مصر أرض المجددين | ح 21 | الشيخ أحمد الدردير | أ.د. علي جمعة - شخصيات إسلامية, مصر أرض المجددين

مصر أرض المجددين | ح 21 | الشيخ أحمد الدردير | أ.د. علي جمعة

22 دقيقة
  • الشيخ أحمد الدردير كان شيخاً للأزهر ومفتياً للديار المصرية، جمع بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية في أواخر القرن الثامن عشر.
  • اتصف بالفقه المالكي المتميز، وكان له شرح على مختصر خليل الذي كان عمدة الحكم بين المالكية.
  • كان مسموع الكلمة عند المماليك، حيث وقف ضد ظلمهم ودافع عن حقوق الناس حتى أمام كبار الأمراء كإبراهيم بك.
  • اهتم بتعليم العوام وألف الخريدة البهية التي تشرح العقيدة والأخلاق في صفحة واحدة ليسهل حفظها.
  • تميز بالزهد والتقوى، وأخذ الطريقة الخلوتية، وكان كثير الذكر وقراءة القرآن.
  • رفض أكل الطعام المشتبه في أنه من المال الحرام حتى عند الوالي.
  • توفي سنة 1201 هجرية (1786م) قبل دخول الفرنسيين لمصر باثني عشر عاماً.
  • عُرف بالكرم حيث أعطى هدية سلطان المغرب لابن السلطان عندما نفدت أمواله.
  • لقبه الناس بأبي البركات لتقواه وعلمه وكرمه ووقوفه إلى جانب المظلومين.
محتويات الفيديو(32 أقسام)

دعاء افتتاحي بطلب رفع الضر والبلاء من الله الكريم

اللهم يا رافع السماوات بغير عمد، يا عالم الغيب والشهادة، يا رب كل شيء ومليكه، اللهم إنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا، فادفع الضر عنا يا كريم.

تقديم الشيخ أحمد الدردير شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية

كان [الشيخ أحمد الدردير] شيخًا للجامع الأزهر، ثم مفتيًا للديار المصرية. أحبه المصريون حبًا شديدًا؛ لأنه كان يدافع عنهم في عهد المماليك والعثمانيين، فلقبه المصريون بأبي البركات. إنه الشيخ أحمد الدردير، في مصر أرض المجددين.

محاور مشروع الشيخ الدردير التجديدي في السلطات الثلاث

ويقوم محور مشروعه التجديدي على القيام بالسلطات الثلاث:

السلطة التشريعية، فكان فقيهًا مالكيًا لا يُشق له غبار، شرح مختصر خليل.

والسلطة التنفيذية، حيث كان يأتي للناس بحقوقهم من ظلم المماليك.

والسلطة القضائية، حيث كان يحكم بين الناس. الشيخ أحمد الدردير.

الترحيب بالدكتور علي جمعة وسؤاله عن الشيخ الدردير كأحد أعلام المجددين

أُرحب بفضيلة العالم الجليل الدكتور علي جمعة.

أهلًا بكم.

أهلًا بفضيلتكم، فضيلة مولانا، نحن بصحبة فضيلتك اليوم للحديث عن شيخ أهل الإسلام الشيخ أحمد الدردير. ماذا تقول فضيلتكم عن أحد أعلام المجددين في الفكر الإسلامي؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الشيخ الدردير نقطة فارقة بين عصرين وتوفي قبل دخول الفرنسيين

كان الشيخ أحمد الدردير نقطة فارقة بين عصرين؛ لدرجة أنه عندما توفي سنة ألف ومائتين وواحد من الهجرة، أي في السنة الأولى من القرن الجديد، القرن الثالث عشر، هذه السنة كانت توافق ألفًا وسبعمائة وثمانية وسبعين ميلاديًا.

أي قبل دخول الفرنسيين باثني عشر سنة، وقبل وفاة المرتضى الزبيدي صاحب الشرح على [القاموس المحيط] بأربع سنوات. فترة مليئة بالتطور الاجتماعي.

