وعلاقته بالتوبة
إذن، البصير الصادق لماذا هو بصير؟ لأنه يفكر ويرجع كل شيء إلى ربنا. ولماذا هو صادق؟ هو صادق لأنه لم يستحلَّ المعصية ولم يستمرئها، ولم يقل عن نفسه أنه قد جُبِرَ عليها ولا شيء فيها، أو أنها تستوي في الحسن والقبح مع الطاعة، وأنه لا بأس من المعصية كما أنه لا بأس من الطاعة والله فعَّال لما يريد.
لم يقل هذا وإلا ما كان صادقًا مع ربه ولا كان صادقًا مع نفسه. البصير الصادق: البصير لأنه قد أدرك وفهم شيئًا دقيقًا يُشكل مثله على كثير من الناس، وصادق لأنه التزم بمراد الله وشرعه سبحانه وتعالى.
شرح اللطيفة الثانية في نظر البصير الصادق إلى سيئاته وحسناته
واللطيفة الثانية أن نظر البصير الصادق إذا نظر إلى سيئاته لم تبقَ له حسنة بحال، وإذا نظر إلى حسناته لم تبقَ له سيئة بحال. إذا نظر إلى سيئاته لم تبقَ له حسنة؛ لأنه يستعظم السيئة جدًّا حتى يتهم نفسه ويقول أنه لم يفعل حسنة قط.
واللطيفة الثالثة أن مشاهدة العبد الحكمة لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة. عندما ينظر إلى الحِكَم الربانية، فإنه يعلم أن الكل من عند الله، وأن الطاعة بالتوفيق، وأن المعصية بالابتلاء، وأنه على كلٍّ يجب عليه الرضا عن ربه.
الأمر بالتوبة عند المعصية والشكر عند الحسنة والترقي الدائم
وأنه قد أمره الله عندما يُبتلى بالمعصية أن يتوب، وعندما يفعل الحسنة أن يشكر، وعندما يشكر فإنما هذا توفيق آخر من ربنا يحتاج إلى شكر متكرر ودائم لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحِكَم دائمًا.
وهو يتأمل ويقول: إن المعصية قبيحة، ولكن الله سبحانه وتعالى كتبها عليَّ، فلا بد من حكمة في كتابة هذه المعصية عليَّ، وهي أنه أراد أن يقيم الحجة عليَّ، وأراد أيضًا أن أتوب فيفرح بي. فتتحول بذلك بعد التفكر والتأمل في الحكمة إلى أمر حسن، وهي سيئة.
التأكيد على أن السيئة سيئة والحسنة حسنة ولا يقول بخلاف ذلك إلا أهل الضلال
لا أن السيئة حسنة؛ فلا يقول بهذا إلا أهل الفسق والضلال أن السيئة كالحسنة والحسنة كالسيئة. أبدًا، السيئة سيئة والحسنة حسنة، السيئة يعاقب عليها ربنا والحسنة يثيب عليها ربنا، ولكنه غفَّار.
مثال الدرجات الثلاث للتوبة بالرجل والبحر والشاطئ
قال: فتوبة العامة — الناس ثلاث درجات: عوام وخواص وخواص الخواص. ضربوا لهم مثلًا برجل جاء البحر فوقف على شاطئه، ورجل آخر خاض في البحر حتى وصل الشاطئ الآخر المقابل — الضفة الثانية —، ورجل ثالث ذهب ورجع.
فإذا أتيت أنت الشاطئ وجدت رجلين يقفان على الشاطئ، والبَون بينهما عظيم: فأحدهما لم يركب البحر، والآخر ذهب ورجع. وهناك ثالث لا تراه — والحمد لله — لأنه ذهب وما رجع.
قول أبي يزيد البسطامي عن خوض البحر ومعناه الحقيقي
ولذلك قال أبو يزيد [البسطامي] وكان فيه جذبة: "خضنا بحرًا وقف على شاطئه الأنبياء." فظنوا أنه يسبُّ الأنبياء أو يتعالى عليهم، وهو كان رجلًا مجذوبًا دائمًا يقول أشياء هكذا ظاهرها غير سليم وحقيقتها لطيفة ليس فيها شيء.
