#نوادر_الصحابة | الحلقة السابعة عشر | الصحابي "  حارثة بن سراقة " - شخصيات إسلامية, نوادر الصحابة

#نوادر_الصحابة | الحلقة السابعة عشر | الصحابي " حارثة بن سراقة "

13 دقيقة
  • حارثة بن صراقة الصحابي الجليل من الشهداء في غزوة بدر، كان بطلاً مغواراً وأول من ركب الفرس فيها.
  • كان يحرس البئر فأصابه سهم في نحره فاستشهد، وهو ثاني شهيد في المعركة بعد مهجع مولى عمر بن الخطاب.
  • سألت أمه أم الربيع النبي صلى الله عليه وسلم عن مصيره، فبشرها بأنه في الفردوس الأعلى، ففرحت وقالت: "بخٍ بخٍ يا حارثة".
  • حين سأله النبي كيف أصبح، قال: "أصبحت مؤمناً حقاً"، فطلب منه توضيح حقيقة قوله.
  • أجابه حارثة أنه عزف عن الدنيا، وأصبح يصوم النهار ويقوم الليل، وانكشفت له حقائق الآخرة.
  • قال له النبي: "عرفت فالزم"، ووصفه بأنه عبد نوَّر الله قلبه بالإيمان.
  • هذا النور يكشف الحقائق ويطمئن القلب ويزيل الهم، ويدفع القلب للتعلق بالله سبحانه.
  • بهذا النور نتخطى المشكلات وينير الله الطريق ويجعل أفعالنا لخدمة الناس وعمارة الدنيا وتزكية النفس.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بنوادر الصحابة الكرام وعلو الهمة

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومَن والاهُ. السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.

معَ نوادرِ الصحابةِ الكرامِ نعيشُ هذهِ اللحظاتِ، عسى أن نتعلمَ منها شيئًا منْ عُلُوِّ الهِمَّةِ، شيئًا منَ الصدقِ معَ اللهِ ومعَ رسولهِ ومعَ النفسِ، شيئًا منْ تَعَلُّقِ القلبِ باللهِ؛ فإن من تعلق قلبه بالله كفاه.

ودائمًا نقول: حسبنا الله، كفايتنا الله، ونعم الوكيل، يعني أننا نستعين بالله كما أننا نعبد الله:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

التعريف بحارثة بن سراقة ونسبه وصلته بأنس بن مالك

اليوم مع حارثة بن سراقة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. أمه تُسمى أم الربيع بنت البراء، أم حارثة، وكانت شديدة الحب له.

وأم الربيع هي عمة أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحارثة بن سراقة إذن يكون ابن عمة أنس، لكنه كان أسنّ من أنس، أكبر من أنس رضي الله تعالى عنه.

بطولة حارثة بن سراقة في غزوة بدر واستشهاده عند حراسة البئر

كان [حارثة بن سراقة] بطلًا مغوارًا، وأول من ركب الفرس في بدر، وشهد بدرًا ومات شهيدًا في بدر. لأنه متدرب على الخيل تدربًا جيدًا، جعلوه على حماية الحوض فيه ماء بئر فيه ماء.

وكانت المشورة أن يجعلوا البئر وراءهم حتى يحرموا المشركين من الوصول إلى الماء فتكون هناك أزمة [للمشركين]. فكان حارثة بن سراقة رضي الله تعالى عنه قد عُيِّن على حراسة هذا البئر.

وكان يشرب من هذا البئر، فنظره شخص من بعيد فأصابه بسهم فدخل في نحره فمات شهيدًا. وهو ثاني قتيل أو شهيد في بدر من المسلمين؛ الأول كان اسمه مُهجع مولى عمر بن الخطاب، عبد لعمر بن الخطاب، هذا أول قتيل، والثاني قتيل حارثة بن سُراقة رضي الله تعالى عنه.

سؤال أم الربيع للنبي عن مصير ابنها حارثة في الجنة أم النار

كانت أم الربيع أمه تقول:

يا رسول الله، طمئنني، أخبرني، حارثة في الجنة فأتسلى عن حزني وفراقه؟ أم أنه في النار فأبكيه؟

ما هذا يا أم الربيع! ألا تعرفين أن الشهداء في الجنة؟ إنهم كانوا لا يتألون على الله [أي لا يحلفون على الله بشيء]، وهم يريدون أن يقدموا لله أحسن ما عندهم، يحبون الله، لا يعبدون الله من أجل ثواب ومن أجل البعد عن العقاب خوفًا ورهبةً أو طمعًا ورغبةً، ولكنهم يعبدون الله لأنهم يحبونه ويريدون أن يرضى عنهم، أدخلهم الجنة أو أدخلهم النار، هذه قضية ثانية.