سيطرة المماليك على مصر في ظل الحكم العثماني وطبيعة الحكم آنذاك

استطاع المماليك أن يبسطوا سيطرتهم على مصر. كانت مصر تحت الحكم العثماني إن صح التعبير؛ لأنه لم يكن حينئذ يُسمى احتلالًا، بل كان برضا أهل البلد وما إلى ذلك.

لكن على كل حال كان الوالي يُعيَّن من اسطنبول، يُعيَّن من القاهرة، وحاكم مصر يأتينا من الخارج. ولكن مراد بك وإبراهيم بك [وهما قادة المماليك الجراكسة الذين حكموا مصر بشكل مشترك] هم الذين كانوا ممسكين بالحكم، أبناء المماليك من الفترة السابقة.

الشيخ الدردير آخر من جمع بين السلطات الثلاث قبل الدولة الحديثة

الشيخ الدردير إن صح التعبير أيضًا وبلغة العصر؛ لأنه حينئذٍ في أواخر القرن الثامن عشر لم يكن هناك هذا التقسيم الواضح الذي أتى بعد ذلك من السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية وبناء الدولة الحديثة على انفصال السلطات.

كان الشيخ الدردير آخر من جمع بين السلطات، فهو كان أولًا فقيهًا لا يُشَقُّ له غبار، له شرح على مختصر خليل. ومختصر خليل هذا كان هو العمدة في الحكم بين المالكية، يعني كأنه قانون، فإنه شرح القانون الذي سيحكم بين الناس. إذن فهذه سلطة تشريعية.

الشيخ الدردير قاضيًا ومنفذًا للأحكام في بيته بما فيها الإعدام

وأيضًا كان قاضيًا يقضي بين الناس؛ لدرجة أن الناس ربما تتعجب من هذا، لكن هذه هي طبيعة العصر، أنه كان ينفذ الأحكام. فلو كان هناك شخص يستحق الإعدام، فكانت توجد مشنقة في دار الدردير، فيقوم بتنفيذ الإعدام فيه.

هو الذي كان ينفذ الحكم؟

هو ينفذ الحكم في بيته.

في بيته؟

في بيته، والناس راضية بهذا؛ لأنهم قد وثقوا في ذمته وفي علمه وفي ديانته، وأنه لا يُظلم عنده أحد، وأنه يطبق القانون السائد الرائج وهو شرع الله حينئذٍ.

فهم طبيعة العصر وظروفه الاجتماعية وجمع الشيخ الدردير للسلطات الثلاث

طبعًا هذا [جمع السلطات في شخص واحد] قد يناسب قلة السكان، لكنه لا يناسب الدولة الحديثة من ناحية، ولا يناسب كثرة السكان من ناحية ثانية. فالناس يجب أن تفهم الأمور من خلال الظروف الاجتماعية والبيئية والدينية في ذلك العصر. نقرأ العصر من خلال معطياته وعناصره.

السلطة الثالثة التنفيذية، فهو يمثل سلطة تشريعية وقضائية وتنفيذية هو وحده هكذا. ولذلك كان مسموع الكلمة، وكان الناس تلجأ إليه عند الشعور بالظلم والمظلمة مرة بل مرات، أحداث كثيرة جدًا تحدث.

قضية المغاربة مع إبراهيم بك وحكم الشيخ الدردير بأحقيتهم في الأرض

الشيخ الدردير يأتيه مرة جاءت له قضية: جماعة من المغاربة لهم قطعة من الأرض، فرفعوا قضية ضد إبراهيم بك - وهو الحاكم -. فقضى [الشيخ الدردير] بأحقية المغاربة لهذه الأرض بناءً على المستندات والشهود وما إلى آخره.

لا، هذه فعلًا الأرض هذه لهم. [فقال إبراهيم بك:] والله نحن ليس عندنا هذا الكلام، هذه خاصتي، يعني خاصتي وانتهى الأمر، يعني لا يحدث شيء.