"خضنا بحرًا" — كأنه كان يُغيظ الناس أو شيء من هذا القبيل، هكذا حاله مع الله — "خضنا بحرًا ووقف الأنبياء على شاطئه." قالوا: أي بعد ما ذهبوا ورجعوا. يعني هو ذهب وتاه، راح في البحار يتمتع بها ويذهب ليتفرج هنا وهناك، لكن الأنبياء لكمال حالهم مع الله ذهبوا ورجعوا. وهناك من لم يذهب ولم يَعُد وهم العوام.
تشبيه مراتب السالكين بالدائرة وبيان نقطة البداية والنهاية
وشبَّهوا الأمر بالدائرة: الدائرة لا تعرف بدايتها من نهايتها. فلو بدأنا من نقطة وجعلناها — وهي أمامنا هكذا على الصفحة — أسفل، فإن هذه نقطة البداية، وكلما سرت كلما علوت إلى أن تصل إلى نقطة النهاية.
فلو استمررت تنزل — سبحان الله — تنزل وأنت مستمر في السير، بالرغم من أنك تنزل وليس تصعد، إلى أن تصل إلى نقطة النهاية. فإذا نزلت إلى نقطة النهاية كانت هي عينها نقطة البداية.
الأشخاص الثلاثة على الدائرة وحال الأنبياء والمتوسطين والمبتدئين
مثل الاثنين الواقفين على الشاطئ: هذا على نقطة البداية لم يبدأ، وهذا على نقطة النهاية قد انتهى. فأصبح عندنا ثلاثة أشخاص: شخص لم يبدأ، وشخص فوق في الأعالي فوق الدائرة، وشخص في النهاية.
حال الأنبياء على الكمال، وحال الوسط على النقصان، وحال البداية على البداية: لا في نقصان ولا كمال ولم يفعل شيئًا، فهو لم يسِر بعد.
ولذلك فإن كثيرًا من الناس يقارنون بين حال الأنبياء — وهو حال كمال — وبين حال هذا الذي في الوسط، ويقولون: لم يكن الأنبياء هكذا. ويظنون أنفسهم — وهم لم يسيروا في الطريق شيئًا لله — أنهم كالأنبياء، فيدخل الكِبر في قلوبهم والعياذ بالله.
خطورة الكبر في القلب وحديث حبة الخردل من الكبر
ودخول الكِبر في القلب داء لا دواء له.
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»
حبة الخردل هي أخف البذور؛ ستة آلاف منها تُكوِّن جرامًا واحدًا فقط، أي أنها خفيفة جدًّا كالهباء. من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الكِبر — يعني ليس لها وزن — مَن كَبُرَ دخل النار.
التحذير من التفاخر بالعبادة واستحسان العمل ورؤية الحول والقوة
إذن، فكثير من الناس يتفاخر بعبادته على الناس، ويظن أنه عندما يفعل رسومًا قد فعلها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم — وهي قطعًا من الخير — أنه قد سبق بها. فينظر إلى عمله ويستحسنه، ويرى نفسه وأن لها حولًا وقوة، وهو لا حول ولا قوة به ولا له.
توبة العوام من استكثار الطاعة وكيفية اليقظة بمعرفة حقيقة الدنيا
قال: توبة العامة لاستكثار الطاعة. العوام يأتون ونقول لهم: تُبْ إلى الله، ابدأ باليقظة.
قال: كيف يتيقظ؟ قلت له: اعرف حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال. يا للعجب! يعني سأموت؟ ستموت، فالناس تموت كل يوم، فأدرك الأمر قبل الفوت وقبل الموت. ابتدأ يتيقظ.
قال له: أعمل ماذا؟ قلت له: تُبْ. قال لي: أتوب من ماذا؟ قلت له: تُبْ من استكثارك لطاعتك.
