مصر أرض المجددين | ح11 | الشيخ محمد أبو زهرة | أ.د علي جمعة

اللهم فرج هم المهمومين ونفِّس كرب المكروبين واشفِ مرضانا والناس أجمعين. اللهم إنا نسألك إيماناً صادقاً ونجاحاً باهراً وفلاحاً طيباً ورضواناً من عندك، أكرم يا أرحم الراحمين. اللهم آمين.
هو صاحب الآراء المتفردة في الفقه والعقيدة، اقتحم قضايا الأحوال الشخصية: تعدد الزوجات وحضانة الأطفال والرؤية، إلى جانب نبذ الفكر التكفيري اليوم سنكون مع سيرة الشيخ محمد أبو زهرة في مصر أرض المجددين. تمثل المحور التجديدي للشيخ محمد أبو زهرة في الاهتمام البليغ بالتراث وفي فقه الواقع
وفي تقنين الشريعة الإسلامية. ولقد أصبح عَلَماً من أعلام كل ذلك في حياته المباركة. رحم الله الشيخ محمد أبو زهرة رحمة واسعة. فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي. جمعة أهلا بحضرتك، أهلا وسهلا بكم، أهلا بكم. اليوم السيرة والرحلة ستتوقف عند فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة. أثناء التحضير لفت انتباهي اللقب أو الوصف بأنه الأزهر الثاني، فقلت لابد أن أسأل حضرتك عن هذه الشخصية والقيمة الكبيرة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول. الله وآله وصحبه ومن والاه فضيلة الإمام والشيخ الجليل والعالم
العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى. تربى في الأزهر الشريف وبعد أن قضى مراحله الأولى على يد الأشياخ الأجلاء في بدايات القرن العشرين لأنه ولد في القرن التاسع عشر، ففي بداية القرن العشرين أنهى المرحلة الأولى. حينئذ كان... هناك نوع من أنواع التطوير في التدريس لإنشاء ما يسمى بمدرسة القضاء، مدرسة القضاء الشرعي. إذًا هي منبثقة أو ستأخذ أساتذتها
وستأخذ مناهجها وستأخذ كتبها من الأزهر. فافتُتحت هذه المدرسة ودرَّس فيها علماء الأزهر الكبار، فانضم إليها الشيخ محمد أبو زهرة ودرَّس فيها إلى أن تخرج أستاذًا من هذه الجامعة. الشيخ محمد أبو زهرة عندما تخرج منها حدث مناقشة في الأزهر: لماذا لا تُدمَج وقد أثبتت صلاحيتها وأثبتت انفتاحها؟ لماذا تكون هناك مدرسة قضاء شرعي
والأزهر؟ لماذا لا ندمج هذه المدرسة في الأزهر؟ وكان هذا الكلام سبباً في إغلاق مدرسة القضاء الشرعي في سنة ثمانية وعشرين، وكان الشيخ تخرج منها واندرجت بعد ذلك على يد الشيخ محمد المدني في كلية الشريعة والقانون، فالفكرة بداية صدور طائفة تستطيع أن تتحمل مسؤولية القضية الشرعية، وكانت له محكمة مستقلة وقضية التأليف في هذا المجال وقضية الوصل ما بين الفقه الإسلامي الموروث وما بين التقنين المدني الحديث الذي نشأ مع الدولة الحديثة،
فأنشئنا مدرسة القضاء الشرعي قامت بدورها، وبعد ما قامت بدورها حدث فيها هذا النجاح. حسناً، لماذا؟ يعني هل سنستمر على القديم أم سنطور القديم؟ سنطور القديم، حسناً، مع التجربة. هذه التجربة نشأت من عندنا ونشأت لنا، إذاً تعود إلينا ونطبقها ونمشي على هذا التطبيق. بعض الناس يرى... في مدرسة القضاء الشرعي، أنها كانت موازية للأزهر مثلما رأى قبل ذلك أن دار العلوم كانت موازية للأزهر. في الحقيقة هي ليست موازية للأزهر، بل تفرعت عن الأزهر. هذه العبارة قالها من يعد الدراسة في مدرسة القضاء الشرعي موازية لأنه أزهر ثانٍ،