رفض إبراهيم بك تنفيذ الحكم وتهديد الشيخ الدردير برفع الأعلام الحمراء

فذهبوا إليه [إلى إبراهيم بك]، أي هو [الشيخ الدردير] ذهب إليه كقاضٍ. عندما نذهب في تنفيذ الأحكام لا نذهب إلى القاضي، وإنما نذهب إلى الشرطة؛ لأن الشرطة هي التي تنفذ. لكن هو كان يعني مع بعضه هكذا [يجمع بين القضاء والتنفيذ].

هؤلاء لا يُنفّذوا حُكمك، فلا يوجد شيء اسمه يُعملوا حُكمك، هذا لا بد من تنفيذ هذا الحكم. فإبراهيم بك قال: أنا لست منفذه، انظر ماذا ستفعل.

قال له: حسنًا، ارفع الأعلام الحمراء على منارة الأزهر.

ماذا تعني الأعلام الحمراء وهي توضع على منارة الأزهر؟

نُنزل القاهرة للإتيان [أي نستنفر أهل القاهرة جميعًا].

يا خبر أبيض! يعني خطر.

تهديد الشيخ الدردير بعزل إبراهيم بك وتدخل مراد بك لحل الأزمة

سيُحدث له [لإبراهيم بك] ضجيجًا ويُسبب له اضطرابًا اقتصاديًا، وسيخرجون جميعهم ضد المماليك وسيزيلونه ويعزلونه. وهو [الشيخ الدردير] يُحضّر لعزل إبراهيم بيه من الحكم.

مَن الذي سيعزله من الحكم؟ الذي سيعزله من الحكم لدينا هنا [هو الشيخ الدردير بسلطته الشعبية] أو المحكمة الدستورية العليا [بمفهوم اليوم]. فهو عزله من الحكم، أو هيأ لعزله من الحكم.

الحاكم الثاني مراد بك قال: لا، هذه مصيبة سوداء! هذا إبراهيم أحمق. مراد يقول هكذا: إنَّ إبراهيم هذا أحمق وسيُؤدي بالدنيا إلى الهاوية. فذهب إلى الشيخ الدردير ليسترضيه، وأعاد الأرض للمغاربة.

حادثة الأمير يوسف واستيلائه على ممتلكات الناس وتدخل الشيخ الدردير

عرفنا الطريق أننا نذهب إلى الشيخ الدردير؛ لأنه فعلًا نَجَح في هذا الأمر.

حادثة ثانية مع أمير اسمه الأمير يوسف أيضًا، أراد أن يأخذ شيئًا فأخذه، وذهب إلى البيوت وأخذ منها الأشياء التي تعجبه لبيته. فجاؤوا يشكونه [إلى الشيخ الدردير]، فعمل نفس الحكاية وقال: تُرد الأشياء، خلاص حكمنا برد الأشياء إلى أصحابها، وترجع ثانيةً.

فالأمير يوسف قال: لا، لن أردها.

وقوف أمراء المماليك مع الأمير يوسف ورفع الأعلام الحمراء مجددًا فوق الأزهر

والمماليك قالوا: والله هو [الشيخ الدردير] في كل مرة تقول إبراهيم باشا الذي هو الحاكم أو إبراهيم بيك، ومرة تأتيني هكذا، هذا لا يصح.

وقف الأمراء - وهؤلاء الأمراء لديهم قوة وتدريبات عسكرية وسلاح وما إلى ذلك - وقفوا في صف يوسف. فرُفعت الأعلام الحمراء أيضًا فوق الأزهر.

كانت هذه الأعلام الحمراء يراها الذي يسكن في بُلاق التكرور [وهو حي سكني عريق يتبع محافظة الجيزة]؛ لأن الدنيا كانت فارغة، فينظرون هكذا فيروا الأعلام التي رُفعت على مئذنة الأزهر.

تجمع الناس عند الأزهر وذهاب مراد باشا لاسترضاء الشيخ الدردير

تجمع كل الناس عند الأزهر؟

لأنه أيضًا الشيخ [الدردير] يريدهم، فلابد أن يجتمعوا عنده.