حوار حول استكثار الطاعة وضرورة صد النفس عن الإعجاب بالعمل
أنت بينك وبين نفسك هكذا تقول: إنني شاب ممتاز، أقضي النهار كله في الصلاة والصيام والتسبيح، وأفعل هذا وذاك، وأترك المعاصي. أنت تُعدِّد لنفسك وأنت مسرور.
قال: يعني يجب أن أصدَّ نفسي؟ يجب أن أصدَّ نفسي؟ قلت له: نعم، يجب ذلك. أولًا: اصدد نفسك واتركك من استكثارك لطاعتك، واستقلَّها في جنب الله.
اعلم أن الجنة لا يدخلها أحد بعمله.
قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» صلى الله عليه وسلم
مقارنة نعم الله بالأعمال وأن دخول الجنة بمحض الفضل
فإذا كان هذا شأن سيد الكائنات، سيد الخلق أجمعين، لو قارن الله لك ما منحك من نعم ومنَّة مع ما تفعل لصارت النعم والمنن —
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
أكثر بكثير مما قد قدمت. ويبقى معك ماذا؟ يبقى معك الحساب، فمن نُوقش الحساب عُذِّب. فستدخل الجنة بماذا؟ بمحض الفضل، بمحض الفضل. فلا تستكثر الطاعة.
توبة العوام من استكثار الطاعة وصعوبة إخراج ذلك من القلب
توبة العامة — العامة يعني العوام، يعني الذين لا زالوا لم يبدؤوا في الطريق، أي الذين ما زالوا يقولون بسم الله الرحمن الرحيم — إنما هي لاستكثار الطاعة. يعني يجب عليك أن تتوب من استكثار الطاعات.
انتبه أن هذه عملية صعبة جدًّا، وأحيانًا تستمر سنوات؛ لأن الناس يظنون أنها مجرد كلمة في كتاب — ها هي استكثار الطاعة — فيقولون: حسنًا، توكلنا على الله، لن أستكثر الطاعة؟ القضية ليست هكذا، القضية أن تُخرج هذا من قلبك.
الغرق في استكثار الطاعة والفرح بها من الغرور لا من الانبساط الرباني
هناك أناس غارقون في استكثار طاعتهم ورؤيتهم والفخر بها والاعتزاز، ويقول لك: نعم، أنا تقي يا أخي، أنا لم أفعل شيئًا حرامًا في حياتي. وهو فرحٌ هكذا، فرحٌ ليس من قبيل الانبساط الرباني، بل فرحٌ من غروره بنفسه ومن رؤيته لحوله وقوته.
استكثار الطاعة يوقع في ثلاث ورطات أولها جحود نعمة الستر والإمهال
فإنه [استكثار الطاعة] يدعو إلى ثلاثة أشياء: استكثار الطاعة هذا يجعلك واقعًا في ثلاث ورطات:
أولًا: جحود نعمة الستر والإمهال. شخص يأتي ويقول لي: إنني كلما أدعو الله يستجيب لي. تقول لي: كذا، إنني عند الله شيء كبير جدًّا، لكنكم لا تعرفون. كيف؟ قال: كما أقول لك هكذا، أنا عند الله شيء كبير جدًّا، كلما مددت يدي إلى السماء قائلًا يا رب، تأتي حاصلة على الفور.
ماذا تظن؟ قلت: يا رب سلِّم! هذا ليس خائفًا، هذا ليس خائفًا. إن ورطته ورطة كبيرة.
عدم الشعور بمنة الستر والإمهال والسير متخبطاً في طريق الله
بهذا الشكل لا يشعر بمنَّة الستر في المصائب التي يفعلها، غير شاعر بمنَّة الإمهال أن الله لم يخسف به الأرض حتى لمقولته هذه. لا ينتبه!
والذي لا ينتبه هذا يكون سائرًا متخبطًا في طريق الله، يمكن أن يقع في حفرة لا يقوم منها، غير مبصر لشيء، غير بصير، غير صادق.
