#نوادر_الصحابة | الحلقة الثامنة عشر | الصحابي " الطفيل بن عمرو "
- •الطفيل بن عمرو الدوسي كان شاعراً عاقلاً حكيماً لبيباً، وكانت له تجارة مع أهل مكة الذين حذروه من الاستماع للنبي محمد.
- •وضع الطفيل القطن في أذنيه خوفاً من سماع كلام محمد، لكن الله أسمعه القرآن عندما كان النبي يصلي.
- •أعجب الطفيل بالكلام فتبع النبي إلى بيته واستمع لشرحه عن الإسلام والقرآن، فأسلم على يديه.
- •عاد الطفيل إلى قبيلته دوس ودعا أهله للإسلام، فأسلم والده وزوجته وابنه عمرو.
- •أبطأت دوس في الإسلام، فطلب من النبي أن يدعو عليهم، لكن النبي دعا لهم بالهداية.
- •شارك الطفيل في الجهاد ضد مسيلمة الكذاب، وكان معه ابنه عمرو الذي قُطعت يده في اليمامة.
- •رأى الطفيل رؤيا قبل ذهابه لليمامة فسرها بأنه سينال الشهادة وأن ابنه سيحاول نيلها فلا ينالها.
- •استشهد الطفيل في اليمامة كما تنبأت رؤياه، بينما نجا ابنه عمرو بعد إصابته.
مقدمة الحلقة والتعريف بالطفيل بن عمرو الدوسي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من نوادر الصحابة الكرام.
اليوم مع رجل فريد، عاش حميدًا ومات شهيدًا، إنه الطفيل بن عمرو الدوسي. ودوس هي قبيلة من قبائل العرب، وكان الطفيل رضي الله تعالى عنه شاعرًا عاقلًا حكيمًا لبيبًا، وكانت له تجارة مع أهل مكة.
موقف أهل مكة من دعوة النبي وتحذيرهم التجار من سماعه
وكان أهل مكة يكرهون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية الدعوة، ويحبونه كإنسان وكشخص، ويضعون عنده الأمانات لِما عرفوا فيه من الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق. لكنهم كانوا يحذرون الناس خوفًا من أن [ينتشر] الدين فيذهب ملكهم وتذهب رفادتهم وتذهب كهانتهم، إلى آخر تلك المصالح الدنيوية الرخيصة من مال أو جاه أو نحو ذلك.
فكانوا إذا جاء التاجر إلى مكة ودخل، فإنهم يذهبون إليه وينهونه أن يستمع إلى محمد؛ لأن محمدًا إذا تكلم معه فسوف يقنعه، وهو قد فرّق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وابنه، وبين الرجل وزوجته؛ لأن الزوجة تُسلم [ويبقى الزوج على الكفر]. فهذا الرجل، المهم أنه كان الإسلام يفرق هذه المستقرات، والحالة حينئذ هناك شرك وهناك إسلام.
الطفيل يضع القطن في أذنيه ثم يسمع القرآن رغم ذلك
الطفيل استمع لأهل مكة، قال: فوضعت الكُرسُف في أذني فَرَقًا من أن أسمع محمدًا. وضع في أذنيه القطن الذي هو القطن أو شيء شبيه بالقطن، وضعه في أذنه كي لا يسمع.
ثم أتيت المسجد، فإذا بمحمد قائم يصلي، فجلست بجواره، فأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يُسمعني من كلامه، بالرغم من القطن والحشو الذي وضع في أذنه، إلا أنه عندما جلس على مقربة من قيام النبي في الصلاة، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن.
إعجاب الطفيل بالقرآن ولومه نفسه على وضع القطن في أذنيه
قال: كلامًا طيبًا. يعني عندما تسمع:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]
عندما تسمع:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 3-5]
فهذا كلام جميل. فسمع، فقلت: واثُكلاك! أي ثكلتك أمك وما شابه، يعني مثلما نقول للشخص هكذا في اللهجة العامية "نخرب بيتك"، شيء مثل ذلك، تعبير معناه الاستنكار.
واثق؟ لا أمي! يعني ربنا يأخذني؟ أنا شاعر لبيب حكيم، أفرق بين الكلام الطيب والكلام الخطأ. فما هذا القطن الذي وضعته في أذني؟ وما هذه الطريقة التي استدرجوني إليها؟
الطفيل يتبع النبي إلى بيته ويسلم على يديه
قال: فتتبعت النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج من البيت الحرام حتى وصل إلى بيته، فدخلت عليه، استأذنت الدخول عليه وقلت: ماذا كنت تقول في صلاتك عند البيت؟
فأجلسني وشرح لي الإسلام وأسمعني القرآن، فوجدته كلامًا طيبًا. فأسلمت على يديه، وقلت له: ادعُ الله سبحانه وتعالى أن أدعو دوسًا [قبيلته] حتى تدخل الإسلام.
إسلام أبي الطفيل وزوجته وابنه عمرو بعد عودته إلى قبيلته
وذهب الطفيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه إلى بلده أو إلى قبيلته دوس. فلما دخل عليه أبوه وهو شيخ كبير، قال: إليك عني، يعني: لو سمحت لا تكلمني، فقد فرّق بيني وبينك الإسلام. قال له: ما الأمر؟ ما الحكاية؟ قال له: أنا أصبحت مسلمًا. قال له أبوه: ديني دينك، أنا أتبعك.