وأيضًا ذهب مراد باشا إلى الشيخ أحمد الدردير، وكان [الشيخ الدردير] جالسًا في صحن الأزهر، وكان يقرأ القرآن، ومدَّ رجله وجلس يقرأ القرآن هكذا.

فلما جاء مراد لم يقم له ولم يرحب به. فمراد أيضًا حزن في نفسه وقال: أنا أتيت إليك، فهلا قمت لي؟

رد الشيخ الدردير على مراد بك بعبارة من مدّ رجليه لا يمدّ يديه

فذهب أحد الأتباع وأخذ هذه الصرة وأعطاها للشيخ [الدردير]، وفيها نقود لكي يُظهر له بعض الاحترام أو شيء من ذلك.

فأعطاها له [الشيخ الدردير] وقال له: اذهب لسيدك، من مدَّ رجليه لا يمدّ يديه.

الله!

من مدَّ رجليه لا يمدّ يديه [أي من استغنى عن تعظيم الحكام لا يطمع في أموالهم].

مشروع الشيخ الدردير العلمي في إشاعة العلم وتعليم العوام

وكان [الشيخ الدردير] بعد أن ألَّف شرح المختصر، عمل الشرح الصغير وأنجز مجموعة من الكتب. وكان يهتم - وهذا هو مشروعه العلمي - اهتمامًا بليغًا بتعليم العوام.

الاهتمام بتعليم العوام هذا هو مفتاح مشروعه: إشاعة العلم.

إشاعة العلم.

عمل مثل طه حسين [الأديب والناقد المصري] عندما كان يقول: العلم كالماء والهواء.

كالماء والهواء.

فهذه عادة الشيخ الدردير. وبدأ من هنا يضع قصيدة الخريدة التي تشرح قضيتين: العقيدة والأخلاق.

الإعلان عن استكمال الحديث عن قصيدة الخريدة وأعمال الشيخ الدردير بعد الفاصل

فضيلتك، بعد الفاصل سنرى هذه القصيدة [الخريدة] وما فيها، وسنرى أعماله وأيضًا فكرة تأثيره في المجتمع الذي كان يعيش فيه وقتها. أرجو من فضيلتك بعد الفاصل إن شاء الله، إن شاء الله أرجوكم ابقوا معنا.

وصف حي الدرب الأحمر ومسجد سيدي أحمد الدردير ومقامه

في حي الدرب الأحمر، هذا الحي العريق الذي يرمي بظلاله وتاريخه عتق وأصالة التاريخ الإسلامي في قاهرة المعز، وفي تلك البقعة المباركة يقع مسجد وعلم من أعلام الدين الإسلامي: مسجد سيدي أحمد الدردير.

وبعد أن تتجاوز أعتاب الأزهر الشريف وقبل أن تصل إلى مقامه، بزاوية صغيرة بالقرب من مسجده، تجد كلمات رثاء محبيه بوصف بليغ وبديع. فهو أبو البركات كما لقبه محبوه وتلاميذه وكل من جاوره برحلته العلمية، فتجد ساحة صغيرة وغرفة تضم نسل شيخنا الجليل التي حفظت سيرته العطرة على مدار الزمن.

سؤال عن الجانب الروحاني في حياة الشيخ الدردير وانتسابه للطريقة الخلوتية

أرحب مرة أخرى بفضيلة الدكتور جمعة، أهلًا بفضيلتك.

أهلًا وسهلًا ومرحبًا.

الشيخ الدَّرْدير الملقب بأبي البركات، فأسأل فضيلتك لو تحدثنا أكثر عن الجانب الروحاني في حياته وأعماله؟

الشيخ الدردير آمن بالتصوف وأخذ الطريقة الخلوتية، والطريقة الخلوتية في سندها الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي الذي كان في القرن السادس الهجري.