صفات البصير الصادق العارف بالله الذي لا يأمن مكر الله ولا يجحد نعمته
البصير الصادق هو العارف. سمَّوه حتى يقول: "العارف بالله." عارف بالله فلا يأمن مكره، العارف بالله يُعظِّم منَّته، العارف بالله لا يأمن ولا يجحد.
إلى حدِّ جحود نعمة الستر والإمهال، ورؤية الحق على الله: أنا لم أصلِّ لك يا الله، لماذا لا تستجيب؟ هذا فكَّر أن له حقًّا على الله، اعتقد هكذا في عقله. والله ليس عليه حق، فهو متفضِّل من كل جانب.
الاستغناء عن الله عين الجبروت وسجود القلب الذي لا يقوم منه
والاستغناء: الاستغناء [عن الله]، ليس فقيرًا إلى الله، ليس قلبه ساجدًا لله. وإذا سجد القلب لم يقم. أهل الله يقولون هكذا: إذا في يوم من الأيام سجد قلبك لربك لا يقوم أبدًا، خلاص يسجد، انتهى الأمر.
فاللهم اسجد قلوبنا إليك! هذا السجود الذي هو ماذا؟ خلاص، أنت ساجد، فكل الكائنات ساجدة له سبحانه وتعالى. فإذا سجد قلبك لا يقوم أبدًا.
سجود القلب عند محيي الدين بن العربي والفرق بين القلب اللطيفة والقلب الجسماني
ومحيي الدين بن العربي كتب في سجود القلب هذا أشياء. يقول: هل القلب يسجد؟ هذا السجود إنما يكون من هُوِيٍّ؛ تكون واقفًا هكذا وبعد ذلك تهوي. والقلب الذي هنا هذا يسجد القلب.
هذا محل اللطيفة، كالعقل محله المخ. ليس القلب الجسم الصنوبري الموجود الذي يتعامل معه الأطباء عندما يفتحونه فيرون شرايين وأوردة ودمًا. هذا هو محل القلب الذي هو لطيفة من لطائف الإنسان التي جعلها الله خمس لطائف: القلب والروح والسر والخفي والأخفى.
القلب لطيفة لتجليات الإله والاستغناء عن الله عين الجبروت المذموم
فالقلب هذا لطيفة من لطائف مظهر وإظهار تجليات الإله سبحانه وتعالى على الإنسان، محل للترقي مع الله.
والاستغناء [عن الله] الذي هو عين الجبروت: أنت تدخل في دائرة الجبروت، والجبروت ليس لك، الجبروت إنما هو لله.
قال رسول الله ﷺ: «الكبرياء ردائي والعزة إزاري، فمن نازعني ردائي أخذته ولا أبالي»
هذا جبروت! أنت تضع نفسك أمام القطار.
التحذير من منازعة الله في الجبروت والدعوة إلى الاستيقاظ والرجوع
في الدنيا هكذا واضعٌ روحك أمام القطار. أي قطار هذا؟ هذا القطار شيء سهل، سيدهسك نعم ويقطِّعك قطعًا صغيرة هكذا. لكن هذا ليس قطارًا، أنت تنازع الجبروت الآن!
افهم، انتبه، استيقظ، ارجع! كأنه يصرخ فيك ويمنعك عن النار.
ملخص الورطات الثلاث لاستكثار الطاعة وتوبة الأوساط من استقلال المعصية
قال: فإنه يدعو استكثار الطاعة إلى ثلاثة أشياء:
-
إلى جحود نعمة الستر والإمهال.
-
ورؤية الحق على الله.
-
والاستغناء الذي هو عين الجبروت.
والتوثُّب على الله، يعني تفتري على ربنا هكذا.
وتوبة الأوساط — الذين هم فوق، الذين هم الخاصة، الذين ذهبوا ولم يأتوا — إنما تكون من استقلال المعصية. عندما يفكر هؤلاء الخاصة وبعد ذلك يقول: الله! ما ربنا سبحانه وتعالى هو الذي كُتب عليَّ، وماذا أفعل يعني؟
خطورة استقلال المعصية عند الخاصة وضرورة استعظامها أولاً
من الممكن أن يحدث للخاصة هكذا، فيحدث له استقلال المعصية، يعني هذه المعصية بسيطة خفيفة. لماذا؟ لأن الله هو الذي كتبها عليَّ، وماذا أفعل؟ يعني نريد الآن أن نعمل بفكرة الشيخ التي قالها لنا: استقلال المعصية.