كأنها أزهر ثانٍ ونفس العبارة. قيل في أواخر القرن التاسع عشر عن دار العلوم، نعم فهو في الحقيقة أن الشيخ عندما تخرج من القضاء الشرعي درّس في الأزهر، وكانت النقطة اللطيفة أنه ارتدى الزي المدني الذي هو البدلة، لبس البدلة ودخل الأزهر ليدرس فيه بالبدلة، فكان هناك من بين الناس الدكتور علي عبد الواحد وافي. كان يدرس علم الاجتماع منهم الشيخ أبو زهرة، كان يدرس في الفقه وأصوله بالبدلة، وبعد ذلك افتُتح قسم أصول الشريعة في كلية الحقوق، وبالأخص حقوق القاهرة، فذهب ليدرس فيها. فارتدى الزي الأزهري
داخل الأزهر ارتدى الزي المدني، وبداخل كلية الحقوق ارتدى الزي الأزهري من المشايخ درس عليهم الشيخ علي الخفيف من المشايخ الذين درس عليهم الشيخ السنهوري، فالرجل هذا الشيخ محمد أبو زهرة أتى بمشروع تجديدي أبهر الجميع. كان يحدثني الأستاذ - رحمه الله - أحمد فراج، كان يقول لي: "أنا كان يخرج معي شيخ، فنجلس ونرى ماذا سنقول في البرنامج"، أي كأنه يرسم. سيناريو للحلقة لكي تخرج متقنة
حتى نرى ماذا سنقول وما الرسالة التي سنوصلها. حسناً، ماذا سيقول هو؟ وكيف سأرد عليه؟ ماذا سيقول؟ لا أرى طبعاً هذا الكلام، أي أنه كان قديماً. انظر، أنا أخبره قصة عن الوضع القديم الذي يمكننا نحن مدرسة الأصول في المهنة أن نستفيد منه. طبعاً، إلا أبا زهرة، كل واحد نعدّه إلا أبا زهرة. ما به؟ إنه يأتي على الفور ويتحدث على الهواء، يتحدث لأنه كان متمكناً من القرآن، متمكن في القرآن وله تفسير، والحديث متمكن في الحديث وحافظ، والفقه لا تقل إنه فقيه فحسب، بل هو فقيه العصر أيضاً، وكذلك الأصول أيضاً كذلك كان. أستاذه أربع سنوات
فكان متمكناً تمكناً كاملاً. الشيخ أبو زهر، الشيخ أبو زهر كان أستاذ أبي في كلية الحقوق، فكان يذكر أبي أنه كان يُخرج خمسة جنيهات. خمسة جنيهات في ذلك الوقت كانت تعادل خمسة جنيهات ذهباً، أي ما يساوي الآن ثلاثين أو أربعين ألف جنيه. فكان يُخرج هذه الخمسة جنيهات ويقول لهم يا أبناء لمن يدلني على خطأ في النحو أو في الصرف أو في البلاغة أو في الأسلوب أثناء إلقاء المحاضرة، ولم يأخذ أحد الخمسة جنيهات على مدى الأربع سنوات التي كان يدرس فيها للطلاب في السنة الأولى ويطلع مهم الثانية وبعد ذلك مرت أربع سنوات ولم يستطع أحد أن يجد خطأً لغوياً واحداً أو بلاغة أربع سنين لم يستطع أحد أن... وبعد ذلك كانوا أقوياء في اللغة العربية وما إلى ذلك، وحافظين
وأنتجوا شعراً وأدباً وغير ذلك إلى آخره، لم يخطئوا خطأً واحداً إذ أصبحت اللغة العربية له سجية. فهذا هو المشروع الذي جاء به، ما هو المشروع الذي أتى به؟ نستطيع أن نقول له مفتاح هكذا أو محور تقنين الفقه الإسلامي، تقنين الفقه الإسلامي. حسناً، أنا محتاج أن أفهم من حضرتك هذا المفهوم أو المصطلح "تقنين الفقه الإسلامي". حسناً، هذا موضوع مهم، أستأذن فضيلتك بعد الفاصل تماماً لكي يكون هناك متسع أكبر من الوقت الحالي إن شاء الله. شكراً جزيلاً إن شاء الله، أستأذنكم بعد الفاصل ابقوا معنا. مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، هذا المكان العريق الذي يُعَدُّ أحد
