#نوادر_الصحابة | الحلقة الخامسة | الصحابي " أبو بكر الصديق "
- •أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان خفيض الصوت، مما يدل على نفس هادئة تتحلى بالحلم والأناة.
- •نزلت السكينة على قلبه فتفجرت منه الرحمة التي ولدت الحب، فكان يحب المؤمنين ورسول الله والناس أجمعين.
- •اشترى بلالاً الحبشي من سيده وأعتقه لوجه الله، مما أنشأ علاقة خاصة بينهما.
- •طلب المسامحة من بلال وصهيب وعمار حين خشي أن يكون قد أغضبهم عندما انتقدهم لقولهم عن أبي سفيان بعد الفتح.
- •حذره الرسول صلى الله عليه وسلم من إغضابهم، فقال: "إنهم إذا غضبوا غضب الله".
- •كان شديد الحرص على حماية النبي أثناء الهجرة، يتقدمه تارة ويتأخر تارة حسب مصدر الخطر المحتمل.
- •تميز بالكرم الشديد حتى ضرب ابنه لتأخره في تقديم الطعام للضيوف.
- •تسلسل فضائله: الأناة والحلم تجعلان الإنسان مهيئاً لنزول السكينة، فتنفجر الرحمة التي تولد الحب، ومن الحب تتولد الحكمة.
مقدمة الحلقة والتعريف بسلسلة رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مع صحابي جليل في نوادره ومواقفه، في نفسيته، في رجال كانوا حول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، نأخذ منهم العبر والدروس والعظات، ونحاول أن نسعد بها في حياتنا الدنيا وأن نتجاوز بها الأشخاص وكدر الدنيا وهمها وغمها وما حولنا من تتابع للأحداث.
التعريف بأبي بكر الصديق ومكانته العلمية وما أُلِّف فيه من كتب
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا كثيرين، ومنهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأبو بكر الصديق أموره كثيرة جدًا، حتى أنه قد أُلِّفت فيه كتب ووُضعت له المناهج، وبُحِث في حاله وفي عبقريته وفيما صار به مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
صفة الحلم والأناة عند أبي بكر وأثر السكينة في تنزل الرحمة على القلب
كان أبو بكر خفيض الصوت، والصوت الخفيض يدل على نفس هادئة وعلى نفس فيها حلم وأناة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأشجّ عبد القيس:
«فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة»
ومن المعروف أن الأناة تجعل الإنسان هادئ القلب، وحينئذ تتنزل السكينة على قلب الإنسان. وإذا تنزلت السكينة على قلب الإنسان تفجرت الرحمة من قلبه.
أبو بكر الصديق في الغار ونزول السكينة عليه وتفجر الرحمة والحب من قلبه
وهكذا كان أبو بكر ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه [رسول الله ﷺ] لا تحزن إن الله معنا:
﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40]
أبو بكر تنزلت عليه السكينة وانفجرت الرحمة من قلبه. والرحمة تُولِّد الحب، فكان يحب المؤمنين، كان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحب أبناءه، كان يحب أهله، كان يحب الناس أجمعين، ولذلك رأينا الناس وهم يحبونه.
قصة شراء أبي بكر لبلال بن رباح وعتقه لوجه الله تعالى
أبو بكر الصديق رأى بلالًا الحبشي وقد دخل الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وهو ما زال تحت الرق وسيده يعذبه وهو يصرخ بقول: أحدٌ أحدٌ أحد. ويمر أبو بكر عليه وهو في هذه الحالة، فيشتريه من سيده ويعتقه لوجه الله تعالى.
وتصبح هذه الطرفة النادرة تستوجب علاقة خاصة بين أبي بكر وبين بلال. بلال له شخصية مستقلة تمامًا، بلال آمن بالله ولم يكن عربيًا قُحًا، لكنه كان مؤمنًا حقًا، حتى اختاره النبي صلى الله عليه وسلم من المؤذنين، فكان بلال يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، ولما فُتحت مكة عيّن له مؤذنًا آخر فيها وهو أبو محذورة المكي.
أبو بكر يطلب المسامحة من بلال وقصة تأديب النبي لأبي ذر بسبب تعييره لبلال
سيدنا أبو بكر بالرغم من علاقته مع بلال إلا أنه كان يطلب منه الدعاء ويطلب منه المسامحة. وكان بلال عزيزًا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فمرة قال له أبو ذر -وهو من قبيلة كبيرة ضخمة وهي قبيلة غفار، فكان يُسمى بأبي ذر الغفاري- قال [لبلال]: يا ابن السوداء في احتداد ومشاجرة بينه وبين سيدنا [بلال]. فوبَّخه رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبر هذا خروجًا عن حد الأدب واعتبر هذا مصيبة كبيرة حتى قال:
«يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية»
فذهب أبو ذر إلى بلال ليسترضيه، ووضع خده على الأرض وهو يقول: طأ وجه ابن البيضاء، ولكن لم يفعل ذلك بلال، بل إنه سامحه.