هذه مصيبة تحتاج إلى توبة. ولا بد في البداية: التوبة تستعظم المعصية ثم تنساها بعد ذلك لكي تستطيع أن تكمل طريقك. لكن في البداية يجب أن تستعظمها.
فإذا ذكرنا للناس أن ينسوها، فلا ينسوا أيضًا أنهم يجب أن يبدؤوا بالاستعظام.
الخاصة يستقلون المعصية لالتفاتهم لرحمة الله وضرورة الموازنة
فالخاصة تحدث لهم أحوال لأنهم ملتفتون لرحمة الله والرجاء في وجهه والإيمان بقدره، ملتفتين لهذه الناحية، فيستقلون المعصية ويقولون: الله! ما ربنا! الذي كتبَ عليَّ، طيب أنا أفعل ماذا؟
أقول له: لا، اجتهد قليلًا، لا تجعل قلبك يتراخى إلى هذا الحد. نعم، أنت رجل طامع في وجه الله وفي كرمه وفي عفوه ومغفرته، لكن أيضًا ليس لهذه الدرجات. وازِن الأمور، ارجع قليلًا من هذا الرجاء حتى لا تتجرأ على المعصية باستقلالها.
استقلال المعصية يؤدي إلى الاستهانة بها والجرأة على شرع الله
لأنك إذا استقللت المعصية تجد نفسك تشتهيها وتستهين بها، وفي هذا عدوان على شرع الله وهو عين الجرأة. فتكون جريئًا هكذا على الله والمبارزة له.
ثم ليس هذا مكانك، فأنت عبد ضعيف. ومحض التزيُّن بالحمية والاسترسال للقطيعة: تكون توبة المتوسطين من استقلال المعصية.
التوبة من تزيين النفس بالامتناع عن المعاصي والفخر بذلك
ويستغفرون أيضًا ويتوبون من أنهم زيَّنوا أنفسهم بالامتناع عن المعاصي والامتناع. هذا يكون عنده شيء مهم، فيقول له: حتى هذه أيضًا تتوب منها.
تُب من أنك لا تعصي! أنت لا تعصي فلا تفتخر ولا تفرح كثيرًا، بل قل: هذا من عند الله، هو الذي جعلني لا أعصي. أنا متعب، هذه مصيبة سوداء، أخاف أن أعصي غدًا، أنا ليس لي شأن.
ليست أنا — للعلم — أنا لا أعصي! وتجعل صوتك هكذا كأنها مبارزة وتحدٍّ وحول وقوة. لا!
الفرق بين الامتناع عن الذنب والفخر به ودقة نقطة البحث
تتوب من محض التزيُّن بالحمية: أنت تزيِّن نفسك بالامتناع عن الذنب، وهذا شيء جيد — الامتناع عن الذنب — لكن فخرك بها هو الذي ليس جيدًا!
انظر إلى أين وصلوا! يبحث في نقطة دقيقة جدًّا: امتناعك عن المعصية جيد، لكن استحسانك لذلك وقولك [أنا الذي فعلت ذلك] هذا جيد أو سيئ؟ امتناعك عن المعصية جيد، ولكن قولك: هذا من عند الله [هو الصواب].
توبة خواص الخواص من تضييع الوقت وعدم سقوط التكاليف
وتوبة الخواص من تضييع الوقت. أما خواص الخواص فهم ليسوا الأوساط الذين هم الخواص، والآخرون خواص الخواص الذين ذهبوا ورجعوا.
حسنًا، هذا انتهى حسنًا، لا داعي إذن للتكليف؟ ليس لدينا في الشريعة شيء هكذا. لدينا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حتى تورَّمت قدماه.