بشارة النبي لأم الربيع بأن حارثة في الفردوس الأعلى

أهو في الجنة فأتسلى، أو هو في النار فأبكيه ما تبقى من حياتي؟ فقال [رسول الله ﷺ]:

يا أم الربيع، هي ليست بجنة واحدة بل جنان! جنة واحدة؟ هذه جنات بعضها فوق بعض: جنة المأوى وجنة عدن وجنة كذا، وأن حارثة منها في الفردوس الأعلى.

الفردوس الأعلى هذا هو جنة سيدنا رسول الله، يعني حارثة سيكون من جيران سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة؛ لأنه في مكانة رفيعة، فردوس الفردوس الأعلى.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل لنفسه الفردوس الأعلى، ونحن نقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت سيدنا محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، وأدخله الفردوس. ما الذي وعده ربنا؟ الفردوس الأعلى.

فرح أم الربيع بمكانة ابنها حارثة في الفردوس الأعلى

حارثة لأنه كان صادقًا مع نفسه يكون في الفردوس الأعلى. فتضحك أم الربيع بالرغم من حزنها على ابنها، لكنها لما عرفت مكانته في الجنة فرحت له، وهكذا شأن الأمة.

فضحكت وقالت: بخٍ بخٍ يا حارثة! والله نلتها يا حارثة، نلت هذا الفضل الكبير.

لقاء النبي بحارثة وسؤاله عن حقيقة إيمانه

مرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمشي في المدينة وجد حارثة قادمًا هكذا، قال له:

يا حارثة، كيف أصبحت؟

فقال: أصبحت مؤمنًا حقًّا.

فقال [رسول الله ﷺ]: يا حارثة، انظر ماذا تقول، إن لكل قول حقيقة. أنت وصلت إلى أن تكون مؤمنًا حقًّا وأنت متأكد هكذا، فما حقيقة قولك؟

حارثة يصف حقيقة إيمانه بالعزوف عن الدنيا والعبادة المتواصلة

فقال: يا رسول الله، عزفت عن الدنيا، لم أعد أحبها، وكأن الدنيا أصبحت في يديه لا في قلبه. عزفتُ عن الدنيا فأظمأتُ نهاري [أي صام بالنهار]، صام بالنهار وأقمت ليلي، وفي رواية: أسهدت ليلي، يعني قام بالليل يصلي.

خلاص، قلبه تعلق بالله فما له دعوة بالدنيا، فراح صائمًا النهار وقائمًا الليل، حتى رأيت أهل الجنة في الجنة وأهل النار يتعاونون في النار. سمع حديث أهل الجنة كانوا يتكلمون من اليقين، وسمع البكاء والعويل الذي لأهل النار، ورأيت عرش ربي بارزًا.

إذن، عبادة متتالية مخلصة شفافة دائمة.

قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]

ولو كره المشركون. ففي النهاية رأى العرش بارزًا ورأى الجنة وسمع أهلها ورأى النار وسمع أهلها.

قول النبي لحارثة عرفت فالزم ومعناها في حياة المسلم

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة التي انتشرت بعد ذلك: عرفت، فالزم.

وهذه الكلمة صارت كأنها مثل؛ إذا حدّثك أحدهم بحقيقة ما في موقف ما فتقول له: ها قد عرفت الحقيقة فتمسك بها واحذر أن تتركها. يقول لك: لم أكن أفهم ذلك، إنني كذا وكذا، قم وقل له: عرفت، فالزم، الزم ما عرفته من الحق.

ثناء النبي على حارثة بأنه عبد نوّر الله قلبه بالإيمان

عبدٌ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم على حارثة بعدما قال له: عرفت، فالزم: عبدٌ نوّر الله قلبه بالإيمان.

إذن، فهناك نور كان في قلب حارثة، ونحن نتمنى ونطمع ونرجو من الله هذا النور. هذا النور الذي يكشف لنا وتنكشف به الحقائق، هذا النور الذي يطمئن القلب:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

هذا النور الذي يزيل الغم والهم، هذا النور الذي يدفع القلب إلى التعلق بالنور جل جلاله، النور الأصلي أو النور الأعظم أو النور التام، وهو الله سبحانه وتعالى؛ فمن أسمائه النور.

الدعاء بنور الإيمان في القلوب وخاتمة الحلقة

إذا هذا النور الذي يقذفه الله سبحانه وتعالى في القلب هو النور الذي كان في قلب حارثة. دعاؤنا أن ينزل الله سبحانه وتعالى هذا النور في قلوبنا.

كرامة لسيدنا حارثة بن سراقة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، نتخطى بهذا النور أزماتنا ومشكلاتنا، وينير الله لنا الطريق ويسدد خطانا، ويجعل كل فعل نفعله إنما يكون من أجل خدمة الناس وعمارة الدنيا وتزكية النفس من خلال عبادة الله.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.