#نوادر_الصحابة | الحلقة السابعة | الصحابي " محمد بن مسلمة " - شخصيات إسلامية, نوادر الصحابة

#نوادر_الصحابة | الحلقة السابعة | الصحابي " محمد بن مسلمة "

15 دقيقة
  • محمد بن مسلمة الأنصاري ولد قبل بعثة النبي باثنين وعشرين عاماً، وكان عمره ستة وثلاثين سنة عند الهجرة.
  • كان أحد أربعة سماهم آباؤهم محمداً تيمناً بالنبي المنتظر، وقد أسلموا جميعاً.
  • اتصف بأنه جسيم الخلقة، شديد السواد، أصلع، وكان من أحباء الرسول الذي أهداه سيفاً وأمره أن يقاتل به المشركين إذا قاتلوه.
  • شهد المشاهد كلها مع رسول الله، وعينه النبي والياً على المدينة في بعض الغزوات.
  • اعتزل الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان، واتخذ سيفاً من خشب امتثالاً لأمر النبي بعدم قتال المسلمين.
  • عينه عمر بن الخطاب رئيساً للمفتشين (هيئة الرقابة الإدارية)، حيث كان يراقب الولاة ويرفع تقاريره إلى الخليفة.
  • اشتهر بالعدل والحزم، وقد راقب الولاة مثل سعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص، بل وراقب عمر نفسه.
  • عاتب عمر على تفضيله المهاجرين بالعطاء على الأنصار، مما جعل عمر يبكي ويتوب من هذا التمييز.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بالصحابي محمد بن مسلمة الأنصاري

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع صحابي جليل آخر نعيش هذه اللحظات، نأخذ منها المعاني ونأخذ منها المواقف، ونأخذ منها زادًا نستطيع به أن نسعد في حياتنا وأن نبني حضارة واسعة كما بنوا.

مع محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

مولد محمد بن مسلمة وعمره عند الهجرة ووفاة النبي

محمد بن مسلمة وُلد قبل بعثة النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم باثنين وعشرين عامًا. وعلى ذلك وقد أمضى النبي أربع عشرة سنة في مكة، فإنه عند الهجرة كان عنده ستة وثلاثين سنة.

وعند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى كان عمره ستة وأربعين سنة.

محمد بن مسلمة أحد أربعة سُمّوا محمدًا انتظارًا لبعثة النبي

محمد بن مسلمة كان واحدًا من أربعة سمّاهم آباؤهم بمحمد ابتغاءً أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين العرب. من معاشرة العرب لليهود ولأهل الكتاب، عرفوا أن النبي القادم اسمه محمد، وعرفوا أن جميع العلامات الكونية قد حدثت، وأنهم ينتظرون قدوم هذا النبي من ابنٍ من أولاد إسماعيل، والحمد لله رب العالمين.

هؤلاء الذين أُطلق عليهم أو سمّاهم آباؤهم محمد:

  • أولًا: لم يدَّعِ واحد منهم النبوة، يعني لم يكن هناك نزاع بين النبي وبين شخص آخر اسمه محمد، فكلاهما اسمه محمد وهو الاسم الذي ينتظره الجميع.
  • ثانيًا: أن الجميع قد أسلموا، يعني دخلوا الإسلام وحسُن إسلامهم وبقوا على إسلامهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

صفات محمد بن مسلمة الجسدية وموقف العرب من السواد

محمد بن مسلمة الأنصاري كان رجلًا جسيمًا، أي جسمه ضخم، وكان شديد السواد. ولم يكن السواد عند العرب منقصة، وإنما كان منقصة عند الروم؛ فطوال تاريخهم كان الروم يتحيزون ويتحزبون ضد الأسود. لكن العرب لم يكن عندهم هذا الأمر مستغربًا.

وكان محمد بن مسلمة جسيمًا وكان أصلع وكان أسود، وهذه ليست صفات من وُصف بالنبوة [أي ليست الصفات التي ذُكرت في كتب أهل الكتاب عن النبي المنتظر]، بل كانت صفات من وُصف بالنبوة مع سلمان الفارسي الذي جاء فوجدها كلها عند النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل في الإسلام؛ لأن الصفات الواردة في كتب الأقدمين الذين سمعوا كلام أنبياء بني إسرائيل وجدوا الصفة فيها بالتمام والكمال جسديًا ونفسيًا وسلوكيًا ونسبًا ومكانًا وزمانًا وكونًا وهكذا.