لماذا أسلم بهذه السهولة؟ فلم يكن عندهم دين [حقيقي]، كان عندهم وثنية، بعض الناس يقود هذه الوثنية من أجل مصالحه، ولكن الوثنية ليس لها معنى، فهو كأنه خالٍ [من الاعتقاد] ولا يريد أن يعاديه ابنه، فأسلم بمنتهى البساطة. فأسلم الرجل.
فلما جاءت زوجته، زوجة الطفيل بن عمرو، فقال لها: إليكِ عني، فقد فرّق بيننا الإسلام. قالت: وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
له ابن اسمه عمرو، يعني سماه عمرو بن طفيل بن عمرو الدوسي، فأسلم عمرو، وأسلم بعد ذلك بمدة أهل [قبيلة] طفيل، بل دوس كلها.
دعاء النبي لدوس بالهداية بعد إبطائها في الإسلام
المهم، الحاصل أن الطفيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه أبطأت عليه دوس في الإسلام، يعني أبوه وزوجته وابنه فقط [أسلموا]، وبدأ ماذا؟ لا أحد يرضى أن يدخل [الإسلام] ثانيًا.
عندما كان في مكة قال: يا رسول الله، إن دوسًا قد أبطأت عليّ، فادعُ الله عليهم أن يُهلكهم. فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، فقال بعض أصحابه: هلكت دوس! النبي يدعو عليها، وعندما يدعو عليها يعني ذلك أنها هلكت وضاعت.
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: «اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم».
تحديد زمن دعاء النبي لدوس وعلاقته بإسلام أبي هريرة
هذه الحادثة حدثت في مكة، وقد يكون، وهل تكون حدثت في المدينة مثلًا؟ قد يكون. فإذا كانت قد حدثت في المدينة، فبعد عودتهم من خيبر؛ لأن الطفيل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يعني قال: فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم كانت بدر، فأُحُد، فالخندق.
ولما جئنا بدوس كانت الأيام في خيبر. كما أن الذي يروي هذا الدعاء أبو هريرة، وأبو هريرة أسلم يوم خيبر [في السنة السابعة للهجرة].
جهاد الطفيل بن عمرو واستشهاده في معركة اليمامة
الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله تعالى عنه وأرضاه عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب في جهادهم ضد مسيلمة [الكذاب] الذي أراد تفتيت الدين وضياع الأمة، وشارك في قتاله.
والذي قتل مسيلمة هو وَحشيّ بن صخر الحبشي، هذا هو الذي قتل بنفس الرمح الذي قتل به سيدنا حمزة في أُحُد، قتل به مسيلمة. فقالوا: برمحٍ قاتلِ سيدِ الناس وقاتلِ أشرّ [الناس]، وهو مسيلمة. سيد الناس هو حمزة [رضي الله عنه].
الطفيل مات في اليمامة [شهيدًا].
قصة عمرو بن الطفيل وقطع يده في اليمامة وموقف عمر بن الخطاب
وكان معه [مع الطفيل] في الجهاد عمرو بن الطفيل، وعمرو هذا قُطعت يده في اليمامة أيضًا في الجهاد.
ومرةً كان عند عمر بن الخطاب [رضي الله عنه]، فوجدهم قد وضعوا الطعام، فتنحّى جانبًا ولم يرضَ أن يشارك في الأكل؛ لأن يده مقطوعة. فقال عمر: علامَ تنحّيت؟ أمِن أجل مكان يدك؟ لأن يدك مقطوعة؟ والله لتأكلنَّ، وافعل ما تريد بيدك، اضرب بيدك كما تريد.
فوالله ليس منا أحد بعضه في الجنة إلا أنت؛ يده حينما قُطعت يده هذه ذهبت إلى الجنة. أليس الله أكرم يوم القيامة من أن يُدخل اليد الجنة ويُدخل الإنسان النار؟ سيجمعهم مع بعضهم ويُدخلهم الجنة.
فضل من فقد عضواً في سبيل الله وأنه من أهل الجنة
إذا أردت أن تنظر إلى واحد من أهل الجنة يسير على الأرض، فانظُر مَنْ فَقَدَ عُضْوًا من أعضائه في الجهاد في سبيل الله، في الحرب التي كنّا نخوضها سنة سبعة وستين أو سنة ثلاث وسبعين.
هذا الرجل، هذا البطل الذي فقد شيئًا من جسده، هو من أهل الجنة؛ لأن هذا الجزء قد سبقه وسبقنا إلى الجنة، فعاش هو وذهب جزؤه إلى الجنة.
رؤيا الطفيل بن عمرو قبل اليمامة وتأويلها بنيل الشهادة
الرحمن سبحانه وتعالى، رأى الطفيل رؤيا قبل أن يذهب إلى اليمامة، رؤيا أوّلها بأنه سوف ينال الشهادة. وذلك أنه رأى في المنام أن رأسه قد حُلق بالموس، وأن طائرًا قد خرج من فمه، وأن هذا الطائر قد دخل في امرأة، وأن ابنه حاول أن يحلق رأسه فلم يستطع.
فأوّلها بأنه سينال الشهادة، وهذا معنى حلق الرأس، وأن روحه سوف تخرج من جسده، وأنه سوف يُدفن في الأرض. هذه الروح عندما خرجت، قام هذا الطائر ودخل في امرأة، المرأة التي هي الأرض [أي سيُدفن فيها].
وأن ابنه سيحاول الشهادة فلا ينالها. وفعلًا حدث كل هذا: الطفيل استُشهد، وعمرو بن الطفيل قُطعت يده في سبيل الله سبحانه وتعالى.
خاتمة الحلقة والتوديع
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله. اشتركوا في [القناة].