موقف بلال وعمار وصهيب من أبي سفيان يوم الفتح واعتذار أبي بكر لهم
كان لبلال شخصية قوية، ولذلك في يوم الفتح [فتح مكة] مرّ أبو بكر الصديق على بلال بن رباح الحبشي وعلى عمار بن ياسر وعلى سلمان أو صهيب الرومي، وكلهم كانوا تحت الأسر وكانوا عبيدًا ثم حررهم الله سبحانه وتعالى وأصبحوا أحرارًا.
أبو بكر يستمع وهم يرون أبا سفيان الذي كثيرًا ما حاربهم وعذبهم، فلما سار أمامهم قالوا: إن سيف الله لم يأخذ من عدو الله مأخذه، يعني ما زلنا سنذبحكم إن شاء الله.
فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش؟ فهو رئيس دولة قريش، رئيس مكة، لماذا تقولون هذا الكلام؟
تحذير النبي لأبي بكر من إغضاب بلال وأصحابه وذهابه للاعتذار لهم
وذهب [أبو بكر] يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: يا رسول الله، إن بلالًا وعمارًا وصهيبًا قد قالوا كذا لأبي سفيان وقلت كذا. قال [النبي ﷺ]:
«لعلك أغضبتهم يا أبا بكر، احذر أن تكون أغضبتهم وإلا ستكون مسألة محرجة للغاية، فإنهم إذا غضبوا غضب الله»
فذهب أبو بكر -ثاني اثنين إذ هما في الغار- ذهب أبو بكر الذي تنزلت عليه السكينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب أبو بكر وهو سيد قومه يعتذر لهم ويقول: يا إخوتي، هل غضبتم مني؟ بالله عليكم لا تغضبوا مني.
أبو بكر الصديق الذي اشترى بلالًا يعتذر لبلال ويخاف أن يُغضبه.
حماية أبي بكر لرسول الله في طريق الهجرة وشدة حبه له
أبو بكر الصديق كان في الطريق في الهجرة يتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفًا من أن يأتي مكروه لرسول الله من قِبَل وجهه، فإذا ذُكر أنه يمكن أن يأتي المكروه من الخلف ذهب إلى خلفه، فإذا قال [أحدهم] لعله من اليمين فيذهب إلى يمينه، [أو] إلى يساره.
وكأنه خوف أمٍّ على ابنها، هكذا حب الصديق الأعظم أبي بكر رضي الله تعالى عنه مع حال رسول الله [صلى الله عليه وسلم].
تسلسل صفات أبي بكر من السكينة إلى الرحمة إلى الحب إلى الحكمة
كان [أبو بكر] أول الناس إسلامًا، وكان أعقل الناس، وكان أهدى الناس، حتى تولدت في قلبه السكينة فتولدت الرحمة، فتولد الحب من الرحمة، فتولدت الحكمة من الحب.
احفظوا هذه المعاني لأنها بهذا الترتيب نحتاج إليها في عصرنا الحاضر: الأناة والحلم تجعل الإنسان مهيئًا لنزول السكينة التي تنفجر منها الرحمة، وبسم الله الرحمن الرحيم هي أصل الحب، فيتولد من تلك الرحمة الحب، ويتولد من هذا الحب الحكمة:
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]
نحتاج في هذا العصر إلى الصفات التي كانت عند أبي بكر وورثها أبناؤه.
كرم أبي بكر الصديق وقصة ضرب ابنه بسبب تأخير الطعام عن الضيوف
كان [أبو بكر] كريمًا، ومرةً جاءه ابنٌ له، فلما جاء هذا الابن قال له: إن ضيوفًا جاؤوا -وكانت زوجة أبي بكر أم رومان- قال: أدخلتموهم؟ قال: نعم. قال: وهل قدمتم لهم الطعام؟ قال: لا.
فضربه ضربةً في كتفه. لماذا [لم تقدموا الطعام]؟ قال: انتظرناك، يعني ننتظرك لكي عندما نقدم الطعام تكون معنا نأكل جميعًا. لكنه ضرب ابنه لأنه تأخر في تقديم الطعام حتى ولو لم يصل أبو بكر إلى البيت بعد.
وعندما ذهب [أبو بكر إلى البيت]، قدم لهم الطعام واستقبلهم استقبالًا جميلًا بكرم.
طريقة تعامل الصحابة مع الضيوف والأسرة وانفتاح قلوبهم وعقولهم
دخل الضيوف في غياب أبي بكر لأنهم كانوا جماعة يتعاملون مع المرأة ويتعاملون مع الأسرة بطريقة مختلفة عما نتعامل بها الآن. كانوا يتمتعون بسعة وعلى قلوب مفتوحة وعقول منفتحة، يعملون بما هو مهم ويتركون صغائر الأمور.
كانوا منشغلين عن هذه الحال التي أدخلنا أنفسنا فيها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
خاتمة الحلقة والدعاء بالانتفاع بنوادر ومواقف أبي بكر الصديق
أبو بكر الصديق مع شهرته كانت له نوادر وكانت له مواقف نرجو الله أن ينفعنا بها إلى يوم الدين.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