فتسأله عائشة رضي الله تعالى عنها:
يا رسول الله، غفر الله ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر. قال: «يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»
فما من شيء اسمه سقوط التكاليف، ولو سقطت لسقطت عن المثال الأعلى والأسوة العليا صلى الله عليه وسلم.
ترقي النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة وتعلق قلبه بالله في كل أحواله
فلما كان الأمر على غير ذلك [أي لم تسقط التكاليف]، وكان كلما ترقَّى مع ربه صلى الله عليه وسلم ازداد عبادة له، حتى تعلَّق قلبه به في سهوه وفي إدراكه وفي معرفته وفي نومه وفي يقظته وفي كل شيء.
فكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، كما ورد في الحديث الصحيح:
قال ﷺ: «إنما تنام عيناي ولا ينام قلبي»
وكان صلى الله عليه وسلم يسهو في الصلاة بناءً على أن قلبه قد انشغل بالله فانشغل عن حركات الصلاة، فلا يدري كم صلى لانشغال قلبه به سبحانه وتعالى.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقف عبادة وكان ينفق مؤونة أهله ثم يتصدق
شيء آخر: ولم يوقف لا صلاة ولا صيام ولا قيام ليل ولا زكاة. كان صلى الله عليه وسلم يدَّخر ويوفِّر، يعطي أهله مؤونة سنة لا تزيد عن سنة — القمح والزيت وغيرها من الطعام لسنة.
وبعد أن يجلب لهم مؤونة السنة: خلاص، اطمأننتم؟ نعم اطمأننا. كل واحد عنده ماذا؟ سنة. يأتي الفقير فيعطي هذا كيلًا ويعطي ذاك أكثر. ما من شهر إلا وينفد كل المخزون للسنة، ويظلون طوال العام على باب الكريم؛ لأن قلبه كان متعلقًا بالله.
توبة الخواص من تضييع الأوقات والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك
كان [النبي ﷺ] يطمئن الناس حوله، أما هو صلى الله عليه وسلم فقد وصل إلى الغاية الكبرى. فعرفنا من ذلك أن توبة الخواص إنما تكون من تضييع الأوقات.
والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فإن تضييع الوقت يدعو إلى:
- •
إدراك النقيصة.
- •
ويُطفئ نور المراقبة.
- •
ويُكدِّر عين الصحبة.
تمام مقام التوبة بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق سبحانه وتعالى
ولا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق سبحانه وتعالى. يعني تتوب من الخلق، يعني قلبك لا يتعلق إلا بالله طلبًا ورجاءً وعفوًا وكل الأمور.
وهذا يقدر أحد أن يعملها؟ يسيرة على من يسَّرها الله عليه، وعسيرة على من لم ييسِّرها الله عليه.
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 45-46]
التوبة من رؤية التوبة ثم التوبة من الجبر والتسليم المحض لله
ثم رؤية تلك التوبة، ثم التوبة من رؤية تلك العلة. يعني تتوب من الخلق وتذهب إلى الحق بكليتك، ثم تتوب من أنك تبت وأنت ترى أن هذه التوبة أنت الذي صنعتها، فتتوب من هذا المعنى؛ فالله هو الذي خلقها فيك.
ثم بعد ذلك تتوب من أن الله هو الذي خلقها فيك، فيكون معناها أنك في جبر، فتتوب من الجبر. فيكون الإنسان متوكلًا على الله حق توكله بالتسليم والرضا المحض.
هذا معنى التوبة وهو أول الدرجات سيرًا بعد اليقظة.
الفتح من الله يتفاوت بين الناس والعبادة حبًّا في الله أعلى المراتب
يبقى هذا لكي ننفذه نجلس كم؟ نجلس ما نجلسه. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ واحد يُفتح عليه في ثلاثة أيام، وواحد يُفتح عليه في ثلاثين سنة. والرضا والتسليم مع الكل، والكل من المسلمين المحكوم لهم بالنجاح يوم القيامة.
وإنما من عبد ربه طمعًا في دنيا يحصلها أو في آخرة يريدها، ليس كمن عبد ربه حبًّا فيه سبحانه وتعالى.
