#نوادر_الصحابة | الحلقة الثالثة والعشرون | الصحابية " خولة بن ثعلبة "
- •خولة بنت ثعلبة صحابية جليلة ذكرها الله في القرآن بقوله: "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها".
- •كانت متزوجة من أوس بن الصامت الذي ظاهر منها بقوله: "أنتِ عليَّ كظهر أمي"، وهي صيغة طلاق كانت في الجاهلية.
- •رفضت خولة معاشرته وذهبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو حالها بعد أن استعارت ثوباً من جارتها.
- •نزل الوحي وقت شكواها بأوائل سورة المجادلة، وأمر النبي زوجها بتحرير رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً.
- •قررت خولة مساعدة زوجها في الكفارة بإطعام ثلاثين مسكيناً، وأوصاها النبي بالصبر على زوجها ورعايته.
- •التقت خولة بعمر بن الخطاب في الحج بعد سنوات وهو أمير المؤمنين، فأوقفته لتنصحه بتقوى الله.
- •استمع عمر إليها باهتمام وذكّر من سأله عنها بأنها التي سمع الله كلامها من فوق سبع سماوات.
مقدمة الحلقة والتعريف بخولة بنت ثعلبة التي سمع الله شكواها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
معًا وفي هذه الحلقة مع إحدى الصحابيات الجليلات رضي الله تعالى عنهن وعن الصحابة أجمعين، امرأة سمع الله سبحانه وتعالى شكواها من فوق سبع سماوات، امرأة ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن بالضمير إليها:
﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1]
هذه خولة بنت ثعلبة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
زواج خولة من أوس بن الصامت وطبيعة كبار السن في الضجر
كانت [خولة بنت ثعلبة] متزوجة من أوس بن الصامت، وكان رجلًا كبير السن حينئذٍ، فقالت: ضَعُفَ شأنه وضَجِر، يعني أصبح يتعصب بسرعة. وهذا شأن كبار السن؛ لا بد علينا أن نتحمل ضجرهم لأن هذا شيء طبيعي.
وبعض الشباب يظن أن المسنّ يضجر من غير سبب، ولكن الأمر ليس كذلك، بل إنه يضجر بطبعه بأعصابه التي تحملت الكثير في بناء المجتمع والناس؛ فيجب على الشباب أن يتحمل الشيوخ والمسنين.
ظهار أوس بن الصامت لزوجته خولة ومعنى الظهار في الجاهلية
ابن الصامت ضجر وضاق خُلُقه، يعني لم يعد حليمًا متأنيًا هادئ البال أبدًا، فهو يتعصب كثيرًا وبسرعة ولأقل الأسباب. فطلب من خولة رضي الله تعالى عنها شيئًا فتأخرت عنه، فقال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي.
وهذه كلمة كانت تعني الفراق وانفصال الزوجين عند العرب في الجاهلية. هذا التعبير "أنتِ عليّ كظهر أمي" فكأنه أنزلها منزلة الأم، والزواج بالأم حرام، ولذلك فكأنه حرّم زوجته على نفسه؛ فهو نوع من أنواع الانفصال أو نوع من أنواع الطلاق.
رفض خولة لزوجها بعد الظهار وإصرارها على الرجوع إلى النبي
ثم بعد ذلك خرج [أوس بن الصامت] إلى السوق وجلس مع أصحابه ورجع، فإذا به يراودها عن نفسها، فأبت وقالت: والله لا أمكنك حتى نرفع أمرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى فينا حكمه.
لأنها على ما تعودته في الجاهلية، هذا نوع من أنواع الطلاق وهو طلاق صعب، وكانوا يسمونه بالظهار. وهذه الكلمة أتت من كلمة "عليّ كظهر أمي".
ذهاب خولة إلى النبي واستعارتها ثوبًا من جارتها لفقرها
وذهبت [خولة] إلى جارة من جيرانها فاستعارت منها ثوبًا تلبسه حتى تذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يجب علينا ونحن نقرأ ونسمع هذه المواقف والنوادر أن نتخيل كيف كانوا يعيشون، أي كأنها ليس لديها ثياب وليس لديها ما تستر به نفسها، فتذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتستعير من جارتها وتذهب. فكيف كانوا بهذا النقاء، بهذه القوة، بهذه الهمة؟
أيّ قناعة كانوا يعيشون فيها وهم لهم رحلة إلى اليمن ولهم رحلة إلى الشام، وهم على اتصال بالفرس وعلى اتصال بمصر، دخلوا حدائقهم وقصورهم وأموالهم وشاهدوا الدنيا. فكيف كانوا يعيشون في هذا الحال في رضا وفي قناعة؟ القضية عندهم أهم من المتع ومن الأشياء، من عالم الأشياء.
شكوى خولة للنبي صلى الله عليه وسلم وشهادة عائشة على الحوار
خولة ذهبت تحكي أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، أكل عُمري، وبعد أن انقطع الولد -يعني لم تعد تحمل، ومعنى هذا أن خولة فوق الخمسين مثلًا حينئذٍ- وتعِب ظهري، وأكل عمري، يُظاهرني ويرميني.