القلاع الصناعية، كان شاهداً على ميلاد أحد مجددي العصر الحديث الإمام محمد أبو زهرة. أهل مدينة المحلة الكبرى يعطون لسيرة الإمام أبي زهرة قيمةً ومكانةً مميزة لتكون دليلاً ونبراساً لطلاب العلم والنوابغ، فالمدينة تمتلك... مدرستان تحملان اسم الإمام، واحدة للتعليم الإعدادي للبنات والأخرى للتعليم الإعدادي المهني، وعلى بعد خطوات من المدرستين تجد مسجد سيدي مصطفى أبو زهرة الششتاوي جد الإمام، والمصمم على طراز مختلف عن باقي مساجد المدينة، ويلقى اهتماماً من أهل مدينة المحلة الكبرى إكراماً للإمام ولجده، ومن المحلة الكبرى إلى مدينة طنطا كانت رحلة الإمام لطلب العلم، فهنا وسط أنوار المسجد الأحمدي وفي جوار أولياء
الله الصالحين تتلمذ الإمام محمد أبو زهرة لثلاث سنوات كاملة بعد إتمامه لحفظ القرآن الكريم. فضيلة الدكتور علي جمعة، أهلاً بحضرتك مرةً أخرى. أهلاً وسهلاً بكم، أهلاً بحضرتك. تفضلت قبل الفاصل في ذكر سيرة الإمام الشيخ محمد. أبو زهرة بأنه كان له مفتاح تجديدي وهو تقنين الفقه الإسلامي. نعم، مشروعه نستطيع أن ندخل إليه من خلال موقفه من التراث. وأكرر أيضاً حتى لا ننسى أن التجديد عندنا يعني المنهجية المعرفية والنموذج المعرفي والموقف من التراث وإدراك الواقع. فهو كان خادماً لهذا الموقف من التراث، وكيفية قراءتنا للتراث. قراءة متأنية
دقيقة، كيف نستفيد من مناهجها، كيف نطبق هذه المناهج في العصر الحديث. اشتغاله بالقضاء الشرعي دراسةً واشتغاله بالتدريس في الشريعة واقعاً، ثم التحاقه بكلية الحقوق مع أساتذة وجهابذة التقنين: حشمت أبو ستيت والسنهوري عبد الرزاق السنهوري وأبو هيف، يعني كانوا أشخاصاً أساطين، حقيقية، وعبد السلام ذهني، أناس عظماء. كانت تحاكي بهم كليات العالم السوربون أو في هارفارد أو نحو ذلك، كانوا يتحاكون بهذه القمم التي كانت في مصر. زميلهم محمد أبو زهرة
بهذه الإمكانيات التي رأيناها، فكان التقنين نستطيع أن نقول عنه أنه المحور الذي خدم به التراث وخدم به الواقع. ذهب في التراث وجدته ألف عن الأئمة ،ألف عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل صاحب المحلى وابن حزم الظاهري وزيد بن علي وجعفر الصادق، حتى التراث الشيعي أيضاً، إن جاز تسميته أو وصفه. طبعاً هؤلاء الناس مع علي حسب الله وعلي الخفيف والشيخ السنهوري كانوا يدرسون كتب أصول الجعفرية دراسة متجردة، يعني ما...
أود أن أقول إنها فاقت إنها كثير من الباحثين الشيعة أنفسهم، فعندما فرج السنهوري الذي كان أستاذ له، فتح موسوعة فقهية جعلها تشمل ثمانية مذاهب. القضية هنا هي كيف نحوّل سؤال "كيف نتعامل مع التراث". لقد كان هناك تعامل فني كما يقول أمين الخولي، وإن شاء الله لعلنا نخصص له هكذا كان أمين الخولي يقول: "من أراد التجديد فليقتل التراث دراسة وفهما وتعمقا، وإلا كان تبديدا". أمين الخولي يقول هذا الكلام، وهذا ما فعله أبو زهرة.