ونستمع إلى الثناء والمديح من فضيلة الشيخ ممدوح.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما اللطيفة الثانية من لطائف أسرار التوبة؟
معرفة مراد الله من الابتلاء بالذنب
ما توبة العوام في منازل السائرين؟
التوبة من استكثار الطاعة
ما توبة الأوساط في منازل السائرين؟
التوبة من استقلال المعصية
ما توبة الخواص في منازل السائرين؟
التوبة من تضييع الأوقات
ما الورطات الثلاث التي يوقع فيها استكثار الطاعة؟
جحود نعمة الستر والإمهال ورؤية الحق على الله والاستغناء عنه
ما معنى قول النبي ﷺ: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر؟
من كان في قلبه أي قدر من الكبر ولو ضئيلًا لا يدخل الجنة
ما المثل الذي ضُرب لمراتب السالكين الثلاث؟
مثل رجل وقف على شاطئ البحر ورجل خاضه وعاد ورجل ذهب ولم يرجع
ما معنى قول أبي يزيد البسطامي: خضنا بحرًا وقف على شاطئه الأنبياء؟
أن الأنبياء لكمالهم ذهبوا ورجعوا وهو تاه في البحر
ما اللطائف الخمس للإنسان كما ذُكرت في شرح منازل السائرين؟
القلب والروح والسر والخفي والأخفى
ما الذي يدل على أنه لا سقوط للتكاليف في الإسلام؟
أن النبي ﷺ قام حتى تورمت قدماه وقال أفلا أكون عبدًا شكورًا
ما أعلى مراتب العبادة؟
من عبد ربه حبًّا فيه سبحانه وتعالى
ما الذي يُكمِّل مقام التوبة؟
الانتهاء إلى التوبة مما دون الحق وتعلق القلب بالله وحده
ما الأضرار الثلاثة لتضييع الوقت عند الخواص؟
إدراك النقيصة وإطفاء نور المراقبة وتكدير عين الصحبة
ما الفرق بين الفرح بالطاعة من الانبساط الرباني والفرح من الغرور؟
الانبساط الرباني يأتي من الله والغرور يأتي من رؤية الحول والقوة في النفس
ما معنى حديث: الكبرياء ردائي والعزة إزاري فمن نازعني ردائي أخذته ولا أبالي؟
أن الكبرياء والعزة لله وحده ومن نازعه فيهما أخذه الله
ما اللطائف الثلاثة لأسرار التوبة؟
أولها معرفة مراد الله من الابتلاء بالذنب، وثانيها نظر البصير الصادق في سيئاته وحسناته، وثالثها مشاهدة الحكم الربانية التي تجعل العبد يرى الكل من عند الله.
ما معنى أن رب ذنب يورث ندمًا خير من طاعة تورث كبرًا؟
الذنب الذي يجعل العبد مخبتًا خاضعًا راضيًا بقضاء الله مشتاقًا للتوبة قد يكون خيرًا من طاعة تجعله متكبرًا يرى نفسه فوق الآخرين.
لماذا سُمِّي البصير الصادق بصيرًا؟
لأنه يفكر ويرجع كل شيء إلى الله ويدرك أمورًا دقيقة تُشكل على كثير من الناس.
لماذا سُمِّي البصير الصادق صادقًا؟
لأنه لم يستحل المعصية ولم يستمرئها ولم يدَّعِ أنه مجبور عليها، وهو ملتزم بمراد الله وشرعه صادق مع ربه ومع نفسه.
ما الفرق بين المعصية الماضية والمعصية المستقبلة في التعامل معها؟
المعصية المستقبلة يجب اجتنابها والمباعدة عنها بُعد ما بين المشرق والمغرب. أما المعصية الماضية فيُنظر فيها إلى حكمة الابتلاء والدعوة للتوبة التي يفرح بها الله.
ما الورطة الأولى من ورطات استكثار الطاعة؟
جحود نعمة الستر والإمهال، كمن يظن أن استجابة دعائه دليل على مكانته عند الله دون أن يشعر بمنة الله عليه في ستره وإمهاله.