شهود محمد بن مسلمة المشاهد وتعيينه واليًا على المدينة

محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، شهد تقريبًا المشاهد كلها. وفي غزوة من الغزوات عيّنه النبي صلى الله عليه وسلم واليًا على المدينة، أي محافظ العاصمة.

صحيح أنه يبقى في المدينة، لكنه يبقى حاكمًا على المدينة إلى أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه الذين خرجوا في سبيل الله.

إهداء النبي سيفًا لمحمد بن مسلمة ونظرية الدفاع في الإسلام

ولأن محمد بن مسلمة حضر المشاهد كلها، ولأن محمد بن مسلمة من أحباء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بطل مغوار، أهداه سيفًا من نجران وقال: «هذا تقاتل به المشركين إذا قاتلوك».

وانظر إلى نظرية الدفاع في الإسلام: تقاتل به المشركين إذا قاتلوك، كما قال تعالى:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

هذا هو شأن القتال في الإسلام.

وصية النبي بكسر السيف عند فتنة قتال المسلمين بعضهم بعضًا

تقاتل به المشركين، فإن اقتتل المسلمون بعضهم مع بعض فاذهب إلى أُحُد واضرب سيفك فيه واتخذ سيفًا ولو من خشب. إذن فالقتال من علامات الفتنة أن يكون بين المسلمين.

ولذلك محمد بن مسلمة عندما قُتل عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقُتل مظلومًا، وحدث أن اقتتل المسلمون في الفتنة الكبرى، فإنه لم يحضر صفين ولم يحضر الجمل، واعتزل الفتنة. وكان يقول: بذلك أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتخذ سيفًا من خشب.

سيدنا النبي قال له: «تذهب إلى أُحُد وتكسر هذا السيف ولا تقاتل به المسلمين». نزع اليد من الفتنة.

فضائل علي بن أبي طالب ووصية النبي باعتزال الفتنة

فرسول الله قال:

«الحق مع علي أينما دار»

ومعروف أنه قال:

«أنت مني بمنزلة هارون من موسى»

«وأنا مدينة العلم وعليٌّ بابها»

«اللهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه»

لكن بالرغم من ذلك إلا أنه [النبي صلى الله عليه وسلم] أمر الناس باعتزال الفتنة إذا وقعت. والفتنة هي القتل والدم إذا وقعت في قتال المسلمين.

جرم قتال المسلمين وموقف الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة

وهنا يتبين لنا الجرم الشديد الذي يرتكبه بعض الجهلاء عندما يقاتلون المسلمين. كما يقول عبد الله بن عمر - وكان ممن اعتزل الفتنة - واعتزل معه أسامة بن زيد، واعتزل معه سعد بن أبي وقاص، واعتزل معه محمد بن مسلمة، واعتزل معهم سلمة بن الأكوع، من كبار الصحابة الكرام.

كان عبد الله بن عمر يقول: «ذهبوا في آيات أنزلها الله في المشركين فحملوها على المسلمين». الجهل والجهل أساس تحركات الخوارج، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

تعيين عمر بن الخطاب لمحمد بن مسلمة رئيسًا للرقابة الإدارية

محمد بن مسلمة، كما عيّنه رسول الله في فترة من الفترات وفي وقت من الأوقات محافظًا للعاصمة المدينة، فإن عمر بن الخطاب عيّنه رئيسًا للمفتشين، أي رئيسًا لهيئة الرقابة الإدارية.

فكانت إذا أتت شكوى لعمر رضي الله تعالى عنه من أي عامل من العمال، أي حاكم من الحكام، أرسل له محمد بن مسلمة حتى يأتيه بحقيقة الأمر؛ إذ إن محمد بن مسلمة رجل وكأنه مفتش مراقب رقيب، وكأنه أيضًا قاضٍ يقضي بالعدل ويتثبت ويبحث، فيأتي عمر ويذكر له الحقيقة على ما هي عليه، وحينئذ يصدق عمر.