كانت عائشة رضي الله عنها جالسة لكنها لا تسمع كل هذا، إنما تسمع كلمة أو كلمتين من الحوار الذي جرى بين خولة وبين النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت تتعجب وتقول: سبحان الله الذي سمع خولة وهي تناجي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جالسة بالقرب منهما فلم أسمع إلا الكلمة والكلمتين.
نصيحة النبي لخولة بالصبر على زوجها ونزول الوحي بحكم الظهار
خولة اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي يقول لها: ابن عمك وعمك وأبو أولادك ورجل شيخ كبير ضعيف، فاتقي الله يا خولة. وهي تبكي وتشكو حالها.
وماذا ستفعل الآن؟ هل تعود إليه؟ هل تجلس معه في انفصال جسدي؟ هل تعود وكأن شيئًا لم يكن؟
فنزل جبريل في هذه الحالة وتغشّى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالوحي، تغشّى الوحيُ النبيَّ، وقال لها: لقد أنزل الله فيكِ قرآنًا، وتلا عليها بدايات سورة المجادلة.
كفارة الظهار وتدرجها من عتق رقبة إلى صيام إلى إطعام ستين مسكينًا
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبي واجعلي ابن عمك يحرر رقبة، يعتق رقبة. قالت: والله ليس عنده رقبة.
قال: إذن فليصم شهرين متتابعين. قالت: لا يستطيع هذا، إنه رجل كبير.
قال: إذن فليخرج إطعام ستين مسكينًا. قالت: ليس عندنا مال نخرج به.
قال: سنعطيه عَرَقًا -والعَرَق هذا يعني يكفي ثلاثين [مسكينًا]-. قالت: وسأعطيه من عندي ثلاثين، على سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] ثلاثين وعلى خولة ثلاثين. فقال: أحسنتِ، إذن أخرجيه عن ابن عمك.
جواز إخراج الكفارة من مال الغير ونصيحة النبي بالحفاظ على الأسرة
يجوز هنا للإنسان أن يتوكل ويخرج من ماله ومن تبرعات أخرى الكفارات. أخرجيه عن ابن عمك وارعيه واتقي الله فيه، اصبري عليه ووسِّعي صدرك، اخدميه، انظري ممّ يغضب ولا تفعلي ذلك.
وكان دائمًا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحافظ على الأسرة، وكان دائمًا ينصح هذه النصائح مرة للرجال ومرة للنساء. فمن أخذ كلامه للرجال فقط إذن ضاع الرجال، ومن أخذ كلامه للنساء فقط إذن ضاع النساء.
بهذا الشكل يعني النساء يأمرهن بالصبر وبالتحمل وبطاعة الزوج وما إلى ذلك، ولكن يأمر الرجل أيضًا بحسن الخُلُق وبالعطاء وبعدم البخل وبرعاية وبالعناية وبحسن العشرة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع هذا التوازن بين الزوج والزوجة.
لقاء خولة بعمر بن الخطاب في الحج ووقوفه لها إجلالًا لمكانتها
خولة رضي الله تعالى عنها كبرت في السن والتقت مرة بعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الحج، وعمر حينئذٍ أمير المؤمنين. يعني نحن نتحدث الآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعد هذه الحادثة بأكثر من عشر سنوات، وكانت قد كبرت في السن.
فأوقفته في الطريق هكذا، إذ خولة كاشفة لوجهها ولم تكن تغطي وجهها لأن عمر عرفها. فأصغى إليها سيدنا عمر -وكان طويلًا- فأصغى إليها برأسه، أي نزل رأسه هكذا ليسمع ما تقوله، ووقف معها مدة.
إعجاب عمر بخولة وتعظيمه لمن سمع الله كلامها من فوق سبع سماوات
عندما كان عمر يسير في الحج والناس خلفه -وأمير المؤمنين هذه مكانة عظيمة عند العرب- فقد أوقفت الناس [خولة بنت ثعلبة].
وبعد أن انتهت خولة من حديثها مع عمر رضي الله تعالى عنه، قال أحدهم: يا عمر، من هذه العجوز التي حبست الناس؟
فقال: سبحان الله! ألا تعرف من هي؟ إنها خولة بنت ثعلبة التي سمع الله كلامها وجدالها من فوق سبعة أرقُع [سماوات]، أفلا أستمع لها؟
نصيحة خولة لعمر بتقوى الله وتذكيره بأصله ودلالة لغوية في اسم عمر
فماذا كانت تقول [خولة] بنت ثعلبة لعمر؟ كانت تقول له: يا عمر، اتقِ الله، يعني تقدم له نصيحة. يا عمر، اتقِ الله، فقد كنت تُدعى في عكاظ بعُمَيْر، ثم صرت عمر، ثم صرت بعد ذلك أمير المؤمنين، فلا تنسَ أنك كان اسمك عُمَيْر وأنت صغير.
ومن هنا ذهب اللغويون إلى أن "عُمر" ممنوع من الصرف، وأنها ليست جمع عُمرة؛ لأنها عندما صُغِّرت قالت عُمَيْر ولم تقل عُمَيْرة.
خاتمة الحلقة وأثر قصص الصحابة في إفراح القلب وتعليم العقل
قصص الصحابة ونوادرهم ومواقفهم فيها ما يُفرح القلب، وفيها ما يُعلِّم العقل التفكير المستقيم.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