ما الورطة الثانية من ورطات استكثار الطاعة؟
رؤية الحق على الله، كمن يقول لماذا لا تستجيب لي يا الله، معتقدًا أن له حقًا على الله، والله متفضل من كل جانب وليس عليه حق لأحد.
ما الورطة الثالثة من ورطات استكثار الطاعة؟
الاستغناء عن الله الذي هو عين الجبروت المذموم، لأن الجبروت لله وحده كما في الحديث: الكبرياء ردائي والعزة إزاري.
ما معنى تشبيه مراتب السالكين بالدائرة؟
الدائرة لا تُعرف بدايتها من نهايتها، فمن بدأ من أسفلها وسار علا حتى وصل إلى نقطة النهاية التي هي عين نقطة البداية، مما يدل على أن الكمال يعود إلى الأصل.
كيف يدخل الكبر من مقارنة مراتب السالكين؟
كثير من الناس يقارنون بين حال الأنبياء الكامل وحال من هو في وسط الطريق الناقص، فيظنون أنفسهم كالأنبياء وهم لم يسيروا شيئًا، فيدخل الكبر في قلوبهم.
ما معنى قول النبي ﷺ: إنما تنام عيناي ولا ينام قلبي؟
أن قلب النبي ﷺ كان دائم التعلق بالله حتى في نومه، وكان يسهو في الصلاة لانشغال قلبه بالله عن حركاتها.
ما الدليل على أن دخول الجنة بمحض فضل الله لا بالعمل؟
قال النبي ﷺ حين سُئل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته. فإذا كان هذا شأن سيد الكائنات فكيف بغيره.
ما اللطائف الخمس للإنسان؟
القلب والروح والسر والخفي والأخفى، والقلب هو لطيفة من لطائف مظهر تجليات الإله على الإنسان ومحل للترقي مع الله.
ما الفرق بين القلب الجسماني والقلب اللطيفة؟
القلب الجسماني هو العضو الصنوبري الذي يتعامل معه الأطباء. أما القلب اللطيفة فهو محل الإدراك الروحاني كما أن العقل محله المخ، وهو محل تجليات الله على الإنسان.
ما معنى التوبة من رؤية التوبة؟
بعد أن يتوب العبد يتوب أيضًا من رؤية أنه هو الذي صنع التوبة، لأن الله هو الذي خلقها فيه. ثم يتوب من نسبتها لله وحده لئلا يقع في الجبر، فيصل إلى التسليم والرضا المحض.
ما الذي يُفضي إليه استقلال المعصية؟
استقلال المعصية يجعل العبد يشتهيها ويستهين بها، وهذا عدوان على شرع الله وعين الجرأة والمبارزة له، وهو مصيبة تحتاج إلى توبة.
ما الموازنة المطلوبة بين الرجاء والخوف عند الخاصة؟
الخاصة الملتفتون لرحمة الله يُطالَبون بالاجتهاد وعدم إرخاء القلب حتى لا يستقلوا المعصية، فالطمع في كرم الله لا يعني التجرؤ على المعصية باستقلالها.
ما معنى أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك؟
الوقت إن لم يُستثمر في الترقي مع الله أضرَّ بصاحبه، فتضييعه يُفضي إلى إدراك النقيصة وإطفاء نور المراقبة وتكدير عين الصحبة.
هل يتساوى الناس في الفتح الرباني؟
لا، الفتح الرباني يتفاوت بين الناس فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فواحد يُفتح عليه في ثلاثة أيام وآخر في ثلاثين سنة، والرضا والتسليم مطلوبان من الجميع.
كيف كان النبي ﷺ يتعامل مع مؤونة أهله والإنفاق على الفقراء؟
كان يدَّخر لأهله مؤونة سنة من الطعام، ثم يُعطي الفقراء حتى ينفد المخزون كله قبل نهاية العام، فيظل أهله طوال العام على باب الكريم لتعلق قلبه بالله.