إذن محمد بن مسلمة كان أحد رجال الدولة عند عمر، وكان أيضًا مصدقًا عنده وكان عادلًا.

إرسال محمد بن مسلمة للتفتيش على سعد بن أبي وقاص وحرق بابه

ولذلك عندما حدثت شكوى من سعد بن أبي وقاص - وهو من هو سعد بن أبي وقاص - أرسل إليه محمد بن مسلمة للرقابة والتفتيش.

وقال له [عمر]: اذهب، وبعد ذلك، هذا سعد بن أبي وقاص يتولى الرئاسة هناك في مكانه، فسيقول له: أنا عندي حصانة أو شيء من هذا القبيل. قال له: اذهب وقبل أن تتكلم معه احرق بابه.

فجاء عند الباب وحرقه. الرقابة الإدارية تحرق باب الحاكم حتى يعلم أنه تحت المحاسبة، وأنه ليس هناك أحد أكبر من القانون، ولا أحد فوق المساءلة والمحاسبة.

براءة سعد بن أبي وقاص ومحاسبة عمرو بن العاص بنصف ماله

وحينئذ فإنه بحث عند سعد، والحمد لله ظهر أن سعدًا هو البريء، وأن الشكوى كيدية، ولكن بعد ما بيَّن للجميع أن أحدًا ليس فوق القانون.

بعد ذلك أرسله [عمر] إلى عمرو بن العاص، وثبت أن عمرو قد تجاوز ما قد كُلِّف به، فصادر منه أو حكم عليه بغرامة تُقدَّر بنصف ماله، أي خمسين في المائة من الثروة لصالح بيت المال؛ لأنه خرج عن النظام الأساسي أو اللائحة الأساسية.

رضي الله تعالى عنه، امتثل عمرو ودفع فورًا، لكنَّ المسألة تحتاج إلى محمد بن مسلمة العادل، محمد بن مسلمة الحازم.

محمد بن مسلمة يراقب عمر نفسه ويدخل المسجد صائحًا

بل إنه [محمد بن مسلمة] راقب على عمر نفسه. رئيس الرقابة الإدارية لا يهمه الرئيس، بل إن الرئيس إذا انحرف فيجد محمد بن مسلمة أمامه.

فدخل مرةً إلى المسجد وقال: صدق الله ورسوله، صدق الله ورسوله، الله أكبر الله أكبر بصوت رفيع جدًا. ليس هذا أدب الصحابة في شيء عجيب.

عمر جالس فأرسل إليه: تعال هنا، لماذا تفعل هكذا؟ فقال: دعني أصلي ركعتين أولًا. فأرسل له الرسول مرة ثانية وقال له: لا، لا يوجد شيء اسمه تصلي الركعتين أولًا، تعال وقل لي ماذا الحكاية. فقال له: أصلي الركعتين أولًا، وصلى حتى أن عمر ذهب إليه ولم يذهب هو إلى عمر.

محمد بن مسلمة ينكر على عمر التفرقة بين المهاجرين والأنصار في العطاء

وانتهى من الصلاة فقال له [عمر]: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: مرَّ عليَّ شخص من مكة من المهاجرين فرأيتُ عليه حُلَّةً جميلة جدًا، يعني أنا أفسر وأقول ثمنها ألف درهم. وواحدٌ مكيٌّ آخر من المهاجرين فألقيت عليه واحدة بألف درهم، وواحد من الأنصار ألقيت عليه واحدة بثلاثمائة، يعني ضعيفة قليلًا.

فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التحيز، عن الأثرة، ولذلك قلت ما قلت.

بكاء عمر وتوبته من التفرقة بين المواطنين وخاتمة الحلقة

فبكى عمر، هذا هو الكلام والشاهد، فبكى عمر وتاب إلى الله، وقال: والله لا تراني بعد ذلك أفعل ذلك أبدًا. شيء في قلبه كان عمر ميّالًا للمهاجرين، لكنه تاب إلى الله من التفرقة بين المواطنين.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.