ترقي الشيخ الدردير في التصوف وتلاميذه الذين شرحوا الخريدة البهية

وترقى [الشيخ الدردير] ترقيًا كثيرًا، فكان كثير الذكر، كان كثير قراءة القرآن، كان قلبه رقيقًا. كان ذلك كله على الخلوتية [أي على منهج الطريقة الخلوتية في التصوف].

وكان تلامذته الشيخ السباعي والشيخ الصاوي، وشرحوا كلهم الخريدة البهية التي تركها من أجل أن يعلّم الناس العقيدة من ناحية، والتصوف والأخلاق من ناحية ثانية.

تأليف الشيخ الدردير العقيدة في صفحة واحدة لتعليم العوام والطلبة

ولما وجد الشيخ الدردير أن الخريدة تصلح لأن تكون كتابًا مدرسيًا يتعلم منه الطلبة، ألف العقيدة في صفحة واحدة. وهذا جانب آخر، أنه ألّف العقيدة في صفحة واحدة من أجل العوام.

كان في ذهنه أيضًا تعليم الناس؛ لأن هذا التعليم يُحدث فرقًا.

كان الأطفال تقريبًا ينشدون قصيدته؟

هذه الخريدة، فكانت مُدرَّسة للمرحلة الابتدائية. ولكن هذه الصفحة مخصصة أيضًا لمن لم يدخل المدارس ليتعلم فيها ويستخدمها.

الشيخ الفضالي وتعليم قائدي الحمير العقيدة في الطريق إلى الأزهر

ولذلك الشيخ الفضالي [الشيخ محمد الفضالي الأزهري، وهو متكلم وفقيه شافعي مصري] قام أيضًا بعد ذلك بتطوير هذه الصفحة وتعليمها للأولاد الذين يقودون الحمير. فيقول لك: أصبح قائدو الحمير من المنيل إلى الأزهر من علماء الكلام!

لم يكن الشيخ الفضالي يأخذ هذا الوقت في الانتقال من بيته في المنيل إلى الأزهر الشريف، إلا وهو يُعَلِّم الولد الذي معه ويُعَلِّمها له بطريقة، وهو ليس من طلبة العلم ولا من العلماء ولا ما شابه ذلك.

تبسيط العلم للصبيان وبركات الشيخ الدردير في نشر المعرفة

لكنه [الشيخ الفضالي] يُبَسِّط الأمور ليجعل هذا الصبي يفهمها، ويضرب له الأمثال ويفعل ما يلزم حتى تدخل المعلومة في عقله ويفهمها، ويبدأ يناقش زميله ويفهمون بعضهم.

كلُّ هذا كان من بركات الشيخ أحمد الدردير، فهو يُعَدُّ أبا البركات؛ لأنه كان صاحب تقوى، ولأنه كان صاحب ذِكرٍ وتلاوة، ولأنه كان صاحب طريقة، ولأنه كان عالِمًا يدعو إلى كلِّ هذا الخير.

هدية سلطان المغرب للشيخ الدردير وإيثاره بها ابن السلطان

وفي إحدى المرات أرسل سلطان المغرب هدية له [للشيخ الدردير] باعتبار أنه شيخ المالكية، والمغرب مالكيٌّ.

وابن السلطان عندما كان عائدًا من الحج، نفدت أمواله. وكونه ابن السلطان، ماذا سيفعل؟ هل سيذهب ليستجدي من أحد، أو يأخذ من أحد، أو يستدين من أحد؟

فسمع الشيخ الدردير بذلك، فقال: إنه أولى بهدية أبيه. وذهب وأحضر الهدية التي كانت قادمة إليه بأموالها وأحوالها وما إلى ذلك، وأعطاها لابن السلطان فحلَّ أزمته.

مكافأة سلطان المغرب للشيخ الدردير بعشرة أضعاف الهدية

وعندما عاد [ابن السلطان] إلى أبيه، حكى له موقف الشيخ الدردير الذي أنقذه وأنقذ الحاشية التي كانت معه.