التجديد يأتي من قتل التراث دراسة وفهماً، وليس من قتله هدماً. عليك أن تعي التراث وتستوعبه وتهضمه، ثم بعد ذلك جدِّد، أما إذا دخلت وفقط وتحطمهم بالسفاسف هذه الهراء وفقط سيصبح هدماً وتبديداً فهذا تبديد لا تجديد. أول من استعمل تبديد وتجديد أمين الخولي، يقول هكذا لأنه ألّف في التجديد كثيراً. فعندما نأتي ونطبق هذا الكلام على أبي زهرة، نجد أن أبا زهرة كان إماماً وأعطى للواقع ودرس وأدّى، وألّف في تاريخ التشريع. ألَّفَ في الخطابة، وعندما ذهب يوماً إلى الأزهر جعلوه يُدرِّس الخطابة، ما كان موقفه من منهج التكفير؟ والله إن
التكفير هذا أيضاً ناتج عن ضيق الأفق. لقد كان طبعاً ضد منهج التكفير، وكان واسع الصدر، وذات مرة كان في مؤتمر من المؤتمرات وقال لهم: "يا جماعة، أنا... لن أعيش بقدر ما عشت وأنا أحمل شيئاً يتردد في صدري وأخفيه لكي لا يحزن الناس، وهو أن حد الرجم ليس كما تفهمون، فهذا الرجم من شريعة اليهود وليست من شريعة المسلمين، وأنه طُبِّق قبل نزول القرآن، نزول القرآن
في "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد". مَن هو هكذا وجعل الأَمَة أو العبد على النصف من ذلك، والرجم لا يُنصَّف طبعاً. إنكار الرجم بهذه الطريقة لعدم وجوده في الكتاب ولأمور بيَّنها له وجهة نظر هكذا، فلاقى من هنا نوعاً من أنواع التكفير. "أنت ستصبح كافراً"، وما هذا؟ هذا السلاح أصبح غير ذي فائدة. معنى ذلك أنه ما دمت معتمداً على الكتاب ومعتمداً على السنة ولك رأي ووجهة نظر أخرى، فلا بد من الابتعاد عن قضية التكفير والتفسيق
والتخوين ومثل هذه الأشياء. تحدّث في الأحوال الشخصية وكتب في الأحوال الشخصية، وكان مثلاً ما رؤيته في مسألة قضايا التعدد، الحضانة، حقوق المرأة، فله كثير في الميراث وله مجهود كبير في الوصية الواجبة ومؤلف فيها، وله الكثير في قضية المرأة وعمل المرأة والحضانة وقضية النفقات وقضية الاختيار، وله الكثير في قضايا الطفولة وحقوق الطفل وغير ذلك إلى آخره. في الحقيقة، هذا الذي تتحدث عنه نسميه آثار المشروع التجديدي، فالشيخ أبو زهرة في الحقيقة كان صاحب مشروع. ومشروع تجديدي ومشروعه التجديدي
له آثار علينا نحن نعيش فيها إلى الآن، بعد ذلك وجدناه عضواً في مجمع البحوث الإسلامية، ثم وجدناه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. لقد كتب كثيراً في التفسير، وفي مجال رد الشبهات، وفي مجال التقنين، وفي مجال أصول الفقه والفقه، فكان... الحقيقة هذا جانب مشرق ونمط جديد، مشروعه التجديدي لا يُنكر. كتبه ما زالت تُطبع وما زالت مراجع لكل الشرق والغرب، وقد ساهم مساهمة فعلية في تطوير الأحوال الشخصية وفي تطوير التقنين في كل
- على فكرة - في كل ما يتعلق بالديانة والوقف والحكر وإلغاءه الأحوال الشخصية وهكذا. نعم، رحمة الله عليه شكراً جزيلاً فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة، أهلاً وسهلاً، شكراً لحضرتك، مرحباً ، والشكر موصول لحضوركم معنا في هذا اللقاء. من السلوكيات المرفوضة اجتماعيا رفض الزوجة مساعدة والدي زوجها وهما كأبيها وأمها إذا تزوج الرجل المرأة ينبغي له أن يعمل على استقلالها في حياتها، وعلى ذلك فإن الزوجة ليست مكلفة شرعاً برعاية والدي زوجها، وإنما ذلك صارت عليه نساء المسلمين من باب الفضل وليس من باب الفرض. وإذا فعلت ذلك فلها من الأجر والثواب ومن الشكر والثناء ما الله به عليم
تفعل ذلك فلتخدم والدي زوجها كما تخدم والديها يا ربنا سهّل علينا المعايش وهيّئ لنا من أمرنا رشداً. يا ربنا انقلنا من دائرة الضيق إلى دائرة السعة، ومن دائرة التقطير إلى دائرة الفيض يا ربنا. اذا ما تغيرنا فجعل تغيرنا هجرة إلى وجهك الكريم، اللهم وفقنا إلى ما تحب وترضى