فما كان من السلطان إلا أن أرسل للشيخ الدردير عشرة أمثال تلك الهدية. أي أنه [الشيخ الدردير] ترك الهدية خالصة لوجه الله، لا يريدها بعدما دخلت في ملكه، فأعطاها لابن السلطان وحلَّ بها أزمته.

فالسلطان جزاءً لهذا في المغرب أرسل له عشرة أضعاف. إذا كان يُرسل له مثلًا عشرة آلاف، أرسل له مائة ألف.

بركة الشيخ الدردير وتأثيره في نصرة المظلومين وإغاثة المحتاجين

فهكذا كانت حياتهم، وهكذا كانت بركتهم، وهكذا كان تأثيرهم في الجمهور الذي حولهم. لم يتركوا أبدًا مظلومًا، ولم يتركوا أبدًا من يحتاج إلى الغوث ولم يُغيثوه.

موقف الشيخ الدردير من مائدة الوالي ورفضه أكل المال الحرام

لِمَ؟ مثلًا موقف يُحكى عنه أنه كان عند الوالي وكانت أمامه مائدة طعام مُعَدّة، فرفض أن يأكل من المال الحرام، وبعد ذلك أعطاهم الدليل من على المائدة نفسها.

قد حدث هذا؛ لأنه كان لا يحب أن يدخل إلى المماليك، ولكنهم أرغموه أو أحرجوه، فحضر وفي نيته ألا يأكل؛ حتى لا يدخل جوفه شيء فيه شبهة.

لأن هؤلاء المماليك الذين يدخلون البيوت والذين ينزلون إلى الناس في الأسواق ويأخذون أشياءهم، إن هذا حرام، إن الاغتصاب حرام، والسرقة حرام، وكل هذه الأشياء حرام. فكيف يأكل وهو قد يأكل حرامًا؟ فيتنزه عن هذا.

مواجهة الشيخ الدردير للوالي بأنه لا يأكل الحرام وأثر ذلك في نفوسهم

فلما حضر الطعام لم يمد يده. فقيل له: لماذا لم تمد يدك إليه؟ لأن هذه الأمور كانت جارحة، أي أنها لا تمر هكذا بسهولة.

فقال له: أنت تعلم أنني لا آكل الحرام، مباشرة هكذا.

ففي المواقف التي مثل هذه كانت تُعلي من شأنه عندهم. هم أنفسهم يقولون: والله نحن المخطئون. ويصبح هذا الفعل ليس موقف تحدٍّ أو موقف صدام، بل يبدأ يقع في قلبه [قلب الوالي] طريقة للتوبة.

خلاصة مشروع الشيخ الدردير المبني على العلم ونقل التراث والعدل

إذن نستطيع أن نقول إن مشروع الشيخ الدردير كان مبنيًا على العلم، كان مبنيًا على نقل التراث وحفظه، كان مبنيًا على العدل.

فالعدل هنا كان من مشاريع أحمد الدردير.

أنا شاكر لفضيلتك، فضيلة العالم الجليل الدكتور علي جمعة.

أهلًا وسهلًا.

شكرًا لحضرتك، شكرًا لحضراتكم وإلى اللقاء.

التحذير من ادعاء المرض خوفًا من الحسد لأنه نوع من الكذب المنهي عنه

من السلوكيات الخاطئة ادعاء المرض دائمًا خوفًا من الحسد، وهذا نوع من الكذب. ادعاء بالمرض طوال الوقت خوفًا من الحسد والعين هو نوع من أنواع البهتان.

ففيما أخرجه الإمام مالك [بن أنس] في [الموطأ]:

قال رسول الله ﷺ حينما سُئل: «أيكذب المؤمن؟» قال: «لا»

فالكذب منهي عنه في كل مواضعه وبكل أنواعه. فيجب عليك أن تتبرأ من كل أنواع الكذب، وأن تنزه لسانك عن ذلك.

دعاء ختامي بالهداية وراحة البال والاجتماع على الخير

اللهم اهدنا وعافنا واعف عنا، نسألك راحة البال في العمل وفي الحياة. اللهم يا ربنا أجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة. اللهم آمين.